3 ـ موقف الأخفش (ت215هـ )
الأخفش وإن قال بالجوار في قوله تعالى ـ : وأرجلكم على قراءة الجرّ ، وظنّه معطوفاً على الوجوه والأيدي ، مستدلاًّ بالمنقول الذي يحتمل كونه مصنوعاً وهو «جحر ضبّ خرب» ، وقوله : «أكلتُ خبزاً ولبنا» ، وقولهم : «ما سمعت برائحة أطيب من هذه ولا رأيت رائحة أطيب من هذه ، وما رأيت كلاماً أصوب من هذا» ، وقول القائل :
يا ليت زوجك قد غدا***متقلّداً سيفاً ورمحاً[1036]
لكنّه لما لم ينفعه كلّ ذلك ولم يقنعه ، فذكره وقلبه يشهد بخلافه ، نقض كلّ ذلك وقال : إنّ القول به ضرورة ، أي : والقرآن لا يحمل عليه أصلاً ، قال : «والنصب أسلم وأجود من هذا الاضطرار»[1037]، فتراه مقرّاً بالاضطرار ، وأنّهم مجمعون على خلوّ القرآن مِنْهُ إجماعاً وَقَوْلاً واحِداً .
وأيضاً أنّه بيّن بصورة واضحة أنّ القول بالجوار إنّما جاء من قبل حمل القرآن على الهوى والمذهب ، وأنّهم إنّما قالوا به لتسويغ الغسل الذي فرضوه على أنفسهم منذ عهد عثمان بن عفّان ومعاوية بن أبي سفيان الأمويين .
ولإثبات ذلك نقل المسح عن ابن عبّاس[1038]، وأنّ ذلك أمر لا يعرفه النّاس .
أي : أنّ الناس لا تعرف ما أنزل الله في كتابه ونقله حبر الأُمّة عبدالله بن العبّاس
[1036]. معاني القرآن : 168 - وقد تقدم ذكر البيت والكلام عليه عند عرضنا لكلام الأخفش في قراءة النّصب .
[1037]. معاني القرآن : 168 -
[1038]. إعراب القرآن : 168 -
وهذا ; أي : عدم معرفة الناس لا يسوّغ الغسل بخلق أدلّة مثل الجرّ بالجوار .
4 ـ موقف النّحاس (ت 338 هـ)
لقد تحلّى النحّاس بالشجاعة ، حيث إنّه غلّط القول بالجوار بعد أن نقله عن أبي عبيدة والأخفش ، قائلاً :
وقد ذكرنا الخفض ، إلاّ أنّ الأخفش وأبا عبيدة يذهبان إلى أنّ الخفض على الجوار والمعنى للغسل ، قال : قال الأخفش : ومثله : «هذا جُحْر ضبّ خرب» ، وهذا القول غلط عظيم ، لأنّ الجوار لا يجوز في الكلام أن يقاس عليه وإنّما هو غلط ونظيره الإقواء[1039].
فتراه لم يقتصر في الجرّ بالجوار على التغليط فقط ، بل تجاوزه إلى الوصف بالعظمة إشارةً إلى أنّ كلام الله لا يوصف به ولا يشتمل عليه أبداً .
وعلى القول بوروده في الكلام فهو سماعيّ ، لا تُقاس عليه سائر المواضع من غير كلام الله فضلاً عنه .
ودعماً لهذا الرأي الثاقب تراه في تفسير الآية 30 من سورة الأنبياء الذي جعله بعضهم من الجرّ بالجوار ، قال :
(وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيء حَيٍّ) : نعت لشيء[1040].
أي أنّ «حي» بالجرّ صفة لـ «شيء» وهو المفعول الأوّل ، و «من الماء» مفعول ثان بناءً على أنّه ظرف مستقرّ ، أو أنّ جعل بمعنى خلق ، وهو لا يريد إلاّ مفعولاً واحداً وهو «كلّ شيء حي» ، والجارّ والمجرور متعلّقان بـ «جعلنا» بناءً على أنّه
[1039]. إعراب القرآن 1 : 259 -
[1040]. إعراب القرآن 3 : 49 -
ظرف لغو .
