يل
ضيعة من ضياع قزوين على ثلاثة فراسخ منها.
بها جبل يقال له يله بشم ؛ حدّثني من صعد هذا الجبل قال : رأيت عليها صور حيوانات مسخها الله تعالى حجرا صلدا : منها راع متكىء على عصاه يرعى غنمه ، وامرأة تحلب بقرة ، وغير ذلك من صور الإنسان والبهائم ، مسخ الله تعالى كلّها حجرا ؛ وهذا شيء يعرفه جميع أهل قزوين.
وبها عين تخرج من شعب جبل ، وماؤها غزير حارّ جدّا يجتمع في حوض هناك ، يقصدها الزمنى والجربى وغيرهم من أصحاب العاهات ، ينفعهم نفعا بيّنا. وأهل تلك البلاد يسمّونها يله كرماب.
يمكان
مدينة حصينة في وسط الجبال بقرب بذخشان ، لا قدرة لأحد عليها ، قهرت الصعوبة مسلكها.
بها معادن الفضّة والبلخش الذي يشبه اللعل ؛ حكى الأمير حسام الدين أبو المؤيد بن النعمان أن الحكيم الناصر خسرو تحصّن بها ، وكان ملكا لبلخ ، فخرج عليه أهل بلخ ، فانتقل إلى يمكان لحصانتها ، واتّخذ بها عمارات عجيبة من القصور والبساتين والحمامات. وذكر انّه نزل في بعض تلك القصور فرأى في إيوان عظيم صورا وتماثيل تتحرّك ، فمنعه أهل القصر أن ينظر إليها. وذكروا أن من ينظر إليها يصاب في عقله أو بدنه. وقال : كان صغار مماليك ينظرون إليها يخبرون بأشياء تأباها العقول! وقال : رأيت خلف ذلك القصر بستانا كنت طول الليل أسمع منه أصواتا عجيبة ، لا تشبه أصوات الحيوانات المعهودة ، منها ما كان طيّبا ومنها ما كان كريها.
وحكي أن بها حمّاما من عجائب الدنيا من بناء ناصر خسرو ، لا يدرى
كيف بناؤه ، ولا يصدق السامع وصفها حتى يراها. وهي باقية في زماننا ، وصفتها أن من دخل مسلخها رأى بيتا مربعا منقّشا بصور حيوانات لا يرى باب الحمام ، لكن يرى على حيطانها أربعا وعشرين حلقة مغلقة ، فيسأل الحمامي عن باب الحمام فيقول : أي حلقة جذبتها ينفتح لك باب الحمام. فيجذب إحداها فينفتح باب وتنكسر صورة الحيوان التي على الباب لأن بعضها على الباب وبعضها على الجدار ؛ فلهذا لا يعرف الغريب باب الحمام ، فإذا دخل من باب من تلك الأبواب أيّها كان ، ينتهي إلى قبّة على مثال المسلخ إلّا أن حلقها سبع عشرة ، فأيّ حلقة يجذب يفتح له باب ، فإذا دخله يفضي به إلى قبّة أخرى على مثال ما قبلها ، إلّا أن حلقها اثنتا عشرة ، فأيّ حلقة منها يجذب يفضي إلى قبّة على مثال ما تقدّم ، إلا أن فيها تسع حلق ، فأي حلقة منها يجذب يفضي إلى قبّة إلى مثال ما قبلها ، إلّا أن حلقها سبع حلق ، وهي القبّة الأخيرة ، أحد أبوابها يفضي إلى الحمام وذلك يعرفه الحمامي : فإن فتح غيره يرى نفسه في المسلخ وهو البيت الأوّل المربّع.
وذكر الأمير أبو المؤيد أنّه شاهد هذا الحمام مرارا على هذه الهيئة ، وأنّه أشهر شيء بخراسان وهو باق إلى زماننا. وإنّما صار أمر هذا الحمام مشهورا بخراسان لأنّه عامّ لا يمنع أن يدخله أحد ويستحمّ به ، فيدخله كلّ أحد للاستحمام ومشاهدة العجب ولا يؤخذ ممّن دخله أجرة الحمام. وله آلات من السطول والطاسات والمآزر والطين والأمشاط والمناشف ، وجميع ما يحتاج إليه المستحمّ.
فإذا استحمّ وخرج يؤتى له بجلاب ومأكول على قدره ، ولا يقبلون من المستحمّ شيئا وإن أصرّ على ذلك ، بل له أوقاف كثيرة وانّها بيد أحفاد الناصر خسرو.
ومن عجائبها أمر آخر وهو أن ثلاثين بيتا منها يضيء بجام واحد ، ولا يمكنون أحدا أن يرى سطحها البتّة ، ولا يهتدي أحد إلى كيفيّة بنائها إلّا من عرف ذلك بحقيقة.
والله المستعان وعليه التكلان.
الاقليم الخامس
أوّله حيث يكون الظلّ نصف النهار ، إذا استوى الليل والنهار ، خمسة أقدام وثلاثة أخماس قدم وسدس خمس قدم ، وآخره حيث يكون الظلّ نصف النهار شرقا أو غربا ستّة أقدام ، ونصف عشر وسدس عشر قدم. ويبتدىء من أرض الترك المشرقين ويمرّ على أجناس الترك المعروفين إلى كاشغر وفرغانة وسمرقند وخوارزم وبحر الخزر إلى باب الأبواب وبرذعة وإلى ميّافارقين وارمينية وبلاد الروم.
وأطول نهار هؤلاء في أوّل الإقليم أربع عشرة ساعة ونصف وربع ، وفي أوسطه خمس عشرة ساعة ، وفي آخره خمس عشرة ساعة وربع. وطول وسطه من المشرق إلى المغرب سبعة آلاف ميل وستمائة وسبعون ميلا وبضع عشرة دقيقة ، وعرضه مائتان وأربعة وخمسون ميلا وثلاثون دقيقة ، ومساحتها مكسر ألف ألف وثمانية وأربعون ألفا وخمسمائة وأربعة وثمانون ميلا واثنتا عشرة دقيقة ، ولنذكر أحوال بعض المدن الواقعة فيه مرتبة على حروف المعجم :
آمد
مدينة حصينة مبنية بالحجارة من بلاد الجزيرة على نشز من الأرض ، ودجلة محيطة بها من جوانبها إلّا من جهة واحدة على شكل الهلال. وفي وسطها عيون وآبار عمقها ذراعان. وإنّها كثيرة الأشجار والبساتين والثمار والزروع.
من عجائبها ما ذكره ابن الفقيه أن بأرض آمد جبلا من بعض شعابه صدع فيه سيف ، من أدخل يده في ذلك الصدع وقبض على قائم ذلك السيف ، اضطرب
السيف في يده وارتعد هو ، وان كان من أشدّ الناس. وذكر أن هذا السيف يجذب الحديد أكثر من جذب المغناطيس ، فإذا حكّ به سيف أو سكين جذبه ، وحجارة ذلك الصدع ما يجذب ؛ هذا ما ذكره ابن الفقيه ولست أعرف انّه باق إلى الآن أم لا.
ومن العجب أن في سنة سبع وعشرين وستمائة انهزم جلال الدين خوارزمشاه عن التتر ، فانتهى إلى آمد فجاءه من أخبره بأن التتر خلفك قريب منك. فقال : إن هذا المخبر من عند صاحب آمد يريد إبعادنا من أرضه. فما أصبح إلّا والتتر محيط بهم ، فانصبّوا إلى آمد هاربين من التتر فقتلهم أهل آمد من السور ، وفي تلك الواقعة قتل جلال الدين خوارزمشاه. فلمّا رجع التتر جاء الملك الكامل بعساكره وحاصرها ، وأخذها من صاحبها ، وزال ملك صاحبها بشؤم ما عمل بالهاربين من التتر اللائذين به.
أبروق
موضع ببلاد الروم يزار من الآفاق ؛ قال الهروي : بلغني أمره فقصدته فوجدته في لحف جبل يدخل إليه من باب ، ويمشي الداخل تحت الأرض إلى أن ينتهي إلى موضع مكشوف واسع تبين فيه السماء من فوقه ، وفي وسطه بحيرة حولها بيوت الفلّاحين ومزروعهم خارج الموضع. وهناك مسجد وبيعة ، فإن جاءهم مسلم يمشي إلى المسجد ، وإن جاءهم نصراني يمشي إلى البيعة. والزوّار يأتون إلى هذا الموضع كثيرا ، ويدخلون إلى بهو فيه جماعة مقتولون ، فيهم آثار طعن الأسنة وضرب السيوف ، ومنهم من فقدت بعض أعضائه ، وعليهم ثياب من القطن لم تتغيّر!
وهناك أيضا امرأة على صدرها طفل حلمة ثديها في فيه ، وخمسة أنفس قيام ظهورهم على حائط الموضع ، وهناك أيضا موضع عال عليه سرير ، وعلى السرير اثنا عشر رجلا فيهم صيّ مخضوب اليدين والرجلين بالحنّاء ، فالروم
يزعمون أنّهم منهم ، والمسلمون يقولون انّهم من الغزاة استشهدوا في أيّام عمر بن الخطّاب ، رضي الله عنه.
أرّان
ناحية بين آذربيجان وأرمينية وبلاد ابخاز. بها مدن كثيرة وقرى. قصبتها جنزة وشروان وبيلقان. بها نهر الكرّ وهو نهر بين أرمينية وأرّان ، يبدأ من بلاد خزران ثمّ يمرّ ببلاد الأبخاز من ناحية اللان ، فيمرّ بمدينة تفليس يشقّها ، ثمّ بجنزة وشمكور ويجري على باب برذعة ، ثمّ يختلط بالرسّ ، والرس أصغر منه وينصبّ في بحر الخزر على ثلاثة فراسخ من برذعة ، موضع الشور ماهيج الذي يحمل إلى الآفاق مملّحا. وهو نوع من السمك طيّب مختصّ بذلك الموضع.
وزعموا أن الكرّ نهر سليم أكثر ما يقع فيه من الحيوان يسلم. ومن ذلك ما حكى بعض فقهاء نقجوان قال : وجدنا غريقا من الكرّ يجري به الماء ، فبادر القوم إلى إمساكه فأدركوه وقد بقي فيه رمق ، فحملوه إلى اليبس فاستقرّ نفسه وسكن جاشه. قال لنا : أي موضع هذا؟ قالوا : نقجوان. قال : إني وقعت في الماء في موضع كذا ، وكان بينه وبين نقجوان مسيرة خمسة أيّام أو ستّة ، وطلب طعاما فذهبوا لإحضار الطعام فانقضّ عليه الجدار الذي كان قاعدا تحته ، فتعجّب القوم من مسامحة النهر وتعدّي الجدار!
أرزنجان
بلدة من بلاد أرمينية آهلة طيّبة كثيرة الخيرات ، أهلها مسلمون ونصارى ، وبها جبل فيه غار ينزل الماء من سقفه ، ويصير ذلك الماء حجرا صلدا.
أرزن الروم
مدينة مشهورة من مدن ارمينية بقرب خلاط قديمة البناء. بينها وبين خلاط موضع يسمّى ياسي جمن ، به عين يفور الماء منها فورانا شديدا ، يسمع صوته من بعيد ، فإذا دنا الحيوان منها يموت في الحال. وحولها من الحيوانات الموتى ما شاء الله ، وقد وكّلوا بها من يمنع الغريب من الدنو منها.
بها عين الفرات وهي عين مباركة مشهورة. زعموا أن من اغتسل بمائها في الربيع يأمن من أمراض تلك السنة.
ارطانة
من قرى بلنسية. بها عين ارطانة ، وهي عين ينبع ماؤها من غار على فمه حوض ، يظهر في ذلك الحوض أنّه يكثر تارة ويقلّ أخرى كالمدّ والجزر ، وذلك يرى في كلّ يوم مرارا.
أرميّة
بلدة كبيرة من بلاد آذربيجان ، كثيرة الخيرات وافرة الغلّات. بقربها بحيرة تعرف ببحيرة أرميّة ، وإنّها كريهة الرائحة لا نبات عليها ولا سمك فيها.
استدارتها خمسون فرسخا ، مادتها من أودية من جبال تلك البلاد ، وفي وسط البحيرة جزيرة ، وعلى تلك الجزيرة قلعة حصينة ، وحواليها قرى ورساتيق ومزارع. وفي أكثر الأوقات كان صاحب تلك القلعة عاصيا على ولاة آذربيجان ، إذ لا سبيل إليها قهرا. ويخرج من هذه البحيرة ملح بحلو شبه التوتيا ، وعلى ساحلها ممّا يلي الشرق عيون ينبع ماؤها ويستحجر إذا أصابها الهواء ، وفيها حيوان يقال له كلب الماء.
وينسب إليها الشيخ أبو أحمد الملقّب بتاج الدين الأرموي ، كان عديم المثل
في زمانه بالأصول والفقه والحكمة والأدب ، ذا عبارة فصيحة وتقرير حسن وطبع لطيف وكلام ظريف. كان الاجتماع به سببا للذّات النفس من كثرة حكاياته الطيّبة والأمثال اللطيفة ، والتشبيهات الغريبة والمبالغات العجيبة. وكثيرا ما كان يقول : ان دفع التتر عن هذه البلاد لكثرة صدقات الخليفة المستنصر بالله فإن الصدقة تدفع البلاء ، ولولا ذلك لكان من دفع العساكر الخوارزمشاهية كيف يقف له عسكر العراق؟ وكان الأمر كما قال. فلمّا مضى المستنصر وقلّت الصدقة جاؤوا وظفروا.
وحكي أن الشيخ دخل يوما على ابن الوزير القمّي ، وكان ابن الوزير دقيق النظر كثير المآخذ ، قال للشيخ : أراك تقتني المماليك المرد وليس هذا طريقة المشايخ! قال الشيخ : لا. قعودي بين يديك من طريقة
المشايخ ، وإنّما هذا لذلك لولا ميلي إلى شيء من زينة الدنيا ما قعدت بين يديك.
أرمينية
ناحية بين آذربيجان والروم ، ذات مدن وقلاع وقرى كثيرة. أكثر أهلها نصارى. بها عجائب كثيرة ذكر أكثرها عند مدنها وقراها. والذي نزيده ههنا : بها جبل الحارث والحويرث ، لا يقدر أحد على ارتقائهما ؛ قالوا : إنّهما مقبرة ملوك أرمينية ومعهم أموالهم وذخائرهم. بليناس الحكيم طلسمها لئلّا يظفر بها أحد.
وحكى ابن الفقيه انّه كان على نهر الرسّ بأرمينية ألف مدينة ، فبعث الله تعالى إليهم نبيّا اسمه موسى ، وليس بموسى بن عمران ، فدعاهم إلى الله تعالى فكذّبوه وعصوا أمره ، فدعا عليهم فحوّل الله تعالى الحارث والحويرث من الطائف وأرسلهما عليهم ، فيقال إن أهل الرسّ تحت هذين الجبلين.
وبها البحيرة ؛ قال مسعر بن مهلهل : هذه البحيرة منتنة قليلة المنافع ، عليها قلاع حصينة وجانب من هذه البحيرة يأخذ إلى موضع يقال له وادي الكرد. فيه
طرائف من الأحجار وعليه ممّا يلي سيماس جمّة يقال لها عين زراوند ، وهي جمّة شريفة جليلة القدر كثيرة المنفعة ، وذلك لأن الإنسان أو الدابة إذا ألقي فيها وبه كلوم وقروح يندمل ويلتحم ، وإن كان فيها عظام موهّنة مرضّضة كامنة وشظايا غامضة ، تتفجّر أفواهها وينقّيها عن كلّ وسخ ويلحمها. قال مسعر ابن مهلهل : عهدي بمن تولّيت حمله إليها وبه علل من جرب وسلع وقولنج وحزاز ، وضربان في الساقين واسترخاء في العصب ، وفيه سهم قد نبت اللحم على نصله كنّا نتوقّع موته ساعة فساعة ، فأقام بها ثلاثا فخرج النصل من خاصرته وعوفي من بقيّة العلل. قال : ومن شرف هذه الجمّة أن الإنسان إذا شرب منها أمن الخوانيق وأسهل السوداء من غير مشقّة.
وحكى صاحب تحفة الغرائب أن بأرض أرمينية بيت نار ، له سطح من الصاروج وميزاب من النحاس ، وتحت الميزاب حوض كبير من الرخام ، وفي البيت مجاورون كلّما قلّ المطر بتلك الناحية أوقدوا نارهم ، وغسلوا سطح البيت بماء نجس حتى ينصبّ من الميزاب إلى الحوض ، ثمّ يرشون البيت بذلك الماء النجس ، فعند ذلك تستر السماء بالغمام وتمطر حتى يغسل السطح والميزاب والحوض ، ويمتلىء من الماء الطاهر.
الأشبونة
مدينة بالأندلس بقرب باجة طيّبة. بها أنواع الثمرات وضروب صيد البر والبحر. وهي على ضفة البحر تضرب أمواج البحر حائط سورها ؛ قال أحمد ابن عمر العذري ، وهو صاحب الممالك والمسالك الأندلسيّة : على أحد أبواب الأشبونة المعروف بباب الجمّة جمّة قريبة من البحر ، يجري بماء حارّ وماء بارد ، فإذا فار البحر واراها. وقال أيضا : بقرب الأشبونة غار عظيم تدخل أمواج البحر فيه ، وعلى فم الغار جبل عال ، فإذا ترادفت أمواج البحر في الغار ترى الجبل يتحرّك بتحرّك الموج ، فمن نظر إليه رآه مرّة يرتفع ومرّة ينخفض.