ومنهم بليع الأرض وهو حبيب بن ثابت ، رضوان الله عليه ، صلبه المشركون فبعث رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، من يأخذه ويدفنه ، فأخذوه وقبل دفنه فقدوه وبلعته الأرض.
ومنهم غسيل الملائكة وهو حنظلة بن راهب ، رضوان الله عليه ، استشهد يوم أحد فبعث الله تعالى فوجا من الملائكة ، رفعوه من بين القتلى وغسلوه فسمّي غسيل الملائكة.
ومنهم ذو الشهادتين وهو خزيمة بن ثابت ، رضوان الله عليه ، اشترى رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، فرسا من أعرابي ، والاعرابي أنكر الشراء ، فقال رسول الله ، عليه السلام : إني اشتريت منك! فقال الاعرابي : من يشهد بذلك؟ فقال خزيمة بن ثابت : إني أشهد أن رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، اشترى منك. فقال له رسول الله ، عليه السلام : كيف تشهد وما كنت حاضرا؟
فقال : يا رسول الله إني أصدّقك في أخبار السموات والاخبار عن الله تعالى فما أصدقك في شراء فرس! فأمر الله تعالى نبيّه ، عليه السلام ، أن يجعل شهادته مكان شهادتين.
ومنهم من اهتزّ العرش لموته وهو سعد بن معاذ ، رضوان الله عليه ، سيّد الأوس ؛ قال رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم : اهتزّ العرش لموت سعد ابن معاذ.
المشقّر
حصن بين نجران والبحرين على تلّ عال ، يقال انّه من بناء طسم ، يقال له فجّ بني تميم لأن المكعبر عامل كسرى غدر بني تميم فيه ، وسببه أن وهرز عامل كسرى على اليمن بعث أموالا وطرفا إلى كسرى ، فلمّا كانت ببلاد بني تميم وثبوا عليها وأخذوها ؛ فأخبر كسرى بذلك فأراد أن يبعث إليهم جيشا ، فأخبر أن بلادهم بلاد سوء قليلة الماء.
فأشير إليه بأن يرسل إلى عامله بالبحرين أن يقتلهم ، وكانت تميم تصير إلى هجر للميرة ، فأمر العامل أن ينادي : لا تطلق الميرة إلّا لبني تميم! فأقبل إليه خلق كثير فأمرهم بدخول المشقّر ، وأخذ الميرة والخروج من باب آخر ، فيدخل قوم بعد قوم فيقتلهم حتى قتلوا عن آخرهم ، وبعث بذراريهم في السفن إلى فارس.
مغمّس
موضع بين مكّة والطائف به قبر أبي رغال ، مرّ به النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم ، فأمر برجمه ، فصار ذلك سنّة من مرّ به يرجمه. قيل : إن أبا رغال اسمه زيد بن محلف ، كان ملكا بالطائف يظلم رعيته ، فمرّ بامرأة ترضع يتيما بلبن ما عز لها ، فأخذ الماعز منها فبقي اليتيم بلا لبن فمات ، وكانت سنة مجدبة فرماه الله تعالى بقارعة أهلكته.
وقيل : إن أبرهة بن الصبّاح لمّا عزم هدم الكعبة مرّ بالطائف بجنوده وفيو له ، فأخرج إليه أبو ممنعود الثقفي في رجال ثقيف سامعين مطيعين ، فطلب أبرهة منهم دليلا يدلّه على مكّة ، فبعثوا معه رجلا يقال له أبو رغال حتى نزل المغمّس ، فمات أبو رغال هناك ، فرجم العرب قبره ؛ وفيه قال جرير ابن الخطفى :
إذا مات الفرزدق فارجموه
كما ترمون قبر أبي رغال
مرّاكش
مدينة من أعظم مدن بلاد المغرب ، واليوم سرير ملك بني عبد المؤمن ، وهي في البرّ الأعظم ، بينها وبين البحر عشرة أيّام في وسط بلاد البربر. وإنّها كثيرة الجنان والبساتين ويخرق خارجها الخلجان والسواقي ، ويأتيها الارزاق من الأقطار والبوادي ، مع ما فيها من جني الأشجار والكروم التي يتحدّث
بطيبها في الآفاق. والمدينة ذات قصور ومبان محكمة.
بها بستان عبد المؤمن بن عليّ أبي الخلفاء ، وهو بستان طوله ثلاثة فراسخ ، وكان ماؤه من الآبار فجلب إليها ماء من أعماق تسير تسقي بساتين لها. وحكى أبو الربيع سليمان الملتاني ان دورة مرّاكش أربعون ميلا.
ينسب إليها الشيخ الصالح سني بن عبد الله المراكشي ، وكان شيخا مستجاب الدعوة ، ذكر أن القطر حبس عنهم في ولاية يعقوب بن يوسف فقال : ادع الله تعالى ان يسقينا. فقال الشيخ : ابعث إليّ خمسين ألف دينار حتى أدعو الله تعالى أن يسقيكم في أيّ وقت شئتم! فبعث إليه ذلك ، ففرّقها على المحاويج ، ودعا فجاءهم غبث مدرار أيّاما ، فقالوا له : كفينا ادع الله أن يقطعه! فقال :
ابعث إليّ خمسين ألف دينار حتى أدعو الله أن يقطعه. ففعل ذلك ففرّق المال على المحاويج ، ودعا الله تعالى فقطعه. والله الموفق.
مكّة
هي البلد الأمين الذي شرّفه الله تعالى وعظّمه وخصّه بالقسم وبدعاء الخليل ، عليه السلام : ربّ اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات. واجعله مثابة للناس ، وأمنا للخائف ، وقبلة للعباد ، ومنشأ لرسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم.
وعن رسول الله ، عليه السلام : من صبر على حرّ مكّة ساعة تباعدت عنه جهنم مسيرة عام ، وتقرّبت منه الجنّة مائتي عام! إنّها لم تحلّ لأحد كان قبلي ، ولا تحلّ لأحد كان بعدي ، وما أحلّت لي إلّا ساعة من نهار ، ثمّ هي حرام لا يعضد شجرها ويحتشّ خلاها ولا يلتقط ضالتها إلّا لمنشد.
وعن ابن عبّاس : ما أعلم على الأرض مدينة يرفع فيها حسنة مائة إلّا مكّة ، ويكتب لمن صلّى ركعة مائة ركعة إلّا مكّة ، ويكتب لمن نظر إلى بعض بنيانها عبادة الدهر إلّا مكّة ، ويكتب لمن يتصدّق بدرهم ألف درهم إلّا مكّة!
وهي مدينة في واد والجبال مشرفة عليها من جوانبها ، وبناؤها حجارة سود ملس وبيض أيضا. وهي طبقات مبيّضة نظيفة حارّة في الصيف جدّا ، إلّا أن ليلها طيّب وعرضها سعة الوادي وماؤها من السماء ، ليس بها نهر ولا بئر يشرب ماؤها ، وليس بجميع مكّة شجر مثمر ، فإذا جزت الحرم فهناك عيون وآبار ومزارع ونخيل ، وميرتها تحمل إليها من غيرها بدعاء الخليل ، عليه السلام : ربّنا إني أسكنت من ذرّيتي بواد غير ذي زرع ، إلى قوله من الثمرات.
وأمّا الحرم فله حدود مضروبة بالمنار قديمة ، بيّنها الخليل ، عليه السلام ، وحدّه عشرة أميال في مسيرة يوم ، وما زالت قريش تعرفها في الجاهليّة والإسلام.
فلمّا بعث رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، أقرّ قريشا على ما عرفوه ، فما كان دون المنار لا يحلّ صيده ولا يختلى خشيشه ، ولا يقطع شجره ولا ينفّر طيره ، ولا يترك الكافر فيه. ومن عجيب خواص الحرم ان الذئب يتبع الظبي ، فإذا دخل الحرم كفّ عنه!
