أكثر لكان دليلاً على أنّه الحكاية الصحيحة عن العرب ، ولا يمكن تخطئة الأكثر بدليل أنّ الأقلّ تكلّموا فيه على الجرّ . وذلك لأنّه حكم لغوي وليس بحكم اعتقاديّ حتّى يمكن فيه تخطئة الأكثر بمثل قوله ـ تعالى ـ : (
أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)[1118]، أو : «أكثرهم لا يشعرون» وأمثالهما .
ردّ الاستدلال بجرّ الجوار :
نسب المحقّق الرّضي إلى سيبويه أنّه استدلّ على الجوار ردّاً للخليل بقول الحُطيئة[1119]من أبيات مدح بها عديّ بن فزارة وعيينة بن حصن وحذيفة بن بدر :
فإيّاكم وحيّةَ بطنِ واد***هموزِ الناب ليس لكم بسيّي
فإنّ «هموز الناب» نعت الحيّة المنصوبة ، وجُرَّ لمجاورته لأحد المجرورين وهو : «بطن» أو «واد» .
وقال البغدادي : وروي بالنصب اتّباعاً للفظ الحيّة[1120]. وهذا الاحتمال يبطل الاستدلال أساساً ، والمحتمل لا يصلح لأن يستدلّ به على شيء ، وإنّما يستدلّ على الأشياء بالمنصوص .
قال البغداديّ : وجرّ الجوار لم يسمع إلاّ في النعت على القلّة ، وقد جاء في التأكيد في بيت على سبيل النُّدْرة[1121].
ثمّ إنّ البغدادي بعد أن نقل الجرّ على الجوار في العطف أنكره مقوّياً بقول أبي حيّان في التذكرة قائلاً : لم يأت في كلامهم ، ولذلك ضعف جدّاً قول من حمل
[1118]. الأعراف : 131 -
[1119]. تقدم ذكره قريباً عند عرضنا لكلام المحقق الرّضي .
[1120]. خزانة الأدب 5 : 95 -
[1121]. الخزانة 5 : 91 -
قوله ـ تعالى ـ : «وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم» في قراءة من خفض على الجوار[1122]انتهى .
أقول : أبو حيّان والبغدادي قد اعترفا بأنّ الجرّ بالجوار لم يأت في كلام العرب فكيف يقولان بضعف قول من يقول به في الآية الشريفة ؟ ومقتضى عدم وروده في كلام العرب عدم الورود في القرآن أصلاً لا وروده مع الضعف ، إلاّ أن يقولا بأنّ القرآن ليس من كلام العرب فورد الجرّ المذكور فيه .
ثمّ قال البغداديّ في سبب عدم الجوار في العطف ووروده في النعت :
والفرق بينه وبين النعت كون الاسم في باب النعت تابعاً لما قبله من غير وساطة شيء ، فهو أشدّ له مجاورةً ، بخلاف العطف ، إذ قد فصل بين الاسمين حرف العطف ، وجاز إظهار العامل في بعض المواضع فبعدت المجاورة[1123].
وأمّا ورود الجرّ بالجوار في البدل ، فقال البغدادي مستدلاًّ بقول أبي حيّان أيضاً :
إنّه لم يُحفظ ذلك في كلامهم ، ولا خرّج عليه أحد من علمائنا شيئاً فيما نعلم . قال :
وسبب ذلك ـ والله أعلم ـ أنّه معمول لعامل آخر لا للعامل الأوّل على أصحّ المذهبين ، ولذلك يجوز ذكره إذا كان حرف جرّ بإجماع ، وربّما وجب إذا كان العامل رافعاً أو ناصباً ، ففي جواز إظهاره خلاف ، فبعدت إذ ذاك مراعاة المجاورة ونزل المقدّر الممكن إظهاره منزلة الموجود ، فصار من جملة أُخرى[1124].
