وأكثر بلاد المغرب يهودا ، منها يختلفون إلى سائر الآفاق ، بها تفّاح حلو يعرف بالاطرابلسي حسن الطعم جدّا ، يصلح بعدوة الأندلسيّين ولا يصلح بعدوة القروبيين ، وسميذ عدوة الأندلسيّين أطيب من سميذ عدوة القروبيين ، ورجال الأندلسيّين أشجع من رجال القروبيين ، ونساؤهم أجمل ، ورجال القروبيين أحمد من رجال الأندلسيّين ؛ قال إبراهيم الأصيلي :
دخلت فاسا وبي شوق إلى فاس
والجبن يأخذ بالعينين والرّاس
فلست أدخل فاسا ما حييت ولو
أعطيت فاسا وما فيها من النّاس
فيصور
بلاد بأرض الهند يجلب منها الكافور القيصوري وهو أحسن أنواعه.
وذكروا أن الكافور يكثر في سنة فيها رعود وبروق ورجف وزلازل ، وان قلّ ذلك كان نقصا في وجوده.
قبا
قرية على ميلين من مدينة رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم. بها مسجد التّقوى وهو المسجد الذي ذكره الله تعالى : لمسجد أسس على التقوى من أوّل يوم أحقّ أن تقوم فيه ، فيه رجال يحبّون أن يتطهّروا ، والله يحبّ المطّهّرين.
ولمّا قدم رسول الله ، عليه السلام ، قبا مهاجرا يريد المدينة ، أسّس هذا المسجد ووضع بيده الكريمة أوّل حجر في محرابه ، ووضع أبو بكر ، رضي الله عنه ، حجرا ، ثمّ أخذ الناس في البناء وهو عامر إلى زماننا هذا ، وسئل أهله عن تطهّرهم فقالوا : إنّا نجمع بين الحجر والماء.
وبها مسجد الضّرار ويتطوّع الناس بهدمه ، وبها بئر غرس كان رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، يستطيب ماءها وبصق فيها ، وقال : إن فيها عينا من عيون الجنّة.
قزدار
ناحية بأرض الهند. قال أبو الحسن المتكلّم : كنت مجتازا بناحية قزدار ، فدخلت قرية من قراه فرأيت شيخا خياطا في مسجد فأودعت ثيابي عنده ومضيت.
ثمّ رجعت من الغد فرأيت باب المسجد مفتوحا والرزمة يشدّها في المحراب ، فقلت : ما أجهل هذا الخيّاط! فقال : افتقدت منها شيئا؟ قلت : لا.
قال : فما سؤالك؟ فأقبلت أخاصمه وهو يضحك. قال : أنتم نشأتم في بلاد الظلم ، وتعوّدتم أخلاق الأراذل التي توجب السرقة والخيانة وانّها لا تعرف ههنا ، ولو بقيت ثيابك في المحراب حتى بليت ما مسّها أحد! وإذا وجدنا شيئا من ذلك في مدد متطاولة نعلم أنّه كان من غريب اجتاز بنا ، فنركب خلفه ولا يفوتنا ، فندركه ونقتله. فسألت عن غيره سيرة أهل البلد فقال كما ذكره الخيّاط. وكانوا لا يغلقون الأبواب باللّيل ، وما كان لأكثرهم أبواب بل شيء يردّ الوحش والكلاب.
قشمير
ناحية بأرض الهند متاخمة لقوم من الترك ، فاختلط نسل الهند بالترك ، فأهلها أكثر الناس ملاحة وحسنا. ويضرب بحسن نسائهم المثل ، لهنّ قامات تامّة وصور مستوية وملاحة كثيرة وشعور طوال غلاظ ، وهذه الناحية تحتوي على نحو ستّين ألفا من المدن والضياع ، ولا سبيل إليها إلّا من جهة واحدة ، ويغلق على جميعها باب واحد.
وحواليها جبال شوامخ لا سبيل للوحش أن يتسلّق إليها فضلا عن الانس.
وفيها أودية وعرة وأشجار ورياض وأنهار.
قال مسعر بن مهلهل : شاهدتها وهي في غاية المنعة. ولأهلها أعياد في رؤوس
الاهلة وفي نزول النيرين شرقهما ، ولهم رصد كبير في بيت معمول من الحديد الصيني ، لا يعمل فيه الزمان ، ويعظّمون الثريا ولا يذبحون الحيوان ولا يأكلون البيض.
قمار
مدينة مشهورة بأرض الهند. قال ابن الفقيه : أهلها على خلاف سائر الهنود ولا يبيحون الزنا ويحرّمون الخمر ، وملكها يعاقبهم على شرب الخمر ، فيحمي الحديدة بالنار وتوضع على بدن الشارب ولا تترك إلى أن تبرد ، فربّما يفضي إلى التلف! وينسب إليها العود القماري وهو أحسن أنواع العود.
كلبا
مدينة بأرض الهند ؛ قال في تحفة الغرائب : بها عمود من النحاس وعلى رأس العمود تمثال بطّة من النحاس ، وبين يدي العمود عين. فإذا كان يوم عاشوراء في كلّ سنة ينشر البطّ جناحيه ويدخل منقاره العين ويعبّ ماءها ، فيخرج من العمود ماء كثير يكفي لأهل المدينة سنتهم ، والفاضل يجري إلى مزارعهم.
كله
مدينة عظيمة منيعة عالية السور في بلاد الهند كثيرة البساتين ، بها اجتماع البراهمة حكماء الهند ؛ قال مسعر بن مهلهل : إنّها أوّل بلاد الهند ممّا يلي الصين ، وانّها منتهى مسير المراكب إليها ولا يتهيّأ لها أن تجاوزها وإلّا غرقت.
بها قلعة يضرب بها السيوف القلعيّة وهي الهنديّة العتيقة ، لا تكون في سائر الدنيا إلّا في هذه القلعة ، وملكها من قبل ملك الصين ، وإليه قبلته وبيت عبادته
ورسومه رسوم صاحب الصين ، ويعتقدون أن طاعة ملك الصين عليهم مباركة ومخالفته شؤم ، وبينه وبين الصين ثلاثمائة فرسخ.
كنزة وقرّان
موضعان باليمامة ، بهما نخل كثير ومواش ، قال أبو زياد الكلابي : نزل بهم رجل من بني عقيل كنيته أبو مسلم كان يصطاد الذئاب ، قالوا له : إن ههنا ذئبا لقينا منه التباريح ، إن أنت اصطدته فلك في كلّ غنم شاة! فنصب له الشبكة وحبله وجاء به يقوده ، وقال : هذا ذئبكم فأعطوني ما شرطتم. فأبوا وقالوا : كل ذئبك! فشدّ في عنق الذئب قطعة حبل وخلّى سبيله وقال : ادركوا ذئبكم! فوثبوا عليه وأرادوا قتله ، فقال : لا عليكم ان وفيتّم لي رددته! فخلّوه ليردّه ، فذهب وهو يقول :
علّقت في الذّئب حبلا ثمّ قلت له
الحق بأهلك واسلم أيّها الذّئب!
إن كنت من أهل قرّان فعد لهم
أو أهل كنزة فاذهب غير مطلوب
المخلفين لما قالوا وما وعدوا
وكلّ ما يلفظ الإنسان مكتوب
سألته في خلاء : كيف عيشته؟
فقال : ماض على الأعداء مرهوب
لي الفصيل من البعران آكله
وإن أصادفه طفلا فهو مصقوب
والنّخل أفسده ما دام ذا رطب
وإن شتوت ففي شاء الأعاريب
يا أبا مسلم أحسن في أسيركم
فإنّني في يديك اليوم مجنوب
كولم
مدينة عظيمة بأرض الهند ، قال مسعر بن مهلهل : دخلت كولم وما رأيت بها بيت عبادة ولا صنما وأهلها يختارون ملكا من الصين ، إذا مات ملكهم.
وليس للهند طبيب إلّا في هذه المدينة ، عماراتهم عجيبة ، أساطين بيوتهم من
خرز أصلاب السمك ، ولا يأكلون السمك ولا يذبحون الحيوان ، ويأكلون الميتة ، وتعمل بها غضائر تباع في بلادنا على انّه صيني وليس كذلك ، لأن طين الصين أصلب من طين كولم وأصبر على النار ، وغضائر كولم لونها أدكن وغضائر الصين أبيض وغيره من الألوان.
بها منابت الساج المفرط الطول ربّما جاوز مائة ذراع وأكثر. وبها البقم والخيزران والقنا بها كثير جدّا ، وبها الراوند وهو قرع ينبت هناك ، ورقه الساذج الهندي العزيز الوجود لأجل أدوية العين ، ويحمل إليها أصناف العود والكافور واللبان ، والعود يجلب من جزائر خلف خطّ الاستواء ، لم يصل إلى منابته أحد ولا يدرى كيف شجره ، وإنّما الماء يأتي به إلى جانب الشمال.
وبها معدن الكبريت الأصفر ومعدن النحاس ينعقد دخانه توتياء جيّدا.
مدينة يثرب
هي مدينة الرسول ، صلّى الله عليه وسلّم ، وهي في حرّة سبخة مقدار نصف مكّة. من خصائصها أن من دخلها يشمّ رائحة الطيب ، وللعطر فيها فضل رائحة لم توجد في غيرها ، وأهلها أحسن الناس صوتا. قيل لبعض المدنيّين :ما بالكم أنتم أطيب الناس صوتا؟ فقال : مثلنا كالعيدان خلت أجوافنا فطاب صوتنا.
بها التمر الصّيحاني لم يوجد في غيرها من البلاد. وبها حبّ البان يحمل منها إلى سائر البلاد. وعن ابن عبّاس ان النبيّ ، عليه السلام ، حين عزم الهجرة قال : اللهمّ إنّك قد أخرجتني من أحبّ أرضك إليّ فأنزلني أحبّ أرضك إليك! فأنزله المدينة. ورأى النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم ، بلال بن حمامة وقد هاجر فاجتوى المدينة وهو يقول :
ألا ليت شعري! هل أبيتنّ ليلة
بفخّ وحولي إذخر وجليل؟
وهل أردن يوما مياه مجنّة؟
وهل يبدون لي شامة وطفيل؟
فقال ، صلّى الله عليه وسلّم : خفت يا ابن السوداء! ثمّ قال : اللهمّ حبّب إلينا المدينة كما حبّبت مكّة وأشدّ ، وصحّحها وبارك لنا في صاعها ومدّها ، وانقل حمّاها إلى خيبر والجحفة.
وعن أبي هريرة أن رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، قال : إن إبراهيم عبد الله وخليله وأنا عبد الله ورسوله ، وان إبراهيم حرّم مكّة واني حرّمت المدينة ما بين لابتيها عضاهها وصيدها ، لا يحمل فيها سلاح لقتال ولا تقطع منها شجرة إلّا لعلف البعير.
وعن أبي هريرة عن النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم : من صبر على لأواء المدينة وشدّتها كنت له يوم القيامة شفيعا أو شهيدا.
والمدينة مسوّرة ، ومسجد النبيّ ، عليه السلام ، في وسطها وقبره في شرقي المسجد ، وبجنبه قبر أبي بكر وبجنب قبر أبي بكر قبر عمر.
وكتب الوليد بن عبد الملك إلى صاحب الروم يطلب منه صنّاعا لعمارة مسجد رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، فبعث إليه أربعين رجلا من صنّاع الروم وأربعين من صنّاع القبط ، ووجّه معهم أربعين ألف مثقال ذهبا وأحمالا من الفسيفساء. فجاء الصنّاع وخمّروا النورة سنة للفسيفساء ، وجعلوا أساسها بالحجارة ، وجعلوا أسطوانات المسجد من حجارة مدوّرة في وسطها أعمدة حديد ، وركّبوها بالرصاص ، وجعلوا سقفها منقّشة مزوّقة بالذهب ، وجعلوا بلاط المحراب مذهبا ، وجعلوا وجه الحائط القبلي من داخله بازار رخام من أساسه إلى قدر قامة ، وفي وسط المحراب مرآة مربعة ذكروا أنّها كانت لعائشة ، والمنبر كان للنبي قد غشي بمنبر آخر ، وقال ، عليه السلام : ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنّة.
بها بئر بضاعة. روي أن النبيّ ، عليه السلام ، توضّأ بمائها في دلو وردّ الدلو إلى البئر ، وشرب من مائها وبصق فيها ، وكان إذا مرض المريض في أيّامه يقول : اغسلوه بماء بضاعة ، فإذا غسل فكأنّما أنشط من عقال. وقالت أسماء
بنت أبي بكر : كنّا نغسل المرضى من بئر بضاعة ثلاثة أيّام فيعافون.