وأمّا المسجد الحرام فأوّل من بناه عمر بن الخطّاب في ولايته ، والناس ضيّقوا على الكعبة ، وألصقوا دورهم بها فقال عمر : إن الكعبة بيت الله ولا بدّ لها من فناء. فاشترى تلك الدور وزادها فيه واتّخذ للمسجد جدارا نحو القامة ، ثمّ زاد عثمان فيه ، ثمّ زاد عبد الله بن الزبير في اتقانه ، وجعل فيها عمدا من الرخام وزاد في أبوابه وحسنه. ثمّ زاد عبد الملك بن مروان في ارتفاع حيطانها وحمل السّواري إليها من مصر في الماء إلى جدّة ، ومن جدّة إلى مكّة على العجل ، وأمر الحجّاج فكساها الديباج ، ثمّ الوليد بن عبد الملك زاد في حلى البيت لمّا فتح بلاد الأندلس ، فوجد بطليطلة مائدة سليمان ، عليه السلام ، كانت من ذهب ولها أطواق من الياقوت والزبرجد ، فضرب منها حلى الكعبة والميزاب ، فالأولى المنصور وابنه المهدي زادوا في اتقان المسجد وتحسين هيئته ، والآن طول المسجد الحرام ثلاثمائة ذراع وسبعون ذراعا ، وعرضه ثلاثمائة ذراع وخمس عشرة ذراعا ، وجميع أعمدة المسجد أربعمائة وأربعة وثلاثون
عمودا ، وأمّا الكعبة زادها الله شرفا فإنّها بيت الله الحرام. إن أوّل ما خلق الله تعالى في الأرض مكان الكعبة ، ثمّ دحا الأرض من تحتها ، فهي سرة الأرض ووسط الدنيا وأمّ القرى ؛ قال وهب : لمّا أهبط آدم ، عليه السلام ، من الجنّة حزن واشتدّ بكاؤه ، فعزّاه الله بخيمة من خيامها وجعلها موضع الكعبة ، وكانت ياقوتة حمراء ، وقيل درّة مجوّفة من جواهر الجنّة ، ثمّ رفعت بموت آدم ، عليه السلام ، فجعل بنوه مكانها بيتا من حجارة فهدم بالطوفان وبقي على ذلك ألفي سنة ، حتى أمر الله تعالى خليله ببنائه ، فجاءت السكينة كأنّها سحابة فيها رأس يتكلّم ، فبنى الخليل وإسمعيل ، عليهما السلام ، على ما ظلّلته.
وأمّا صفة الكعبة فإنّها في وسط المسجد مربع الشكل ، بابه مرتفع على الأرض قدر قامة ، عليه مصراعان ملبّسان بصفائح الفضّة طليت بالذهب ، وطول الكعبة أربعة وعشرون ذراعا وشبر ، وعرضها ثلاثة وعشرون ذراعا وشبر ، وذرع دور الحجر خمسة وعشرون ذراعا ، وارتفاع الكعبة سبعة وعشرون ذراعا.
والحجر من جهة الشام يصبّ فيه الميزاب ، وقد ألبست حيطان الحجر مع أرضه الرخام ، وارتفاعه حقو ، وحول البيت شاذروان مجصّص ارتفاعه ذراع في عرض مثله ، وقاية للبيت من السيل. والباب في وجهها الشرقي على قدر قامة من الأرض ، طوله ستّة أذرع وعشر أصابع ، وعرضه ثلاثة أذرع وثماني عشرة إصبعا. والحجر الأسود على رأس صخرتين ، وقد نحت من الصخر مقدار ما دخل فيه الحجر. والحجر الأسود حالك على الركن الشرقي عند الباب في الزاوية ، وهو على مقدار رأس إنسان ، وذكر بعض المكيّين حديثا رفعوا على مشايخهم انّهم نظروا إلى الحجر الأسود عند عمارة ابن الزبير البيت ، فقدروا طوله ثلاثة أذرع وهو ناصح البياض إلّا وجهه الظاهر ، وارتفاع الحجر من الأرض ذراعان وثلث ذراع ، وما بين الحجر والباب الملتزم ، سمّي بذلك لالتزامه الدعاء. كانت العرب في الجاهليّة تتحالف هناك ، فمن دعا على ظالم
هناك أو حلف اثما عجّلت عقوبته ، وداخل البيت في الحائط الغربي الجزعة ، على ستّة أذرع من قاع البيت ، وهي سوداء مخطّطة ببياض طولها اثنا عشر في مثل ذلك ، وحولها طوق من ذهب عرضه ثلاث أصابع ، ذكر أن النبي ، عليه السلام ، جعلها على حاجبه الأيمن.
والميزاب متوسّط على جدار الكعبة بارز عنه قدر أربعة أذرع ، وسعته وارتفاع حيطانه كلّ واحد ثماني أصابع ، وباطنه صفائح الذهب ، والبيت مستّر بالديباج ظاهره وباطنه ، ويجدّد لباسه كلّ سنة عند الموسم. فإذا كثرت الكسوة خفّف عنه وأخذها سدنة البيت ، وهم بنو شيبة. وهذه صفة الكعبة والمسجد الحرام حولها ، ومكّة حول المسجد ، والحرم حول مكّة ، والأرض حول الحرم هكذا.

روي عن النبيّ ، عليه السلام ، ان الله تعالى قد وعد هذا البيت أن يحجّه في كلّ سنة ستمائة ألف ، فإن نقصوا كمّلهم بالملائكة ، وان الكعبة كالعروس المزفوفة ، وكلّ من حجّها متعلّق بأستارها يسعون معها حتى تدخل الجنّة فيدخلون معها.
