ألا ترى أنّك تقول : «هذا حَبُّ رُمَّان» ، فإذا كان لك قلت : «هذا حَبُّ رُمَّاني» ؟ فأضفت الرُّمَّان إليك ، وليس لك الرُّمَّان إنّما لك الحَبُّ ، ومثل ذلك «هذا ثلاثة أثوابك» .
فكذلك يقع على جحر ضبّ ما يقع على حبّ رمّان ، تقول : «هذا جحر ضبّي» ، وليس لك الضبّ إنّما لك جُحْر ضبّ ، فلم يمنعك ذلك من أن قلت : «جُحر ضبّي» والجُحْر والضبّ بمنزلة اسم مفرد ، فانجرّ «الخرب» على «الضبّ» ، كماأضفت «الجُحْر» إليك مع إضافة «الضبّ» .
ومع هذا أنّهم أتبعوا الجرّ الجرّ كما أتبعوا الكسر الكسر نحو قولهم : «بهم وبدارهم» وما أشبه هذا .
وكلا التّفسيرين تفسير الخليل ، وكان كلّ واحد منهما عنده وجهاً من التفسير .
وقال الخليل ـ رحمه الله ـ : لا يقولون إلاّ «هذان جُحرا ضبّ خربان» ، مِنْ قِبَلِ أنّ «الضبّ» واحد و«الجُحْر جحران» .
وإنّما يغلطون إذا كان الآخِر بعدّة الأوّل ، وكان مذكّراً مثله أو مؤنّثاً .
وقالوا : «هذه جِحَرَةُ ضِباب خربة» ، لأنّ «الضّباب» مؤنّثة ولأنّ «الجِحَرة» مؤنّثة والعدّة واحدة فغلِطُوا[1030].
وهذا قول الخليل ـ رحمه الله ـ ولا نرى هذا والأوّل إلاّ سواءً ، لأنّه إذا قال : «هذا جُحر ضبّ متهدّم» ، ففيه من البيان أنّه ليس بالضبّ مثلُ ما في التثنية من البيان أنّه ليس بالضبّ . وقال العجّاج :
* كأنّ نسج العنكبوت المُرْمَلِ[1031]*
[1030]. الكتاب 1 : 437 -
[1031]. وهو في ديوانه 1 : 243 ، وهو في صفة منهل من المناهل وبعده :
على ذرى قُلاّمه المهدَّل***سبوب كَتّان بأيدي الغُزَّل
والمرمل : المنسوج .
والشّاهد فيه جرّ «المرمل» لمجاورته للعنكبوت والقياس النصب ، لأنّه صفة لـ «غزل» ، وكان الخليل لا يجيز الجرّ على الجوار إلاّ إذا استوى المتجاوران في التعريف والتنكير والتأنيث والتذكير والإفراد والتثنية والجمع . انظر الكتاب 1 : 437 ، الخصائص 3 : 221 ، الإنصاف 2 : 605 -
فالنسج مذكّر والعنكبوت أُنثى[1032].
2 ـ موقف الفرّاء (ت207 هـ)
الفرّاء لم يعتدّ بقراءة الجرّ أصلاً فضلاً عن الجرّ بالجوار ، فلم يتعرّض لذكره في كتاب «معاني القرآن» ، وإنّما ذكر نصب الأرجل وتعرّض لتفسيره وتوجيهه .
وذلك أنّه كان محقِّقاً ولم يدلّه التحقيق على ثبوته في كلام الضعفاء فضلاً عن البلغاء ، فلم يره صالحاً للذكر والكلام حوله نفياً وإثباتاً وردّاً وتأييداً ، ولكن عدم الاعتناء والذكر دليل على رأيه ، وهو إنكار المجاورة أساساً .
ويدلّك على ما قلنا قوله في شرح الآية 30 من سورة الأنبياء ، حيث استدلّ بعض به على الجوار ، (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيء حَيٍّ) : قال : وقوله : «حيّ» خفض ، ولو كانت «حيّاً» كان صواباً ، أي جعلنا كلّ شيء حيّاً من الماء[1033].
وشرح كلامه : أنّ «جعل» إن كان بمعنى خلق فهو يقتضي مفعولاً واحداً فقط ويكون «حيّ» المجرور صفة لـ «شيء» ، وإن كان متعدّياً إلى مفعولين فله وجهان :
الأوّل : أن يكون «من الماء» مفعولاً ثانياً[1034]مقدّماً على الأوّل بحكم كونه جاراً
[1032]. الكتاب 1 : 437 -
[1033]. معاني القرآن 2 : 113 -
[1034]. إعراب القرآن للكرباسي 5 : 184 - وقال العكبري في تبيانه 2 : 158 : والمفعول «كل شيء» ، و «حي» صفه ، و «من» لابتداء الغاية ، ويجوز أن يكون صفةً «لكل» تقدَّمَ عليه فصار حالاً . ويجوز ان تكون «جعل» بمعنى : صَيَّر ; فيكون «من الماء» مفعولاً ثانياً . ويُقرأ «حيّاً» على أن يكون صفة لكل ، أو مفعولاً ثانياً .
ومجروراً وله التوسعة . و «كلّ شيء حيّ» مفعولاً أوّلاً .
وذلك : أنّ «جعل» الذي هو من ملحقات أفعال القلوب إنّما تدخل على المبتدأ والخبر ويجعلهما مفعولين له ، ويصحّ لك على الابتداء والخبر أن تقول : كلّ شيء حيٍّ من الماء .
والثاني : أن يكون قوله : «من الماء» ظرفاً لغواً ، ويكون «حيّاً» منصوباً على المفعوليّة الثانية ، ويكون قوله : «كلّ شيء» مفعولاً أوّلاً ، ويدلّ على ذلك قوله : «ولو كان «حيّاً» كان صواباً» ، أي لو كان حيّاً منصوباً كان مفعولاً ثانياً ، وكانت القراءة صحيحةً ، وهو يدلي برأيه بهذا التفسير ويعرب عن اختياره .
ثمّ إنّ ما شرحنا به كلام الفرّاء مؤيّد بما نصّ عليه الزمخشريّ ، وهو إمام العربيّة عند الجميع ، قال في تفسير الآية المذكورة من «الكشّاف» :
و«جعلنا» لا يخلو أن يتعدّى إلى واحد أو اثنين ، فإن تعدّى إلى واحد فالمعنى : خلقنا من الماء كلّ حيوان ، كقوله تعالى ـ :
(وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّة مِنْ مَاء) ، أو كأنّما خلقناه من الماء لفرط احتياجه إليه وحبّه له وقلّة صبره عنه ، كقوله تعالى ـ : (خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَل) .
وإن تعدّى إلى اثنين فالمعنى : صيّرنا كلّ شيء حيٍّ بسبب من الماء لابدّ له منه ، و «من» هذا نحو «من» في قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ : «ما أنا من دَد ولا الدَد منّي» .
وقرئ «حيّاً» ، وهو المفعول الثاني والظرف لغو[1035].
[1035]. الكشّاف 2 : 570 -
3 ـ موقف الأخفش (ت215هـ )
الأخفش وإن قال بالجوار في قوله تعالى ـ : وأرجلكم على قراءة الجرّ ، وظنّه معطوفاً على الوجوه والأيدي ، مستدلاًّ بالمنقول الذي يحتمل كونه مصنوعاً وهو «جحر ضبّ خرب» ، وقوله : «أكلتُ خبزاً ولبنا» ، وقولهم : «ما سمعت برائحة أطيب من هذه ولا رأيت رائحة أطيب من هذه ، وما رأيت كلاماً أصوب من هذا» ، وقول القائل :
يا ليت زوجك قد غدا***متقلّداً سيفاً ورمحاً[1036]
لكنّه لما لم ينفعه كلّ ذلك ولم يقنعه ، فذكره وقلبه يشهد بخلافه ، نقض كلّ ذلك وقال : إنّ القول به ضرورة ، أي : والقرآن لا يحمل عليه أصلاً ، قال : «والنصب أسلم وأجود من هذا الاضطرار»[1037]، فتراه مقرّاً بالاضطرار ، وأنّهم مجمعون على خلوّ القرآن مِنْهُ إجماعاً وَقَوْلاً واحِداً .
وأيضاً أنّه بيّن بصورة واضحة أنّ القول بالجوار إنّما جاء من قبل حمل القرآن على الهوى والمذهب ، وأنّهم إنّما قالوا به لتسويغ الغسل الذي فرضوه على أنفسهم منذ عهد عثمان بن عفّان ومعاوية بن أبي سفيان الأمويين .