بها بئر ذروان ، ويقال لها بئر كملى هي البئر المشهورة. عن ابن عبّاس :طبّ رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، حتى مرض مرضا شديدا ، فبينا هو بين النائم واليقظان رأى ملكين أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه ، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه : ما وجعه؟ فقال : طبّ! قال : ومن طبّه؟ قال لبيد بن الأعصم اليهودي. قال : وأين طبّه؟ قال : في كربة تحت صخرة في بئر كملى ، وهي بئر ذروان. فانتبه النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم ، وحفظ كلام الملكين ، فبعث عليّا وعمّارا مع جمع من الصحابة إلى البئر فنزحوا ماءها حتى انتهوا إلى الصخرة فقلبوها ووجدوا الكربة تحتها ، وفيها وتر فيها إحدى عشرة عقدة ، فأحرقوا الكربة بما فيها فزال عنه ، عليه السلام ، ما كان به وكأنّه أنشط من عقال. فأنزل الله تعالى عليه المعوّذتين إحدى عشرة آية على عدد عقده.
بها بئر عروة ، تنسب إلى عروة بن الزّبير ؛ قال الزبير بن بكّار : ماء هذه البئر من مرّ بالعقيق يأخذه هدية لأهله ، ورأيت أبي يأمر به فيغلى ثمّ يأخذه في قوارير يهديه إلى الرشيد وهو بالرقّة ، وقال السري بن عبد الرحمن الأنصاري :
كفّنوني إن متّ في درع أروى
واجعلوا لي من بئر عروة مائي
سخنة في الشّتاء باردة الصّي
ف سراج في اللّيلة الظّلماء
وأهل المدينة الأنصار ، عليهم الرحمة والرضوان ، ان الله تعالى أكثر من الثناء عليهم في القرآن.
وقد خصّ بعضهم بخاصيّة لم توجد في غيرهم ، منهم حميّ الدّبر وهو عاصم بن الأفلح ، رضوان الله عليه ، استشهد وأراد المشركون أن يمثّلوا به فبعث الله الزنابير أحاطت به ومنعت المشركين الوصول إليه.
ومنهم بليع الأرض وهو حبيب بن ثابت ، رضوان الله عليه ، صلبه المشركون فبعث رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، من يأخذه ويدفنه ، فأخذوه وقبل دفنه فقدوه وبلعته الأرض.
ومنهم غسيل الملائكة وهو حنظلة بن راهب ، رضوان الله عليه ، استشهد يوم أحد فبعث الله تعالى فوجا من الملائكة ، رفعوه من بين القتلى وغسلوه فسمّي غسيل الملائكة.
ومنهم ذو الشهادتين وهو خزيمة بن ثابت ، رضوان الله عليه ، اشترى رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، فرسا من أعرابي ، والاعرابي أنكر الشراء ، فقال رسول الله ، عليه السلام : إني اشتريت منك! فقال الاعرابي : من يشهد بذلك؟ فقال خزيمة بن ثابت : إني أشهد أن رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، اشترى منك. فقال له رسول الله ، عليه السلام : كيف تشهد وما كنت حاضرا؟
فقال : يا رسول الله إني أصدّقك في أخبار السموات والاخبار عن الله تعالى فما أصدقك في شراء فرس! فأمر الله تعالى نبيّه ، عليه السلام ، أن يجعل شهادته مكان شهادتين.
ومنهم من اهتزّ العرش لموته وهو سعد بن معاذ ، رضوان الله عليه ، سيّد الأوس ؛ قال رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم : اهتزّ العرش لموت سعد ابن معاذ.
المشقّر
حصن بين نجران والبحرين على تلّ عال ، يقال انّه من بناء طسم ، يقال له فجّ بني تميم لأن المكعبر عامل كسرى غدر بني تميم فيه ، وسببه أن وهرز عامل كسرى على اليمن بعث أموالا وطرفا إلى كسرى ، فلمّا كانت ببلاد بني تميم وثبوا عليها وأخذوها ؛ فأخبر كسرى بذلك فأراد أن يبعث إليهم جيشا ، فأخبر أن بلادهم بلاد سوء قليلة الماء.