وذهب قوم إلى أنّ التقدير «عذاب يوم محيط عذابه» .
وهو بعيد ، لأنّ محيطاً قد جرى على غير من هو له ، فيجب إبراز فاعله مضافاً إلى ضمير الموصوف انتهى[1108].
أقول : وليس ما ظنّه بعيداً ببعيد عند الكوفيّين ، وإن كان بعيداً عند البصريّين ، لأنّ الأمن من الالتباس يسمح لنا بذلك ، كما هو مبيّن في محلّه من كتب الإعراب .
ثمّ إنّ صاحب الدُّرَر بعد أن قوّى الجرّ بالجوار بحصول الأمن من الالتباس بقوله : «إلى الكعبين» ، قال له : هكذا يجب أن يعلم هذا المقام[1109].
وبعد أن عرفت ردّ الجرّ بالجوار في الآية من القائلين به علمت أنّ قوله في غير محلّه ، لأنّ حصول الأمن من الالتباس إنّما يحصل بقوله : «إلى الكعبين» إذا كان التحديد في الغسل وعدم التحديد في المسح ثابتاً عندهم ، وليس الأمر كذلك ، فإنّ كليهما محدود حيث احتاجا إليه ، وغير محدود حيث لم يحتاجا إليه . فالأمن غير حاصل وعلى تقدير حصوله فهو إنّما يخرج الكلام عن الغلط ولا يضمن له البلاغة ، والقرآن مضمون بلاغته وفصاحته فلا يجري هذا التوجيه فيه أصلاً .
15 ـ موقف السيوطيّ (ت 911 هـ)
أثبت الجمهور من البصريّين والكوفيّين الجرّ بالمجاورة للمجرور في نعت كقولهم : «هذا جُحْر ضبّ خرب» ، وتوكيد كقولهم[1110]:
* يا صاح بلّغ ذوي الزَّوجات كلّهم *
[1108]. التبيان 2 : 711 -
[1109]. درر الحكام شرح غرر الأحكام 1 : 19 -
[1110]. تقدم ذكره قريباً عند عرضنا لكلام ابن هشام الأنصاري .
بجرّ «كلّهم» على المجاورة ، لأنّه توكيد لـ «ذوي» المنصوب لا للزوجات وإلاّ لقال : كلّهنّ .
زاد قوم : وعطف نسق كقوله ـ تعالى ـ : «وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم» ، فإنّه معطوف على «وأيديكم» لأنّه موصول ; قال أبو حيّان : وذلك ضعيف جدّاً ولم يحفظ من كلامهم ، قال :
والفرق بينه وبين النعت والتوكيد أنّهما تابعان بلا واسطة ، فهما أشدّ مجاورةً من العطف المفصول بحرف العطف ، وأُجيب عن الآية بأنّ العطف فيها على المجرور الممسوح إشارة إلى مسح الخُفّ .
وزاد ابن هشام في شرح الشذور : وعطف بيان ، وقال :
لا يمتنع في القياس جرّه على الجوار ، لأنّه كالنعت والتوكيد في مجاورة المتبوع . أمّا البدل فقال أبو حيّان : لا يحفظ من كلامهم ولا خرّج عليه أحد شيئاً .
قال : وسببه أنّه معمول لعامل آخر غير العامل الأوّل ـ على الأصحّ ـ ولذلك يجوز إظهاره إذا كان حرف جرّ بإجماع ، فبعدت مراعاة المجاورة ، ونزّل منزلة جملة أُخرى[1111].
ثمّ نقل السيوطي إنكاره مطلقاً عن السيرافي وابن جنّي آخذاً عن «المغني» لابن هشام ، وقال في ردّ توجيههما :
ورُدَّ بأنّ إبراز الضّمير حينئذ واجب للإلباس ، وبأنّ معمول هذه الصّفة لضعفها لا يتصرّف فيه بالحذف .