ولإثبات ذلك نقل المسح عن ابن عبّاس[1038]، وأنّ ذلك أمر لا يعرفه النّاس .
أي : أنّ الناس لا تعرف ما أنزل الله في كتابه ونقله حبر الأُمّة عبدالله بن العبّاس
[1036]. معاني القرآن : 168 - وقد تقدم ذكر البيت والكلام عليه عند عرضنا لكلام الأخفش في قراءة النّصب .
[1037]. معاني القرآن : 168 -
[1038]. إعراب القرآن : 168 -
وهذا ; أي : عدم معرفة الناس لا يسوّغ الغسل بخلق أدلّة مثل الجرّ بالجوار .
4 ـ موقف النّحاس (ت 338 هـ)
لقد تحلّى النحّاس بالشجاعة ، حيث إنّه غلّط القول بالجوار بعد أن نقله عن أبي عبيدة والأخفش ، قائلاً :
وقد ذكرنا الخفض ، إلاّ أنّ الأخفش وأبا عبيدة يذهبان إلى أنّ الخفض على الجوار والمعنى للغسل ، قال : قال الأخفش : ومثله : «هذا جُحْر ضبّ خرب» ، وهذا القول غلط عظيم ، لأنّ الجوار لا يجوز في الكلام أن يقاس عليه وإنّما هو غلط ونظيره الإقواء[1039].
فتراه لم يقتصر في الجرّ بالجوار على التغليط فقط ، بل تجاوزه إلى الوصف بالعظمة إشارةً إلى أنّ كلام الله لا يوصف به ولا يشتمل عليه أبداً .
وعلى القول بوروده في الكلام فهو سماعيّ ، لا تُقاس عليه سائر المواضع من غير كلام الله فضلاً عنه .
ودعماً لهذا الرأي الثاقب تراه في تفسير الآية 30 من سورة الأنبياء الذي جعله بعضهم من الجرّ بالجوار ، قال :
(وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيء حَيٍّ) : نعت لشيء[1040].
أي أنّ «حي» بالجرّ صفة لـ «شيء» وهو المفعول الأوّل ، و «من الماء» مفعول ثان بناءً على أنّه ظرف مستقرّ ، أو أنّ جعل بمعنى خلق ، وهو لا يريد إلاّ مفعولاً واحداً وهو «كلّ شيء حي» ، والجارّ والمجرور متعلّقان بـ «جعلنا» بناءً على أنّه
[1039]. إعراب القرآن 1 : 259 -
[1040]. إعراب القرآن 3 : 49 -
ظرف لغو .
5 ـ موقف السيرافي (ت 368 هـ)
السيرافي وقف في إنكار الجرّ بالجوار إلى جانب المنكرين و ـ منهم ابن جنّي ـ قال في حاشية الكتاب[1041]في باب «هذا باب مجرى النعت على المنعوت والشريك على الشريك والبدل على المبدل منه وما أشبه ذلك» :
«ورأيت بعض النحويّين قال في «هذا جحر ضبّ خرب» قولاً شرحته وقوّيته بما يحتمله ، زعم هذا النحويّ أنّ المعنى : «هذا جحر ضب خرب الجُحْر» ، والذي يقوّي هذا أنّا إذا قلنا : «خرب الجُحْر» ، صار من باب «حسن الوجه» ، وفي «خرب» ضمير الجحر مرفوع ، لأنّ التقدير كان «خرب جحره» .
ترى السيرافي أورد هذا الرأي وعزاه إلى بعض النحويّين ولم يسمّه مَن هو ؟ واحتمل الأُستاذ محمّد علي النجّار في حاشية الخصائص أن يكون المراد من بعضهم هو ابن جنّي ، مقوّياً ذلك بأنّهما كانا متعايشين دهراً ، فلا ضير أن يكون السيرافيّ عرف رأى ابن جنّي في حياته واستحقّ منه العناية بذكره .
وبهذا يتمّ لابن جنّي دعواه انفراده بهذا الرأي ، وأنّه لم يسبق به وإن كانت وفاة السيرافي سنة 368هـ ، ووفاة ابن جنّي سنة 392هـ ، والسيرافي في درجة أبي عليّ الفارسيّ استاذ ابن جنّي .
