بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إن القرآن الذي بين أيدي المسلمين اليوم هو كتاب الله المنزل على سيد الأنبياء والمرسلين محمد بن عبدالله بلا زيادة ولا نقصان ، بل لا يمكن أن تطاله يد التحريف والتبديل لوجود الضمان الإلهي له في قوله تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، وقد وضَّحْتُ هذا الأمر في كتابي «الذكر المحفوظ ،قراءة جديدة في تاريخ جمع القرآن وما روى في تحريفه»[1].
فإنَّ المواظبة على قراءة القرآن على عهد الرسول(صلى الله عليه وآله) ، والاهتمام بكتابته ، وحفظه ، وتعليمه ، والنظر فيه ، والرواية في فضل ختمه ، وتلاوة الرسول والآل والصحابة لآياته وسوره في صلواتهم آناء الليل وأطراف النهار حافظت على
[1]. طبع هذا على شكل مقالات في مجلة تراثنا .
أصالته ونقاوته ، وأبعدته عن التحريف والزيادة والنقصان .
لكنّ هذا لا يعني سدّ باب البحث عن بعض الاُمور المرتبطة به ، كالبحث عن تاريخ جمع القرآن ، وهل جُمع على عهد رسول الله أم من بعده ؟ وما قيل عن الحجاج بن يوسف ، وأنّه غيّر اثني عشر مورداً في مصحف عثمان بعد تداوله ، بل ما هي أهداف ثورة القراء التي قامت ضده ؟ وموضوع نشوء القراءات ، ومعنى «الأحرف السبعة» المروية عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)عند أهل السنة ، ورؤية أهل البيت في ذلك والنَّسْخ ودعوى وجود اللحن في القرآن وأن العرب ستقومه بالسنتها ، وأمثالها من البحوث المرتبطة بالقرآن الكريم ، فإنّها جديرة بالبحث ، لأنّ القرآن شيءٌ ، وبيان تاريخه والقراءات وما يماثلها شيءٌ آخر[2].
لكنّنا اليوم نرى أنّ بعض المتحاملين ، يرون عكس ذلك ، فالباحث لو شكك في جمع عثمان للمصاحف ـ وما قالوه في جمع أبي بكر وعمر ، وذهب إلى كون القرآن كان محفوظاً مجموعاً عند الصحابة على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) في مصاحف ـ لاتُّهم بالتشكيك في الثوابت ، ونقضه للمُسَلَّم بين المسلمين .
وكذا لو شك في صحة صدور (الأحرف السبعة) عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، أو قال بهذا القول أو ذاك فيه ، أو نقل هذه الرواية أو تلك ، أو تساءَل عن هذا الموضوع أو ذاك لاتُّهم بالتحريف .
وهنا أمران أساسيان يرتبطان بموضوع القراءة القرآنية لآية الوضوء يجب الإشارة إليهما :
أوَّلُهما :من المعلوم أنّ القرآن الكريم يذكر كلّيّات الأمور ويَكِلُ تفاصيلها إلى
[2]. قال الزرگشي : واعلم أن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان ، فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد(صلى الله عليه وآله) للبيان والإعجاز ، والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتبة الحروف أو كيفيتها من تخفيف وتثقيل وغيرها ، البرهان في علوم القرآن 1 : 318 / النوع الثاني عشر ، وعنه بتصرف في الإتقان للسيوطي 1 : 214 -
الرسول ، فمن العسير أن تجد في القرآن حكماً تاماً يبيّن تفاصيل حكم شرعيٍّ بحيث يستغني عن بيان السنة فيه .
وهذا الحكم النادر في القرآن لا تراه إلاّ في بيان حكم الوضوء ، فالباري جل وعلا خاطب المؤمنين في كتابه بأنّ عليهم إذا أرادوا الدخول إلى الصلاة أن يتوضّؤوا ، وأن هذا الوضوء لا يتحقق إلاّ بغسلتين ومسحتين .
فالمغسولان هما الوجه واليدان ، وأمّا الممسوحان فهما الرأس والرجلان ، لقوله سبحانه وتعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) .
وهذا هو حكم الله في كتابه ، واكده رسول الله بسنته من خلال بعض أصحابه ، إذ اشتهر عن ابن عباس قوله : «الوضوء غسلتان ومسحتان» ،[3]وقوله : «لا أجد في كتاب الله إلاّ المسح»[4]، وقوله : «نجد في كتاب الله المسح»[5]إذ لا تعارض بين القرآن والسنة .
وقول أنس بن مالك معترضاً على الحجاج : «كذب الحجاج نزل القرآن بالمسح»[6].
وفي كلام الإمام علي : «لولا أني رأيت رسول الله مسح ظهورهما لظننت أن بطونهما أحق» ، تعريض بالآراء الاستحسانية التي اتى بها مخالفوا المسح لدعم وتقويم غسل الأرجل .
فالإمام عليّ(عليه السلام) استدل على المسح بالكتاب والسنة معاً ، ثمّ راح يفنّد الرأي
[3]. الدر المنثور 3 : 28 ، تفسير ابن كثير 2 : 26 ، تفسير القرطبي 6 : 92 -
[4]. سنن ابن ماجة 1 : 156 / ح 458 ، باب ما جاء في غسل القدمين ، مسند أحمد 6 : 358 / ح 27060 -
[5]. مصنف عبدالرزاق 1 : 38 / ح 119 ، باب كم الوضوء من غسلة ، مسند ابن راهويه 5 : 141 / ح4 -
[6]. الدر المنثور 3 : 29 ، تفسير القرطبي 6 : 128 ، تفسير القرطبي 6 : 92 -
القائل بأنّ الأقدام هي أقرب إلى الخبث ، والذي نشأ متأخراً بعد تشريع عثمان بن عفان للغسل[7]، فأرسل الإمام ظهور المسح على الأرجل من كتاب الله ، إرسال المسلّمات ، ولم يجعل مجالاً لاحتمال الغسل أبداً فيه ; لظهور المسح في قوله : (
وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلكُمْ) ، فأراد أن يوضح هذا الأمر الثابت بقوله :
إنّ هذا المسح الظاهر من أمر الله في القرآن يختص بمسح ظاهر القدمين فقط ; لأنّه رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله) مسح ظهورهما فقط دون بطونهما .
أي أنّه احتج بالسنة النبوية المباركة مع القرآن ، وأنْ لا تعارض بين فعل الرسول والآية القرآنية ، وبذلك فند الرأي القائل بأن السنة النبوية كانت جارية بالمسح على الخفين أو غسل الأرجل!!!
ثم فنّد ثالثاً الرأي ، فقال في جوابهم ما معناه : لو كان للرأي حجية في مقابل فعل النبيّ(صلى الله عليه وآله) لكان باطن القدمين أحقّ بالمسح من ظاهرهما لقربه من الخبث . وهو ما استدل به أمثال الحجّاج على الغسل لاحقاً !!
وعلى كلّ حال ، فإنّ النقولات المسحيّة عن عليّ ، وابن عباس ، وأنس بن مالك حملت معها أدلّتها القوية من القرآن ، والسنة ، وردّ الرأي .
بعكس الطرف المقابل ـ أعني روايات الغسل ـ فإنها لم تجرؤ أن تقدّم سوى ادّعاء لا يُعلَمُ مدى مصداقيته ووثاقته ، إذ الأدلة التعضيدية كقوله(صلى الله عليه وآله) «ويل للأعقاب من النار» و «أسبغوا الوضوء» هي أجنبيّة عما نحن فيه ـ وان كانوا قد استدلوا بها ـ ; لعدم إمكان الاستفادة منها لمشروعية غسل الأرجل .
بل الأوّل منه ما هو إلاّ حكم يتعلق بالعقب الذي هو معرض للنجاسة ، فلا يمكن الاستدلال به على أنّه فعل الرسول وحكم القرآن .
ومثله الحال بالنسبة إلى الإسباغ ، فهو حكم كمالي للوضوء ولا يدل على غسل
[7]. وضحنا ذلك في كتابنا وضوء النبي البحث التاريخي .
الأرجل .
نعم ، إنّ زعماء العامّة قد جدّوا لتعضيد الغسل بصرف الظهور القرآني : تارة بقراءة النصب ، وأخرى بادّعاء النسخ ، وثالثة بادعاء أنّ القرآن نزل بالمسح وجاءت السنّة بالغسل ورابعة بقوله(صلى الله عليه وآله) ويل للأعقاب من النار[8]، وما ضارعها من وجوه غير علمية ، حتى قال ابن حزم في بعض مواطن ردّه على أبي حنيفة ومالك :
«وأبطلتم مسح الرجلين ـ وهو نص القرآن ـ بخبر يدّعي مخالفنا ومخالفكم أننا سامحنا أنفسنا وسامحتم أنفسكم فيه ، وأنّه لا يدلّ على المنعِ من مسحها ، وقد قال بمسحها طائفة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم»[9].
بلى أنّهم جدّوا لتعضيد الغسل تارة بصرف الظهور القرآني وأُخرى بروايتهم عن رسول الله : أنّه غسل رجليه !! أو أن الغسل هو المسح وزيادة وما شابه ذلك من الأقوال .
وهنا نعاود السؤال تارة أخرى فنقول : لماذا خصّ الله تعالى بيان حكم الوضوء تفصيلاً في القرآن ، دون الأحكام الشرعيّة الأخرى ؟!
ولِمَ يصرّ أهل السنة على غسل الأرجل ، مع اعتقادهم بأنّ القرآن نزل بالمسح كما جاء في كلمات أعلامهم[10]؟
أَتُرَى أن الله تعالى انزل هذه الآية كي يوضح عمق التحريف الذي سيقع في الاُمة بعد رسول الله ؟! وكيف بهم يغيرون الثوابت تحت طائلة الاستحسان والمصلحة والاجتهاد والرأي ، ويجعلون الآيات المحكمة في القرآن آيات
[8]. سنذكر في آخر هذه المقدمة جرد لما استدلوا به على الغسل مع احالتنا الجواب عن ادلتهم إلى مواطن وجودها في الكتاب كي يكون المطالع على علم بها .
[9]. المحلى 2 : 61 -
[10]. إذ رووا عن الصحابة والتابعيين بأن القرآن نزل بالمسح لكن السنة جرت بالغسل .
متشابهة كي يستفيدوا منها في استدلالاتهم .
بل تراهم باطروحتهم[11]تلك يحدثون التصادم بين الكتاب والسنة فيقولون بأن «السنة قاضية على القرآن» مع أنّها لم تكن سنة ثابتة عن رسول الله ولو كانت ثابته فلا مبرر لاختلاف المسلمين في ذلك .
بل الأنكى من كلّ ذلك أنّك تراهم يرجّحون كلمات أئمتهم على كلام الباري والحديث الصحيح ، بل يجعلونها قاضية على الآية ، والحديث الصحيح ، وقول الصحابي ، قال الصاوي في حاشيته على تفسير الجلالين :
«ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة ولو وافق قولَ الصحابة ، والحديثَ الصحيح ، والآيةَ ، فالخارجُ عن المذاهب الأربعة ضالٌّ مضلٌّ ، وربّما أدّاه ذلك للكفر ; لأنّ الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر»[12].
فهنا أتساءل : هل يصح افتراض التعارض التامّ المستقرّ بين سنّة النبي(صلى الله عليه وآله)الآمرة بغسل القدمين كما يقولون ، وبين صريح القرآن الآمر بالمسح ؟!
ولو كان الجواب هو : نعم ، فهل يمكن أن نتصور التعارض التامّ بين هذه السنّة وبين ما هو مبيَّنٌ تماماً ومفسَّرٌ كاملاً في كتاب الله ، كآية الوضوء ؟!
وبالجملة : فهل يمكن افتراض التعارض والتناقض والتنافي والتصادم بين آيات القرآن المبيَّنة المفسّرة المفصّلة في نفس القرآن ، وبين سنّة النبي(صلى الله عليه وآله) . اللّهمّ لا يمكن ذلك ؟
[11]. نزل القرآن بالمسح لكن السنة جرت بالغسل .
[12]. حاشية الصاوي على تفسير الجلالين 3 : 10 ط دار احياء التراث العربي ، وقد رد الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي القاضي الأول بالمحكمة الشرعية بدولة قطر على كلام الصاوي في كتاب أسماه (تنزيه السنة والقرآن عن كونهما مصدر الضلال والكفران) هذا ما قاله العلاّمة الخليلي مفتي سلطنة عمان في كتابه الحق الدامغ : 10 -
نعم ، هناك جماعة من علماء أهل السنة ادعو النسخ في آية الوضوء مع أنّهم جازمون بأنّ الآية ظاهرة في مسح الرجلين .
لكنّ غير واحد منهم ، قال بلزوم الغسل ، بدعوى ان السنة جرت به ، فالسنة تكون ناسخة لما في الكتاب العزيز حسب زعمه !!
فمسألة النسخ لطالما أثارت انتباهنا ; فإنّ قدماء أهل السنّة إذا أعجزهم شيء ، لجأوا إلى دعوى النسخ بسرعة البرق ، فقالوا عن كل شيء صريح بأنّه منسوخ ، ولو لَحَظْتَ مسألة المتعة الصريحة في القرآن والسنّة لرأيتهم يقولون بأنّها منسوخة .
ومسألة كتابة حديث رسول الله يقولون عنها بأنّها منسوخة .
ومسألة المسح على الكعبين يقولون بأنَّ المسح منسوخ .
وهم يذعنون بأن «حي على خير العمل» كانت في أذان رسول الله ، لكنّهم يدّعون نسخها ، وقد خاطبهم السيّد المرتضى من علماء الإمامية في كتابه الانتصار بقوله : (وإنما ادُّعي أن ذلك نُسِخَ ورُفِعَ ، وعلى من ادَّعى النسخ الدلالة وما يجدها)[13].
مع أنّ أكثر ما يدّعونه في النسخ وأمثاله ، باهتٌ لا يشفع له علم ، ولا يعضده دليل ، ولا يقوم عليه برهان ؟!!
وبما أنّ بحوثنا في التشريع وملابسات الأحكام ، تحاول الوقوف على جذور المسائل التاريخيّة المؤثرة في بناء التشريع شكلاً ومحتوى ومضموناً ; من خلال استقراء الأقوال في تلك المسألة ، كان علينا هنا ـ وبعد بيان تاريخ اختلاف المسلمين في الوضوء ـ أن نأتي باسماء المفسرين والنحويين والفقهاء والوقوف على كيفية استدلالهم بالآية الكريمة ، ثم مناقشتها طبقاً للتسلسل التاريخي
[13]. الانتصار : 137 ، باب «وجوب قول حي على خير العمل في الأذان» .
لوفياتهم ، لاعتقادنا بضرورة الشمولية وفي البحث ونقل الأقوال كما هي .
هذه التساؤلات ـ مع تفريعاتها العلميّة وملابساتها الشرعية وتداعياتها العقائدية وجذورها التاريخية ـ توقفك عليها هذه الدراسة .
ثانيهما :لا شك بأن قوام اللغة العربية بقواعدها ، فلا يمكن فهم كتاب الله تعالى ، وكلام رسوله الأمين إلاّ بتلك القواعد .
لكن من المؤسف أن نرى بعض الناس يتعمق في طلب النحو ويخترع وجوهاً جديدة باطلة للانتصار لمذهبه ، وهذا منهي عنه شرعاً .
وقد حكي عن الصادق(عليه السلام) قوله : من انهمك في طلب النحو سلب الخشوع[14].
وفي آخر عن الإمام الصادق(عليه السلام) : أصحاب العربية يحرّفون الكلم عن مواضعه[15]وهذا ما رأيناه واضحاً عندهم في تفسيرهم لآية الوضوء ، هذا من جهة .
ومن جهة اُخرى إن الحقيقة في آية الوضوء ظاهرة مكشوفة وصريح القرآن دال على المسح ، وقد اعترف بذلك بعض من له إنصاف والمام بالقواعد الأدبيّة والتّفسيرية من أهل السنّة ، إلاّ أنّ كثيراً منهم تمحّلوا بوجوه غريبة للفرار عن هذه الحقيقة وتمسكوا بأشياء لا حقيقة لها في ميزان العلم والأدب والتّفسير .
فلابدّ ـ وقبل البدء ـ من الأشارة إلى عمدة أدلتهم في هذه المسألة على نحو الفهرسة والاجمال لتكون مقدمة للبحث ، ومن خلالها يمكن التعرف على بعض تأويلاتهم التي لا يقبلها الذوق السليم ، وكيف بهم يصححون غسل الأرجل بتلك الوجوه السقيمة ، محيلين القارئ إلى مظان وجود أجوبتنا في هذا الكتاب .
[14]. مستدرك الوسائل 4 : 279 / ح 4699 ، باب وجوب تعلم إعراب القرآن .
[15]. مستدرك الوسائل 4 : 280 / ح 4701 ، باب وجوب تعلم إعراب القرآن .