وعن عليّ : ان الله تعالى قال للملائكة : إني جاعل في الأرض خليفة ، قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها؟ فغضب عليهم وأعرض عنهم. فطافوا بعرش الله سبعا كما يطوف الناس بالبيت اليوم يسترضونه ، يقولون : لبيك اللهمّ لبيك! ربّنا معذرة إليك! نستغفرك ونتوب إليك! فرضي عنهم وقال :ابنوا في الأرض بيتا يطوف به عبادي ، من غضبت عليه أرضى عنه كما رضيت عنكم.
وأمّا خصائص البيت وعجائبه فإن أبرهة بن الصبّاح قصده وأراد هدمه ، فأهلكه الله تعالى بطير أبابيل. وذكر أن أساف بن عمرو ونائلة بنت سهيل زنيا في الكعبة ، فمسخهما الله تعالى حجرين نصب أحدهما على الصّفا والآخر على المروة ليعتبر بهما الناس. فلمّا طال مكثهما وعبدت الأصنام ، عبدا معها إلى أن كسرهما رسول الله فيهما كسر من الأصنام.
ومن عجائب البيت أن لا يسقط عليه حمام إلّا إذا كان عليلا ، وإذا حاذى الكعبة عرقة من طير تفرّقت فرقتين ولم يعلها طائر منها. وإذا أصاب المطر أحد جوانبها يكون الخصب في تلك السنة في ذلك الجانب ، فإذا عمّ المطر جميع الجوانب عمّ الخصب جميع الجوانب ، ومن سنّة أهل مكّة ان من علا الكعبة من عبيدهم يعتقونه ، وفي مكّة من الصلحاء من لم يدخل الكعبة تعظيما لها.
وعن يزيد بن معاوية : ان الكعبة كانت على بناء الخليل ، عليه السلام ، إلى أن بلغ النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم ، خمسا وثلاثين سنة ، فجاءها سيل عظيم هدمها ، فاستأنفوا عمارتها ، وقريش ما وجدوا عندهم مالا لعمارة الكعبة إلى أن رمى البحر بسفينة إلى جدّة ، فتحطّمت فأخذوا خشبها واستعانوا
بها على عمارتها ، فلمّا انتهوا إلى موضع الركن اختصموا وأراد كلّ قوم أن يكونوا هم الذين يضعونه في موضعه ، وتفاقم الأمر بينهم حتى تناصفوا على أن يجعلوا ذلك لأوّل طالع ، فطلع عليهم النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم ، فاحتكموا إليه فقال : هلموا ثوبا! فأتي به فوضع الركن فيه ثمّ قال : لتأخذ كلّ قبيلة بناحية من الثوب ، ففعلوا ذلك حتى إذا رفعوه إلى موضعه أخذ النبيّ ، عليه السلام ، الحجر بيده ووضع في الركن.
وعن عائشة قالت : سألت رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، عن الحجر أمن البيت هو؟ قال : نعم. قلت : فما بالهم لم يدخلوه في البيت؟ فقال ، صلّى الله عليه وسلّم : إن قومك قصرت بهم النفقة. قلت : فما شأن بابه مرتفعا؟
قال : فعلوا ذلك ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا ، ولولا أن قومك حديثو عهد بالجاهليّة أخاف أن تنكر قلوبهم لنظرت اني أدخل الحجر في البيت.
فأدخل عبد الله بن الزبير عشرة من الصحابة حتى سمعوا منها ذلك ، ثمّ هدم البيت وبناها على ما حكت عائشة. فلمّا قتل الحجّاج ابن الزبير ردّها على ما كان ، وأخذ بقيّة الأحجار وسدّ بها الغربي ورصّف الباقي في البيت ، فهي الآن على بناء الحجّاج.
وأمّا الحجر الأسود فجاء في الخبر انّه ياقوتة من يواقيت الجنّة ، وانّه يبعث يوم القيامة وله عينان ولسان يشهد لمن استلمه بحقّ وصدق.
روي أن عمر بن الخطّاب قبّله وبكى حتى علا نشيجه ، فالتفت فرأى عليّا فقال : يا أبا الحسن ههنا تسكب العبرات ، واعلم انّه حجر لا يضرّ ولا ينفع! ولولا اني رأيت رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، يقبّله ما قبّلته! فقال عليّ : بلى هو يضرّ وينفع يا عمر ، لأن الله تعالى لمّا أخذ الميثاق على الذرية كتب عليهم كتابا وألقمه هذا الحجر ، فهو يشهد للمؤمن بالوفاء وعلى الكافر بالجحود ، وذلك قول الناس عند الاستلام : اللهمّ إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك.