من غير أن تكسحها السيول أو يأخذها الناس ، ولولا الآية الأعجوبة التي فيها لكان ذلك الموضع كالجبال الشاهقة.
وبها مسجد الخيف ومسجد الكبش ، وقلّ أن يكون في الإسلام بلد إلّا ولأهله مضرب.
مندورفين
مدينة بأرض الهند ؛ قال مسعر بن مهلهل : بها غياض هي منابت القنا ، ومنها يحمل الطباشير ، والطباشير رماد هذا القنا ، وذلك انّها إذا جفّت وهبّت بها الرياح احتكّ بعضها ببعض واشتدّت فيها الحرارة ، فانقدحت فيها نار ربّما أحرقت مسافة خمسين فرسخا ، فرماد هذا القنا هو الطباشير يحمل إلى سائر البلاد.
مندل
مدينة بأرض الهند يكثر بها العود حتى يقال للعود المندل ، وليس هي منبته ، فإن منابته لا يصل إليها أحد ، قالوا : ان منابت العود جزائر وراء خطّ الاستواء ويأتي به الماء إلى جانب الشمال ، فما انقلع رطبا فإذا أصابته ريح الشمال يبقى رطبا وهو الذي يقال له القامروني ، وما جفّ ورمته يابسا فإنّه المندلي الثقيل المصمت ، فإن رسب في الماء فهو غاية جدّا ليس فوقه خير منه.
المنصورة
مدينة مشهورة بأرض السند كثيرة الخير ، بناها المنصور أبو جعفر الثاني من خلفاء بني العبّاس ، وفيها ينزل الولاة ، لها خليج من نهر مهران يحيط بالمدينة ، وهي في وسطه كالجزيرة إلّا أنّها شديدة الحرّ كثيرة البقّ.
بها ثمرتان لا توجدان في مدينة غيرها : إحداهما الليمو على قدر التفّاح ،
والأخرى الانبج على شبه الخوخ.
وأهل المدينة موافقون على أنّهم لا يشترون شيئا من المماليك السنديّة ، وسببه أن بعض رؤسائها من آل مهلّب ربّى غلاما سنديّا ، فلمّا بلغ رآه يوما مع زوجته فجبّه ثمّ عالجه حتى هدأ ، وكان لمولاه ابنان : أحدهما بالغ ، والآخر طفل ، فأخذ الغلام الصبيّين وصعد بهما إلى أعالي سور الدار ثمّ قال لمولاه : والله لئن لم تجبّ نفسك الآن لأرمينّ بهما! فقال الرجل : الله الله فيّ وفي ولديّ! فقال : دع عنك هذا ، والله ما هي إلّا نفس ، وإني لأسمح بها من شربة ماء! وأهوى ليرمي بهما فأسرع الرجل وأخذ مدية وجبّ نفسه ، فلمّا رأى الغلام ذلك رمى بالصبيّين وقال : فعلت بك ما فعلت بي وزيادة قتل الولدين. فقتل الغلام بأفظع العذاب وأخرج من المدينة جميع المماليك السندية ، فكانوا يتداولون في البلاد ولا يرغب أحد بالثمن اليسير في شرائهم.
بها نهر مهران عرضه كعرض دجلة أو أكثر ، يقبل من المشرق آخذا جهة الجنوب متوجها إلى المغرب حتى يقع في بحر فارس أسفل السند ؛ قال الاصطخري : مخرجه من ظهر جبل يخرج منه بعض أنهار جيحون ، ويظهر بملتان على حدّ سمندور ثمّ على المنصورة ، ثمّ يقع في البحر ، وهو نهر كبير عذب جدّا يقال فيه تماسيح كما في النيل ، وجريه مثل جريه ، يرتفع على الأرض ثمّ ينصبّ ويزرع عليه مثل ما يزرع على النيل بأرض مصر.
وقال الجاحظ : ان تماسيح نهر مهران أصغر حجما من تماسيح النيل وأقلّ ضررا ، وذكر أنّه يوجد في هذا النهر سبائك الذهب. والله الموفق.
مهيمة
قرية بين مكّة والمدينة على ميل من الأبواء. بها ماء مهيمة ، وهو ماء ساكن لا يجري إذا شربته الإبل يأخذها الهيام ، وهو حميّ الإبل ، لا تعيش الإبل بها.
والقرية موبأة لفساد مائها.
نجران
من مخاليف اليمن من ناحية مكّة ، بناها نجران بن زيدان بن سبا بن يشجب ، قال ، صلّى الله عليه وسلّم : القرى المحفوظة أربع : مكّة والمدينة وإيليا ونجران ، وما من ليلة إلّا وينزل على نجران سبعون ألف ملك ، يسلّمون على أصحاب الأخدود ثمّ لا يعودون إليها أبدا.
كان بها كعبة نجران ، بناها عبد المدان بن الريان الحرثي مضاهاة للكعبة ، وعظّموها وسمّوها كعبة نجران ، وكان بها أساقفة مقيمون ، وهم الذين جاءوا رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، للمباهلة.
قال هشام بن الكلبي : انّها كانت قبّة من أدم من ثلاثمائة جلد ، إذا جاءها الخائف أمن ، أو طالب حاجة قضيت حاجته أو مسترفد أرفد. وكانت القبة على نهر يستغلّ عشرة آلاف دينار تستغرق القبّة جميعها.
ينسب إليها عبد الله بن النامر ، سيّد شهداء نجران ؛ قال محمّد بن القرطي : كان أهل نجران أهل الشرك ، وكان عندهم ساحر يعلّم صبيانهم السحر ، فنزل بهم رجل صالح وابتنى خيمة بجنب قرية الساحر ، فجعل أهل نجران يبعثون أولادهم إلى الساحر لتعلّم السحر ، وفيهم غلام اسمه عبد الله ، وكان ممرّه على خيمة الرجل الصالح ، فأعجبه عبادة الرجل ، فجعل يجلس إليه ويسمع منه أمور الدين حتى أسلم ، وتعلّم منه الشريعة والاسم الأعظم.
فقال له الرجل الصالح : عرفت الاسم الأعظم فاحفظ على نفسك ، وما أظن أن تفعل. فجعل عبد الله إذا رأى أحدا من أصحاب العاهات يقول له : إن دخلت في ديني فإني أدعو الله ليعافيك! فيقول : نعم. فيدخل فيشفى حتى لم يبق بنجران أحد ذو ضربة ، فرفع أمره إلى الملك فأحضره وقال : أفسدت على أهل نجران وخالفت ديني ودين آبائي ، لأمثلنّ بك! فقال عبد الله : أنت لا تقدر على ذلك! فجعل يلقيه من شاهق فيقوم سليما ويرميه في ماء مغرق
فيخرج سليما! فقال له عبد الله : لا تقدر على قتلي حتى تؤمن بمن آمنت به.
فوحّد الله ودخل في دينه ثمّ ضربه بعصا كانت في يده فشجّه شجّة يسيرة ، فمات عليها. فلمّا رأى أهل نجران ذلك قالوا : آمنّا بربّ عبد الله. فحفر الملك اخدودا وملأها حطبا وأضرم فيه النار وأحضر القوم ، فمن رجع عن دينه تركه ، ومن لم يرجع ألقاه في النار ؛ فذلك قوله تعالى : قتل أصحاب الأخدود. وذكر أن عبد الله بن النامر أخرج في زمن عمر بن الخطّاب وإصبعه على شجّته ، كما وضعها عليها حين قتل.
النّدهة
أرض واسعة بالسند بها خلق كثير إلّا أنّهم كالزطّ. وبها خير كثير ، وأكثر زروعهم الرزّ. وبها الموز والعسل والنارجيل. وبها الجمل الفالج ذو السنامين ، وهذا الصنف من الإبل لا يوجد إلّا هناك ، يجلب منها إلى خراسان وفارس ، ويجعل فحلا للنوق العربيّة فتولد منهما البخاتي.
الهند
هي بلاد واسعة كثيرة العجائب. تكون مسافتها ثلاثة أشهر في الطول وشهرين في العرض ، وهي أكثر أرض الله جبالا وأنهارا ، وقد اختصّت بكريم النبات وعجيب الحيوان ، ويحمل منها كلّ طرفة إلى سائر البلاد مع أن التجّار لا يصلون إلّا إلى أوائلها. وأمّا أقصاها فقلّما يصل إليها أهل بلادنا لأنّهم كفّار يستبيحون النفس والمال.
والهند والسند كانا أخوين من ولد توقير بن يقطن بن حام بن نوح ، عليه السلام ، وهم أهل ملل مختلفة : منهم من يقول بالخالق دون النبيّ ، وهم البراهمة ، ومنهم من لا يقول بهما ، ومنهم من يعبد الصنم ، ومنهم من يعبد القمر ، ومنهم من يعبد النار ، ومنهم من يبيح الزنا.
بها من المعدنيات جواهر نفيسة ، ومن النبات أشياء غريبة ، ومن الحيوانات حيوانات عجيبة ومن العمارة رفيعة ؛ قال أبو الضلع السندي يذكر بلاد الهند وما يجلب منها :
لقد أنكر أصحابي وما ذلك بالأمثل
إذا ما مدح الهند وسهم الهند في المقتل
لعمري إنّها أرض إذا القطر بها ينزل
يصير الدّرّ والياقوت والدّرّ لمن يعطل
فمنها المسك والكافور والعنبر والمندل
وأصناف من الطيّب ليستعمل من يتفل
وأنواع الأفاويه وجوز الطّيب والسّنبل
ومنها العاج والسّاج ومنها العود والصّندل
وإنّ التّوتيا فيها كمثل الجبل الأطول
ومنها الببر والنّمر ومنها الفيل والدّغفل
ومنها الكرك والببغاء والطّاووس والجوزل
ومنها شجر الرّانج والسّاسم والفلفل
سيوف ما لها مثل قد استغنت عن الصّيقل
وأرماح إذا ما هزّت اهتزّ بها الجحفل
فهل ينكر هذا الفضل إلّا الرّجل الأخطل
ومن عجائب الهند حجر موسى ، فإنّه يوجد بالليل ولا يوجد بالنهار ، يكسر كلّ حجر ولا يكسره حجر.
ومن عجائبها شجرة كسيوس فإنّها شجرة حلوة الثمرة تقع الحمام عليها وتأكل من ثمرتها فيغشى على الحمام فتأتي الحيّة لقصد الحمام ، فإن كان على
غصن الشجرة أو ظلّها لا تقدر الحيّة أن تقربها.
ومن عجائبها البيش ، وهو نبت لا يوجد إلّا بالهند ، سمّ قاتل ، ايّ حيوان يأكل منه يموت ، ويتولد تحته حيوان يقال له فأرة البيش ، يأكل منه ولا يضرّه ، وممّا ذكر أن ملوك الهند إذا أرادوا الغدر بأحد عمدوا إلى الجواري إذا ولدن ، وفرشوا من هذا النبت تحت مهودهن زمانا ، ثمّ تحت فراشهن زمانا ، ثمّ تحت ثيابهن زمانا ، ثمّ يطعمونهن منه في اللبن ، حتى تصير الجارية إذا كبرت تتناول منه ولا يضرّها ، ثمّ بعثوا بها مع الهدايا إلى من أرادوا الغدر به من الملوك فإنّه إذا غشيها مات.
وبها غنم لها ستّ ألايا : إحداها على المكان المعهود ، والثانية على الصدر ، والثالثة والرابعة على الكتفين ، والخامسة والسادسة على الفخذين ، رأيت واحدة منها حملت إلى بلادنا.
وبها حيّات إذا لسعت إنسانا يبقى كالميت ، فيشدّونه على لوح ويلقونه في الماء ، والماء يذهب به إلى موضع فيه مارستان ، وعلى الماء من يترصّد الملسوعين فيأخذهم ويعالجونهم ، فيرجع بعد مدّة إلى أهله سالما.
وبها طير عظيم الجثّة جدّا ؛ قالوا : إنّه في بعض جزائرها إذا مات نصف منقاره يتّخذ مركبا يركب الناس فيه في البحر ، وعظم ريشه يتّخذ آزون الطعام ويسع الواحد منه أحمالا كثيرة.
ومن عجائبها مدينة إذا دخلها غريب لم يقدر على المجامعة أصلا ، ولو أقام بها ما أقام ، فإذا خرج عنها زال عنه المانع ورجع إلى حاله.
قال صاحب تحفة الغرائب : بأرض الهند بحيرة مقدار عشرة فراسخ في مثلها ، ماؤها ينبع من أسفلها لا يأتيها شيء من الأنهار. وفي تلك البحيرة حيوانات على صورة الإنسان ، إذا كان الليل يخرج منها عدد كثير يلعبون على ساحل البحر ويرقصون ويصفّقون باليدين ، وفيهم جوار حسناوات. ويخرج منها أيضا حيوانات على غير صورة الإنسان عجيبة الأشكال ، والناس في الليلة
القمراء يقعدون من البعد وينظرون إليهم ، وكلّما كان النظار أكثر كان الخارجون أكثر. وربّما جاءوا بالفواكه الكثيرة أكلوها وتركوا ما فضل منها على الساحل ، وإن مات منهم أحد أخرجوه من البحيرة وستروا سوأته بالطين ، والناس يدفنونه ، وما دام يبقى على الساحل لا يخرج من الماء أحد البتة.
قال صاحب عجائب الأخبار : بأقصى بلاد الهند أرض رملها مخلوط بالذهب ، وبها نوع من النمل عظام ، وهي أسرع عدوا من الكلب! وتلك الأرض شديدة الحرارة جدّا ، فإذا ارتفعت الشمس واشتدّت الحرارة تهرب النمل إلى أسراب تحت الأرض وتختفي فيها إلى أن تنكسر سورة الحرّ فتأتي الهند بالدواب عند اختفاء النمل ويحمل من ذلك الرمل ، ويسرع في المشي مخافة أن يلحقهم النمل فيأكلهم.
قال المسعودي : بأرض الهند هيكل عظيم عندهم يقال له بلاذري ، ليس لهم هيكل أعظم منه ، له بلد قد وقف عليه ، وحوله ألف مقصورة فيها جوار موقوفة على الصنم لمن جاءه زائرا. ومن جاء سجد له وأقام في ضيافته ثلاثا وبات عند جارية من جواريه ثمّ رجع.
بها جبل ؛ قال صاحب تحفة الغرائب : على هذا الجبل صورة أسدين يخرج من فمهما ماء كثير يصير ساقيتين ، عليهما شرب قريتين ، على كلّ ساقية قرية ، فوقعت بين القريتين خصومة فكسروا فم أحدهما فانقطع ماؤه ، فأصلح المكسور ليرجع إلى حاله فما أفاد شيئا.
وبها نهر كبك ، وهو نهر عظيم ، وللهند فيه اعتقاد عظيم ، من مات من عظمائهم يلقون عظامه في هذا النهر ، ويقولون إنّها تساق إلى الجنّة ، وبين هذا النهر وسومناة مائتا فرسخ ، يحمل كلّ يوم من مائه إلى سومناة ليغسلوا به بيوت الأصنام وغيرها يتبرّكون به.
وبها عين العقاب ؛ قال صاحب تحفة الغرائب : بأرض الهند جبل فيه عين ماء إذا هرمت العقاب تأتي بها أفراخها هذه العين وتغسلها فيها ، تمّ تضعها في الشمس
فإن ريشها يتساقط عنها وينبت لها ريش جديد ، ويزول عنها الضعف وترجع إلى القوّة والشباب.
حكي انّه ذكر في مجلس كسرى أنوشروان أن بأرض الهند جبلا فيه شجر ثمرتها تحيي الموتى ، فبعث رجلا إلى بلاد الهند ليأتيه بصحة هذا الكلام ، فذهب إلى بلاد الهند يسأل عن الجبل حتى اجتمع ببعض البراهمة ، فقال له : هذا الكلام مرموز من كلام الحكماء ، أرادوا بالجبل الرجل العالم ، وبالشجرة علمه ، وبثمرتها فائدة علمه ، وبالحياة حياة الآخرة. فقال كسرى : صدق عالم الهند ؛ الأمر كما ذكر.
يترب
قرية من قرى اليمامة كثيرة النخل ؛ قال ابن الكلبي : كان بها رجل من العمالقة يقال له عرقوب ، فأتاه أخ له مستميحا ، فقال له عرقوب : إذا أطلعت نحلي فلك طلعها. فلمّا أطلعت قال : دعها حتى تصير بلحا ؛ فلمّا أبلحت قال :دعها حتى تصير زهوا ، ثمّ حتى تصير بسرا ، ثمّ حتى تصير رطبا ثمّ تمرا.
فلمّا أتمرت عمد إليها ليلا فجدّها ، فصار مثلا في الخلف ؛ قال الأصمعي :
وعدت وكان الخلف منك سجيّة
مواعيد عرقوب أخاه بيترب
اليمامة
ناحية بين الحجاز واليمن ، أحسن بلاد الله وأكثرها خيرا ونخلا وشجرا.
كانت في قديم الزمان منازل طسم وجديس ، وهما من ولد لاوذ بن ارم بن لاوذ بن سام بن نوح ، عليه السلام. أقاموا باليمامة فكثروا بها وملك عليهم رجل من طسم يقال له عمليق بن حيّاش ، وكان جبّارا ظلوما يحكم بينهم بما شاء.
حكي انّه احتكم إليه رجل وامرأة في مولود بينهما ، فقال الزوج واسمه قابس :أيّها الملك أعطيتها المهر كاملا ولم أصب منها طائلا إلّا ولدا جاهلا ، فافعل