وهذا أمر مشهور عنها لا يكاد يخفى على أحد من تلك البلاد أو على من دخلها ، قال عبد الله البطليوسي النحوي يهجوها :
أناخت بنا في أرض شنت مريّة
هواجس ظنّ خان والظنّ خوّان
رحلنا سوام الحمد عنها لغيرها
فلا ماؤها صاد ولا النّبت سعدان
شنقنيرة
أرض بالأندلس من أعمال لورقة. خصّها الله تعالى بالبركة وقوّة لم توجد في غيرها من الأراضي. وهي ما ذكره الغرناطي الأنصاري أنّها حسنة المنظر والمخبر ، كثيرة الريع طيّبة المرتع ، الحبّة من زرعها تتفرّع إلى ثلاثمائة قصبة ، ومسافة هذه الأرض أربعون ميلا من قرطاجنة إلى لورقة ، يرتفع من المكوك من بذره مائة مكوك. ليست هذه الخاصيّة لشيء من أراضي غيرها.
صغد
كورة بين بخارى وسمرقند ، إحدى جنان الدنيا ؛ قالوا : جنان الدنيا أربع :صغد سمرقند ، وغوطة دمشق ، وشعب بوّان ، وأبلّة البصرة. أمّا صغد سمرقند فإنّها قرى متّصلة ، خلال الأشجار والبساتين ، من سمرقند إلى قريب من بخارى ، لا يتبيّن القرية حتى يأتيها لا لتحاف الأشجار بها. وهي أطيب أرض الله ، كثيرة الأشجار متجاوبة الأطيار غزيرة الأنهار ، وزادت على غيرها من الجنان بلطافة الهواء وعذوبة الماء. وليس بصغد سمرقند مكان إذا علاه الناظر يقع بصره على صحراء غبراء أو جبال خالية غير شجراء.
وإنّها على واد يمينا وشمالا ، ومقدارها في المسافة خمسة أيّام تشتبك الخضرة والبساتين والرياض ، وقد حفّت بالأنهار الدائم جريها ، والحياض في صدور رياضها ، وخضرة الأشجار والزروع ممتدّة على حافتي واديها ، من وراء الخضرة من الجوانب المزارع تكتنفها ، ومن وراء المزارع مراعي سوائمها.
وفي كلّ مدينة وقرية قصورها وقهندزها تلوح في أوساطها كالثوب الديباج الأخضر وقد طرّز بمجاري مياهها ، وزيّنت بتبييض قصورها. وهي أزكى بلاد الله وأحسنها أشجارا وأثمارا ، وفي عامة مساكن أهلها البساتين والمياه الجارية.
ومساحة الصغد ستة وثلاثون فرسخا في ستة وأربعين فرسخا. قصبتها سمرقند.
طراز
مدينة في أقصى بلاد الشاش ممّا يلي تركستان. وهي حدّ بلاد الإسلام لأنّك إذا جزتها دخلت في خرقاهات الخرلخية. وطراز مدينة طيّبة التربة عذبة الماء لطيفة الهواء كثيرة الخيرات ، أشبه شيء بالجنّة لأن أهلها في غاية حسن الصورة ليس في تلك النواحي أحسن منهم صورة ، رجالهم ونساؤهم إلى حدّ يضرب بحسن صورتهم المثل ؛ قال أبو الحسن بن زيد البيهقي :
ظبي أباح دمي وأسهر ناظري
من نسل ترك من ظباء طراز
للحسن ديباج على وجناته
وعذاره المسكيّ مثل طراز
مع طوق قمريّ ونغمة بلبل
وجمال طاووس وهمّة باز
طرطوشة
مدينة قديمة بالأندلس بقرب مدينة بلنسية مشتركة على نهر ابره. وهي برية وبحريّة ، وهي مدينة داخلة في مدينة ، من عجائب المدينة الداخلة ما حكاه العذري أنّها لا يدخلها جيش أصلا. وذكر أيضا أن البعوض ما كان يدخلها فيما مضى من الزمان ، حتى ان الواقع على سورها إذا أخرج يده عن السور وقع عليها البعوض ، وإذا ضمّها سقط البعوض عنها.
وبها موضع يعرف بمغراوة به نار مستكنّة في الأرض غير بادية للعيون ، لكنه يبدو على الموضع اواد ، فمن أراد أن يحقّقه أدخل في الموضع عودا ، فإنّه يحترق في ساعة ويصير جمرة.
وبها جبل كثير الخير والبركة ، وهو جبل منيف به جميع أنواع الثمار ، وفي أعلاه مروج كثيرة المياه والمراعي ، وبه شجر يشبه خشبه خشب الساج تتّخذ منه الآلات والظروف.
وبها معدن الكحل الطيب الذي هو غاية ومعدن الزجاج. وفي واديها الحوت الطيب من البوري والشوري الذي يكون في الواحد قنطار ، ويخرج منه السمور وفيه أرحاء في الغوارب يكون بيت الرحا في الغارب ، والدولاب يدور خارج الغارب بالماء ، فإن شاء صاحبها ينقل الغارب من موضع إلى موضع. ومثل هذا بالموصل كثير في دجلة ، وهم يسمّونه الغربة.
طرّكونة
مدينة عظيمة قديمة بالأندلس ، على شاطىء البحر الشامي بقرب طرطوشة ؛ قال العذري : تحت مدينة طرّكونة سراديب واسعة ، وفيها بنيان كثيرة ، قال : حدّثني شيخ مسنّ يقال له ابن زيدان انّه نزل في هذه البنيان ، فضلّ فيها هو وأصحابه ثلاثة أيّام ، فوجد فيها بيوتا مملوءة قمحا وشعيرا من الزمان الأوّل ، وقد تغيّر لونها ، ولولا ضوء رأوه في اليوم الثالث ما خرجوا أبدا ، والمدينة الآن مع الافرنج.
طلبيرة
مدينة قديمة بقرب طليطلة ، مبنية على قلّة جبل عظيم ، من عجائبها عين ينبع منها ماء كثير ، يدور عليه عشرون رحا.
طليطلة
مدينة كبيرة بالأندلس ، من أجلّ مدنها قدرا وأكثرها خيرا ، تسمّى مدينة الملوك. ومن طيب تربتها ولطافة هوائها تبقى الغلات في مطاميرها سبعين سنة
لا تتغيّر.
وبها القنطرة العجيبة التي وصفها الواصفون أنّها قوس واحد من أحد طرفي الوادي إلى الطرف الآخر ، لم ير على وجه الأرض قوس قنطرة أعظم منها إلّا قنطرة صور ؛ قال محمّد بن عبد الرحيم الغرناطي : بقرب طليطلة نهر عظيم ، بنت الجنّ على ذلك قنطرة من الصخر عالية من الجبل إلى الجبل كأنّها قوس قزح ، كلّ صخرة منها مثل بيت كبير ، وقد شدّت تلك الحجارة بجذوع من حديد ، وأذيب عليه الرصاص الأسود وهي أزج واحد ، يتعجّب الناظرون منها لجودة بنائها ، وماء ذلك النهر لا ينقطع أبدا.
وبها حجر المطر ، وهو ما أخبر به بعض المغاربة أن بقرب طليطلة حجرا إذا أراد القوم المطر أقاموه فلا يزال يأتي المطر إلى أن يلقوه. وكلّما أرادوا المطر فعلوا ذلك.
وبها صورة ثورين من حجر صلد ؛ قال العذري : ان طارقا لمّا غزا طليطلة ركب على الثيران ، وكان ذلك الموضع معسكره ، فلعلّ ذلك شيء من الطلسمات.
وكان بها بيت الملوك. كلّ من مات من ملوكها ترك تاجه في ذلك البيت ، وكتب عليه عمر صاحبه ومدّة ولايته ، وكان بها بيت آخر من ملك من ملوكها قفل عليه قفلا ، ووصّى لمن يكون بعده أن لا يفتح ذلك البيت ، حتى انتهى الملك إلى رجل اسمه لذريق ، دخل البيت الأوّل فوجد فيه أربعة وعشرين تاجا على عدد ملوكهم ، ووجد على باب البيت الآخر أربعة وعشرين قفلا ، ظنّ أن فيه مالا فأراد فتحه فاجتمعت الأساقفة والشمامسة وعظموا ذلك ، وسألوه أن يسلك مسلك الملوك الذين كانوا قبله ، فأبى إلّا فتحه ، فقالوا له : أيّها الملك ، انظر فيما يخطر ببالك من مال تراه فيه لندفعه إليك ولا تفتحه. فأبى إلّا فتحه.
فلمّا فتحه إذا في البيت صور العرب على خيولهم بعمائمهم ونعالهم ، وإذا فيه مكتوب : الملك فينا ما دام هذا البيت مقفلا ، فإذا فتح فقد ذهب الملك! فندم لذريق على فتح الباب ، فدخلت العرب بلدهم في السنة التي فتح فيها
الباب في أيّام الوليد بن عبد الملك. ولمّا فتحوها وجدوا بها مائدة سليمان بن داود ، عليه السلام ، من ذهب ، فلم يمكن نقلها لعظمها. فأمر الوليد أن يضرب منها حلي الكعبة وميزابها ففعل ، وما زالت بيد المسلمين إلى أن استولى عليها الفرنج في شهور سنة سبع وسبعين وأربعمائة ، وإلى الآن بيدهم.
غرناطة
مدينة بالأندلس قديمة بقرب البيرة ، من أحسن مدن بلاد الأندلس وأحصنها ، ومعناها الرمانة بلغة الأندلسيّين ، يشقّها نهر يعرف بنهر قلوم ، وهو النهر المشهور الذي يلفظ من مجراه برادة الذهب الخالص.
بها جبل الثلج مطلّ عليها ، على ذروته توجد أيّام الصيف صنوف الرياحين والرياض المونقة ، وأجناس الأفاويه وضروب العقاقير. وبها شجرة الزيتون التي هي من عجائب الدنيا ؛ قال أبو حامد الأندلسي : بقرب غرناطة بالأندلس كنيسة عندها عين ماء وشجرة زيتون ، والناس يقصدونها في يوم معلوم من السنة ، فإذا طلعت الشمس ذلك اليوم أخذت تلك العين بإفاضة الماء ، ففاضت ماء كثيرا ، ويظهر على الشجرة زهر الزيتون ثمّ ينعقد زيتونا ، ويكبر ويسودّ في يومه ذلك اليوم ، فيأخذ من ذلك الزيتون من قدر على أخذه ، ومن ذلك الماء للتداوي.
وقال محمّد بن عبد الرحيم الغرناطي إنّها بغرناطة. وحدّثني الفقيه سعيد بن عبد الرحمن الأندلسي انّها بسقورة. وقال العذري : انّها بلورقة. والقائلون كلّهم أندلسيون ، والمواضع المذكورة كلّها من أرض الأندلس ، فجاز ان كلّ واحد منهم اضافه إلى موضع قريب منه.
غنجرة
مدينة في داخل الروم. بها نهر يسمّى المقلوب لأنه آخذ من الجنوب إلى الشمال بخلاف سائر الأنهار. حكي عنها انّه وقعت بها في سنة اثنتين وأربعين
وأربعمائة ليلة الاثنين الخامس من آب زلزلة هائلة ، وتتابعت إلى اليوم. سقط منها أبنية كثيرة ، وخسف هناك حصن وكنيسة حتى لم يبق لهما أثر ، وتبع من ذلك الخسف ماء حارّ كثير شديد الحرارة ، حتى غرق منه سبعون ضيعة ، وهرب خلق كثير من أهل تلك الضياع إلى رؤوس الجبال ، وبقي ذلك الماء على وجه الأرض تسعة أيّام ثمّ نضب.
فاراب
مدينة من بلاد ما وراء النهر. ينسب إليها الحكيم الأفضل أبو نصر بن طرخان الفارابي ، وهو أوّل حكيم نشأ في الإسلام. فهم كلام أرسطاطاليس ونقله إلى اللغة العربيّة ، وقد خصّه الله تعالى بمزيد فطانة حتى أحكم أنواع الحكمة حتى علم الموسيقى والكيمياء ، فكان يمشي في البلاد متنكّرا من خوف الملوك ، فإنّهم كانوا يطلبونه ، فإذا وصل إلى مدينة وأعجبته تلك المدينة سكنها مدّة ، ويشتري بها دارا وبستانا وجواري وعبيدا ، فإذا ملّ عنها زوّج الجواري من العبيد ووهب الأملاك لهم وفارقها ، ولا يرجع إليها أبدا.
وكان معاصرا للصاحب بن عبّاد ، وزير مجد الدولة بن بويه ، وكان الصاحب شديد الطلب له ؛ حكي أن الصاحب أو غيره ظفر به ذات مرّة ، وقد عرفوه واحترموا جانبه وأبو نصر انبسط معهم ، وكان حاذقا بعلم الموسيقى فأخذ في بعض مجالسهم شيئا من الملاهي ، وضرب ضربا فضحك القوم كلّهم ، ثمّ ضرب ضربا فبكى القوم كلّهم ، ثمّ ضرب ضربا فنام القوم كلّهم ، ثمّ قام وفارقهم وهرب.
