[1058]
فخفض «محلوج» على الجوار ، وكان ينبغي أن يكون : «مَحْلوجاً» ; كونه وصفاً لقوله : «قُطْناً» ; ولكنّه خفض على الجوار .
5 ـ وبقول العجّاج وهو من شواهد سيبويه :[1059]
* كأنّ نسج العنكبوت المرمل *
فخفض «المرمل» على الجوار ، وكان ينبغي أن يقول : «المرملا» لكونه وصفاً للنسج ، لا للعنكبوت .
6 ـ وبقولهم : «جحر ضبّ خرب» . فخفضوا «خرباً» على الجوار ، وكان ينبغي أن يكون مرفوعاً ، لكونه في الحقيقة صفة للجُحْر لا للضبّ .
أجاب ابن الأنباريّ في الجواب عن أدلّتهم المتقدّمة واحداً بعد واحد .
فقال في الجواب عن الدليل الأوّل : لا حجّة لهم فيه ، لأنّ قوله : «المشركين» ليس معطوفاً على «الذين كفروا» ، وإنّما هو معطوف على قوله : «من أهل الكتاب» فدخله الجرّ ، لأنّه معطوف على مجرور ، لا على الجوار .
وقال في الجواب عن الدليل الثاني : لا حجّة لهم فيه أيضاً ، لأنّه على قراءة من قرأ بالجرّ ليس معطوفاً على قوله : «فاغسلوا وجوهكم وأيديكم» ، وإنّما هو معطوف على قوله : «برؤوسكم»[1060].
أقول : والظاهر من ذلك هو المسح ، وهو لمّا كان منافياً لرأيه حمله على الغسل مستدلاًّ بما روي عن أبي زيد والتحديد «إلى الكعبين» ، وقد مرّ الجواب عنهما
[1058]. البيت في ديوانه : 995 - والشاهد فيه قوله : «محلوج» ، حيث جرّه للمجاورة ; أي المجاورة اسم مجرور والأصل أن ينصب ، لأنّه نعت اسم منصوب وهو قوله : «قطناً» .
[1059]. وقد تقدم ذكره عند عرضنا لموقف سيبويه .
[1060]. الانصاف 2 : 131 -
مفصّلاً .
وقال في الجواب عن بيت زهير بن أبي سُلْمى الْمُزَنِيّ :
لا حجّة لهم فيه ، لأنّه معطوف على «المور» ، وقولهم : «لاَ يكون معطوفاً على «المور» ، لأنّه ليس للقطر سواف»[1061].
قلنا : يجوز أن يكون قد سمّى ما تسفيه الرّيح منه وقت نزوله سوافي ، كما يسمّى ما تسفيه الريح من الغبار «سوافي» .
وقال في الجواب عن قول العَجِّاج :
الرواية : المرمِل ـ بكسر الميم ـ فيكون من وصف العنكبوت لا النسج . قال : وعلى تقدير صحّة الرواية التي ذكرتم وأنّه مجرور على الجوار ، فلا حجّة فيه أيضاً ، لأنّ الحمل على الجوار من الشاذّ الذي لا يعرج عليه .
وقال في الجواب عن قول ذي الرمة بمثل هذا الجواب .
وقال في الجواب عن قول العرب : وقولهم : «جحر ضبّ خرب» محمول على الشذوذ الذي يقتصر فيه على السماع لقلّته ولا يقاس عليه ; لأنّه ليس كلّ ما حكي عنهم يقاس عليه ، ألا ترى أنّ اللحياني حكى أنّ من العرب من يجزم بـ «لن» وينصب بـ «لم» . إلى غير ذلك من الشواذّ التي لا يلتفت إليها ولا يقاس عليها ، فكذلك هاهنا . والله أعلم[1062].
وأمّا استدلال ابن الأنباري لإثبات الغسل ـ على قراءة الجرّ ـ بقول الرّاعي النميري :
إذا ما الغانيات برزن يوماً***وزجّجن الحواجب والعيونا
[1061]. الانصاف 2 : 131 -
[1062]. الإنصاف 2 : 129 ـ 133 -
حيث عطف العيون على الحواجب وهي غير مزجّجة ، فقد تقدّم جوابه في المباحث السابقة .
