مصر إلى يوسف ، عليه السلام.
فجاءت الفرنج في زمن الملك صلاح الدين يوسف بن أيّوب وقد عمروها ، وجعلوا لها حصنا حصينا ؛ قال بعض الشعراء :
هلاك فرنج أتى عاجلا
وقد آن تكسير صلبانها
ولو لم يكن حينها قد أنى
لما عمرت بيت أحزانها
وكان الأمر كما قال الشاعر. قصدها الملك صلاح الدين وفتحها وخرّبها وكسر صلبانها.
براق
قرية من قرى حلب. حدّث غير واحد من أهل حلب أن بها معبدا يقصده المرضى والزمنى ، يبيتون فيه فيرى المريض من يقول له : شفاؤك كذا وكذا! وربّما يرى شخصا يمسحه بيده فتزول منه الآفة. وهذا شيء مستفاض في أهل حلب.
البشمور
كورة بمصر ، بها قرى وريف وغياض ، بها كباش ليس في جميع البلاد مثلها عظما وحسنا وكبر ألايا ، حتى لا يستطيع حملها ، فيتّخذ لآليته عجلة تحمل عليها أليته ، وتشدّ العجلة بحبل إلى عنقه ، فيظلّ يرعى ويجرّ العجلة التي عليها أليته ، فإذا نزعت العجلة سقطت الالية على الأرض وربض الكبش ولم يمكنه القيام ، ولا يوجد مثل هذا الصنف في شيء من البلاد.
بعلبكّ
مدينة مشهورة بقرب دمشق ، وهي قديمة كثيرة الأشجار والمياه والخيرات والثمرات ، ينقل منها الميرة إلى جميع بلاد الشام. وبها أبنية وآثار عجيبة وقصور على أساطين الرخام لا نظير لها. قيل : انّها كانت مهر بلقيس! وبها قصر سليمان بن داود ، عليه السلام ، وقلعتها مقام الخليل ، عليه السلام ، وبها دير الياس النبيّ ، عليه السلام.
قالوا : إن ذلك الموضع يسمّى بك في قديم الزمان حتى عبد بنو إسرائيل بها صنما اسمه بعل ، فأضافوا الصنم إلى ذلك الموضع ، ثمّ صار المجموع اسما للمدينة ، وأهلها على عبادة هذا الصنم ، فبعث الله إليهم الياس النبيّ ، عليه السلام ، فكذّبوه ، فحبس عنهم القطر ثلاث سنين.
فقال لهم نبيّ الله : استسقوا أصنامكم ، فإن سقيتم فأنتم على الحقّ ، وإلّا فإني أدعو الله تعالى ليسقيكم ، فإن سقيتم فآمنوا بالله وحده! فأخرجوا أصنامهم واستسقوا وتضرّعوا فما أفادهم شيئا ، فرجعوا إلى نبيّ الله فخرج ودعا فظهر من جانب البحر سحابة شبه ترس ، وأقبلت إليهم. فلمّا دنا منهم طبّق الآفاق وأغاثهم غيثا مريعا أخصب البلاد وأحيا العباد ، فما ازدادوا إلّا شركا ، فسأل الله تعالى أن يريحه منهم فأوحى الله تعالى إليه : ان اخرج إلى مكان كذا. فخرج ومعه اليسع فرأى فرسا من نار فوثب عليه وسار الفرس به ، ولم يعرف بعد ذلك خبره.
بلقاء
كورة بين الشام ووادي القرى. بها قرية الجبّارين ومدينة الشراة. وبها الكهف والرقيم فيما زعم بعضهم. وحديث الرقيم ما روى عبد الله بن عمر أنّه قال : سمعت رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، يقول : انطلق ثلاثة نفر ممّن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار ، فدخلوا فانحدرت صخرة من الجبل
وسدّت عليهم الغار ، فقالوا : لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم! قال رجل منهم : اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا ولدا ، فباتا في ظلّ شجر يوما فلم أبرح عليهما حتى ناما ، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين ، فكرهت أن أغبق قبلهما أهلا ولا ولدا ، فلبثت والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما حتى طلع الفجر ، والصبية يتضاغون ، فاستيقظا وشربا غبوقهما! اللهمّ إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرّج عنّا ما نحن فيه من هذه الصخرة! فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه.
وقال الآخر : اللهمّ إنه كانت لي ابنة عمّ كانت من أحبّ الناس إليّ ، فراودتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمّت بنا سنة من السنين ، فجاءتني فأعطيتها مائة وعشرين دينارا على أن تخلي بيني وبين نفسها ، ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت : لا يحلّ لك أن تفضّ الخاتم إلّا بحقّه! فتخرّجت من الوقوع عليها وانصرفت عنها ، وهي أحبّ الناس إليّ ، وتركت الذهب الذي أعطيتها. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرّج عنّا ما نحن فيه! فانفرجت الصخرة غير أنّهم لا يستطيعون الخروج منها.
وقال الثالث : اللهمّ إنّك تعلم أني استأجرت أجرا فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب ، فنمت أجرته حتى كثرت منه الأموال.
فجاءني بعد حين وقال : يا عبد الله هات أجرتي! فقلت له : كلّ ما ترى من الإبل والبقر والغنم والرقيق من أجرتك! فقال : يا عبد الله لا تستهزىء بي! فقلت : لا أستهزىء! فاستاق كلّه ولم يترك منه شيئا. اللهمّ إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرّج عنّا ما نحن فيه! فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون.
بلينا
مدينة بصعيد مصر على شاطىء النيل. قالوا : إن بها طلسما لا يمرّ بها تمساح إلّا ينقلب على ظهره. والتمساح إذا انقلب على ظهره لا يقدر على الانقلاب إلى بطنه ، فيبقى كذلك حتى يموت أو يصطاد.
بلرم
مدينة بجزيرة صقلية في بحر المغرب ؛ قال ابن حوقل الموصلي : بها هيكل عظيم سمعت أن أرسطاطاليس فيه في شيء من الخشب معلّق ، والنصارى تعظّم قبره وتستسقي به لاعتقاد اليونانيّين به ، قال : ورأيت فيها من المساجد أكثر ما رأيت في شيء من البلاد ، حتى رأيت على مقدار غلوة سهم أكثر من عشرة مساجد ، ورأيت بعضها تجاه بعض. فسألت عن ذلك فقالوا : القوم لانتفاخ أدمغتهم لا يرضى أحدهم أن يصلّي في مسجد غيره ، ويكون له مسجد لا يصلّي فيه غيره.
بنارق
قرية بين بغداد والنعمانية مقابل دير قنّى على دجلة ، والآن خراب ، ذكر أبو بكر النحوي البنارقي أن عساكر السلجوقية كثرت بطرقهم على قريتنا ، والقرية لا سور لها ، كلّما جاؤوا دخلوا وثقلوا علينا ، فأجمعنا على مفارقتها والعسكر قريب منّا وتهيّأنا لذلك إلى الليل لنعبر دجلة ونلتحق بدير قنّى ، فإنّها كانت ذات سور ، فاستصحبنا من أمتعتنا ما خفّ على الأكتاف ولدواب ، فإذا نيران عظيمة ملأت البرية ، فظننّاها نار العسكر وندمنا على الخروج ، وقلنا الآن يأخذون جميع ما معنا! ونحن في هذا الحديث والنيران قد دهمتنا ، فإذا هي سائرة بنفسها ولا حامل لها ، وسمعنا من خلالها أصواتا حزينة كالنياحة ،
يقول بعضهم :
فلا ثقبهم ينسدّ ولا ماؤهم يجري
وخلّوا منازلهم وساروا مع الفجر
فعلمنا أنّهم الجنّ ، وكان الأمر كما قالوا ، فإن الأنهار فسدت ، وما يفرغ الملوك لإصلاحها ، وبقيت القرى إلى الآن خرابا ، وذلك في سنة خمس وأربعين وخمسمائة.
بنزرت
مدينة بافريقية على ساحل البحر ، يشقّها نهر كبير كثير السمك ، لها قلاع حصينة يأوي إليها أهل النواحي إذا خرج الروم غزاة ، وبها رباطات للصالحين ، وانفردت بنزرت ببحيرة تخرج من البحر الكبير إلى مستقرّ تجاهها ، يخرج منها في كلّ شهر صنف من السمك لا يشبه الصنف الذي كان في الشهر الماضي إلى تمام السنة ، ثمّ يعود الدور إلى الأوّل ، والسلطان ضمنه باثني عشر ألف دينار.
بيت لحم
قرية على فرسخين من بيت المقدس ، كان بها مولد عيسى ، عليه السلام.
وبها كنيسة فيها قطعة من النخل ، زعموا أنّها النخلة التي أكلت منها مريم لمّا قيل لها : وهزّي إليك بجذع النخلة.
بها الماء الذي يقال له المعبوديّة ، وهو ماء ينبدي من حجر ، وإنّه عظيم القدر عند النصارى.
بيت المقدس
هي المدينة المشهورة التي كانت محلّ الأنبياء وقبلة الشرايط ومهبط الوحي.
بناها داود وفرغ منها سليمان ، عليه السلام ؛ وعن أبيّ بن كعب : ان الله تعالى
أوحى إلى داود : ابن لي بيتا. فقال : يا ربّ أين؟ قال : حيث ترى الملك شاهرا سيفه! فرأى داود ملكا على الصخرة بيده سيف ، فبنى هناك ، ولمّا فرغ سليمان من بنائها أوحى الله تعالى إليه : سلني أعطك! فقال : يا ربّ أسألك أن تغفر لي ذنبي! فقال : لك ذلك! قال : وأسألك أن تغفر لمن جاء هذا البيت يريد الصلاة فيه ، وأن تخرجه من ذنوبه كيوم ولد! فقال : لك ذلك! قال : وأسألك لمن جاءه فقيرا أن تغنيه! قال : ولك ذلك! قال : وأسألك إن جاءه سقيما أن تشفيه! قال : ولك ذلك.
وعن ابن عبّاس : البيت المقدس بنته الأنبياء وسكنته الأنبياء ، وما فيه موضع شبر إلّا وصلّى فيه نبيّ أو قام فيه ملك.
واتّخذ سليمان فيها أشياء عجيبة : منها قبّة ، وهي قبّة كانت فيها سلسلة معلّقة ينالها المحقّ ولا ينالها المبطل حتى اضمحلّت بالحيلة المعروفة ، ومنها أنّه بنى فيها بيتا وأحكمه وصقله ، فإذا دخله الورع والفاجر كان خيال الورع في الحائط أبيض ، وخيال الفاجر أسود.
ومنها أنّه نصب في زاوية عصا آبنوس ، من زعم صادقا أنّه من أولاد الأنبياء ومسّها لم يضرّه ، وإن لم يكن من أولاد الأنبياء إذا مسّها احترقت يده.
ثمّ ضرب الدهر ضربانه واستولت عليها الجبابرة وخربوها ، فاجتاز بها عزير ، عليه السلام ، فرآها خاوية على عروشها ، فقال : أنّى يحيي هذه الله بعد موتها؟ فأماته الله مائة عام ثمّ بعثه ، وقد عمرها ملك من ملوك الفرس اسمه كوشك ، فصارت أعمر ممّا كانت وأكثر أهلا ، والتي عليها الآن أرضها وضياعها جبال شاهقة ، وليس بقربها أرض وطئة ، وزروعها على أطراف الجبال بالفؤوس لأن الدوابّ لا عمل لها هناك.
وأمّا نفس المدينة ففي فضاء في وسط ذلك ، وأرضها كلّها حجر ، وفيها عمارات كثيرة حسنة ، وشرب أهلها من ماء المطر. ليس فيها دار إلّا وفيها صهريج.
مياهها تجتمع من الدروب ، ودروبها حجريّة ليست كثيرة الدنس ، لكن مياهها
رديئة. وفيها ثلاث برك : بركة بني إسرائيل ، وبركة سليمان ، وبركة عياض.
قال محمّد بن أحمد البشّاري المقدسي ، وله كتاب في أخبار بلدان الإسلام : إنّها متوسطة الحرّ والبرد ، وقلّما يقع بها ثلج ، ولا ترى أحسن من بنيانها ولا أنظف ولا أنزه من مساجدها! قد حمع الله فيها فواكه الغور والسهل والجبل والأشياء المتضادّة : كالأترج واللوز والرطب والجوز والتين والموز ، إلّا أنّ بها عيوبا منها ما ذكر في التوراة : انّها طست ذهب مملوء عقارب ، ثمّ لا يرى أقذر من حمّاماتها ولا أثقل مونة منها! وهي مع ذلك قليلة العلماء كثيرة النصارى ، وفيهم جفاء على الرحبة والفنادق والضرائب ثقال على ما يباع فيها ، وليس لمظلوم ناصر وليس بها أمكن من الماء والأذان.
