الاقليم الرابع
أوّله حيث يكون الظلّ إذا استوى الليل والنهار نصف النهار أربعة أقدام وثلاثة أخماس قدم وثلث خمس قدم ، وآخره حيث يكون الظلّ نصف النهار عند الاستواء خمسة أقدام وثلاثة أخماس قدم وثلث خمس قدم. يبتدىء من أرض الصين والتبت والختن وما بينهما ، ويمرّ على جبال قشمير وبلور وأرجان وبذخشان وكابل وغور وخراسان وقومس وجرجان وطبرستان وقوهستان وآذربيجان ، وأدنى العراق والجزيرة ورودس وصقلية إلى البحر المحيط من الأندلس.
وطول نهار هؤلاء في أوّل الإقليم أربع عشرة ساعة وربع ، وأوسطه أربع عشرة ساعة ونصف ، وآخره أربع عشرة ساعة ونصف وربع ساعة. وطوله من المشرق إلى المغرب ثمانية آلاف ومائتان وأربعة عشر ميلا وأربع عشرة دقيقة ، وعرضه مائتا ميل وتسعة وتسعون ميلا وأربع دقائق ، وتكسيره ألفا ألف وأربعمائة ألف وثلاثة وسبعون ألفا وستمائة واثنان وسبعون ميلا واثنتان وعشرون دقيقة.
ولنذكر بعض ما فيه من المدن والقرى مرتّبة على حروف المعجم ، والله المستعان وعليه التكلان :
آبه
بليدة بقرب ساوة طيبة إلّا أن أهلها شيعة غالية جدّا ، وبينهم وبين أهل ساوة منافرة لأن أهل ساوة كلّهم سنّية وأهل آبه كلّهم شيعة ؛ قال القاضي أبو نصر الميمندي :
وقائلة : أتبغض أهل آبه
وهم أعلام نظم والكتابه؟
فقلت : إليك عني إنّ مثلي
يعادي كلّ من عادى الصّحابه
بينها وبين ساوة نهر عظيم سيما وقت الربيع. بنى عليه أتابك شيركير ، رحمه الله ، قنطرة عجيبة ، وهي سبعون طاقا ليس على وجه الأرض مثلها.
ومن هذه القنطرة إلى ساوة أرض طينها الأزب ، يمتنع على السابلة المرور عليها عند وقع المطر عليها ، فاتّخذ عليها أتابك جادة من الحجارة المفروشة مقدار فرسخين لتمشي عليها السابلة من غير تعب.
آذربيجان
ناحية واسعة بين قهستان وارّان. بها مدن كثيرة وقرى وجبال وأنهار كثيرة. بها جبل سبلان ؛ قال أبو حامد الأندلسي : انّه جبل بآذربيجان بقرب مدينة أردبيل من أعلى جبال الدنيا. روي عن رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، انّه قال : من قرأ : سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ، إلى قوله تخرجون ، كتب له من الحسنات بعدد كلّ ورقة ثلج تسقط على جبل سبلان! قيل : وما سبلان يا رسول الله؟ قال : جبل بين أرمينية وآذربيجان ، عليه عين من عيون الجنّة ، وفيه قبر من قبور الأنبياء. وقال أيضا : على رأس الجبل عين عظيمة ماؤها جامد لشدّة البرد ، وحول الجبل عيون حارّة يقصدها المرضى ، وفي حضيض الجبل أشجار كبيرة وبينها حشيشة لا يقربها شيء من البهائم ، فإذا قرب شيء منها هرب ، وإن أكل منها مات.
وفي سفح الجبل قرية اجتمعت بقاضيها أبي الفرج بن عبد الرحمن الأردبيلي قال : ما هي إلّا قرية يحميها الجنّ! وذكر أنّهم بنوا مسجدا في القرية فاحتاجوا إلى قواعد لأعمدة المسجد ، فأصبحوا وعلى باب المسجد قواعد من الصخر المنحوت أحسن ما يكون.
وبها نهر الرس ، وهو نهر عظيم شديد جري الماء. وفي أرضه حجارة كبيرة لا تجري السفن فيه ، وله أجراف هائلة وحجارة كبيرة. زعموا أن من عبر نهر الرس ماشيا إذا مسح برجله ظهر امرأة عسرت ولادتها وضعت ، وكان بقزوين شيخ تركماني يقال له الخليل يفعل ذلك وكان يفيد.