6 ـ موقف ابن جنّي (ت 392 هـ)
ابن جنّي من أشدّ المنكرين للجرّ بالجوار ، فقال في «باب القول على إجماع
[1041]. راجع : الخصائص 1 : 191 ، والكتاب لسيبويه 1 : 436 ـ 437 -
أهل العربيّة متى يكون حجّة» من كتاب «الخصائص العربيّة» مجيزاً مخالفة الإجماع :
فممّا جاز فيه خلاف الإجماع الواقع فيه منذُ بُدِئ هذا العلم وإلى آخر هذا الوقت ما رأيته أنا في قولهم : «هذا جُحْر ضبّ خرب» ، فهذا يتناوله آخِرٌ عن أوّل وتال عن ماض على أنّه غلط من العرب ، لا يختلفون فيه ولا يتوقّفون عنه ، وأنّه من الشاذّ الذي لا يحمل عليه ، ولا يجوز ردّ غيره إليه[1042].
وأمّا أنا فعندي أنّ في القرآن مثل هذا الموضع نيّفاً على ألف موضع ، وذلك أنّه على حذف المضاف لا غير ، فإذا حملته على هذا الذي هو حَشْو الكلام من القرآن والشّعر ساغ وسَلِس ، وشاع وقُبِل[1043].
وتلخيص هذا أنّ أصله : «هذا جُحْرُ ضَبّ خرِب جُحْرُهُ» ، فيجري «خرب» وصفاً على «ضبّ» ، وإن كان في الحقيقة للجُحْر ـ كما تقول : «مررت برجل قائم أبوه» ، فتجري «قائماً» وصفاً على «رجل» ، وإن كان القيام للأب لا للرجل لما ضمن ذكره ، والأمر في هذا أظهر من أن يؤتى بمثال له أو شاهد عليه .
فلمّا كان أصله كذلك حذف الجُحْر المضاف إلى الهاء ، وأُقيمت الهاء مقامه فارتفعت ، لأنّ المضاف المحذوف كان مرفوعاً ، فلمّا ارتفعت استتر الضمير المرفوع في نفس «خرب» ، فجرى وصفاً على «ضبّ» ، وإن كان الخراب للجُحْر لا للضبِّ على تقدير حذف المضاف ـ على ما أرينا ـ وقلّت آية تخلو من حذف المضاف ، نعم ، وربّما كان في الآية الواحدة من ذلك عدّة مواضع .
وعلى نحو من هذا حمل أبو عليّ رحمه الله :
[1042]. الخصائص 1 : 189 و191 ـ 193 -
[1043]. الخصائص 1 : 192 -
[1044]
*ولم يحمله على الغلط ، قال : لأنّه أراد مزمّل فيه ، ثمّ حذف حرف الجرّ ، فارتفع الضمير فاستتر في اسم المفعول . فإذا أمكن ما قلنا ، ولم يكن أكثر من حذف المضاف الذي قد شاع واطّرد ، كان حمله عليه أولى من حمله على الغلط الذي لا يحمل غيره عليه ولا يقاس به . ومثله قول لبيد :
أو مُذْهَبٌ جُدَدٌ على ألواحه***النّاطق المزْبُورُ والمختومُ[1045]
أي : المزبور فيه ، ثمّ حذف حرف الجرّ فارتفع الضّمير ، فاستتر في اسم المفعول . وعليه قول الآخر :
* إلى غير موثوق من الأرض تذهبُ[1046]*
أي موثوق به ، ثمّ حذف حرف الجرّ فارتفع الضمير ، فاستتر في اسم المفعول[1047].
7 ـ موقف ابن مالك (ت 672 هـ)
لوضوح أمر الجرّ بالجوار عند ابن مالك الذي لم يجنح إليه أصلاً ، فلم يتعرّض له في مسألة آية الوضوء في كتبه بل بحثه في العطف ، وراح يطلب الأسباب في تجويز عطف الأرجل على الوجوه مع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالأجنبيّ ، مع أنّه ليس بجائز عند الجمهور ، استجابة لهواه ودعماً لمذهبه فقسّم
[1044]. تقدم ذكره عند عرضنا لكلام الأخفش في قراءة النّصب .
[1045]. البيت في ديوانه : 119 - انظر الكتاب 4 : 151 ، مجالس ثعلب : 232 -
[1046]. ورد هذا الشطر مع اختلاف ، وهو لبشر بن أبي خازم في ديوانه 1 : 22 :
لتحتملن بالليل منكم طعينة***إلى غيرِ موثوق من العزِّ تهربُ
[1047]. الخصائص 1 : 193 -