وقصره الفرّاء على السماع ، ومنع القياس على ما جاء منه ، فلا يجوز هذه
[1111]. همع الهوامع 4 : 304 ـ 307 ، وطبعة اُخرى 2 : 535 ـ 536 -
جحرة ضبّ خربة» بالجرّ[1112].
وخصّه قوم بالنكرة كالمثال ، ورُدّ بما حكاه أبو ثروان الأعرابي : «كان ـ والله ـ من رجال العرب المعروف له ذلك» .
وخصّه الخليل بغير المثنّى ، أي : بالمفرد والجمع فقط ، قيل : وبغير الجمع أيضاً بالمفرد فقط ، فلا يجوز عليهما : «هذان جُحْر ضبّ خربين» ، ولا على الثاني : «هذه جحرة ضبّ خربة» .
والجواز في المثنّى معزوّ إلى سيبويه ، قال أبو حيّان :
وقياسه الجواز في الجمع والمانع ، قال : لم يرد إلاّ في الإفراد ، وهو قريب من رأي الفرّاء[1113].
وردّ الجرّ بالجوار في «الإتقان» بأنّه في نفسه ضعيف شاذّ ، لم يرد منه إلاّ أحرف يسيرة ، ثمّ قال :
والصواب أنّه معطوف على «برؤوسكم»[1114].
16 ـ موقف الأنصاري الشافعي زكريّا بن محمّد (ت 926 هـ)
انبرى زكريّا بن محمّد الأنصاري الشافعي يؤيّد الجرّ بالجوار حتّى مع العاطف الذي أجمعوا على أنّه لا يكون فيه ـ نقلاً عن النووي في المجموع ـ[1115]قائلاً :
فإن قيل : إنّما يصحّ الاتّباع إذا لم يكن هناك واو ، فإن كانت لم يصحّ ، والآية
[1112]. الهمع 4 : 305 -
[1113]. همع الهوامع 4 : 306 -
[1114]. الإتقان في علوم القرآن 1 : 531 -
[1115]. شرح البهجة الورديّة 1 : 358 -
فيها واو ؟
قلت : هذا غلط ، فإنّ الاتّباع مع الواو مشهور في أشعارهم ، من ذلك ما أنشدوا :[1116]
لم يبق إلاّ أسير غير منفلت***وموثق في عقال الأسر مكبول
فخفض «موثقاً» لمجاورته منفلت» ، وهو مرفوع معطوف على «أسير» .
وقد مرّ الجواب عن هذا البيت في الأبحاث السابقة ، وقد فصلنا فيه
القول .
17 ـ موقف البغدادي (ت 1093 هـ)
لم ينقل المجوّزون لجرّ الجوار لإثباته إلاّ قولاً واحداً ، زعموا أنّه ورد عن العرب وهو قولهم : «جُحْر ضبّ خرب» .
وهو مثال محتمل لا يصلح لأن يستدلّ به على إثبات شيء ، فقد رووا فيه الجرّ والرَّفع ، فهو لو ثبت وروده عن العرب الموثوق بعربيّتهم لما كان حجّةً أيضاً ، فكيف وهو لم يثبت وروده في كلام الفصحاء الذين يعتمد عليهم في أخذ اللغة والإعراب ؟!
قال البغداديّ في شرح شواهد «النعت» من «الخزانة»[1117]:
واعلم أنّ قولهم : «جحر ضبّ خرب» مسموع فيه الجرّ والرَّفع ، والرّفع في كلامهم أكثر .
وقد أبطل البغدادي بهذا الحكم الاستدلال بهذا القول ، لأنّ الرّفع لو كان فيه
[1116]. وقد تقدم ذكره عند عرضنا لكلام الشيخ الطوسي ، والمحقق الحلي في قراءة الجرّ .