بها المسجد الأقصى الذي شرّفه الله تعالى وعظّمه وقال : إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله. وقال ، صلّى الله عليه وسلّم : لا تشدّ الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجدي هذا. وهو في طرف الشرق من المدينة ، أساسه من عمل داود ، عليه السلام. طول كلّ حجر عشرة أذرع ، وفي قبلته حجر أبيض عليه مكتوب : محمّد رسول الله ، خلقة لم يكتبه أحد. وصحن المسجد طويل عريض طوله أكثر من عرضه ، وهو في غاية الحسن والإحكام ، مبنيّ على أعمدة الرخام الملوّنة ، والفسيفساء الذي ليس في شيء من البلاد أحسن منه.
وفي صحن المسجد مصطبة كبيرة في ارتفاع خمسة أذرع ، يصعد إليه من عدّة مواضع بالدرج ، وفي وسط هذه المصطبة قبّة عظيمة مثمّنة على أعمدة رخام مسقفة برصاص ، منمّقة من داخل وخارج بالفسيفساء ، مطبقة بالرخام الملوّن. وفي وسطها الصخرة التي تزار ، وعلى طرفها أثر قدم النبيّ ، عليه السلام ، وتحتها مغارة ينزل إليها بعدّة درج يصلّى فيها. ولهذه القبّة أربعة أبواب ، وفي شرقيها خارج القبّة قبّة أخرى على أعمدة حسنة يقولون :انّها قبّة السلسلة. وقبّة المعراج أيضا على المصطبة ، وكذلك قبّة النبيّ ، عليه
السلام. كلّ ذلك على أعمدة مطبقة أعلاها بالرصاص ، وذكر أن طول قبّة الصخرة كان اثني عشر ميلا في السماء ، وكان على رأسها ياقوتة حمراء كان في ضوئها تغزل نساء أهل بلقاء.
وبها مربط البراق الذي ركبه النبيّ ، عليه السلام ، تحت ركن المسجد.
وبها محراب مريم ، عليها السلام ، الذي كانت الملائكة تأتيها فيه بفاكهة الشتاء في الصيف وبفاكهة الصيف في الشتاء.
وبها محراب زكرياء ، عليه السلام ، الذي بشرته الملائكة بيحيى. عليه السلام ، وهو قائم يصلّي في المحراب. وبها كرسي سليمان الذي كان يدعو الله عليه.
وعن رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، أن الله تعالى أرسل ملك الموت إلى موسى ، عليه السلام ، فصكّه ، فرجع إلى ربّه وقال : أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت! فقال : ارجع إليه وقل له حتى يضع يده على متن ثور ، فله بما غطّت يده بكلّ شعر سنة. قال : اي ربّ! ثمّ ماذا؟ قال : ثمّ الموت! فسأل الله تعالى أن يقبره من الأرض المقدسة رمية حجر ، فلو كنت ثمّة لأريتكم قبره إلى جنب الطريق تحت الكثيب الأحمر.
أمّا المسجد فطوله سبعمائة ذراع وأربعة وثمانون ذراعا ، وعرضه أربعمائة وخمسة وخمسون ذراعا ، وعدّة ما فيه من العمد ستمائة وأربعة وثمانون ، وداخل الصخرة ثلاثون عمودا ، وقبّة الصخرة ملبّسة بصفائح الرصاص ، عليها ثلاثة آلاف صفيحة واثنتان وتسعون ، ومن فوق ذلك الصفائح النحاس مطليّة بالذهب ، وفي سقوف المسجد أربعة آلاف خشبة ، وعلى السقوف خمسة مطليّة بالذهب ، وفي سقوف المسجد أربعة آلاف خشبة ، وعلى السقوف خمسة وأربعون ألف صفيحة رصاص.
حجر الصخرة ثلاثة وثلاثون ذراعا في سبعة وعشرين ، والمغارة التي تحت الصخرة تسع تسعا وستين نفسا. ويسرج في المسجد ألف وخمسمائة قنديل ، ويسرج في الصخرة أربعمائة وأربعة وستون قنديلا. وكانت وظيفته كلّ شهر مائة قسط زيتا ، وفي كلّ سنة ثمانمائة ألف ذراع حصيرا ، وكان له من الخدم