طائرا يسعى في البحر على سطح الماء ، ولا يوجد حيّا أبدا ، فإذا مدّ البحر حمله الماء إلى السواحل فيوجد ميتا. وهو طائر أسود يشبه الطائر الذي يقال له الغطاسة.
وحكى أحمد بن عمر العذري أن بعض الناس أتى بعود ، وقد تخلّق فيه حمل من البيض إلى بعض الملوك ، فأمر الملك أن يبنى عليه قبّة شبه قفص ويترك في الماء ، فلم يزل على الضفة حتى تبرأت الطيور من العود داخل القبّة.
شبليّة
قرية من كور أسروشنة بما وراء النهر من أعمال بخارى. ينسب إليها أبو بكر دلف بن جعفر الشبلي الزاهد العارف ، أعجوبة الدهر وصاحب الحالات العجيبة ؛ كان أبوه حاجب الموفق فورث منه ستّين ألف دينار ، فحضر مجلس جبر النسّاج وأنفق ذلك المال على الفقراء ، وذهب إلى ناحية دماوند وقال لأهلها :اجعلوني في حلّ ، فإني كنت والي بلدكم ، وقد فرطت مني فرطات. وحكى أبو عليّ الدقاق انّه كان للشبلي في بدء أمره مجاهدات شديدة حتى انّه كان يكتحل بالثلج والملح حتى لا ينام ، وكان في آخره يقول :
وكم من موضع لوّمت فيه
لكنت به نكالا في العشيره
وحكي أن الشبلي سئل عن العارف والمحبّ ، فقال : العارف إن تكلّم هلك ، والمحبّ إن سكت هلك. ثمّ أنشد :
يا أيّها السّيّد الكريم ،
حبّك بين الحشا مقيم
يا دافع النّوم عن جفوني
أنت بما حلّ بي عليم!
وكان بين يديه مرآة ينظر فيها كلّ ساعة ويقول : بيني وبين الله عهد ان ملت عنه عاقبني ، وأنا أنظر كلّ ساعة في المرآة لأعرف هل اسودّ وجهي أم لا.
وكان إذا اشتدّ به الوجد يقول :
أنت سؤلي ومنيتي
دلّني كيف حيلتي؟
قد تعشّقت وافتضح
ت وقامت قيامتي!
محنتي فيك أنّني
لا أبالي بمحنتي
يا شفائي من السّقام
وإن كنت علّتي
تعبي فيك دائم
فمتى وقت راحتي؟
وحكي انّه كان محبوسا في المارستان ، فدخل عليه جماعة فقال : من أنتم؟فقالوا : أحبابك جئناك زائرين! فأخذ يرميهم بالحجارة فأخذوا يهربون فقال : لو كنتم أحبابي لصبرتم على بلائي! توفي الشبلي سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة عن سبع وثمانين سنة.
شغنسة
مدينة بالأندلس بقرب وادي الحجارة ؛ قال العذري : من عجائبها الجبل الذي هو مطلّ عليها ، إذا كسر حجره يخرج من كسره زفت أسود شبه القار ، ومن أراد يجمع منه ما شاء. وليس للهوامّ بها كثير فعل.
شلب
مدينة بالأندلس بقرب باجة ؛ قال العذري : لها بسيط يتّسع وبطائح تنفسح ، وبها جبل عظيم منيف كثير المسارح والمياه.
من عجائبها ما ذكره خلق لا يحصى عددهم أنّه قلّ أن يرى من أهل شلب من لا يقول شعرا ولا يتعانى الأدب ، ولو مررت بالحرّاث خلف فدّانه وسألته الشعر لقرض في ساعته أي معنى اقترحت عليه ، وأيّ معنى طلبت منه صحيحا!
شنترة
مدينة بالأندلس بقرب الأشبونة على ساحل البحر ، وعليها ضبابة دائمة لا تنقشع. من عجائبها تفّاحها ، فإنّ بها تفّاحا دورة واحدة منها ثلاثة أشبار ، وهي الآن بيد الفرنج. ملكوها سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة.
شنترين
مدينة بالأندلس بقرب باجة على ساحل البحر. أرضها في غاية الكرم. مبنيّة على نهر باجة ، وللنهر فيض في بطائحها كفيض النيل بمصر. زرع أهلها على نداوته في مواضع فيضه بعد فوات أوان الزرع في غيرها من البلاد ، فيدرك بالعاجل.
وبها يوجد العنبر الجيّد الذي يقذفه البحر إلى ساحله في بعض الأوقات ، يحمل منها إلى سائر البلاد.
ومن عجائبها ما ذكر أن دابّة تخرج من البحر هناك وتحتك بحجارة على ساحل البحر فيسقط منها وبرة على لون الذهب ولين الخزّ وهي قليلة عزيزة جدّا فيجمعها الناس وينسج منها الثياب فيحجر عليها ملوكهم ولا تنقل من بلادهم إلّا بالخفية ، وتزيد قيمة الثوب منها على ألف دينار لحسنه وعزّته.
شنت مريّة
مدينة قديمة بالأندلس. ومعنى شنت مرية بلغة الفرنج مدينة مريم. وبها كنيسة ؛ قال أحمد بن عمر العذري : انّها بناء رفيع وسوار عظيمة من فضّة ، لم ير الراؤون مثلها في طول مفرط وعرض لم يحزم الإنسان بذراعيه واحدة منها.
وبها عين ماء إذا رآها الناظر من البعد لا يشكّ في أنّها جارية ، فإذا قرب منها ووقع البصر على منبعها لم يرها جارية أصلا ، فإذا تباعد عنها رآها جارية!
وهذا أمر مشهور عنها لا يكاد يخفى على أحد من تلك البلاد أو على من دخلها ، قال عبد الله البطليوسي النحوي يهجوها :
أناخت بنا في أرض شنت مريّة
هواجس ظنّ خان والظنّ خوّان
رحلنا سوام الحمد عنها لغيرها
فلا ماؤها صاد ولا النّبت سعدان
شنقنيرة
أرض بالأندلس من أعمال لورقة. خصّها الله تعالى بالبركة وقوّة لم توجد في غيرها من الأراضي. وهي ما ذكره الغرناطي الأنصاري أنّها حسنة المنظر والمخبر ، كثيرة الريع طيّبة المرتع ، الحبّة من زرعها تتفرّع إلى ثلاثمائة قصبة ، ومسافة هذه الأرض أربعون ميلا من قرطاجنة إلى لورقة ، يرتفع من المكوك من بذره مائة مكوك. ليست هذه الخاصيّة لشيء من أراضي غيرها.
صغد
كورة بين بخارى وسمرقند ، إحدى جنان الدنيا ؛ قالوا : جنان الدنيا أربع :صغد سمرقند ، وغوطة دمشق ، وشعب بوّان ، وأبلّة البصرة. أمّا صغد سمرقند فإنّها قرى متّصلة ، خلال الأشجار والبساتين ، من سمرقند إلى قريب من بخارى ، لا يتبيّن القرية حتى يأتيها لا لتحاف الأشجار بها. وهي أطيب أرض الله ، كثيرة الأشجار متجاوبة الأطيار غزيرة الأنهار ، وزادت على غيرها من الجنان بلطافة الهواء وعذوبة الماء. وليس بصغد سمرقند مكان إذا علاه الناظر يقع بصره على صحراء غبراء أو جبال خالية غير شجراء.
وإنّها على واد يمينا وشمالا ، ومقدارها في المسافة خمسة أيّام تشتبك الخضرة والبساتين والرياض ، وقد حفّت بالأنهار الدائم جريها ، والحياض في صدور رياضها ، وخضرة الأشجار والزروع ممتدّة على حافتي واديها ، من وراء الخضرة من الجوانب المزارع تكتنفها ، ومن وراء المزارع مراعي سوائمها.
وفي كلّ مدينة وقرية قصورها وقهندزها تلوح في أوساطها كالثوب الديباج الأخضر وقد طرّز بمجاري مياهها ، وزيّنت بتبييض قصورها. وهي أزكى بلاد الله وأحسنها أشجارا وأثمارا ، وفي عامة مساكن أهلها البساتين والمياه الجارية.
ومساحة الصغد ستة وثلاثون فرسخا في ستة وأربعين فرسخا. قصبتها سمرقند.
طراز
مدينة في أقصى بلاد الشاش ممّا يلي تركستان. وهي حدّ بلاد الإسلام لأنّك إذا جزتها دخلت في خرقاهات الخرلخية. وطراز مدينة طيّبة التربة عذبة الماء لطيفة الهواء كثيرة الخيرات ، أشبه شيء بالجنّة لأن أهلها في غاية حسن الصورة ليس في تلك النواحي أحسن منهم صورة ، رجالهم ونساؤهم إلى حدّ يضرب بحسن صورتهم المثل ؛ قال أبو الحسن بن زيد البيهقي :
ظبي أباح دمي وأسهر ناظري
من نسل ترك من ظباء طراز
للحسن ديباج على وجناته
وعذاره المسكيّ مثل طراز
مع طوق قمريّ ونغمة بلبل
وجمال طاووس وهمّة باز
طرطوشة
مدينة قديمة بالأندلس بقرب مدينة بلنسية مشتركة على نهر ابره. وهي برية وبحريّة ، وهي مدينة داخلة في مدينة ، من عجائب المدينة الداخلة ما حكاه العذري أنّها لا يدخلها جيش أصلا. وذكر أيضا أن البعوض ما كان يدخلها فيما مضى من الزمان ، حتى ان الواقع على سورها إذا أخرج يده عن السور وقع عليها البعوض ، وإذا ضمّها سقط البعوض عنها.
وبها موضع يعرف بمغراوة به نار مستكنّة في الأرض غير بادية للعيون ، لكنه يبدو على الموضع اواد ، فمن أراد أن يحقّقه أدخل في الموضع عودا ، فإنّه يحترق في ساعة ويصير جمرة.
وبها جبل كثير الخير والبركة ، وهو جبل منيف به جميع أنواع الثمار ، وفي أعلاه مروج كثيرة المياه والمراعي ، وبه شجر يشبه خشبه خشب الساج تتّخذ منه الآلات والظروف.
وبها معدن الكحل الطيب الذي هو غاية ومعدن الزجاج. وفي واديها الحوت الطيب من البوري والشوري الذي يكون في الواحد قنطار ، ويخرج منه السمور وفيه أرحاء في الغوارب يكون بيت الرحا في الغارب ، والدولاب يدور خارج الغارب بالماء ، فإن شاء صاحبها ينقل الغارب من موضع إلى موضع. ومثل هذا بالموصل كثير في دجلة ، وهم يسمّونه الغربة.
طرّكونة
مدينة عظيمة قديمة بالأندلس ، على شاطىء البحر الشامي بقرب طرطوشة ؛ قال العذري : تحت مدينة طرّكونة سراديب واسعة ، وفيها بنيان كثيرة ، قال : حدّثني شيخ مسنّ يقال له ابن زيدان انّه نزل في هذه البنيان ، فضلّ فيها هو وأصحابه ثلاثة أيّام ، فوجد فيها بيوتا مملوءة قمحا وشعيرا من الزمان الأوّل ، وقد تغيّر لونها ، ولولا ضوء رأوه في اليوم الثالث ما خرجوا أبدا ، والمدينة الآن مع الافرنج.
طلبيرة
مدينة قديمة بقرب طليطلة ، مبنية على قلّة جبل عظيم ، من عجائبها عين ينبع منها ماء كثير ، يدور عليه عشرون رحا.
طليطلة
مدينة كبيرة بالأندلس ، من أجلّ مدنها قدرا وأكثرها خيرا ، تسمّى مدينة الملوك. ومن طيب تربتها ولطافة هوائها تبقى الغلات في مطاميرها سبعين سنة
لا تتغيّر.
وبها القنطرة العجيبة التي وصفها الواصفون أنّها قوس واحد من أحد طرفي الوادي إلى الطرف الآخر ، لم ير على وجه الأرض قوس قنطرة أعظم منها إلّا قنطرة صور ؛ قال محمّد بن عبد الرحيم الغرناطي : بقرب طليطلة نهر عظيم ، بنت الجنّ على ذلك قنطرة من الصخر عالية من الجبل إلى الجبل كأنّها قوس قزح ، كلّ صخرة منها مثل بيت كبير ، وقد شدّت تلك الحجارة بجذوع من حديد ، وأذيب عليه الرصاص الأسود وهي أزج واحد ، يتعجّب الناظرون منها لجودة بنائها ، وماء ذلك النهر لا ينقطع أبدا.
وبها حجر المطر ، وهو ما أخبر به بعض المغاربة أن بقرب طليطلة حجرا إذا أراد القوم المطر أقاموه فلا يزال يأتي المطر إلى أن يلقوه. وكلّما أرادوا المطر فعلوا ذلك.
وبها صورة ثورين من حجر صلد ؛ قال العذري : ان طارقا لمّا غزا طليطلة ركب على الثيران ، وكان ذلك الموضع معسكره ، فلعلّ ذلك شيء من الطلسمات.
وكان بها بيت الملوك. كلّ من مات من ملوكها ترك تاجه في ذلك البيت ، وكتب عليه عمر صاحبه ومدّة ولايته ، وكان بها بيت آخر من ملك من ملوكها قفل عليه قفلا ، ووصّى لمن يكون بعده أن لا يفتح ذلك البيت ، حتى انتهى الملك إلى رجل اسمه لذريق ، دخل البيت الأوّل فوجد فيه أربعة وعشرين تاجا على عدد ملوكهم ، ووجد على باب البيت الآخر أربعة وعشرين قفلا ، ظنّ أن فيه مالا فأراد فتحه فاجتمعت الأساقفة والشمامسة وعظموا ذلك ، وسألوه أن يسلك مسلك الملوك الذين كانوا قبله ، فأبى إلّا فتحه ، فقالوا له : أيّها الملك ، انظر فيما يخطر ببالك من مال تراه فيه لندفعه إليك ولا تفتحه. فأبى إلّا فتحه.
فلمّا فتحه إذا في البيت صور العرب على خيولهم بعمائمهم ونعالهم ، وإذا فيه مكتوب : الملك فينا ما دام هذا البيت مقفلا ، فإذا فتح فقد ذهب الملك! فندم لذريق على فتح الباب ، فدخلت العرب بلدهم في السنة التي فتح فيها
الباب في أيّام الوليد بن عبد الملك. ولمّا فتحوها وجدوا بها مائدة سليمان بن داود ، عليه السلام ، من ذهب ، فلم يمكن نقلها لعظمها. فأمر الوليد أن يضرب منها حلي الكعبة وميزابها ففعل ، وما زالت بيد المسلمين إلى أن استولى عليها الفرنج في شهور سنة سبع وسبعين وأربعمائة ، وإلى الآن بيدهم.
غرناطة
مدينة بالأندلس قديمة بقرب البيرة ، من أحسن مدن بلاد الأندلس وأحصنها ، ومعناها الرمانة بلغة الأندلسيّين ، يشقّها نهر يعرف بنهر قلوم ، وهو النهر المشهور الذي يلفظ من مجراه برادة الذهب الخالص.
بها جبل الثلج مطلّ عليها ، على ذروته توجد أيّام الصيف صنوف الرياحين والرياض المونقة ، وأجناس الأفاويه وضروب العقاقير. وبها شجرة الزيتون التي هي من عجائب الدنيا ؛ قال أبو حامد الأندلسي : بقرب غرناطة بالأندلس كنيسة عندها عين ماء وشجرة زيتون ، والناس يقصدونها في يوم معلوم من السنة ، فإذا طلعت الشمس ذلك اليوم أخذت تلك العين بإفاضة الماء ، ففاضت ماء كثيرا ، ويظهر على الشجرة زهر الزيتون ثمّ ينعقد زيتونا ، ويكبر ويسودّ في يومه ذلك اليوم ، فيأخذ من ذلك الزيتون من قدر على أخذه ، ومن ذلك الماء للتداوي.
وقال محمّد بن عبد الرحيم الغرناطي إنّها بغرناطة. وحدّثني الفقيه سعيد بن عبد الرحمن الأندلسي انّها بسقورة. وقال العذري : انّها بلورقة. والقائلون كلّهم أندلسيون ، والمواضع المذكورة كلّها من أرض الأندلس ، فجاز ان كلّ واحد منهم اضافه إلى موضع قريب منه.
غنجرة
مدينة في داخل الروم. بها نهر يسمّى المقلوب لأنه آخذ من الجنوب إلى الشمال بخلاف سائر الأنهار. حكي عنها انّه وقعت بها في سنة اثنتين وأربعين