[1117]. 5 : 89 -
أكثر لكان دليلاً على أنّه الحكاية الصحيحة عن العرب ، ولا يمكن تخطئة الأكثر بدليل أنّ الأقلّ تكلّموا فيه على الجرّ . وذلك لأنّه حكم لغوي وليس بحكم اعتقاديّ حتّى يمكن فيه تخطئة الأكثر بمثل قوله ـ تعالى ـ : (
أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)[1118]، أو : «أكثرهم لا يشعرون» وأمثالهما .
ردّ الاستدلال بجرّ الجوار :
نسب المحقّق الرّضي إلى سيبويه أنّه استدلّ على الجوار ردّاً للخليل بقول الحُطيئة[1119]من أبيات مدح بها عديّ بن فزارة وعيينة بن حصن وحذيفة بن بدر :
فإيّاكم وحيّةَ بطنِ واد***هموزِ الناب ليس لكم بسيّي
فإنّ «هموز الناب» نعت الحيّة المنصوبة ، وجُرَّ لمجاورته لأحد المجرورين وهو : «بطن» أو «واد» .
وقال البغدادي : وروي بالنصب اتّباعاً للفظ الحيّة[1120]. وهذا الاحتمال يبطل الاستدلال أساساً ، والمحتمل لا يصلح لأن يستدلّ به على شيء ، وإنّما يستدلّ على الأشياء بالمنصوص .
قال البغداديّ : وجرّ الجوار لم يسمع إلاّ في النعت على القلّة ، وقد جاء في التأكيد في بيت على سبيل النُّدْرة[1121].
ثمّ إنّ البغدادي بعد أن نقل الجرّ على الجوار في العطف أنكره مقوّياً بقول أبي حيّان في التذكرة قائلاً : لم يأت في كلامهم ، ولذلك ضعف جدّاً قول من حمل
[1118]. الأعراف : 131 -
[1119]. تقدم ذكره قريباً عند عرضنا لكلام المحقق الرّضي .
[1120]. خزانة الأدب 5 : 95 -
[1121]. الخزانة 5 : 91 -
قوله ـ تعالى ـ : «وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم» في قراءة من خفض على الجوار[1122]انتهى .
أقول : أبو حيّان والبغدادي قد اعترفا بأنّ الجرّ بالجوار لم يأت في كلام العرب فكيف يقولان بضعف قول من يقول به في الآية الشريفة ؟ ومقتضى عدم وروده في كلام العرب عدم الورود في القرآن أصلاً لا وروده مع الضعف ، إلاّ أن يقولا بأنّ القرآن ليس من كلام العرب فورد الجرّ المذكور فيه .
ثمّ قال البغداديّ في سبب عدم الجوار في العطف ووروده في النعت :
والفرق بينه وبين النعت كون الاسم في باب النعت تابعاً لما قبله من غير وساطة شيء ، فهو أشدّ له مجاورةً ، بخلاف العطف ، إذ قد فصل بين الاسمين حرف العطف ، وجاز إظهار العامل في بعض المواضع فبعدت المجاورة[1123].
وأمّا ورود الجرّ بالجوار في البدل ، فقال البغدادي مستدلاًّ بقول أبي حيّان أيضاً :
إنّه لم يُحفظ ذلك في كلامهم ، ولا خرّج عليه أحد من علمائنا شيئاً فيما نعلم . قال :
وسبب ذلك ـ والله أعلم ـ أنّه معمول لعامل آخر لا للعامل الأوّل على أصحّ المذهبين ، ولذلك يجوز ذكره إذا كان حرف جرّ بإجماع ، وربّما وجب إذا كان العامل رافعاً أو ناصباً ، ففي جواز إظهاره خلاف ، فبعدت إذ ذاك مراعاة المجاورة ونزل المقدّر الممكن إظهاره منزلة الموجود ، فصار من جملة أُخرى[1124].
[1122]. الخزانة 5 : 92 ـ 93 -
[1123]. الخزانة 5 : 93 -
[1124]. الخزانة 5 : 93 -
أقول : وإذا كان هذا الجوار في البدل غير ممكن تنزيلاً للمقدّر ـ الممكن الإظهار ـ منزلة الموجود ، فكيف يكون في العطف بالحرف جائزاً وممكناً ، والفصل غير مقدّر بل موجود في اللفظ وهو حرف العطف كما لا يخفى ؟ وصرّح بأنّه فاصل كلَّ من ابن هشام والبغداديّ وصاحب الغنية كما تقدم .
18 ـ موقف الصبّان (ت 1206 هـ)
احتمل الصبّان أن يكون الجرّ في «وأرجلكم» على الجوار ، وقال : فائدة : الجوار يختصّ بالجرّ وبالنّصب قليلاً والتوكيد نادراً على ما في التسهيل والمغني ، وقال الناظم (ابن مالك) في العمدة : يجوز في العطف لكن بالواو وخاصّة وأنّ الواو وتختّص باحد عشر حكما ، والثامن جواز في الجرّ خاصة وجعل منه «وأرجلكم» في قراءة الجرّ ، وضعّفه في المغني بأنّ العاطف يمنع التّجاور وعلى منع عطف الجوار يكون جرّ الأرجل للعطف على الرّؤوس لا لتمسح بل لينبّه بعطفها على الممسوح على طلب الإقتصاد في غسلها الذي هو مظنة الإسراف وجئ بالغابة دفعاً لتوهم أنّها ممسوحة لأن المسح لم تضرب له غاية في الشّرع كذا في الكشّاف .
ثمّ ضعف هذا ونقل عن الدماميني أن ابن جني أنكر الجوار وكذا نقل انكار ابن جنّي ذلك عن المغني[1125].
قلت :والحمد لله أنّهم اغنونا عن مئونة الجواب وأجابوا عن الجرّ بالجوار[1126].
[1125]. حاشية الصبّان على شرح الأشموني لالفيّة ابن مالك 1 : 1269 و 1335 -
[1126]. راجع كلام الصبّان وذويه في قراءة الجرّ .
19 ـ موقف أبي العباس أحمد بن محمد بن المهدي ابن عجيبة الحسني (ت 1226 هـ)
قال أبو العباس ابن عجيبة الحسني في «وأرجلكم» : من نصب عطف على الوجه ، ومن خفض فعلى الجوار وفائدته (الجوار) التنبيه على قلة صبّ الماء حتى يكون غسلاً يقرب من المسح قاله البيضاوي .
وردّه في المغني فقال : الجوار يكون في النّعت قليلاً ، وفي التّوكيد نادراً ، ولا يكون في النّسق ; لأنّ العاطف يمنع من التّجاو.ر ، وقال الزّمخشري : لمّا كانت الأرجل بين الأعضاء الثّلاثة مغسولات ، تغسل بصب الماء عليها كانت مظنّة الإسراف المذموم شرعاً فعطف على الممسوح لا لتمسح ولكن لينبّه على وجوب الإقتصاد في صبّ الماء عليها ، وجيء فيهما بالغاية إماطة لظنّ من يظنّ أنّهما ممسوحة ; لأنّ المسح لم تضرب له غاية في الشريعة[1127].
والجواب :
أوّلاً : أنّه لم لا يكون في قراءة النّصب معطوفاً على محلّ «برؤوسكم» وهو أقرب وحكمه المسح ؟
وثانياً : أنّ الزّمخشري (الّذي ارتضاه أخذه كثير من علماء السنّة عنه) توجيه بعيد عن ظاهر الآية الكريمة .
وثالثاً : أنّه ردّ الجوار كثير من علماء مذهب الزّمخشري .
ورابعاً : أنّ ضرب الغاية لا يدلّ على ما قاله الزمخشري ، وأنّه تأويل خارج عن ظاهر الآية .
[1127]. البحر المديد في تفسير القرآن المجيد 2 : 148 ـ 149 ـ تحقيق عمر أحمد الرّاوي منشورات بيضون ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت .