إن إله العرب ينزل منها ويصعد إليها. ومعجزة هؤلاء الملوك الذين هم من نسل زيد طول اللحية ، وقيام الأنف ، وسعة العين.
ولهؤلاء القوم عساكر فرسان ورجالهم كثيرة ، وصنعتهم عمل السلاح ، يعملون منه آلات حسنة جدّا. وغذاؤهم دخن ولحوم الضأن الذكر ، وليس في بلادهم بقر ولا معز أصلا. ولباسهم اللبود لا يلبسون غيرها. ولهم عادة أن من اجتاز بهم يأخذون عشر ماله.
بلاد تاتار
هم جيل عظيم من الترك سكّان شرقي الإقليم السادس ، أشبه شيء بالسباع في قساوة القلب وفظاظة الخلق وصلابة البدن ، وغلظ الطبع وحبّهم الخصومات وسفك الدماء وتعذيب الحيوان ، وخروجهم من معجزات رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، وهو ما رواه أبو بردة عن أبيه قال : كنت جالسا عند رسول الله ، عليه السلام ، فسمعته يقول : إن أمّتي يسوقها قوم عراض الوجوه صغار الأعين كأن وجوههم المجانّ المطرقة ثلاث مرّات حتى يلحقوهم بجزيرة العرب ، أمّا السابقة فينجو من هرب منهم ، وأمّا الثانية فيهلك بعض وينجو بعض ، وأمّا الثالثة فيهلك كلّهم. قالوا : من هم يا رسول الله؟ قال : هم الترك ، أما والذي نفسي بيده لتربطن خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين!
وعنه ، صلّى الله عليه وسلّم : ان لله جنودا بالمشرق اسمهم الترك ينتقم بهم ممّن عصاه ، فكم من حافيات حاسرات يسترحمن فلا يرحمن ، فإذا رأيتم ذلك فاستعدّوا للقيامة ، وأمّا الديانات فليسوا منها في شيء وليس عندهم حلّ ولا حرمة ، يأكلون كلّ شيء وجدوه ويسجدون للشمس ويسمّونها إلها ، ولهم لغة مخالفة لسائر الأتراك وقلم يكتبون به مخالف لسائر الأقلام.
حكت امرأة قالت : كنت في أسرهم مدّة ، فاتّفق أن الرجل الذي سباني مرض فقال أقاربه فيما قالوا : لعلّ هذه المرأة أطعمته شيئا. فهمّوا بقتلي والمريض
كان يمنعهم من قتلي ، فاجتمعوا يوما اجتماعا عظيما وأحضروا معزا أركبوني عليها ، وجاءت امرأة ساحرة بمنجل في يدها تديره ، وتقرأ شيئا والجمع قيام عندي بالسيوف المسلولة ، فإذا المعز تحتي صاحت صيحة ، فرجع القوم وخلّوا سبيلي وقالوا : ليس هذا كما ظننّا.
بلاد التغزغز
هم قوم من الترك ، بلادهم مسيرة عشرين يوما ، وليس لهم بيت عبادة.
يعظّمون الخيل ويحسنون القيام عليها ، ويأكلون المذكى وغير المذكى ، ويلبسون القطن واللبود ، ولهم عيد عند ظهور قوس قزح. ولهم ملك عظيم الشأن له خيمة على أعلى قصره من ذهب ، تتسع لألف إنسان ترى من خمسة فراسخ.
وبها حجر الدم ، وهو حجر إذا علق على إنسان كصاحب الرعاف أو غيره ينقطع دمه.
بلاد جكل
هم قوم من الترك ، مسيرة بلادهم أربعون يوما ، وبلادهم آمنة ساكنة ، وفيهم نصارى. وهم صباح الوجوه يتزوّج الرجل منهم بابنته وأخته وسائر محارمه ، وليسوا مجوسا لكن هذا مذهبهم ، ويعبدون سهيلا والجوزاء وبنات نعش ، ويسمّون الشعرى اليمانية ربّ الأرباب. وعندهم دعة لا يرون الشرّ ، وجميع قبائل الترك يطمع فيهم للينهم ودعتهم. ومأكولهم الشعير والجلبان ولحوم الغنم ، وليس في بلادهم الإبل ولا البقر ، ولباسهم الصوف والفراء لا يلبسون غيرها. وبها حجر الفادزهر ، ولا ملك لهم ، وبيوتهم من الخشب والعظام.
بلاد الختيان
هم قوم من الترك ، بلادهم مسيرة عشرين يوما ، وهم قوم أصحاب عقول وآراء صحيحة بخلاف سائر الترك. يتزوّجون تزويجا صحيحا ، ولا ملك لهم بل كلّ جمع لهم شيخ ذو عقل ورأي يتحاكمون إليه. وليس لهم جور على من يجتاز بهم ولا اغتيال عندهم. ولهم بيت عبادة يعتكفون فيه الشهر والأكثر والأقلّ. ومأكولهم الشعير والجلبان ولا يأكلون اللحم إلّا مذكى ، ولا يلبسون مصبوغا.
وبها مسك ذكي الرائحة جدّا ما دام في أرضهم ، فإذا حمل عنها تغيّر واستحال.
وبها جبل فيه حيّات من نظر إليها مات إلّا أنّها في ذلك الجبل لا تخرج عنه البتّة.
وبها حجر يسكن الحمى لكنه لا يعمل إلّا في أرضهم ، وعندهم فادزهر جيّد ، وعلامته أن فيه عروقا خضراء ، وعندهم بقول كثيرة لها منافع.
بلاد خرخيز
هم قوم من الترك ، بلادهم مسيرة شهر. لهم ملك مطاع عالم بمصالحهم ، لا يجلس بين يديه إلّا من جاوز الأربعين. ولهم كلام موزون يتكلّمون به في صلاتهم ، ويصلّون إلى جانب الجنوب. ولهم في السنة ثلاثة أعياد. ولهم أعلام خضر ينشرونها في الأعياد. ويعظّمون زحل والزهرة ، ويتطيّرون بالمريخ.
والسباع بأرضهم كثيرة جدّا.
ومأكولهم الدخن والأرز ولحوم البقر والغنم وغيرها إلّا لحم الجمال.
ولهم بيت عبادة وقلم يكتبون به. ولهم رأي ونظر في الأمور ولا يطفئون السراج بل يخلّونه حتى ينطفىء بنفسه. بها حجر يسرج بالليل يستغنون به عن المصابيح.
بلاد الخرلخ
قوم من الترك ، بلادهم مسيرة خمسة وعشرين يوما. وهم أهل البغي والظلم يغير بعضهم على بعض ، والزنا عندهم ظاهر.
وهم أصحاب قمار يقامر أحدهم صاحبه في زوجته وأخته وأمّه وابنته ، فما داموا في مجلس القمار فللمقمور أن يفادي ، فإذا انفصلا عن مجلس القمار فقد حصل له ما قمر ، يبيعها من التجار كما يريد.
ونساؤهم ذوات الجمال والفساد ، ورجالهم قليلو الغيرة : تأتي امرأة الرئيس وأخته إلى القوافل وتختار أحدا منهم ، وتمشي به إلى بيتها وتنزله عندها وتحسن إليه ، وزوجها وأقاربها يساعدونها ويتحرّكون في حوائجها ، وما دام الضيف عندها فان الزوج لا يدخل عليها.
ومأكولهم الحمص والعدس ويتّخذون من الدخن الخمر ، ولا يأكلون اللحم إلّا مغمّسا بالملح ، ولباسهم الصوف. ولهم بيت عبادة في حيطانه صور متقدمي ملوكهم ، والبيت من خشب لا تأكله النار ، ومن هذا الخشب في بلادهم كثير.
بها معدن الفضّة يستخرجونها بالزئبق ، وعندهم شجر يقوم مقام الاهليلج قائم الساق ، إذا طليت عصارته على الاورام الحارّة أبرأها لوقتها. ولهم حجر أخضر يعظّمونه ويذبحون له الذبائح تقرّبا إليه.
بها نهر فيه حيّات إذا وقع عليها عين شيء من الحيوان غشي عليه.
بلاد الخزر
هم جيل عظيم من الترك ، بلادهم خلف باب الأبواب الذي يقال له الدربند ، وهم صنفان : صنف بيض أصحاب الجمال الفائق ، وصنف سمر يقال لهم قرا خزر. وأبنيتهم خرقاهات إلّا شيء يسير من الطين. ولهم
أسواق وحمّامات.
ونزولهم على شطّ نهر آتل ، ولهم ملك عظيم يسمّى بلك. وفيهم خلق كثير من المسلمين والنصارى واليهود وعبدة الأوثان. وإذا عرض لقوم منهم حكومة يبعثهم إلى حاكمهم ، والملك لا يدخل بينهم. ولكلّ قوم من الأقوام حاكم.
ولملكهم قصر من الآجرّ بعيد من نهر آتل ، وليس لأحد بناء من الآجرّ إلّا له.
وحكي أن ملكهم لا يركب إلّا في أربعة أشهر مرّة ، وإذا ركب يكون بينه وبين الأجناد قدر ميل ، وإذا رآه أحد يخرّ ساجدا ، ولا يزال كذلك حتى يعبر الملك.
وإذا بعث سرية فانهزمت قتل الهاربين كلّهم ، ويحضر نساءهم وأولادهم وقماشهم يهبها لغيرهم ويقتلهم. وحكي أن ملكهم إذا جاوز الأربعين عزله أو قتله خاصّته ، وقالوا : هذا قد نقص عقله لا يصلح لتدبير الملك!
بلاد خطلخ
هم قوم من الترك ، مسيرة بلادهم عشرة أيّام ، وهم أشدّ شوكة من جميع قبائل الترك ، يغيرون على من حولهم ، ولهم رأي وتدبير في الأمور وينكحون الأخوات. والمرأة لا تتزوّج إلّا زوجا واحدا ، فإن مات عنها لا تتزوّج باقي عمرها. ومن زنى عندهم أحرقوا الزاني والمزني بها ، ولا طلاق لهم ، ومهر المرأة جميع ما يملكه الزوج. ويأكلون الشعير والجلبان والبرّ وسائر اللحوم غير المذكاة. وإذا تزوّج رجل امرأة لا مال لها فمهرها خدمة الولي سنة. والقصاص عندهم مشروع ، والجروح مضمونة بالارش ، فإن أخذ الارش ومات بالجراحة هدر دمه. وملكهم ينكر الشرّ أشدّ الانكار ولا يرضى به ، ومن شرط ملكهم أن لا يتزوّج فإن تزوّج قتل!
بلاد الرّوس
هم أمّة عظيمة من الترك ، بلادهم متاخمة لبلاد الصقالبة ، حكى المقدسي أنّهم في جزيرة وبيئة تحيط بها بحيرة ، هي حصنهم وتمنع عنهم عدوّهم.
قال أحمد بن فضلان في رسالته : رأيت الروسية وقد وافوا بتجاراتهم على نهر آتل ، فلم أر أتمّ بدنا منهم كأنّهم النخل ، شقر بيض ، لهم شريعة ولغة مخالفة لسائر الترك ، لكنهم أندر خلق الله ، لا يتنظّفون ولا يحترزون عن النجاسات. ومن عادة ملكهم أن يكون في قصر رفيع كبير ، ومعه أربعمائة رجل من خواصّه أهل الثقة عنده يجلسون تحت سريره. وله سرير عظيم مرصّع بالجواهر يجلس معه عليه أربعون جارية لفراشه ، وربّما يطأ واحدة بحضور أصحابه ولا ينزل عن سريره البتّة. فإن أراد قضاء الحاجة يقرب إليه الطشت ، وإن أراد الركوب تقرّب الدابّة إلى جنب السرير. وله خليفة يسوس الجيوش ويدبّر أمر الرعيّة ويواقع الأعداء.
ومن عاداتهم أن من ملك عشرة آلاف درهم اتّخذ لزوجته طوقا من ذهب ، وإن ملك عشرين ألفا اتّخذ طوقين ، وعلى هذا فربّما كان في رقبة واحدة أطواق كثيرة ، وإذا وجدوا سارقا علّقوه في شجرة طويلة ، وتركوه حتى يتفتّت!
بلاد الرّوم
هم أمّة عظيمة. وهم سكّان غربي الإقليم الخامس والسادس ؛ قالوا :هم من نسل عيصو بن إسحق بن إبراهيم ، عليه السلام. بلادهم واسعة ومملكتهم عظيمة ، منها الرومية والقسطنطينية. بلادهم بلاد برد لدخولها في الشمال ، وهي كثيرة الخيرات وافرة الثمرات كثيرة البهائم من الدواب والمواشي.
وكانوا في قديم الزمان على دين الفلاسفة إلى أن ظهر فيهم دين النصارى.
ومن عاداتهم الخروج في أعيادهم بالشعانين والسباسب والدنح بالزينة للهو والطرب والمأكول والمشروب ، صغيرهم وكبيرهم وفقيرهم وغنيهم على قدر مكنته وقدرته. ومن عاداتهم إخصاء أولادهم ليكونوا من سدنة بيوت عبادتهم ، لكنّهم لا يتعرّضون للقضيب ويحدثون الخصي بالأنثيين ، لأنّهم كرهوا لرهبانهم احبال نسائهم. وأمّا قضاء الوطر فلا يكرهونه ، وقيل : ان الخصي يبلغ في ذلك مبلغا لا يبلغه الفحول لأنّه يستحلب لفرط المداومة جميع ما عند المرأة ولا يفتر ، فإذا تزوّج أحدهم وأراد الزفاف ، تحمل المرأة إلى القسّ حتى يكون القسّ مفترعها وينالها بركته ، والزوج أيضا يمشي معها ليعلم أن الاقتضاض حصل بفعل القسّ!
