فإنّك لن تسبق رزقك ، ولن ترزق ما ليس لك ، ومن لم يصدّق فلينطح هذا الحجر حتى ينفجر!
شيلا
بلدة من أواخر بلاد الصين في غاية الطيب ، لا يرى بها ذو عاهة من صحّة هوائها وعذوبة مائها وطيب تربتها. أهلها أحسن الناس صورة وأقلّها أمراضا ، وذكر أن الماء إذا رشّ في بيوتها تفوح منه رائحة العنبر ، وهي قليلة الآفات والعلل ، قليلة الذباب والهوام. إذا اعتلّ إنسان في غيرها ثم نقل إليها زالت علله.
قال محمّد بن زكرياء الرازي : من دخلها استوطنها ولا يخرج عنها لطيبها ووفور خيراتها وكثرة ذهبها. والله الموفق.
صنعاء
قصبة بلاد اليمن ، أحسن مدنها بناء وأصحّها هواء وأعذبها ماء ، وأطيبها تربة وأقلّها أمراضا ، ذكر أن الماء إذا رشّ في بيوتها تفوح منه رائحة العنبر ، وهي قليلة الآفات والعلل ، قليلة الذباب والهوام. إذا اعتلّ إنسان في غيرها ونقل إليها يبرأ ، وإذا اعتلّت الإبل وأرعيت في مروجها تصحّ ، واللحم يبقى بها أسبوعا لا يفسد.
بناها صنعاء بن ازال بن عنير بن عابر بن شالح ، شبّهت بدمشق في كثرة بساتينها ، وتخرّق مياهها وصنوف فواكهها.
قال محمّد بن أحمد الهمذاني : أهل صنعاء في كلّ سنة يشتّون مرّتين ويصيّفون مرّتين ، فإذا نزلت الشمس نقطة الحمل صار الحرّ عندهم مفرطا ، فإذا نزلت أوّل السرطان زالت عن سمت رؤوسهم ، فيكون شتاء ، فإذا نزلت أوّل الميزان يعود الحرّ إليهم مرّة ثانية فيكون صيفا ، وإذا صارت إلى الجدي شتّوا مرّة ثانية ، غير أن شتاءهم قريب من الصيف في كيفيّة الهواء.
قال عمران بن أبي الحسن : ليس بأرض اليمن بلد أكبر من صنعاء ، وهو بلد بخطّ الاستواء ، بها اعتدال الهواء لا يحتاج الإنسان إلى رحلة الشتاء والصيف وتتقارب ساعات نهارها.
وكان من عجائب صنعاء غمدان الذي بناه التبابعة ؛ قالوا : بانيه ليشرخ ابن يحصب ؛ قال ابن الكلبي : اتّخذه على أربعة أوجه : وجه أحمر ووجه أبيض ووجه أصفر ووجه أخضر ، وبنى في داخله قصرا على سبعة سقوف بين كلّ سقفين أربعون ذراعا ، فكان ظلّه إذا طلعت الشمس يرى على ماء بينهما ثلاثة أميال ، وجعل في أعلاه مجلسا بناه بالرخام الملوّن ، وجعل سقفه رخامة واحدة ، وصيّر على كلّ ركن من أركانه تمثال أسد ، إذا هبّت الريح يسمع منها زئير الأسد ، وإذا أسرجت المصابيح فيه ليلا كان سائر القصر يلمع من ظاهره كما يلمع البرق ، وفيه قال ذو جدن الهمداني :
وغمدان الذي حدّثت عنه
بناه مشيّدا في رأس نيق
بمرمرة وأعلاه رخام
تحام لا يعيّب بالشّقوق
مصابيح السّليط يلحن فيه
إذا أمسى كتوماض البروق
فأضحى بعد جدّته رمادا
وغيّر حسنه لهب الحريق
وقال أميّة بن أبي الصّلت يمدح سيف بن ذي يزن في قصيدة آخرها :
فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا
في رأس غمدان دارا منك محلالا
تلك المكارم لا قعبان من لبن
شيبا بماء فصارا بعد أبوالا
وذكر أن التبابعة إذا قعدوا على هذا القصر وأشعلوا شموعهم يرى ذلك على مسيرة أيّام.
حكي أن عثمان بن عفّان ، رضي الله عنه ، لمّا أمر بهدم غمدان قالوا له :إن الكهنة يقولون هادم غمدان مقتول! فأمر بإعادته ، فقالوا له : لو أنفقت
عليه خراج الارض ما أعدته كما كان ، فتركه ، ولمّا خربه وجد على خشبة من أخشابها مكتوبا : اسلم غمدان ، هادمك مقتول. فهدمه عثمان بن عفّان فقتل.
ووجد على حائط ايوان من مجالس تبع مكتوبا :
صبرا الدّهر نال منك فهكذا مضت الدهور
فرح وحزن بعده لا الحزن دام ولا السّرور
وبصنعاء جبل الشبّ وهو جبل على رأسه ماء يجري من كلّ جانب وينعقد حجرا قبل أن يصل إلى الأرض ، وهو الشبّ اليمانيّ الأبيض الذي يحمل إلى الآفاق.
ومن عجائب صنعاء ما ذكر أنّه كان بها قبّة عظيمة من جمجمة رجل.
وبها نوع البرّ حبّتان منه في كمام ، ليس في شيء من البلاد غيرها ، وبها الورس وهو نبت له خريطة كالسمسم ، زرع سنة يبقى عشرين سنة.
وحكي أن أمير اليمن لمّا آل إلى الحبشة ، بنى أبرهة بن الصبّاح بها كنيسة لم ير الناس أحسن منها ، وسمّاها القلّيس ، وزيّنها بالذهب والفضّة والجواهر ، وكتب إلى النجاشي : إني بنيت لك كنيسة ليس لأحد مثلها من الملوك ، وأريد أصرف إليها حجّ العرب. فسمع ذلك بعض بني مالك بن كنانة فأتاها وأحدث فيها ، فسأل أبرهة عنه ، فقالوا : إنّه من أهل البيت الذي يحجّ إليه العرب.
فغضب وآلى ليسيرنّ إلى الكعبة ويهدمنّها ، ثمّ جاء بعسكره وفيلته ، فأرسل الله تعالى عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجّيل فجعلهم كعصف مأكول.
وبها الجنّة التي أقسم أصحابها لنصرمنّها مصبحين ، وهي على أربعة فراسخ من صنعاء ، وكانت تلك الجنّة لرجل صالح ينفق ثمراتها على عياله ، ويتصدّق على المساكين ، فلمّا مات الرجل عزم أصحابه على أن لا يعطوا للمساكين شيئا ، فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنّها اليوم عليكم مسكين ، فلمّا رأوها قالوا
إنّا لضالّون ، يعني ما هذا طريق بستاننا ، فلمّا رأوا الجنّة محترقة قالوا : بل نحن محرومون. ويسمّى ذاك الوادي الضّروان ، وهو واد ملعون ، حجارته تشبه أنياب الكلاب ، لا يقدر أحد أن يطأها ، ولا ينبت شيئا ولا يستطيع طائر أن يطير فوقه ، فإذا قاربه مال عنه ؛ قالوا : كانت النار تتّقد فيها ثلاثمائة سنة.
الصّين
بلاد واسعة في المشرق ممتدّة من الإقليم الأوّل إلى الثالث ، عرضها أكثر من طولها ، قالوا : نحو ثلاثمائة مدينة في مسافة شهرين. وانّها كثيرة المياه كثيرة الأشجار كثيرة الخيرات وافرة الثمرات ، من أحسن بلاد الله وأنزهها ، وأهلها أحسن الناس صورة وأحذقهم بالصناعات الدقيقة ، لكنّهم قصار القدود عظام الرؤوس ، لباسهم الحرير ، وحليهم عظام الفيل والكركدن ، ودينهم عبادة الأوثان.
وفيهم مانويّة ومجوس ، ويقولون بالتناسخ ولهم بيوت العبادات.
من عجائب الصين الهيكل المدوّر ؛ قال المسعودي : هذا الهيكل بأقصى بلاد الصين وله سبعة أبواب ، في داخله قبّة عظيمة البنيان عالية السمك ، وفي أعلى القبّة شبه جوهرة كرأس عجل يضيء منها جميع أقطار الهيكل ، وان جمعا من الملوك حاولوا أخذ تلك الجوهرة فما تمكّنوا من ذلك ، فمن دنا منها قدر عشرة أذرع خرّ ميتا ، وإن حاول أخذها بشيء من الآلات الطوال ، فإذا انتهت إليها هذا المقدار انعكست. وكذلك إن رمى إليها شيئا ، وإن تعرّض أحد لهمدم الهيكل مات ، وفي هذا الهيكل بئر واسعة الرأس ، من أكبّ عليها وقع في قعرها ، وعلى رأس البئر شبه طوق مكتوب عليه : هذه البئر مخزن الكتب التي هي تاريخ الدنيا وعلوم السماء والأرض ، وما كان فيها وما يكون ، وفيها خزائن الأرض لكن لا يصل إليها إلّا من وازن علمه علمنا ، فمن قدر عليه علمه كعلمنا ، ومن عجز فليعلم أنّه دوننا في العلم.
والأرض التي عليها هذا الهيكل أرض حجريّة عالية كجبل شامخ لا يرام
قلعه ، ولا يتأتى نقبه ، وإذا رأى الناظر إلى تلك الهيكل والقبّة والبئر وحسن بنيتها ، مال قلبه إليها وتأسف على فساد شيء منها.
ومن عجائب الصين ما ذكر صاحب تحفة الغرائب ان بها طاحونة يدور حجرها التحتاني ، والفوقاني ساكن ، ويخرج من تحت الحجر دقيق لا نخالة فيه ، ونخالة لا دقيق فيها ، كلّ واحد منهما منفرد عن الآخر.
وبها قرية عندها غدير فيه ماء في كلّ سنة يجتمع أهل القرية ويلقون فرسا في ذلك الغدير ، والناس يقفون على أطرافه ، كلّما أراد الفرس الخروج من الماء منعوه ، وما دام الفرس في الماء يأتيهم المطر ، فإذا أمطروا قدر كفايتهم وامتلأ الغدير ، أخرجوا الفرس وذبحوه على قلّة جبل ، وتركوه حتى يأكله الطير ، فإن لم يفعلوا ذلك في شيء من السنين لم يمطروا.
وبأرض الصين الذهب الكثير والجواهر واليواقيت في جبل من جبالها ، وبها من الخيرات الكثيرة من الحبوب والبقول والفواكه والسكر ، وفي جزائرها أشجار الطيب كالقرنفل والدارصيني ونحوها ، قالوا : القرنفل تأتي بها السيول من جبال شامخة لا وصول إليها وبها من الهوام والحشرات والحيّات والعقارب شيء كثير ، ولا تظهر بالصيف لأنّها ملتفّة بأشجارها ، تأكل من ثمارها وأوراقها وتظهر في الشتاء.
ولأهل الصين يد باسطة في الصناعات الدقيقة ، ولا يستحسنون شيئا من صناعات غيرهم ، وأيّ شيء رأوا أخذوا عليه عيبا ، ويقولون : أهل الدنيا ، ما عدانا ، عمي إلّا أهل كابل ، فإنّهم عور! وبالغوا في تدقيق صنعة النقوش حتى انّهم يصوّرون الإنسان الضاحك والباكي ، ويفصلون بين ضحك السرور والخجالة والشماتة. وإذا أراد ملكهم شيئا من المتاع ، يعرضه على أرباب الخبرة ولا يتركه في خزائنه إلّا إذا وافقوا على جودته.
وحكي أن صانعا اتّخذ ثوبا ديباجا عليه صورة السنابل وقعت عليها العصافير ، فعرضها الملك على أرباب الخبرة واستحسنوها إلّا صانع واحد ؛ قال : العصافير
إذا وقعت على السنابل أمالتها ، وهذا المصوّر عملها قائمة لا ميل فيها. فصدّقه الحاضرون وتعجّبوا من دقّة نظره في الصنعة.
ومن خواص بلاد الصين انّه قلّما يرى بها ذو عاهة كالأعمى والزمن ونحوهما ، وان الهرّة لا تلد بها.
وقال محمّد بن أبي عبد الله : رأيت في غياض الصين إنسانا يصيح صياح القردة ، وله وبر كوبر القرد ، ويداه تنالان ساقيه إذا بسطهما قائما. ويكون على الأشجار يثب من شجرة إلى شجرة وبينهما عشرة أذرع.
وقال ابن الفقيه : بالصين دابّة المسك ، وهي دابّة تخرج من الماء في كلّ سنة في وقت معلوم ، فيصطاد منها شيء كثير ، وهي شديدة الشبه بالظباء ، فتذبح ويؤخذ الدم من سرّتها ، وهو المسك ، ولا رائحة له هناك حتى يحمل إلى غيرها من الأماكن.
وبها الغضائر الصيني التي لها خواصّ ، وهي بيضاء اللون شفّافة وغير شفّافة ، لا يصل إلى بلادنا منها شيء ، والذي يباع في بلادنا على أنّه صيني معمول بلاد الهند ، بمدينة يقال لها كولم ، والصيني أصلب منه وأصبر على النار ، وخزف الصين أبيض ؛ قالوا : يترشّح السمّ منه ، وخزف كولم أدكن.
وطرائف الصين كثيرة : الفرند الفائق والحديد المصنوع الذي يقال له طاليقون ، يشترى بأضعافه فضّة ، ومناديل الغمر من جلد السمندل ، والطواويس العجيبة ، والبرادين الغرّة التي لا نظير لها في البلاد.
ظفار
مدينة قرب صنعاء ، كان بها مسكن ملوك حمير ، وفيها قيل : من دخل ظفار حمّر أي تكلّم بالحميريّة ، وسببه أنّه دخل رجل من العرب على ملك من ملوك حمير ، وهو على موضع عال ، فقال له الملك : ثب ، فوثب الرجل من العلو فانكسرت رجله ، ومعنى ثب بالحميريّة اقعد ، فقال الملك : ليس عندنا
عربيّة ، من دخل ظفار حمّر.
ينسب إليها الجزع الظفاري الجيّد ، وحكي انّه مكتوب على سور ظفار على حجر منها بقلم الأوائل : يوم شيّدت ظفار قيل لمن أنت؟ قالت : لحمير الأخيار! ثمّ سئلت بعد ذلك ، فقالت : للأحبش الأشرار! ثمّ سئلت بعد ذلك ، فقالت : للفرس الأخيار! ثمّ سئلت بعد ذلك فقالت : لقريش التجّار! ثمّ سئلت بعد ذلك فقالت : لحمير سنجار ، وقليلا ما يلبث القوم فيها ثمّ يأتيهم البوار ، من أسود يلقيهم في البحر ويشعل النار في أعلى الديار.
وبها اللّبان الذي لا يوجد في الدنيا إلّا في جبالها ، وانّه غلّة لسلطانها ، وانّه من شجر ينبت في تلك المواضع مسيرة ثلاثة أيّام في مثلها فيأتيها أهل ظفار ويجرحون أشجارها بالسكّين فيسيل منها اللبان ، فيجمعونه ويحملونه إلى ظفار ، فيأخذ السلطان قسطه ويعطيهم الباقي.
عمان
كورة على ساحل بحر اليمن في شرقي هجر ، تشتمل على مدن كثيرة ، سمّيت بعمان بن بغان بن إبراهيم الخليل ، عليه السلام ، والبحر الذي يليه منسوب إليه يقال بحر عمان.
روى ابن عمر عن النبي ، صلّى الله عليه وسلّم ، أنّه قال : إني لأعلم أرضا من أرض العرب يقال لها عمان على شاطىء البحر ، الحجّة منها أفضل أو خير من حجّتين من غيرها.
وعن الحسن البصري هو المراد من قوله تعالى : يأتين من كلّ فجّ عميق ، يعني من عمان ، وعن النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم : من تعذّر عليه الرزق فعليه بعمان. وأمّا حرّها فممّا يضرب به المثل.
بها اجتماع الخوارج الإباضية في زماننا هذا ، وليس بها من غير هذا المذهب إلّا غريب ، وهم أتباع عبد الله بن اباض الذي ظهر في زمن مروان
ابن محمّد ، آخر بني أميّة ، وقد قتل وكفي شرّه.
وحكى ابن الأثير في تاريخه : إنّه في سنة خمس وسبعين وثلاثمائة خرج بعمان طائر من البحر أكبر من فيل ، ووقف على تلّ هناك وصاح بصوت عال ولسان فصيح : قد قرب! قد قرب! قد قرب! ثمّ غاص في البحر ، فعل ذلك ثلاثة أيّام ثمّ غاب ولم ير بعد ذلك.
غانة
مدينة كبيرة في جنوب بلاد المغرب ، متّصلة ببلاد التبر ، يجتمع إليها التجّار ومنها يدخلون بلاد التبر ، ولولاه لتعذّر عليهم ذلك ، وهي أكثر بلاد الله ذهبا لأنّها بقرب معدنها ، ومنها يحمل إلى سائر البلاد ، وبها من النمور شيء كثير ، وأكثر لباس أهلها جلد النمر.
وحكى الفقيه أبو الربيع الملتاني أن في طريق غانة من سجلماسة إليها أشجارا عظيمة مجوّفة ، يجتمع في تجاويفها مياه الأمطار فتبقى كالحياض ، والمطر في الشتاء بها كثير جدّا ، فتبقى المياه في تجاويف تلك الأشجار إلى زمان الصيف ، فالسابلة يشربونها في مرورهم إلى غانة ، ولولا تلك المياه لتعذّر عليهم المرور إليها ، ويتّخذون أقتاب البعران من خشب الصنوبر ، فإن مات البعير فقتب رحله يفيء بثمنه.
غدامس
مدينة بالمغرب في جنوبيّه ضاربة في بلاد السودان ، يجلب منها الجلود الغدامسيّة ، وهي من أجود الدباغ لا شيء فوقها في الجودة ، كأنّها ثياب الخزّ في النعومة.
بها عين قديمة يفيض الماء منها ، ويقسمها أهل البلد قسمة معلومة ، فإن أخذ أحد زائدا غاض ماؤها ، وأهل المدينة لا يمكنون أحدا يأخذ زائدا خوفا من النقصان. وأهلها بربر مسلمون صالحون.