5 ـ موقف السيرافي (ت 368 هـ)
السيرافي وقف في إنكار الجرّ بالجوار إلى جانب المنكرين و ـ منهم ابن جنّي ـ قال في حاشية الكتاب[1041]في باب «هذا باب مجرى النعت على المنعوت والشريك على الشريك والبدل على المبدل منه وما أشبه ذلك» :
«ورأيت بعض النحويّين قال في «هذا جحر ضبّ خرب» قولاً شرحته وقوّيته بما يحتمله ، زعم هذا النحويّ أنّ المعنى : «هذا جحر ضب خرب الجُحْر» ، والذي يقوّي هذا أنّا إذا قلنا : «خرب الجُحْر» ، صار من باب «حسن الوجه» ، وفي «خرب» ضمير الجحر مرفوع ، لأنّ التقدير كان «خرب جحره» .
ترى السيرافي أورد هذا الرأي وعزاه إلى بعض النحويّين ولم يسمّه مَن هو ؟ واحتمل الأُستاذ محمّد علي النجّار في حاشية الخصائص أن يكون المراد من بعضهم هو ابن جنّي ، مقوّياً ذلك بأنّهما كانا متعايشين دهراً ، فلا ضير أن يكون السيرافيّ عرف رأى ابن جنّي في حياته واستحقّ منه العناية بذكره .
وبهذا يتمّ لابن جنّي دعواه انفراده بهذا الرأي ، وأنّه لم يسبق به وإن كانت وفاة السيرافي سنة 368هـ ، ووفاة ابن جنّي سنة 392هـ ، والسيرافي في درجة أبي عليّ الفارسيّ استاذ ابن جنّي .
6 ـ موقف ابن جنّي (ت 392 هـ)
ابن جنّي من أشدّ المنكرين للجرّ بالجوار ، فقال في «باب القول على إجماع
[1041]. راجع : الخصائص 1 : 191 ، والكتاب لسيبويه 1 : 436 ـ 437 -
أهل العربيّة متى يكون حجّة» من كتاب «الخصائص العربيّة» مجيزاً مخالفة الإجماع :
فممّا جاز فيه خلاف الإجماع الواقع فيه منذُ بُدِئ هذا العلم وإلى آخر هذا الوقت ما رأيته أنا في قولهم : «هذا جُحْر ضبّ خرب» ، فهذا يتناوله آخِرٌ عن أوّل وتال عن ماض على أنّه غلط من العرب ، لا يختلفون فيه ولا يتوقّفون عنه ، وأنّه من الشاذّ الذي لا يحمل عليه ، ولا يجوز ردّ غيره إليه[1042].
وأمّا أنا فعندي أنّ في القرآن مثل هذا الموضع نيّفاً على ألف موضع ، وذلك أنّه على حذف المضاف لا غير ، فإذا حملته على هذا الذي هو حَشْو الكلام من القرآن والشّعر ساغ وسَلِس ، وشاع وقُبِل[1043].
وتلخيص هذا أنّ أصله : «هذا جُحْرُ ضَبّ خرِب جُحْرُهُ» ، فيجري «خرب» وصفاً على «ضبّ» ، وإن كان في الحقيقة للجُحْر ـ كما تقول : «مررت برجل قائم أبوه» ، فتجري «قائماً» وصفاً على «رجل» ، وإن كان القيام للأب لا للرجل لما ضمن ذكره ، والأمر في هذا أظهر من أن يؤتى بمثال له أو شاهد عليه .
فلمّا كان أصله كذلك حذف الجُحْر المضاف إلى الهاء ، وأُقيمت الهاء مقامه فارتفعت ، لأنّ المضاف المحذوف كان مرفوعاً ، فلمّا ارتفعت استتر الضمير المرفوع في نفس «خرب» ، فجرى وصفاً على «ضبّ» ، وإن كان الخراب للجُحْر لا للضبِّ على تقدير حذف المضاف ـ على ما أرينا ـ وقلّت آية تخلو من حذف المضاف ، نعم ، وربّما كان في الآية الواحدة من ذلك عدّة مواضع .
وعلى نحو من هذا حمل أبو عليّ رحمه الله :
[1042]. الخصائص 1 : 189 و191 ـ 193 -
[1043]. الخصائص 1 : 192 -
[1044]
*ولم يحمله على الغلط ، قال : لأنّه أراد مزمّل فيه ، ثمّ حذف حرف الجرّ ، فارتفع الضمير فاستتر في اسم المفعول . فإذا أمكن ما قلنا ، ولم يكن أكثر من حذف المضاف الذي قد شاع واطّرد ، كان حمله عليه أولى من حمله على الغلط الذي لا يحمل غيره عليه ولا يقاس به . ومثله قول لبيد :
أو مُذْهَبٌ جُدَدٌ على ألواحه***النّاطق المزْبُورُ والمختومُ[1045]
أي : المزبور فيه ، ثمّ حذف حرف الجرّ فارتفع الضّمير ، فاستتر في اسم المفعول . وعليه قول الآخر :
* إلى غير موثوق من الأرض تذهبُ[1046]*
أي موثوق به ، ثمّ حذف حرف الجرّ فارتفع الضمير ، فاستتر في اسم المفعول[1047].
7 ـ موقف ابن مالك (ت 672 هـ)
لوضوح أمر الجرّ بالجوار عند ابن مالك الذي لم يجنح إليه أصلاً ، فلم يتعرّض له في مسألة آية الوضوء في كتبه بل بحثه في العطف ، وراح يطلب الأسباب في تجويز عطف الأرجل على الوجوه مع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالأجنبيّ ، مع أنّه ليس بجائز عند الجمهور ، استجابة لهواه ودعماً لمذهبه فقسّم
[1044]. تقدم ذكره عند عرضنا لكلام الأخفش في قراءة النّصب .
[1045]. البيت في ديوانه : 119 - انظر الكتاب 4 : 151 ، مجالس ثعلب : 232 -
[1046]. ورد هذا الشطر مع اختلاف ، وهو لبشر بن أبي خازم في ديوانه 1 : 22 :
لتحتملن بالليل منكم طعينة***إلى غيرِ موثوق من العزِّ تهربُ
[1047]. الخصائص 1 : 193 -
الأجنبي إلى قسمين : المحض وغيره ، فجوّز العطف مع الفعل غير المحض ، ومنعه في المحض تحرزاً من الخروج على النحاة أجمعين .
وذلك أنّه قال في الكافية وشرحها[1048]:
وتابعاً بالأجنبي المَحْض لا***تَفْصِل ، وفصل بِسواه قُبِلا
وقال في الشرح ما حاصله : حقّ التابع أن يكون متصلاً بمتبوعه ، فإن فصل بينهما بغير أجنبيٍّ حسن كقوله ـ تعالى ـ : (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ)[1049]، ففصل بالمبتدأ بين الصفة والموصوف ، لكونه بعض الخبر .
وكقوله ـ تعالى ـ : (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ)[1050]ففصل بالفعل ومفعوله الثاني بين الصفة والموصوف ، لإضافة المفعول الأوّل إليه ، فلم يَعد الفاصل أجنبيّاً .
ثمّ إنّه ناقض نفسه بقوله ـ تعالى ـ : (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ)[1051]، فقال : ومن الفصل بما ليس أجنبيّاً محضاً الفصل بـ «امسحوا برؤوسكم» بين الأيدي والأرجل ، لأنّ المجموع عمل واحد قصد الإعلام بترتيبه فحسن .
وكان ذلك أسهل من الجملة المعترض بها بين شيئين ، امتزاجهما أشدّ من امتزاج المعطوف والمعطوف عليه ، كالموصول والصلة والموصوف والصفة .
فلو جيء بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة لا يكون مضمونها جزء ما توسّطت فيه ، ولا هي حالية ولا اعتراضيّة تمحّضت أجنبيّتها ولم يجز الفصل
[1048]. شرح الكافية 1 : 513 ـ 514 -
[1049]. إبراهيم : 10 -
[1050]. الأنعام : 14 -
[1051]. المائدة : 6 -
بها[1052].
أقول :
قد عرفت أنّه تناقض في كلامه صدراً وذيلاً ، حيث اعترف بأنّ جملة «وامسحوا برؤوسكم» أجنبيّة ، لكنّه قسّم الأجنبيّ إلى قسمين : المحضُ وغير المحض ، وأجاز الفصل بالأجنبي غير المحض .
وهذا خرق للإجماع أوّلاً ، لأنّ العلماء قبله قالوا : لا يجوز الفصل بالأجنبي ويظهر منهم أنّ الأجنبيّ لا يصلح للفصل بين المتعاطفين محضاً كان أو غيره بقانون : الإطلاق .
وثانياً : أنّ جملة «وامسحوا برؤوسكم» أجنبيّة محضة من ناحية المضمون ، وليست هي حالية ولا معترضة ، فلا يجوز الفصل بها أبداً .
وثالثاً : أنّ قوله : «لأنّ المجموع عمل واحد قصد الإعلام بترتيبه فحسن» عطف للقرآن والقواعد النحويّة على الرأي والهوى والمذهب ، والموضوع للدلالة على الترتيب الفاء وثمّ العاطفتان لا الفصل اللاّزم على قولهم .
ورابعاً : أنّه ذكر قاعدة لمعرفة الأجنبي من غيره في الأخير[1053]، وهذه القاعدة تحكم بأجنبيّة قوله تعالى : «وامسحوا برؤوسكم» عن جملة «فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق» ، وتدلّ على أنّ «وأرجلكم» لو كانت عطفاً على «الوجوه والأيدي» للزم الفصل بالأجنبي على حدِّ ما ذكره من القاعدة في معرفة الأجنبي من غيره .
وتوضيح ذلك أنّه قال في القاعدة :
فلو جيء بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة لا يكون مضمونها جزء ما
[1052]و2 - شرح الكافية 1 : 514 -
توسّطت فيه ولا هي حالية ولا اعتراضيّة تمحّضت أجنبيّتها ولم يجز الفصل بها[1054].
أمّا كون «وامسحوا برؤوسكم» غير معترضة ، فقد بيّنّا في السابق أنّ الجمل الاعتراضيّة لها مواضع معيّنة وهي ليست منها .
وأمّا كونها حاليةً فواضح ، لأنّ لها أيضاً مواضع معيّنة وهي ليست من تلك المواضع .
فبقي احتمال أن تكون الجملة ـ «وامسحوا برؤوسكم» ـ جزءاً ما توسّطت فيه ، وهل تكون جزءه أو لا تكون ؟!
حيث إنّ المسح والغسل عملان متغايران شرعاً وعرفاً فالجزئيّة منتفية .
أمّا شرعاً فلأنّه ـ تعالى ـ أمر بالمسح والغسل ، فلو كانا غير متغايرين لم يكن للأمر بهما معنًى ; لأنّ الواحد لا يكون اثنين واستغني بأحدهما عن الآخر .
وأمّا عرفاً فلأنّ كلّ واحد غير الآخر عند أهل العرف .
وإن كان الغسل والمسح واحداً غير متغايرين فَلِمَ وقع هذا النزاع ؟ وأنّ الأرجل مغسولة أو ممسوحة ؟ ولكفى كلّ واحد عن الآخر ، فَلِمَ يُصِرُّ الجمهور على الغسل ويردّون المسح ، ولا يقولون به ؟ فالمغايرة ضروريّة وإلاّ لم يكن للنزاع معنىً .
فظهر من هذا كلّه أنّ تقسيم ابن مالك الأجنبي إلى قسمين لا أصل له ، وأنّ ما عدّه غير المحض وأجاز الفصل به ليس بشيء .
8 ـ موقف ابن الأنباريّ
تعرّض ابن الأنباري لردّ الجوار في «المسألة الرابعة والثمانين» من كتاب
[1054]. شرح الكافية 1 : 514 -