وبها جبل كثير الخير والبركة ، وهو جبل منيف به جميع أنواع الثمار ، وفي أعلاه مروج كثيرة المياه والمراعي ، وبه شجر يشبه خشبه خشب الساج تتّخذ منه الآلات والظروف.
وبها معدن الكحل الطيب الذي هو غاية ومعدن الزجاج. وفي واديها الحوت الطيب من البوري والشوري الذي يكون في الواحد قنطار ، ويخرج منه السمور وفيه أرحاء في الغوارب يكون بيت الرحا في الغارب ، والدولاب يدور خارج الغارب بالماء ، فإن شاء صاحبها ينقل الغارب من موضع إلى موضع. ومثل هذا بالموصل كثير في دجلة ، وهم يسمّونه الغربة.
طرّكونة
مدينة عظيمة قديمة بالأندلس ، على شاطىء البحر الشامي بقرب طرطوشة ؛ قال العذري : تحت مدينة طرّكونة سراديب واسعة ، وفيها بنيان كثيرة ، قال : حدّثني شيخ مسنّ يقال له ابن زيدان انّه نزل في هذه البنيان ، فضلّ فيها هو وأصحابه ثلاثة أيّام ، فوجد فيها بيوتا مملوءة قمحا وشعيرا من الزمان الأوّل ، وقد تغيّر لونها ، ولولا ضوء رأوه في اليوم الثالث ما خرجوا أبدا ، والمدينة الآن مع الافرنج.
طلبيرة
مدينة قديمة بقرب طليطلة ، مبنية على قلّة جبل عظيم ، من عجائبها عين ينبع منها ماء كثير ، يدور عليه عشرون رحا.
طليطلة
مدينة كبيرة بالأندلس ، من أجلّ مدنها قدرا وأكثرها خيرا ، تسمّى مدينة الملوك. ومن طيب تربتها ولطافة هوائها تبقى الغلات في مطاميرها سبعين سنة
لا تتغيّر.
وبها القنطرة العجيبة التي وصفها الواصفون أنّها قوس واحد من أحد طرفي الوادي إلى الطرف الآخر ، لم ير على وجه الأرض قوس قنطرة أعظم منها إلّا قنطرة صور ؛ قال محمّد بن عبد الرحيم الغرناطي : بقرب طليطلة نهر عظيم ، بنت الجنّ على ذلك قنطرة من الصخر عالية من الجبل إلى الجبل كأنّها قوس قزح ، كلّ صخرة منها مثل بيت كبير ، وقد شدّت تلك الحجارة بجذوع من حديد ، وأذيب عليه الرصاص الأسود وهي أزج واحد ، يتعجّب الناظرون منها لجودة بنائها ، وماء ذلك النهر لا ينقطع أبدا.
وبها حجر المطر ، وهو ما أخبر به بعض المغاربة أن بقرب طليطلة حجرا إذا أراد القوم المطر أقاموه فلا يزال يأتي المطر إلى أن يلقوه. وكلّما أرادوا المطر فعلوا ذلك.
وبها صورة ثورين من حجر صلد ؛ قال العذري : ان طارقا لمّا غزا طليطلة ركب على الثيران ، وكان ذلك الموضع معسكره ، فلعلّ ذلك شيء من الطلسمات.
وكان بها بيت الملوك. كلّ من مات من ملوكها ترك تاجه في ذلك البيت ، وكتب عليه عمر صاحبه ومدّة ولايته ، وكان بها بيت آخر من ملك من ملوكها قفل عليه قفلا ، ووصّى لمن يكون بعده أن لا يفتح ذلك البيت ، حتى انتهى الملك إلى رجل اسمه لذريق ، دخل البيت الأوّل فوجد فيه أربعة وعشرين تاجا على عدد ملوكهم ، ووجد على باب البيت الآخر أربعة وعشرين قفلا ، ظنّ أن فيه مالا فأراد فتحه فاجتمعت الأساقفة والشمامسة وعظموا ذلك ، وسألوه أن يسلك مسلك الملوك الذين كانوا قبله ، فأبى إلّا فتحه ، فقالوا له : أيّها الملك ، انظر فيما يخطر ببالك من مال تراه فيه لندفعه إليك ولا تفتحه. فأبى إلّا فتحه.
فلمّا فتحه إذا في البيت صور العرب على خيولهم بعمائمهم ونعالهم ، وإذا فيه مكتوب : الملك فينا ما دام هذا البيت مقفلا ، فإذا فتح فقد ذهب الملك! فندم لذريق على فتح الباب ، فدخلت العرب بلدهم في السنة التي فتح فيها
الباب في أيّام الوليد بن عبد الملك. ولمّا فتحوها وجدوا بها مائدة سليمان بن داود ، عليه السلام ، من ذهب ، فلم يمكن نقلها لعظمها. فأمر الوليد أن يضرب منها حلي الكعبة وميزابها ففعل ، وما زالت بيد المسلمين إلى أن استولى عليها الفرنج في شهور سنة سبع وسبعين وأربعمائة ، وإلى الآن بيدهم.
غرناطة
مدينة بالأندلس قديمة بقرب البيرة ، من أحسن مدن بلاد الأندلس وأحصنها ، ومعناها الرمانة بلغة الأندلسيّين ، يشقّها نهر يعرف بنهر قلوم ، وهو النهر المشهور الذي يلفظ من مجراه برادة الذهب الخالص.
بها جبل الثلج مطلّ عليها ، على ذروته توجد أيّام الصيف صنوف الرياحين والرياض المونقة ، وأجناس الأفاويه وضروب العقاقير. وبها شجرة الزيتون التي هي من عجائب الدنيا ؛ قال أبو حامد الأندلسي : بقرب غرناطة بالأندلس كنيسة عندها عين ماء وشجرة زيتون ، والناس يقصدونها في يوم معلوم من السنة ، فإذا طلعت الشمس ذلك اليوم أخذت تلك العين بإفاضة الماء ، ففاضت ماء كثيرا ، ويظهر على الشجرة زهر الزيتون ثمّ ينعقد زيتونا ، ويكبر ويسودّ في يومه ذلك اليوم ، فيأخذ من ذلك الزيتون من قدر على أخذه ، ومن ذلك الماء للتداوي.
وقال محمّد بن عبد الرحيم الغرناطي إنّها بغرناطة. وحدّثني الفقيه سعيد بن عبد الرحمن الأندلسي انّها بسقورة. وقال العذري : انّها بلورقة. والقائلون كلّهم أندلسيون ، والمواضع المذكورة كلّها من أرض الأندلس ، فجاز ان كلّ واحد منهم اضافه إلى موضع قريب منه.
غنجرة
مدينة في داخل الروم. بها نهر يسمّى المقلوب لأنه آخذ من الجنوب إلى الشمال بخلاف سائر الأنهار. حكي عنها انّه وقعت بها في سنة اثنتين وأربعين
وأربعمائة ليلة الاثنين الخامس من آب زلزلة هائلة ، وتتابعت إلى اليوم. سقط منها أبنية كثيرة ، وخسف هناك حصن وكنيسة حتى لم يبق لهما أثر ، وتبع من ذلك الخسف ماء حارّ كثير شديد الحرارة ، حتى غرق منه سبعون ضيعة ، وهرب خلق كثير من أهل تلك الضياع إلى رؤوس الجبال ، وبقي ذلك الماء على وجه الأرض تسعة أيّام ثمّ نضب.
فاراب
مدينة من بلاد ما وراء النهر. ينسب إليها الحكيم الأفضل أبو نصر بن طرخان الفارابي ، وهو أوّل حكيم نشأ في الإسلام. فهم كلام أرسطاطاليس ونقله إلى اللغة العربيّة ، وقد خصّه الله تعالى بمزيد فطانة حتى أحكم أنواع الحكمة حتى علم الموسيقى والكيمياء ، فكان يمشي في البلاد متنكّرا من خوف الملوك ، فإنّهم كانوا يطلبونه ، فإذا وصل إلى مدينة وأعجبته تلك المدينة سكنها مدّة ، ويشتري بها دارا وبستانا وجواري وعبيدا ، فإذا ملّ عنها زوّج الجواري من العبيد ووهب الأملاك لهم وفارقها ، ولا يرجع إليها أبدا.
وكان معاصرا للصاحب بن عبّاد ، وزير مجد الدولة بن بويه ، وكان الصاحب شديد الطلب له ؛ حكي أن الصاحب أو غيره ظفر به ذات مرّة ، وقد عرفوه واحترموا جانبه وأبو نصر انبسط معهم ، وكان حاذقا بعلم الموسيقى فأخذ في بعض مجالسهم شيئا من الملاهي ، وضرب ضربا فضحك القوم كلّهم ، ثمّ ضرب ضربا فبكى القوم كلّهم ، ثمّ ضرب ضربا فنام القوم كلّهم ، ثمّ قام وفارقهم وهرب.
وقيل : ان الصاحب بن عبّاد كان بالري ، فدخل عليه أبو نصر متنكّرا فما عرفه. وحكي أن أبا نصر كان في قفل يمشي في بلاد الشام ، فوقع عليهم اللصوص فسلّم إليهم ماله وخيله فأبوا إلّا قتله ، فنزل عن الدابّة وتستّر بالمجن ، وكان حاذقا في الرمي ، فقاتل حتى قتل في سنة أربعين وثلاثمائة.
فبرة
مدينة قديمة بأرض الأندلس بقرب قرطبة ، قال العذري : بها مغارة عجيبة لا يعرف قدرها البتّة يقال لها باب الرياح ، إذا وقفت عليه وعلقت فيه ثوبا رفعته الريح في الجوّ. وقال أيضا : إن بعض ملوك بني أميّة أمر أن يردم ذلك الغار بالتبن ، فحشدوا أهل الناحية وأمروهم بذلك حتى استوى الردم إلى أعلى الغار ، وقعد الناس على فم الغار فتحرّك بهم الردم وساخ من ساعته ، ونجا الناس. ولم يعلم أين ذهب ذلك التبن ، إلّا أنّهم رأوا بعض منابع ذلك الجبل أخرج منه بعض ذلك التبن.
فراغة
مدينة بالأندلس بقرب لاردة. وهي مدينة حسنة البنيان ذات مياه وبساتين كثيرة. وإنّها حسنة المنظر طيبة المخبر. بها سراديب تحت الأرض كثيرة ، وهي عندهم ملجأ من العدوّ إذا طرقهم. وصفتها أنّها بئر ضيّقة الرأس واسعة الأسفل ، وفي أسفلها أزقّة كثيرة مختلفة كنافقاء اليربوع ، فلا يوصل إليها من أعلى الأرض ولا يجسر الطالب على دخولها ، وإن انتشر فيها الدخان دخلوا في الأزقّة وسدّوا أبوابها حتى يرجع الدخان عنهم ، وإن طمّوها يكون لها باب آخر خرجوا منه ، وتسمّى هذه السراديب عندهم الفجوج ، ويخرج في عملها الأموال بالوصية وغيرها. وإن ذلك عندهم من أبواب البرّ.
فرمنتيرة
جزيرة في البحر المحيط ، طولها عشرون ميلا وعرضها ثلاثة أميال ، وانّها في وسط البحر. وهواؤها طيّب وتربتها كريمة ومياه آبارها عذبة. وبها عمارات ومزارع. ولطيب هوائها وتربتها لا يوجد فيها شيء من الهوام أصلا ، لأن
الهوامّ والحشرات تولدها من العفونات ، ولا عفونة بها. وحكي أن بها منبت الزعفران الجيّد الغاية الذي لا يوجد في موضع خير منه.
فهمين
قلعة بأرض الأندلس بقرب طليطلة حصينة جدّا. بها بئر شرب أهل القلعة منها ، ولم يعرف فيها علق أصلا ، فكثر فيها الطين بطول زمان. فاحتاجوا إلى كسحها فأخرجوا منها طينا كثيرا ، فكثر ماؤها إلّا انّه تولّد فيها علق كثير تعذر معه شرب مائها ، لأن العلق كان ينشب بحلق شارب الماء ، فوجدوا في وسط الطين المخرج منها علقا من النحاس ، فرموه في البئر فانقطع العلق منها.
قادس
جزيرة بقرب الأندلس ، طولها اثنا عشر ميلا. بها آبار مياهها عذبة ، وفيها آثار قديمة غيّرها الزمان : منها الطلسم المشهور الذي عمل لدفع البربر عن جزيرة الأندلس ، وهو ما حكي أن صاحب هذه الجزيرة كان من ملوك الروم قبل الإسلام ، وكانت له بنت ذات جمال ، فخطبها ملوك تلك النواحي فقالت البنت : لا أتزوّج إلّا بمن يعمل في جزيرتي طلسما يمنع البربر من دخولها أو يسوق الماء إليها من البرّ بحيث يدور الرحا عليها! فشرع ملكان أحدهما في عمل الطلسم والآخر في سوق الماء إليها من البرّ ، فقيل لها : بمن تتزوّجين؟ فقالت : أتزوّج بالسابق منهما!
أمّا صاحب الماء فقد اتّخذ في وسط البحر بناء محكما ، وثقه بالحجارة والرصاص بحيث لا يشرب شيئا من ماء البحر ، وسرّح الماء إليه من نهر من البرّ حتى وصل إلى جزيرة قادس ، وأثره في البحر إلى الآن ظاهر لكنّه مهدوم بطول المدّة.
وأمّا صاحب الطلسم فقد اتّخذ تمثالا من الحديد مخلوطا بالصفر على صورة
رجل بربري ، له لحية متلحّف بوشاح ورداء مذهّب قد تعلّق من منكبه إلى أنصاف ساقيه ، وقد جمع فضلتيه بيده اليسرى منضمة إلى صدره ، ويده اليمنى ممدودة بمفتاح قفل في يده ، قابض عليه مشيرا إلى البحر كأنّه يقول : لا عبور! وهو قائم على رأس بناء عال ، طوله نيف وستون ذراعا ، وطول الصورة قدر ستّة أذرع ، وذكر أن البحر الذي تجاه الصورة ، ويسمّى الابلاية ، لم ير ساكنا ولا تجري فيه السفن بعد ذلك.
وحكي أن صاحب سوق الماء سبق صاحب الطلسم فقال صاحب الجزيرة : لا تظهروا سبقه حتى لا يبطل علينا عمل الطلسم. فلمّا فرغ الصانع من الطلسم قيل له : قد سبقت! فالقى نفسه من أعلى الموضع الذي عليه الطلسم فمات.
فحصل لصاحب الجزيرة الماء والطلسم فما زال الأمر على ذلك. كان البحر مضطربا والجزيرة محفوظة إلى سنة أربعمائة ، فوقع المفتاح من يد الصورة ، فحمل إلى صاحب مدينة سبتة فوزنه ، فكان فيه ثلاثة أرطال ، فسكن البحر حينئذ وعبرت السفن فيه. وذكر أيضا أن الطلسم هدم في سنة أربعين وخمسمائة ، هدموه رجاء أن يوجد تحته شيء من المال ، فلم يوجد شيء فيه.
قاليقلا
مدينة بأرمينية تنسب إلى امرأة اسمها قالي ، فكأنّه قال قالي بنت ، كما يقال دارابجرد ، وصوّرت صورة نفسها على باب المدينة.
يجلب منها البسط والزلالي التي يقال لها قالي. ولأهلها يد باسطة في صنعتها ، ومنها تحمل إلى سائر البلاد.
بها بيعة الشعانين ؛ قال ابن الفقيه : انّها بيعة للنصارى فيها بيت كبير مخزن مصاحفهم وصلبانهم ، فإذا كانت ليلة الشعانين يفتح باب في ذلك الموضع معروف ، يخرج منه تراب أبيض فلا يزال يخرج ليلته إلى الصباح فينقطع حينئذ ، فيأخذه الراهب ويدفعه إلى الناس. وخاصيته دفع السموم ولدغ العقارب والحيات ،
يداف منه وزن دانق في ماء فيشربه الملسوع فيسكن في الوقت ألمه.
وفيه أعجوبة أخرى ، وذلك انّه ان بيع منه شيء لم ينتفع به صاحبه ، ويبطل عمله.
قرطبة
مدينة عظيمة في وسط بلاد الأندلس. كانت سرير ملك بني أميّة ، دورتها أربعة عشر ميلا وعرضها ميلان ، على النهر الأكبر الذي يعرف بوادي الكبير وعليه جسران.
ومسجدها الجامع من أكبر مساجد الإسلام وأجمعها لمحاسن العمد والبنيان ، طوله أربعمائة ذراع وعرضه ثلاثمائة ، وعمده ورخام بنيانه بفسيفساء وذهب ، وبحذائه سقايات وحياض فيها من الماء الرضراض.
وبها كنيسة الأسرى ، وهي مقصودة معتبرة عند النصارى ؛ قال العذري : إن المسلمين همّوا بفتح قرطبة فأسروا راعيا من رعاتها وسألوه عنها ، فذكر أنّها حصينة جدّا إلّا أن فيها ثغرة فوق باب القنطرة. فلمّا جنّهم الليل ذهبوا إلى تلك الثغرة ودخلوا منها ، وجاؤوا إلى باب المدينة الذي يقال له باب القنطرة ، وقتلوا الحراس وفتحوا الباب ودخلوا المدينة. فلمّا علم صاحب قرطبة أن المسلمين دخلوا خرج مع وجوه المدينة وتحصّن بهذه الكنيسة ، فحاصرهم المسلمون ثلاثة أيّام. فبينا هم كذلك إذ خرج العلج على فرس أصفر هاربا حتى أتى خندق المدينة ، فتبعه أمير المسلمين واسمه مغيث. فلمّا رأى مغيثا حرّك فرسه فسقط واندقّت رقبته فأسره مغيث ورجع إلى بقيّة العلوج فأسرهم وقتلهم ، فسميّت الكنيسة كنيسة الأسرى.
وبها جبال معدن الفضّة ومعدن الشادنج ، وهو حجر يقطع الدم ، ومعدن حجر التوتيا ومعدن الشبوب ، وتجلب من قرطبة بغال قيمة واحد منها تبلغ خمسمائة دينار لحسن شكلها وألوانها ، وعلوّها وصحّة قوائمها.