وملوك الروم وهم القياصرة كانوا من أوفر الملوك علما وعقلا ، وأتمّهم رأيا وأكثرهم عددا وعددا ، وأوسعهم مملكة وأكثرهم مالا ، ومن عاداتهم أن لا يأخذوا عدوّهم مغافصة ، بل إذا أرادوا غزو بلاد كتبوا إلى صاحبها :نحن قاصدون بلادك في السنة الآتية ، فاستعدّ وتأهّب لالتقائنا!
بلاد الغزّ
أمّة عظيمة من الترك ، وهم نصارى كانوا في طاعة سلاطين بني سلجوق إلى زمن سنجر بن ملكشاه ، فبعث إليهم من يستوفي الخراج منهم فتجاوز الجابي للخراج في الرسم والعادة ، فضربه ملكهم وكان اسمه طوطى بك ، فمات الجابي فبعث إلى السلطان يتعذّر ، والسلطان وافق على قبول عذره لكن الحواشي أرادوا النهب والسبي وتحصيل المال ؛ قالوا : هؤلاء لا يقبل عذرهم فإنّه إهانة بالسلطان وجرأة عليه ، فلنوقع بهم حتى لا يقدم غيرهم على مثل هذا الفعل القبيح! فذهب السلطان بعساكره إليهم فتضرّعوا وتذلّلوا وقالوا للسلطان : ارحم عوراتنا وذرّياتنا وخذ منّا دية المقتول أضعافا مضاعفة ، وضاعف علينا الخراج. فلان السلطان وأبى أصحابه.
فلمّا أيسوا من أمنهم تأهّبوا للقتال وقالوا : نحن كلّنا مقتولون فلا نقتل إلّا في المعركة بعدما قتل كلّ منّا بدله! فركبوا برجالهم ونسائهم وحملوا على المسلمين حملة رجل واحد ، وكشفوهم كشفا قبيحا وهزموهم ، وأخذوا السلطان ودخلوا بلاد خراسان وخرّبوها ، ونهبوا وسبوا. وكان ذلك سنة ثمان وأربعين وخمسمائة والسلطان بقي في أسرهم سنة ثمّ هرب.
وحكى مسعر بن مهلهل أن لهم مدينة من الحجارة والخشب والقصب ، ولهم بيت عبادة ، ولهم تجارات إلى الهند والصين. ومأكولهم البرّ ولحم الغنم ، وملبوسهم الكتان والفراء.
بها حجر أبيض ينفع من القولنج ، وحجر أحمر إذا أمرّ على النصل لم يقطع شيئا. وبلادهم مسيرة شهر واحد.
بلاد كيماك
هم قوم من الترك ، بلادهم مسيرة خمسة وثلاثين يوما ، وبيوتهم من جلود الحيوان. مأكولهم الحمص والباقلّى ولحم الذكران من الضأن والمعز ، ولا يأكلون الاناث. بها عنب نصف الحبّة أبيض ونصفها أسود ، وبها حجارة يستمطر بها متى شاؤوا. وعندهم معادن الذهب في سهل من الأرض يجدونه قطاعا.
وعندهم الماس يكشف عنه السيل. وعندهم نبات ينوّم ويخدر.
وليس لهم ملك ، ولا بيت عبادة. ولهم قلم يكتبون به. ومن يجاوز منهم ثمانين سنة عبدوه إلّا أن يكون به عاهة.
بها جبل يسمّى منكور ، به عين في حفرة ، قال أبو الريحان الخوارزمي في كتابه الآثار الباقية : إن هذه الحفرة مقدار ترس كبير ، وقد استوى الماء على حافاتها ، فربّما يشرب منه عسكر كثير لا ينقص مقدار إصبع ، وعند هذه العين صخرة عليها أثر رجل إنسان ، وأثر كفّيه بأصابعهما وأثر ركبتيه كأنّه كان ساجدا ، وأثر قدم صبي وحوافر حمار. والأتراك الغزية يسجدون لها إذا رأوها لأنّهم نصارى ، ينسبونه إلى عيسى ، عليه السلام.