[1122]. الخزانة 5 : 92 ـ 93 -
[1123]. الخزانة 5 : 93 -
[1124]. الخزانة 5 : 93 -
أقول : وإذا كان هذا الجوار في البدل غير ممكن تنزيلاً للمقدّر ـ الممكن الإظهار ـ منزلة الموجود ، فكيف يكون في العطف بالحرف جائزاً وممكناً ، والفصل غير مقدّر بل موجود في اللفظ وهو حرف العطف كما لا يخفى ؟ وصرّح بأنّه فاصل كلَّ من ابن هشام والبغداديّ وصاحب الغنية كما تقدم .
18 ـ موقف الصبّان (ت 1206 هـ)
احتمل الصبّان أن يكون الجرّ في «وأرجلكم» على الجوار ، وقال : فائدة : الجوار يختصّ بالجرّ وبالنّصب قليلاً والتوكيد نادراً على ما في التسهيل والمغني ، وقال الناظم (ابن مالك) في العمدة : يجوز في العطف لكن بالواو وخاصّة وأنّ الواو وتختّص باحد عشر حكما ، والثامن جواز في الجرّ خاصة وجعل منه «وأرجلكم» في قراءة الجرّ ، وضعّفه في المغني بأنّ العاطف يمنع التّجاور وعلى منع عطف الجوار يكون جرّ الأرجل للعطف على الرّؤوس لا لتمسح بل لينبّه بعطفها على الممسوح على طلب الإقتصاد في غسلها الذي هو مظنة الإسراف وجئ بالغابة دفعاً لتوهم أنّها ممسوحة لأن المسح لم تضرب له غاية في الشّرع كذا في الكشّاف .
ثمّ ضعف هذا ونقل عن الدماميني أن ابن جني أنكر الجوار وكذا نقل انكار ابن جنّي ذلك عن المغني[1125].
قلت :والحمد لله أنّهم اغنونا عن مئونة الجواب وأجابوا عن الجرّ بالجوار[1126].
[1125]. حاشية الصبّان على شرح الأشموني لالفيّة ابن مالك 1 : 1269 و 1335 -
[1126]. راجع كلام الصبّان وذويه في قراءة الجرّ .
19 ـ موقف أبي العباس أحمد بن محمد بن المهدي ابن عجيبة الحسني (ت 1226 هـ)
قال أبو العباس ابن عجيبة الحسني في «وأرجلكم» : من نصب عطف على الوجه ، ومن خفض فعلى الجوار وفائدته (الجوار) التنبيه على قلة صبّ الماء حتى يكون غسلاً يقرب من المسح قاله البيضاوي .
وردّه في المغني فقال : الجوار يكون في النّعت قليلاً ، وفي التّوكيد نادراً ، ولا يكون في النّسق ; لأنّ العاطف يمنع من التّجاو.ر ، وقال الزّمخشري : لمّا كانت الأرجل بين الأعضاء الثّلاثة مغسولات ، تغسل بصب الماء عليها كانت مظنّة الإسراف المذموم شرعاً فعطف على الممسوح لا لتمسح ولكن لينبّه على وجوب الإقتصاد في صبّ الماء عليها ، وجيء فيهما بالغاية إماطة لظنّ من يظنّ أنّهما ممسوحة ; لأنّ المسح لم تضرب له غاية في الشريعة[1127].
والجواب :
أوّلاً : أنّه لم لا يكون في قراءة النّصب معطوفاً على محلّ «برؤوسكم» وهو أقرب وحكمه المسح ؟
وثانياً : أنّ الزّمخشري (الّذي ارتضاه أخذه كثير من علماء السنّة عنه) توجيه بعيد عن ظاهر الآية الكريمة .
وثالثاً : أنّه ردّ الجوار كثير من علماء مذهب الزّمخشري .
ورابعاً : أنّ ضرب الغاية لا يدلّ على ما قاله الزمخشري ، وأنّه تأويل خارج عن ظاهر الآية .
[1127]. البحر المديد في تفسير القرآن المجيد 2 : 148 ـ 149 ـ تحقيق عمر أحمد الرّاوي منشورات بيضون ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت .
20 ـ موقف الشوكاني (ت 1250هـ)
دعته العصبيّة إلى حمل الجرّ على الجوار والعطف على المغسول كالنصب عندهم ، ثمّ انصرف عن ذلك أخيراً قائلاً :
بل هو عطف على المجرور وقراءة النصب على محلّ الرؤوس ، وهو محلّ يظهر في الفصيح ، وهذا أولى لتخريج القراءتين به على المطّرد بخلاف تخريج الجرّ على الجوار[1128].
فتراه متردّداً في حمل الكتاب على المذهب ، ثمّ تراه راجعاً عن الحيرة والجزم بأنّ الجرّ من باب العطف على الرؤوس لفظاً لا من باب الجوار الذي هو ضعيف وغير مطّرد .
21 ـ موقف الدّكتور سليمان بن إبراهيم بن عبدالله اللاّحم[1129]
قال اللاّحم في «وأرجلكم» بخفض اللاّم : وإنّما جرت لمجاورتها للمجرور «برؤوسكم وعلى هذا تكون «وأرجلكم» منصوبة بفتحة مقدرة على آخرها منع من ظهورها جرّ المجاورة كما في قولهم «هذا جحر ضبّ خرب» . وكقوله تعالى (عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُس خُضْرٌ)[1130]
[1128]. فتح القدير 1 : 7 -
[1129]. الأستاد بقسم القرآن وعلومه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، القصيم ، من المعاصرين .
[1130]. تفسير آيات الأحكام في سورة المائدة : 142 -
أنّا قد علقنا على كلامه هذا في أواخر قراءة الجرّ من هذا المجلد فراجع .
22 ـ موقف النُّحاة المعاصرين والجرّ بالجوار :
ذكروا موجبات جرّ الاسم وأنّها خَمْسَةٌ ; ثلاثة مشهورةٌ واثنان نادران :
1 ـ الجرّ بحرف الجرّ .
2 ـ الجرّ بالإضافة .
3 ـ الجرّ بالتبعيّة . هذه هي الثلاثة المشهورة .
4 ـ الجرّ على التوهّم ، ومن صواب الرّأي إهماله وعدم الاعتداد به[1131].
5 ـ الجرّ على المجاورة . قال الفاضل المعاصر : والواجب التشدّد في إغفاله وعدم الأخذ به مطلقاً[1132].
وذكروا أنّ اتّخاذ هذا النوع سبباً للجرّ إنّما هو ورود أمثلة قليلة جدّاً ، حتّى أنّ بعضها مشكوك فيه[1133].
[1131]. النحو الوافي 1 : 609 م49 -
[1132]. النحو الوافي 2 : 323 م82 و ص401 م89 -
[1133]. النحو الوافي 3 : 7 ـ 8 م93 -
الخلاصة :
تلخص مما تقدم مايلي :
1 ـ ذكرنا جميع الوجوه التي أتى بها القوم في قراءة الجر ، وجوابنا لها بما يليق بمقامهم بما لا مزيد عليه .
2 ـ ثم ذكرنا مدعياتهم في قراءة النصب وإيراد كل ما قيل او يمكن أن يقال لاثبات الغسل في الوضوء ، والجواب عنها بكل جهد وجدّ .
3 ـ أشرنا إلى قراءة الرّفع «الشاذّة» لاثبات الغسل وجوابنا عنها .
4 ـ في الفصل الرابع أوردنا كلّ ما قالوا حول قانون «الجر بالجوار» واستدلالهم به على إثبات الغسل وأن «وارجلكم» مجرور بالجر الجواري وبالمجاورة ومفادها الغسل ، ليس إلاّ وجوابنا لها ، مكتفين بهذا القدر من التلخيص محيلين القارئ الكريم إلى أصل الكتاب للاستزاده ، ومن الله التوفيق وعليه التكلان .
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة