بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 6

منها خاصيّة عجيبة وحكمة بديعة ، فإن الحجر الصلد يتولّد فيه الجواهر النفيسة كاليواقيت والزبرجد وغيرهما ، والطين الحرّ ينبت الثمار والزروع بعجيب ألوانها وأشكالها وطعومها وروايحها ، والطينة السبخة يتولّد منها الشبوب والزاجات والاملاح بفوايدها ، وكذلك الإنسان حيوان متساوي الآحاد بالحدّ والحقيقة ، لكن بواسطة الالطاف الإلهيّة تختلف آثارهم ، فصار أحدهم عالما محقّقا ، والآخر عابدا ورعا ، والآخر صانعا حاذقا. فالعالم ينفع الناس بعلمه ، والعابد ببركته ، والصانع بصنعته ؛ فذكرت في هذا الكتاب ما كان من البلاد مخصوصا بعجيب صنع الله تعالى ، ومن كان من العباد مخصوصا بمزيد لطفه وعنايته ، فإنّه جليس أنيس يحدثك بعجيب صنع الله تعالى ، ويعرّفك أحوال الأمم الماضية ، وما كانوا عليه من مكارم الأخلاق ومآثر الآداب ، ويفصح بأحوال البلاد كأنّك تشاهدها ، ويعرب عن أخبار الكرام كأنّك تجالسهم :

جليس أنيس يأمن الناس شرّه

ويذكر أنواع المكارم والنّهى

ويأمر بالإحسان والبرّ والتّقى

وينهى عن الطّغيان والشرّ والأذى

ومن انتفع بكتابي هذا وذكرني بالخير ، جعله الله من الأبرار ورفع درجاته في عقبى الدار. وأسأل الله تعالى العفو عمّا طغى به القلم أو همّ أوسها بذلك أو لمّ ، إنّه على كلّ شيء قدير وبالإجابة جدير. ولنقدّم على المقصود مقدّمات لابدّ منها ، لحصول تمام الغرض ، والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب.


صفحه 7

المقدمة الاولى

في الحاجة الداعية إلى إحداث المدن والقرى

اعلم أن الله تعالى خلق الإنسان على وجه لا يمكنه أن يعيش وحده كساير الحيوانات ، بل يضطرّ إلى الاجتماع بغيره حتى يحصل الهيئة الاجتماعيّة التي يتوقف عليها المطعم والملبس ، فإنّهما موقوفان على مقدّمات كثيرة لا يمكن لكلّ واحد القيام بجميعها وحده. فإن الشخص الواحد كيف يتولّى الحراثة فإنّها موقوفة على آلاتها ، وآلاتها تحتاج إلى النجّار ، والنجّار يحتاج إلى الحداد ، وكيف يقوم بأمر الملبوس وهو موقوف على الحراثة والحلج والندف والغزل والنسج ، وتهيئة آلاتها ، فاقتضت الحكمة الإلهيّة الهيئة الاجتماعيّة ، وألهم كلّ واحد منهم القيام بأمر من تلك المقدّمات ، حتى ينتفع بعضهم ببعض ، فترى الخبّاز يخبز الخبز ، والعجّان يعجنه ، والطحّان يطحنه ، والحرّاث يحرثه ، والنجّار يصلح آلات الحرّاث ، والحدّاد يصلح آلات النجّار ، وهكذا الصناعات بعضها موقوفة على البعض.

وعند حصول كلّها يتمّ الهيئة الاجتماعيّة ، ومتى فقد شيء من ذلك فقد اختلّت الهيئة الاجتماعيّة ، كالبدن إذا فقد بعض أعضائه فيتوقف نظام معيشة الإنسان.

ثمّ عند حصول الهيئة الاجتماعيّة لو اجتمعوا في صحراء لتأذّوا بالحرّ والبرد والمطر والريح ، ولو تستروا بالخيام والخرقاهات لم يأمنوا مكر اللصوص والعدوّ ، ولو اقتصروا على الحيطان والأبواب كما ترى في القرى التي لا سور لها ، لم يأمنوا صولة ذي البأس ، فألهمهم الله تعالى اتّخاذ السور والخندق والفصيل ،


صفحه 8

فحدثت المدن والأمصار والقرى والديار. ثمّ إن الملوك الماضية لمّا أرادوا بناء المدن ، أخذوا آراء الحكماء في ذلك ، فالحكماء اختاروا أفضل ناحية في البلاد ، وأفضل مكان في الناحية ، وأعلى منزل في المكان من السواحل والجبال ومهبّ الشمال ، لأنّها تفيد صحّة أبدان أهلها وحسن أمزجتها ، واحترزوا من الآجام والجزائر وأعماق الأرض ، فإنّها تورث كربا وهرما.

واتّخذوا للمدن سورا حصينا مانعا ، وللسور أبوابا عدّة حتى لا يتزاحم الناس بالدخول والخروج ، بل يدخل ويخرج من أقرب باب إليه. واتّخذوا لها قهندزا لمكان ملك المدينة والنادي لاجتماع الناس فيه ، وفي البلاد الإسلامية المساجد والجوامع والأسواق والخانات والحمّامات ، ومراكض الخيل ، ومعاطن الإبل ، ومرابض الغنم ، وتركوا بقيّة مساكنها لدور السكان ، فأكثر ما بناها الملوك العظماء على هذه الهيئة ، فترى أهلها موصوفين بالأمزجة الصحيحة والصور الحسنة والأخلاق الطيّبة ، وأصحاب الآراء الصالحة والعقول الوافرة ، واعتبر ذلك بمن مسكنه لا يكون كذلك مثل الديالم والجيل والأكراد ، والتركمان وسكان البحر في تشويش طباعهم وركاكة عقولهم واختلاف صورهم.

ثمّ اختصّت كلّ مدينة لاختلاف تربتها وهوائها بخاصيّة عجيبة ، وأوجد الحكماء فيها طلسمات غريبة ، ونشأ بها صنف من المعادن والنبات والحيوان لم يوجد في غيرها ، وأحدث بها أهلها عمارات عجيبة ، ونشأ بها أناس فاقوا أمثالهم في العلوم والأخلاق والصناعات ، فلنذكر ما وصل إلينا من خاصيّة بقعة بقعة ، إن شاء الله تعالى.


صفحه 9

المقدمة الثانية

في خواصّ البلاد

وفيها فصلان : الفصل الأوّل في تأثير البلاد في سكّانها ؛ قالت الحكماء : إن الأرض شرق وغرب وجنوب وشمال ، فما تناهى في التشريق وتحجّ منه نور المطلع فهو مكروه لفرط حرارته وشدّة إحراقه ، فإن الحيوان يحترق بها ، والنبات لا ينبت ، وما تناهى في التغريب أيضا مكروه لموازاته التشريق في المعنى الذي ذكرناه ، وما تناهى في الشمال أيضا مكروه لما فيه من البرد الشديد الذي لا يعيش الحيوان معه ، وما تناهى في الجنوب أيضا كذلك لفرط الحرارة ، فإنّها أرض محترقة لدوام مسامتة الشمس إيّاها. فالذي يصلح للسكنى من الأرض قدر يسير هو أوساط الإقليم الثالث والرابع والخامس ، وما سوى ذلك فأهلها معذّبون ، والعذاب عادة لهم ، وقالوا أيضا : المساكن الحارّة موسّعة للمسام ، مرخية للقوى ، مضعفة للحرارة العزيزيّة ، محلّلة للروح ، فتكون أبدان سكّانها متخلخلة ضعيفة ، وقلوبهم خائفة ، وقواهم ضعيفة لضعف هضمهم.

وأمّا المساكن الباردة فإنّها مصلبّة للبدن مسددة للمسام مقوية للحرارة العزيزيّة ، فتكون أبدان سكّانها صلبة ، وفيهم الشجاعة وجودة القوى والهضم الجيّد. فإن استيلاء البرد على ظاهر أبدانهم يوجب احتقان الحرارة العزيزيّة في باطنهم.

وأمّا المساكن الرطبة فلا يسخّن هواؤهم شديدا ولا يبرد شتاؤهم قويّا ، وسكّانها موصوفون بالسحنة الجيّدة ، ولين الجلود وسرعة قبول الكيفيّات والاسترخاء في الرياضات وكلال القوى.


صفحه 10

وأمّا المساكن اليابسة فتسدّد المسام وتورث القشف والنحول ويكون صيفها حارّا وشتاؤها باردا ، وأدمغة أهلها يابسة لكن قواهم حادّة.

وأمّا المساكن الحجريّة فهواؤها في الصيف حارّ وفي الشتاء بارد ، وأبدان أهلها صلبة ، وعندهم سوء الخلق والتكبّر والاستبداد في الأمور ، والشجاعة في الحروب.

وأمّا المساكن الآجاميّة والبحريّة فهي في حكم المساكن الرطبة وأنزل حالا وقد جرى ذكر المساكن الرطبة.

الفصل الثاني : في تأثير البلاد في المعادن والنبات والحيوان.

أمّا المعادن فالذهب لا يتكوّن إلّا في البراري الرملة والجبال الرخوة ، والفضّة والنحاس والرصاص والحديد لا يتكوّن إلّا في الأحجار المختلطة بالتراب اللين ، والكبريت لا يتكوّن إلّا في الأراضي الناريّة ، والزيبق لا يتكوّن إلّا في الأراضي المائية ، والأملاح لا تنعقد إلّا في الأراضي السبخة ، والشبوب والزاجات لا تتكوّن إلّا في التراب العفص ، والقار والنفط لا يتكوّن إلّا في الأراضي الدهنة ، أمّا تولّد الأحجار التي لها خواص فلا يعلم معادنها وسببها إلّا الله تعالى.

وأمّا النبات فإنّ النخل والموز لا ينبتان إلّا بالبلاد الحارّة ، وكذلك الأترج والنارنج والرمان والليمون ، وأمّا الجوز واللوز والفستق فلا ينبت إلّا بالبلاد الباردة ، والقصب على شطوط الأنهار ، وكذا الدلب والمغيلان بالأراضي الصلبة والبراري القفار ، والقرنفل لا ينبت إلّا بجزيرة بأرض الهند ، والنارجيل والفلفل والزنجبيل لا ينبت إلّا بالهند ، وكذلك الساج والآبنوس والورس لا ينبت إلّا باليمن ، والزعفران بأرض الجبال بروذراورد ، وقصب الذريرة بأرض نهاوند ، والترنجبين يقع على شوك بخراسان.

وأمّا الحيوان فإنّ الفيل لا يتولّد إلّا في جزائر البحار الجنوبيّة ، وعمرها بأرض الهند أطول من عمرها بغير أرض الهند ، وأنيابها لا تعظم مثل ما تعظم بأرضها ، والزرافة لا تتولّد إلّا بأرض الحبشة ، والجاموس لا يتولّد إلّا بالبلاد


صفحه 11

الحارّة قرب المياه ، ولا يعيش بالبلاد الباردة ، وعير العانة ليس له سفاد في غير بلاده كما يكون ذلك في بلاده ، ويحتاج أن يؤخذ من حافره ولا كذلك في بلاده ، والسنجاب والسمور وغزال المسك لا يتولّد إلّا في البلاد الشرقيّة الشماليّة ، والصقر والبازي والعقاب لا يتفرّخ إلّا على رؤوس الجبال الشامخة ، والنعامة والقطا لا يفرّخان إلّا في الفلوات ، والبطوط وطيور الماء لا تفرّخ إلّا في شطوط الأنهار والبطائح والآجام ، والفواخت والعصافير لا تفرّخ إلّا في العمارات ، والبلابل والقنابر لا تفرّخ إلّا في البساتين ، والحجل لا يفرّخ إلّا في الجبال ، هذا هو الغالب فإن وقع شيء على خلاف ذلك فهو نادر. والله الموفق للصواب.


صفحه 12

المقدمة الثالثة

في أقاليم الأرض

قال أبو الريحان الخوارزمي : إذا فرضنا أن دائرة معدل النهار تقطع كرة الأرض بنصفين : يسمّى أحد النصفين جنوبا ، والآخر شمالا. وإذا فرضنا دائرة تعبر عن قطبي معدّل النهار وتقطع الأرض ، صارت كرة الأرض أربعة أرباع : ربعان جنوبيّان ، وربعان شماليّان ، فالربع الشمالي المكشوف يسمّى ربعا مسكونا ، والربع المسكون مشتمل على البحار والجزائر والأنهار والجبال والمفاوز والبلدان والقرى ، على أن ما بقي منها تحت قطب الشمال قطعة غير مسكونة من افراط البرد وتراكم الثلوج ، وهذا الربع المسكون قسموه سبعة أقسام ، كلّ قسم يسمّى إقليما ، كأنّه بساط مفروش من الشرق إلى الغرب طولا ، ومن الجنوب إلى الشمال عرضا ، وإنّها مختلفة الطول والعرض ، فأطولها وأعرضها الإقليم الأوّل ، فإن طوله من المشرق إلى المغرب نحو من ثلاثة آلاف فرسخ ، وعرضه من الجنوب إلى الشمال نحو من مائة وخمسين فرسخا ، وأقصرها طولا وعرضا الإقليم السابع ، فإن طوله من المشرق إلى المغرب نحو من ألف وخمسمائة فرسخ ، وعرضه من الجنوب إلى الشمال نحو من خمسين فرسخا.

وأمّا سائر الأقاليم فمختلف طولها وعرضها ، وعلى الصفحة المقابلة صورة كرة الأرض بأقاليمها.

وهذه القسمة ليست قسمة طبيعيّة ، لكنّها خطوط وهميّة وضعها الأوّلون الذين طافوا بالربع المسكون من الأرض ، ليعلموا بها حدود الممالك والمسالك ، مثل افريدون النّبطي واسكندر الرومي واردشير الفارسي ، وإذا جاوزوا الأقاليم


صفحه 13

السبعة فمنعهم من سلوكها البحار الزاخرة والجبال الشامخة ، والأهوية المفرطة التغيّر في الحرّ والبرد ، والظلمة في ناحية الشمال تحت مدار بنات النعش ، فإن البرد هناك مفرط جدّا ، لأنّ ستّة أشهر هناك شتاء وليل ، فيظلم الهواء ظلمة

شديدة ويجمد الماء لشدّة البرد ، فلا حيوان هناك ولا نبات. وفي مقابلتها من ناحية الجنوب تحت مدار سهيل يكون ستّة أشهر صيفا نهارا كلّه ، فيحمى الهواء ويصير نارا سموما يحرق كلّ شيء ، فلا نبات ولا حيوان هناك.