وأمّا الاستدلال بقول الزبرقان بن بدر أو خالد بن طيفان :[1063]
تراه كأنّ الله يجدع أنفه***وعينيه إن مولاه ثاب له وَفْرُ
حيث عطف عينيه على أنفه والعينان لا توصفان بالجدع ، فمردود بمثل ما تقدّم ، وأنّ التقدير : «يقلع عينيه» ، وهو من عطف الجملة على الجملة مع القرينة القائمة من غير التباس ، وليست الآية كذلك .
والاستدلال بقول لبيد :[1064]
فعَلا فروعُ الأَيهُقانِ وأطفَلَتْ***بالجَهْلتين ظِباؤُها ونَعامها
حيث عطف «نعامها» على «ظباؤها» ، والنعام لا تُطْفِل وإنّما تبيض ، أيضاً قد تقدّم ردّه .
وكذا الاستدلال بقول القائل :[1065]
يا ليت بعلكِ في الوَغَى***متقلّداً سيفاً ورمحا
حيث عطف «رمحاً» على «سيفا» ، وإن كان الرمح لا يتقلّد ، أيضاً قد تقدّم الجواب عنه ، وأنّ الآية ليست من هذا القبيل .
ومثله الاستدلال بقول الرّاجز :[1066]
علفتُها تِبناً وماءً بارداً***حتّى شَتَتْ هَمَّالَةً عيناها
[1063]. تقدم ذكره عند عرضنا لكلام الآلوسي .
[1064]. تقدم ذكره عند عرضنا لكلام الثعلبي والجويني ، والكياهراسي ، والقرطبي في قراءة الجر ، وابن العربي في قراءة النّصب .
[1065]. تقدم ذكره عند عرض كلام الأخفش في قراءة النّصب .
[1066]. تقدم ذكره عند عرض كلام الخازن في قراءة الجر .
حيث عطف «ماءً» على «تبناً» وإن كان الماء لا يعلف وكذا قول الراجز الآخر :[1067]
* شَرَّابُ ألبان وتمر وأقِطْ *
حيث عطف «تمراً» على «ألبان» وإن كان التّمر لا يشرب ، فكذلك عطف الأرجل على الرؤوس وإن كانت لا تمسح[1068]على ما زعم القوم .
وقد تقدّم أنّ الآية ليست من قبيل الأبيات ، لأن القرائن فيها موجودة وواضحة دون الآية ، لان الالتباس فيها بين المسح والغسل ، موجود على تقدير الجوار ، والقياس عليها قياس مع الفارق كما لا يخفى .
والاستدلال بقول الرَّاجز :
علفتُها تِبناً وماءً بارداً***حتّى غَدَتْ هَمَّالَةً عيناها
وقول الرّاعي النميريّ :
إذا ما الغانيات بَرَزْنَ يوماً***وزجّجن الحواجب والعيونا
مردود أيضاً بما قاله ابن هشام في مبحث المفعول معه من «شرح الشذور»[1069]، قال :
وإنّما هي في المثالين لعطف جملة على جملة ، والتقدير : «وسقيتها ماءً» و«كحّلن العيونا» ، فحذف الفعل والفاعل وبقي المفعول . ولا جائز أن يكون الواو فيهما لعطف مفرد على مفرد ، لعدم تشارك ما قبلها وما بعدها في العامل ، لأنّ «علفت» لا يصحّ تسليطه على الماء ، و «زجّجن» لا يصحّ تسليطه على العيون ،
[1067]. تقدم عند عرض كلام القرطبي في قراءة الجر ، وكلام ابن العربي في قراءة النّصب ويأتي في قراءة الجر بالجوار عند عرض رأي ابن الأنباري .