حكى ديسم بن إبراهيم صاحب اذربيجان قال : كنت أجتاز على قنطرة الرس مع عسكري ، فلمّا صرت في وسط القنطرة رأيت امرأة حاملة صبيّا في قماط ، فرمحها بغل محمّل طرحها وسقط الطفل من يدها في الماء ، فوصل إلى الماء بعد زمان طويل لطول مسافة ما بين القنطرة وسطح الماء ، فغاص وطفا بعد زمان يسير وجرى به الماء ، وسلم من الحجارة التي في النهر. وكان للعقبان أوكار في اجراف النهر ، فحين طفا الطفل رآه عقاب فانقضّ عليه وشبّك مخالبه في قماطه ، وخرج به إلى الصحراء ، فأمرت جماعة أن يركضوا نحو العقاب ومشيت أيضا ، فإذا العقاب وقع على الأرض واشتغل بخرق القماط ، فأدركه القوم وصاحوا به ، فطار وترك الصبي ، فلحقناه فإذا هو سالم يبكي فرددناه إلى أمّه.
وبها نهر زكوير بقرب مرند لا يخوضه الفارس ، فإذا وصل إلى قرب مرند يغور ولا يبقى له أثر ، ويجري تحت الأرض قدر أربعة فراسخ ثمّ يظهر على وجه الأرض ، أخبر به الشريف محمّد بن ذي العقار العلوي المرندي.
وبها نهر ذكر محمّد بن زكرياء الرازي عن الجيهاني ، صاحب المسالك المشرقيّة ، ان باذربيجان نهرا ماؤه يجري فيستحجر ويصير صفائح حجر! وقال صاحب تحفة الغرائب : باذربيجان نهر ينعقد ماؤه صخرا صلدا كبيرا وصغيرا.
وبها عين ؛ قال صاحب تحفة الغرائب : باذربيجان عين يجري الماء عنها وينعقد حجرا ، والناس يملأون قالب اللبن من ذلك الماء ثمّ يتركونه يسيرا ، فالماء في القالب يصير لبنا حجريّا.
آرشت وناشقين
ضيعتان من ضياع قزوين على ثلاثة فراسخ منها. من عجائبهما أن الحديد ينطبع بآرشت ولا ينطبع بناشقين ، ولو أوقدوا عليه ما أوقدوا ، وقدر الصبّاغ يستوي بناشقين ولا يستوي بارشت ، ولو أوقدوا تحتها ما أوقدوا ، فلا يكون بآرشت صبّاغ ولا بناشقين حدّاد أصلا. وإذا تحوّل أحد الصانعين إلى الموضع الآخر لم ينجع عمله ، وهذا شيء مشهور يعرفه أهل تلك البلاد.
آمل
مدينة بطبرستان مشهورة. حدّثني الأمير أبو المؤيد حسام الدين بن النعمان أنّه إذا دخلها شيء من الضائنة ، وإن كانت من أسمن ما يكون ، تهزل بها جدّا بهزل لا يقاس إلى هزال المعز. وذكر أنّه أخبر بذلك فأمر أن يساق عدّة رؤوس من الضائنة. قال : رأيتها بعد ستّة أشهر عظاما مغشية بجلود ، وبقيت الألايا كالأذناب.
أبلّة
كورة بالبصرة طيّبة جدّا ، نضرة الأشجار متجاوبة الأطيار متدفقة الأنهار ، مؤنقة الرياض والأزهار ، لا تقع الشمس على كثير من أراضيها ، ولا تبين القرى من خلال أشجارها. قالوا : جنان الدنيا أربع : أبلّة البصرة ، وغوطة دمشق ، وصغد سمرقند ، وشعب بوّان.
والأبلة جانبان : شرقي وغربي ، أمّا الشرقي فيعرف بشاطىء عثمان قديما وهو عثمان بن ابان بن عثمان بن عفّان ، وهو العامر الآن بها الأشجار والأنهار والقرى والبساتين وهو على دجلة. وأنهارها مأخوذة من دجلة.
وبها أنواع الأشجار وأجناس الحبوب وأصناف الثمار ، لا تكاد تبين قراها
في وسطها من التفاف الأشجار.
وبها مشهد كان مسلحة لعمر بن الخطّاب ، وكانت بها شجرة سدر عظيمة كلّ غصن منها كنخلة ودورة ساقها سبعة أذرع ، والناس يأخذون قشرها ويتبخّرون به لدفع الحمّى ، وكان ينجع وذكروا انّه قلّما يخطىء. فلمّا ولّي بابكين البصرة أشاروا إليه بقطعها لمصلحة ، وكان قد ولّي البصرة مدّة طويلة وحسنت سيرتهم ، وكان هو في نفسه رجلا خيّرا ، فلمّا قطعها أنكر الناس فعزل عن قريب عن البصرة.
وأمّا الجانب الغربي من الابلة فخراب ، غير ان فيه مشهدا يعرف بمشهد العشار وهو مشرف على دجلة ، وهو موضع شريف قد اشتهر بين الناس ان الدعاء فيه مستجاب. وكان في قديم الزمان بهذا الجانب بنيان مشرف على دجلة وبساتين وقصور في وسطها ، وكان الماء يجري في دورها وقصورها وقد امتحقت الآن آثارها ، فسبحان من لا يعتريه التغيّر والزوال!
أبهر
مدينة بأرض الجبال كثيرة المياه والأشجار ، بناها سابور ذو الأكتاف.
قالوا : كانت عيونا كلّها فسدّها سابور بالصوف والجلود ، وبنى المدينة عليها.
وهي في غاية النزاهة من طيب الهواء وكثرة المياه والبساتين ، وخارجها أطيب من داخلها.
بها بساتين يقال لها بهاء الدين اباد ، لم ير أكبر منها طولا وعرضا. وهي عامة ينزل فيها القفل والعساكر لا يمنع أحد منها. ولها قهندز يتحصّن بها من خالف صاحب البلاد فبطلوها ، والآن قالوا يأوي إليها السباع لا يجسر أحد أن يأتيها.
بها عين كلّ نصل يسقى من مائها يبقى حادّا قطّاعا جدّا. والمدينة كلّها مشتملة على طواحين تدور على الماء ، وأكثر ثمارها العنب والجوز ونوع من الكمثرى مدوّرة في حجم النارنج ، يقال لها العبّاسي ، لذيذة جدّا ما في البلاد شيء
مثلها ، وعندهم من ذلك كثير جدّا ، يحملونها إلى البلاد للبيع ويعلّقونها حتى يأكلوها طول شتائهم يتفكّهون بها.
وأهلها أحسن الناس صورة كلّهم أهل السنّة ، لا يوجد فيهم إلّا كذلك.
وفيهم أدباء وفضلاء ، ولهم اجتماع كلمة على دفع ظلم الولاة ، لا يغلبهم وال ، أي وقت رأوا منه خلاف عادة قاموا كلّهم قيام رجل واحد لدفعه.
ينسب إليها الشيخ أبو بكر الطاهري كان من الابدال ، معاصر الشبلي. وله بأبهر رباط ينسب إليه ، وفي رباطه سرداب يدخل فيه كلّ جمعة ، ويخرج بأرض دمشق ويصلّي الجمعة بجامع دمشق ، وهذا حديث مشهور عندهم. وذكروا أن رجلا تبعه ذات يوم فإذا هو بأرض لم يرها أبدا ، والناس مجتمعون لصلاة الجمعة ، فسأل بعضهم عن ذلك الموضع فضحك وقال : أنت في دمشق وتسأل عنها! فقام طالع المدينة فلمّا عاد لم يجد الشيخ هناك ، فجعل ينادي ويقول للناس ما جرى له ، فلا يصدقه أحد إلّا رجل صالح قال له : دع عنك هذا الجزع ، وانتظره يوم الجمعة المستقبلة ، فإذا حضر الشيخ ارجع معه! فلمّا حضر الشيخ في الجمعة الأخرى تمسّك بذيله فقال له : لا تذكر هذا لأحد وأنا آخذك معي! ثمّ أخذه معه وعاد به إلى مكانه ، وهذه حكاية مشهورة عنه بأبهر.
وتنسب إليها سكينة الابهرية ، كانت في زمن الشيخ أبي بكر. وينسب إليها الوزير الفاضل الكامل أبو عمرو ، الملقّب بكمال الدين ، كان حاله شبيها بحال إبراهيم بن أدهم ، وكان وزيرا بقزوين ، وكان رجلا لطيفا فطنا شاعرا بالعربيّة والعجميّة ، محبّا لأهل الخير في زمان وزارته. فإذا في بعض الأيّام ركب في موكبه ومماليكه وحواشيه ، فلمّا خرج عن المدينة قال لمماليكه : أنتم أحرار لوجه الله! ونزل عن الدابّة ولبس اللبّاد وذهب إلى بيت المقدس ، وكان يحمل الحطب على ظهره ، ثمّ عاد إلى الشام ، وكان بها إلى أن توفّي في سنة تسعين وخمسمائة.
أبيورد
مدينة بخراسان بقرب سرخس ، بناها باورد بن جودرز ، وانّها مدينة وبيئة رديئة الماء ، من شرب من مائها يحدث به العرق المديني ، أمّا الغريب فلا يفوته البتّة ، وأمّا المقيم ففي أكثر أوقاته مبتلى به.
ينسب إليها أبو عليّ الفضيل بن غياض ، كان أوّل أمره يقطع الطريق بين سرخس وأبيورد حتى كان في بعض الرّبط في بعض الليالي وفي الرباط قفل ، فيقول بعضهم : قوموا لنرحل! فيقول البعض الآخر : اصبروا فإن الفضيل في الطريق ، فقال لنفسه : أنت غافل والناس يفزعون منك ، أعوذ بالله من هذه الحالة! فتاب وذهب إلى مكّة وأقام بها إلى أن مات. وحدّث سفيان بن عيينة : لمّا حجّ الرشيد ذهب إلى زيارة الفضيل ليلا ، فلمّا دخل عليه قال لي : يا سفيان أيّهم أمير المؤمنين؟ فأومأت إليه وقلت : هذا! فقال : أنت الذي تقلّدت أمر هذا الخلق بأحسن الوجه ، لقد تقلّدت أمرا عظيما! فبكى الرشيد وأمر له بألف دينار فأبى أن يقبلها ، فقال : أبا علي ان لم تستحلها فأعطها ذا دين واشبع بها جائعا واكس بها عاريا! فأبى ، فلمّا خرج الرشيد قلت له : أخطأت ، لو أخذت وصرفت في شيء من أبواب البرّ! فأخذ بلحيتي وقال : أبا محمّد ، أنت فقيه البلد وتغلط مثل هذا الغلط؟ لو طابت لأولئك لطابت لي!
وحكي أن الفضيل رؤي يوم عرفة على عرفات يبكي إلى آخر النهار ثمّ أخذ بلحيته وقال : واخجلتاه وإن غفرت! ومضى. وحكي انّه كان في جبل من جبال منى فقال : لو أن وليّا من أولياء الله أمر هذا الجبل أن يمتدّ لا متدّ! فتحرّك الجبل فقال الفضيل : اسكن لم أردك لهذا! فسكن الجبل. ولد الفضيل بسمرقند ، ونشأ بأبيورد ، ومات بمكّة سنة سبع وثمانين ومائة.
إربل
مدينة بين الزابين ، لها قلعة حصينة لم يظفر بها التتر ، مع أنّهم ما فاتهم شيء من القلاع والحصون ، بها مسجد يسمّى مسجد الكفّ ، فيه حجر عليه أثر كفّ إنسان ، ولأهل إربل فيه أقاويل كثيرة ولا ريب انّه شيء عجيب.
ينسب إليها الملك مظفر الدين كوكوبري بن زين الدين علي الصغير. كان ملكا شجاعا جوادا غازيا ، له نكايات في الفرنج يتحدّث الناس بها ، وكان معتقدا في أهل التصوّف ، بنى لهم رباطا لم يزل فيه مائتا صوفي ، شغلهم الأكل والرقص في كلّ ليلة جمعة. وكلّ من جاءه من أهل التصوّف آواه وأحسن إليه ، وإذا أراد السفر أعطاه دينارا. ومن أتاه من أهل العلم والخير والصلاح أعطاه على قدر رتبته.
وفي العاشر من ربيع الأوّل كان له دعوات وضيافات ، وفي هذا الوقت يجتمع عنده خلق كثير من الأطراف. وفي اليوم الثاني عشر مولد النبي ، عليه السلام ، كان له دعوة عظيمة يحضرها جميع الحاضرين ويرجع كلّ واحد بخير.
وكان يبعث إلى الفرنج أموالا عظيمة يشترى بها الأسارى. عمّر عمرا طويلا ومات سنة تسع وعشرين وستمائة.
اردبهشتك
قرية من قرى قزوين على ثلاثة فراسخ منها. من عجائبها عين ماء من شرب منها انطلق انطلاقا عظيما ، ويقصدها الناس من الأطراف في فصل الربيع لتنقية الباطن ، وبينها وبين قزوين نهر إذا جاوزوا بمائها ذلك النهر تبطل خاصيّته.
وقد حمل من ذلك الماء إلى قزوين في جرار واستعمل ولم يعمل شيئا. ومن خاصيّة هذا الماء ان أحدا يقدر أن يشرب منه خمسة أرطال أو ستة بخلاف غيره.