وقيل : ان الصاحب بن عبّاد كان بالري ، فدخل عليه أبو نصر متنكّرا فما عرفه. وحكي أن أبا نصر كان في قفل يمشي في بلاد الشام ، فوقع عليهم اللصوص فسلّم إليهم ماله وخيله فأبوا إلّا قتله ، فنزل عن الدابّة وتستّر بالمجن ، وكان حاذقا في الرمي ، فقاتل حتى قتل في سنة أربعين وثلاثمائة.
فبرة
مدينة قديمة بأرض الأندلس بقرب قرطبة ، قال العذري : بها مغارة عجيبة لا يعرف قدرها البتّة يقال لها باب الرياح ، إذا وقفت عليه وعلقت فيه ثوبا رفعته الريح في الجوّ. وقال أيضا : إن بعض ملوك بني أميّة أمر أن يردم ذلك الغار بالتبن ، فحشدوا أهل الناحية وأمروهم بذلك حتى استوى الردم إلى أعلى الغار ، وقعد الناس على فم الغار فتحرّك بهم الردم وساخ من ساعته ، ونجا الناس. ولم يعلم أين ذهب ذلك التبن ، إلّا أنّهم رأوا بعض منابع ذلك الجبل أخرج منه بعض ذلك التبن.
فراغة
مدينة بالأندلس بقرب لاردة. وهي مدينة حسنة البنيان ذات مياه وبساتين كثيرة. وإنّها حسنة المنظر طيبة المخبر. بها سراديب تحت الأرض كثيرة ، وهي عندهم ملجأ من العدوّ إذا طرقهم. وصفتها أنّها بئر ضيّقة الرأس واسعة الأسفل ، وفي أسفلها أزقّة كثيرة مختلفة كنافقاء اليربوع ، فلا يوصل إليها من أعلى الأرض ولا يجسر الطالب على دخولها ، وإن انتشر فيها الدخان دخلوا في الأزقّة وسدّوا أبوابها حتى يرجع الدخان عنهم ، وإن طمّوها يكون لها باب آخر خرجوا منه ، وتسمّى هذه السراديب عندهم الفجوج ، ويخرج في عملها الأموال بالوصية وغيرها. وإن ذلك عندهم من أبواب البرّ.
فرمنتيرة
جزيرة في البحر المحيط ، طولها عشرون ميلا وعرضها ثلاثة أميال ، وانّها في وسط البحر. وهواؤها طيّب وتربتها كريمة ومياه آبارها عذبة. وبها عمارات ومزارع. ولطيب هوائها وتربتها لا يوجد فيها شيء من الهوام أصلا ، لأن
الهوامّ والحشرات تولدها من العفونات ، ولا عفونة بها. وحكي أن بها منبت الزعفران الجيّد الغاية الذي لا يوجد في موضع خير منه.
فهمين
قلعة بأرض الأندلس بقرب طليطلة حصينة جدّا. بها بئر شرب أهل القلعة منها ، ولم يعرف فيها علق أصلا ، فكثر فيها الطين بطول زمان. فاحتاجوا إلى كسحها فأخرجوا منها طينا كثيرا ، فكثر ماؤها إلّا انّه تولّد فيها علق كثير تعذر معه شرب مائها ، لأن العلق كان ينشب بحلق شارب الماء ، فوجدوا في وسط الطين المخرج منها علقا من النحاس ، فرموه في البئر فانقطع العلق منها.
قادس
جزيرة بقرب الأندلس ، طولها اثنا عشر ميلا. بها آبار مياهها عذبة ، وفيها آثار قديمة غيّرها الزمان : منها الطلسم المشهور الذي عمل لدفع البربر عن جزيرة الأندلس ، وهو ما حكي أن صاحب هذه الجزيرة كان من ملوك الروم قبل الإسلام ، وكانت له بنت ذات جمال ، فخطبها ملوك تلك النواحي فقالت البنت : لا أتزوّج إلّا بمن يعمل في جزيرتي طلسما يمنع البربر من دخولها أو يسوق الماء إليها من البرّ بحيث يدور الرحا عليها! فشرع ملكان أحدهما في عمل الطلسم والآخر في سوق الماء إليها من البرّ ، فقيل لها : بمن تتزوّجين؟ فقالت : أتزوّج بالسابق منهما!
أمّا صاحب الماء فقد اتّخذ في وسط البحر بناء محكما ، وثقه بالحجارة والرصاص بحيث لا يشرب شيئا من ماء البحر ، وسرّح الماء إليه من نهر من البرّ حتى وصل إلى جزيرة قادس ، وأثره في البحر إلى الآن ظاهر لكنّه مهدوم بطول المدّة.
وأمّا صاحب الطلسم فقد اتّخذ تمثالا من الحديد مخلوطا بالصفر على صورة