[1068]. الإنصاف 2 : 129 ـ 132 -
[1069]. شرح شذور الذهب : 268 ـ 269 -
ولا تكون للمصاحبة لانتفائها في قوله : «علفتها تبناً وماءً بارداً» ، ولعدم فائدتها في «وزجّجن الحواجب والعيونا» ، إذ من المعلوم لكلّ أحد أنّ العيون مصاحبة للحواجب[1070].
والأصل الذي بنوا عليه كلامهم خطأ من أصله : وهو أنّ «الأرجل» معطوفة على الرأس في الظّاهر لا في المعنى ، وقد يعطف الشيء على الشيء والمعنى مختلف كما استدلّوا بهذه الأبيات .
فابن الأنباري يرى الجرّ بالجوار في الآية الكريمة خَطَأً ، وهو يقول بالغسل ، وأنّ الجرّ بالعطف على الرؤوس لا يفيد المسح[1071].
وأنت تعرف أنّ الجوار خطأ وإفادة الغسل مع العطف على الرؤوس خطأ آخر .
بل الجرّ للعطف على الرؤوس والمفاد المسح ليس إلاّ ، ولما قالوا بالغسل مخالفةً لأهل البيت ، ورأوا أنّ القرآن لا يساعدهم على الغسل ; ارتكبوا هذه التأويلات .
9 ـ موقف الفخرالرازي صاحب التفسير (ت 606 هـ)
لم يتردّد الفخر الرازيّ في الحكم ببطلان الجرّ بالمجاورة في القرآن ـ بل في كلام العرب ـ في حال السعة مستدلاً لذلك بأدلّة مرّ تفصيلها ، والحاصل :
1 ـ أنّ الجرّ على الجوار معدود في اللحن الذي قد يتحمّل للضرورة الشعريّة ، وكلام الله يجب تنزيهه عنه .
وأنّ الكسر على الجوار إنّما يكون في مقام الأمن من الالتباس ، والأمن منه في
[1070]. وقد تقدم التفصيل فيه عند عرض كلام الآلوسي في قراءة الجرّ .
[1071]. الإنصاف 2 : 130 -
الآية غير حاصل .
2 ـ أنّ الجوار لا يمكن القول به في المعطوف بالحرف ، ولم تتكلّم به العرب فيه ، لأنّ العاطف يمنع من المجاورة[1072].
وبعد هذه النصوص الجليّة من أئمّة العربيّة والتفسير ، لا يَصحُ قول أبي الوليد الباجي المالكي المتوفّى سنة 474هـ في المنتقى ـ شرح الموطّأ ـ بأنّ الجرّ على الجوار كثير سائغ في القرآن وكلام العرب[1073].
وان استدلاله بالآيات التي مرّ الجوابُ عنها في القراءات والأشعار كلّها محمولة على الضرورة ، ووجوه أُخرى مقبولة عند الجميع سوى الجرّ بالجوار ; وإنّما حمله على ذلك التوجيه غلبة العصبية عليه وحمله القرآن على هواه وميله إلى بني أمية .
وربّما حمله على ذلك الجهل ، والدليل على ذلك أنّه أنكر النصب في الأرجل ـ إذا كان من باب العطف على محلّ الرؤوس ـ قائلاً : إنّ العطف على الموضع إنّما يجوز إذا كان المعطوف عليه يتعدّى بحرف جرّ وفي معنى ما يتعدّى بغير حرف جرّ كقولك : مررت بزيد وعمراً ، فمعناه : لقيت زيداً وعمراً .
وأمّا قوله : فامسحوا برؤوسكم فإنّه لا يتعدّى إلاّ بحرف جرّ ، فلا يجوز أن يعطف على موضعه[1074].
أقول :
إن كان مراده بما ذكره أنّ حرف الجرّ في المثال زائِدٌ وَلَيْسَ كذلك في الآية فهو
[1072]. التفسير الكبير 11 : 129 -
[1073]. المنتقى 1 : 31 -
[1074]. المنتقى 1 : 31 -
خطأ ذكره المتقدمون ; لأنّ الباء في قوله : «مررتُ بزيد وعمراً» حرف جرّ أصليّ للتعدية ، وأيضاً ليس معناه ما ذكره بل معناه : جاوزت زيداً وعمراً ، كما نصّ عليه ابن الحاجب في باب الاشتغال من كتاب الكافية .
وهو في قوله : «وامسحوا برؤوسكم» زائدة بخلاف ما قاله تماماً ، فقياسه على المثال قياس مع الفارق وخطأ بالضرورة ، لأنّ مسح متعدٍّ بنفسه بحكم أهل اللغة أجمعين ، والباء فيه زائدة قطعاً ، فيجوز العطف على محلّه بالنصب ، وقوله ـ في «مسح» ـ : إنّه لا يتعدّى إلاّ بحرف جرّ خطأ واضح ، وهذه هي كتب اللغة متوافّرة وهي تحكم وتنصّ بخلاف ما قاله من غير خلاف :
قال ابن فارس : الميم والسين والحاء أصل صحيح ، وهو إمرار الشيء على الشيء بسطاً ، ومسحته بيدي مسحاً[1075].
وقال ابن القوطية في كتاب الأفعال : مسح الشيء مسحاً : أجرى عليه اليد[1076]. وبمثله قال ابن القطاع أيضاً في كتاب الأفعال[1077].
وقال ابن منظور : مسحه يمسحه مسحاً ، ومسّحه وتمسّح منه وبه[1078]. وهذا قول غير واحد من أهل اللغة وفي ذلك كفاية .
وكلّ هؤلاء يردّ على أبي الوليد قوله ويثبت عدم صحته .
وإن كان مراده أنّ الباء في الآية زائدة وليست كذلك في المثال فهو صحيح ، ولكنّه لا يثبت نظره بل يردّه ، ولكنّي أستغرب منه كيف يقول في مسح : إنّه
[1075]. معجم المقاييس 5 : 322 -
[1076]. الأفعال لابن قوطية : 353 -
[1077]. الأفعال لابن القطاع : 474 -
[1078]. اللسان 2 : 593 -
لا يتعدّى إلاّ بحرف جرّ[1079]؟
10 ـ موقف الجويني أبي المعالي الشافعيّ (ت 478 هـ)
لقد صدع الجويني بالحقّ بعد أن أنكره ثلة من قومه ، فقال في المسألة 470 من كتاب «البرهان في أُصول الفقه» :
ممّا ردّه المحقّقون من طرق التأويل ما يتضمّن حمل كلام الشارع من جهة ركيكة تنأى عن اللغة الفُصحى ، فقد لا يتساهل فيه إلاّ في مضايق القوافي وأوزان الشعر .
فإذا حمل حامل آيةً من كتاب الله أو لفظاً من ألفاظ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على أمثال هذه المحامل ، وأزال الظاهر الممكن إجراؤه لمذهب اعتقده فهذا لا يقبل[1080].
فتراه يردّ على من يعطف القواعد على المذهب ، ويبلغ به ذلك إلى أن يحمل القرآن والحديث على معتقده ، وقوله فصل وهو في غاية الدقّة والإنصاف ; لأنّنا لو فتحنا هذا الباب على وجوهنا ولم نجد رادعاً عن ذلك ، لما بقيت آ ية من القرآن أو لفظ من الحديث إلاّ محمولاً على غير محمله ، ومعطوفاً على كلام ساقط عامي مرذول ، وذلك لا يمكن أن يجتمع مع الاحتفاظ بكرامة القرآن والحديث وبلاغتهما المتفق عليها من ناحية أُخرى .
ثمّ إنّه مثل ذلك بالآية المبحوث عنها في المائدة قائلاً في المسألة 471 :
ومن أمثلة ذلك حمل الكسر على الجوار في قوله : «وأرجلكم إلى الكعبين» من غير مشاركة المعطوف عليه في المعنى . وهذا في حكم الخروج عن نظم الإعراب
[1079]. المنتقى 1 : 31 -
[1080]. البرهان 1 : 356 -