ولده أخذ منه جميع ما يملكه ، فإن كان فقيرا يباع عليه أولاده ، فإن لم يكن له أولاد يباع عليه نفسه ، فلا يزال يخدم لمولاه حتى يفدي أحد عنه. وإذا عامل أحد منهم غريبا وأفلس يباع عليه أهله وولده ومسكنه ونفسه ، ويقضى دين الغريب ، وهؤلاء نصارى نسطورية.
ومنها أنّه يظهر في كلّ عشرين سنة عندهم السحر من العجائز ، فيقع بسبب ذلك فساد كثير بين الناس ، فيأخذون كلّ عجوز وجدوها في بلادهم ويشدّون أيديهن وأرجلهن ، ولهم نهر عظيم يلقونهن في ذلك النهر ، فالتي طفت على الماء علموا أنّها ساحرة فأحرقوها ، والتي رسبت علموا أنّها ليست بساحرة فسيّبوها.
ومنها أن الرجل إذا صار صاحب ولد قام بأمره حتى يحتلم ، فإذا احتلم دفع إليه قوسا ونشاشيب ويقول : مرّ احتل لنفسك! ويخرجه من عنده ويجعله بمنزلة الغريب الأجنبي.
ومنها أن بناتهم الأبكار يخرجن مكشوفات الرأس ويراهن كلّ أحد ، فمن رغب في واحدة منهنّ ألقى على رأسها خمارا ، فصارت زوجة له فلا يمنعه عنها أحد ، فيتزوّج عشرين أو أكثر ، ولهذا عددهم كثير لا يحصى.
بها نهر ماؤه أسود مثل ماء بحر الظلمات ، إلّا أنّه عذب وليس فيه شيء من السمك. وبه الحيات الكبار السود ، وليس فيها أذيّة. وفي هذا النهر السمور ، وهو حيوان أصغر من السنور ، شعره في غاية النعومة يقال له سنور الماء ، وفي هذا النهر منه كثير جدّا ، يحمل جلده إلى سقسين وبلغار يتعاملون عليه ، وإنّه فروة ناعمة جدّا.
مشقّة
مدينة واسعة في بلاد الصقالبة على طرف البحر ، بين آجام لا يمكن مرور العساكر فيها. اسم ملكها مشقّة ، سمّيت باسمه ، وهي مدينة كثيرة الطعام والعسل واللحم والسمك ، ولملكها أجناد رجالة لأن الخيل لا تمشي في بلادهم.
وله جبايات في مملكته يعطي لأجناده كلّ شهر أرزاقهم ، وعند الحاجة يعطيهم الخيل والسرج واللّجم والسلاح وجميع ما يحتاجون إليه ، فمن ولد أجرى الملك عليه رزقه ، ذكرا كان أو أنثى ، فإذا بلغ المولود فإن كان ذكرا زوّجه وأخذ من والده المهر ، وسلّمه إلى والد المرأة. والمهر عندهم ثقيل ، فإذا ولد للرجل ابنتان أو ثلاث صار غنيّا ، وإن ولد له ابنان أو ثلاثة صار فقيرا. والتزويج برأي ملكهم لا باختيارهم ، والملك يتكفّل بجميع مؤوناتهم ومؤونة العرس عليه ، وهو مثل الوالد المشفق على رعيته ، وهؤلاء غيرتهم على نسائهم شديدة بخلاف سائر الأتراك.
واطر بورونة
حصن حصين بأرض الصقالبة ، قريب من حصن شوشيط ، بها عين ماء عجيبة تسمّى عين العسل ، وهي في جبل بقرب شعرا ، مذاق مائها في المبدإ مذاق العسل ، وعند مقطعه فيه عفوصة اكتسبت ذلك الطعم من الأشجار النابتة حولها.
ورنك
موضع على طرف البحر الشمالي. وذلك أن البحر المحيط من جانب الشمال خرج منه خليج إلى نحو الجنوب ، فالموضع الذي على طرف ذلك الخليج يسمّى به الخليج يقال له بحر ورنك. وهو أقصى موضع في الشمال ، البرد به عظيم جدّا والهواء غليظ والثلج دائم. لا يصلح للنبات ولا للحيوان. قلّما يصل إليه أحد من شدّة البرد والظلمة والثلج. والله أعلم.
ويسو
بلاد وراء بلاد بلغار ، بينهما مسيرة ثلاثة أشهر. ذكروا أن النهار يقصر عندهم حتى لا يرون شيئا من الظلمة ، ثمّ يطول الليل حتى لا يرون شيئا من
الضوء. وأهل بلغار يحملون بضائعهم إليها للتجارة ، وكلّ واحد يجعل متاعه في ناحية ، ويعلم عليه ويتركه ثمّ يرجع إليه فيجد إلى جنبه متاعا يصلح لبلاده ، فإن رضي بها أخذ العوض وترك متاعه ، وإن لم يرض أخذ متاعه وترك العوض ، ولا يرى البائع المشتري البائع كما ذكرنا في بلاد الجنوب بأرض السودان.
وأهل ويسو لا يدخلون بلاد بلغار لأنّهم إذا دخلوها تغيّر الهواء وظهر البرد ، وإن كان في وقت الصيف ، فيهلك حيوانهم ويفسد نباتهم. وأهل بلغار يعرفون ذلك فلا يمكنونهم من دخول بلادهم.
يأجوج ومأجوج
قبيلتان عظيمتان من الترك من ولد يافث بن نوح ، عليه السلام. مسكنهم شرقي الإقليم السابع. روى الشعبي أن ذا القرنين لمّا وصل إلى أرض يأجوج ومأجوج اجتمع إليه خلق كثير ، واستغاثوا من يأجوج ومأجوج وقالوا : أيّها الملك المظفّر إن وراء هذا الجبل أمما لا يحصيهم إلّا الله ، يخربون ديارنا ويأكلون زروعنا وثمارنا ، ويأكلون كلّ شيء حتى العشب ، ويفترسون الدوابّ افتراس السباع ، ويأكلون حشرات الأرض كلّها ، ولا ينمو خلق مثل نمائهم ، لا يموت أحدهم حتى يولد له ألف من الولد! قال ذو القرنين : كم صنفهم؟ قالوا : هم أمم لا يحصيهم إلّا الله. وأما من قربت منازلهم فستّ قبائل : يأجوج ومأجوج وتأويل وتاريس ومنسك وكمادى. وكلّ قبيلة من هؤلاء مثل جميع أهل الأرض ، وأمّا من كان منّا بعيدا فإنّا لا نعرفهم. قال ذو القرنين : وما طعامهم؟ قالوا :يقذف البحر إليهم في كلّ عام سمكتين ، ويكون بين رأس كلّ سمكة وذنبها أكثر من مسيرة عشرة أيّام ، ويرزقون من التماسيح والثعابين والتنانين في أيّام الربيع ، وهم يستمطرونها كما يستمطر الغيث ، فإذا مطروا بذلك أخصبوا وسمنوا ؛ وإذا لم يمطروا بذلك أجدبوا. وهزلوا. قال ذو القرنين : وما صفتهم؟ قالوا :
قصار ضلع ، عراض الوجوه ، مقدار طولهم نصف قامة رجل مربوع ، ولهم أنياب كأنياب السباع ، ومخالب مواضع الأظفار ، ولهم صلب عليه شعر ، ولهم أذنان عظيمتان : إحداهما على ظاهرها وبر كثير وباطنها أجرد ، والأخرى على باطنها وبر كثير وظاهرها أجرد ، تلتحف إحداهما وتفترش الأخرى. وعلى بدنهم من الشعر مقدار ما يواريه ، وهم يتداعون تداعي الحمام ويعوون عواء الكلب ، ويتسافدون حيث التقوا تسافد البهائم.
جاء في بعض الأخبار أن يأجوج ومأجوج ينحتون السدّ كلّ يوم حتى يكادون يرون الشمس من ورائه ، فيقول قائلهم : ارجعوا سوف ننقبه غدا ، فيرجعون فيعيده الله تعالى ليلتهم كما كان ، ثمّ يحفرونه وينحتونه من الغد كذلك كلّ يوم وليلة ، إلى أن يأتي وقت خروجهم فيقول قائلهم : ارجعوا سننقبه غدا إن شاء الله تعالى! فيبقى رقيقا إلى أن يعودوا إليه من غدهم فيرونه كذلك ، فينقبونه ويخرجون على الناس فيشربون مياه الأرض حتى ينشّفوها ، ويتحصّن الناس بحصونهم فيظهرون على الأرض ويقهرون من وجدوه ، فإذا لم يبق أحد لهم رموا بالنشاب إلى السماء ، فترجع إليهم وفيها كهيئة الدم ، فيقولون : قد غلبنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء! ثمّ إن الله تعالى يبعث إليهم دودا يقال له النغف ، يدخل في آذانهم ومناخرهم فيقتلهم ، قال ، صلّى الله عليه وسلّم : والذي نفسي بيده ، إن دواب الأرض لتسمن من لحومهم!
روى أبو سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، يقول : يفتح سدّ يأجوج ومأجوج فيخرجون على الناس كما قال تعالى : وهم من كلّ حدب ينسلون. فيغشون الأرض كلّها ، فينحاز المسلمون إلى حصونهم ويضمّون إليهم مواشيهم ، فيشرب يأجوج ومأجوج مياه الأرض ، فيمرّ أوائلهم بالنهر فيشربون ما فيه ويتركونه يابسا ، فيمرّ به من بعدهم ويقولون : لقد كان ههنا مرّة ماء! ولا يبقى أحد من الناس إلّا من كان في حصن أو جبل شامخ أو وزر ، فيقول قائلهم : قد فرغنا من أهل الأرض ، بقي من في السماء. ثمّ
يهزّ حربته فيرمي نحو السماء ، فترجع إليهم مخضوبة بالدم للبلاء والفتنة فيقولون :قد قتلنا أهل السماء! فبينا هم كذلك إذ سلّط الله تعالى عليهم دودا مثل النغف يدخل آذانهم ، وقيل ينقب آذانهم أو أعناقهم ، فيصبحون موتى لا يسمع لهم حسّ ولا حركة البتّة! فيقول المسلمون : ألا رجل يشري لنا نفسه فينظر ما فعل هؤلاء؟ فيتجرّد رجل منهم موطن نفسه من القتل فينزل إلى الأرض فيجدهم موتى بعضهم فوق بعض ، فينادي : يا معشر المسلمين ، ابشروا فقد كفاكم الله عدوّكم! فيخرجون من حصونهم ومعاقلهم.
وروي أن الأرض تنتن من جيفهم فيرسل الله مطرا يسيل منه السيول ، فيحمل جيفهم إلى البحار. وروي أن مدّتهم أربعون يوما ، وقيل سبعون يوما ، وقيل أربعة أشهر. وقال ، صلّى الله عليه وسلّم : هؤلاء الذين لا يقوم لهم جبل ولا حديد ، ولا يمرّون بفيل ولا خنزير ولا جمل ولا وحشي ولا دابّة إلّا أكلوه ، ومن مات منهم أكلوه أيضا ، مقدمتهم بالشام وساقيهم بخراسان ، يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبريّة.
يورا
بلاد بقرب بحر الظلمات. قال أبو حامد الأندلسي : قال بعض التجار :النهار عندهم في الصيف طويل جدّا ، حتى ان الشمس لا تغيب عنهم مقدار أربعين يوما. في الشتاء ليلهم طويل جدّا حتى تغيب الشمس عنهم مقدار أربعين يوما ، والظلمات قريبة منهم. وحكي أن أهل يورا يدخلون تلك الظلمة بالضوء فيجدون شجرة عظيمة مثل قرية كبيرة ، وعليها حيوان يقولون انّه طير ، وأهل يورا ليس لهم زرع ولا ضرع بل عندهم غياض كثيرة ، وأكلهم منها ومن السمك ، والطريق إليهم في أرض لا يفارقها الثلج أبدا.
وحكي أن أهل بلغار يحملون السيوف من بلاد الإسلام إلى ويسو ، وهي سيوف لم يتّخذ لها نصاب ولا حلي ، بل تصل كما تخرج من النار وتسقى ، فإن
علق السيف بخيط ونقر بإصبع سمع له طنين ، فذلك السيف يصلح أن يحمل إلى بلاد يورا ويشتريه أهل يورا بثمن بالغ ، ويرمونه في البحر المظلم. فإذا فعلوا ذلك أخرج الله لهم من البحر سمكة مثل الجمل العظيم ، تطردها سمكة أخرى أكبر منها تريد أكلها ، فتهرب منها حتى تقرب من الساحل فتصير في موضع لا يمكنها الحركة فيه ، فتشبّث بالرمل فيعرف أهل يورا فيذهبون إليها في المراكب فكلّ من ألقى السيف يجتمع عليها ويقطع من لحمها. وربّما يكثر ماء البحر بالمدّ ، فترجع السمكة إلى البحر بعدما قطع منها من اللحم ما يملأ ألف بيت ، وربّما تبقى عندهم زمانا طويلا مؤونتهم فيقطعون منها ، وإذا لم يبق في البحر من تلك السيوف لم تخرج لهم السمكة ، فيكون عندهم الجدب والقحط.
وحكي أن في بعض السنين خرجت عليهم هذه السمكة ، فاجتمع القوم عليها ونقبوا أذنها وجعلوا فيها حبلا ومدّوها إلى الساحل ، فانفتحت أذن السمكة وخرجت من داخلها جارية تشبه الآدميّين ، بيضاء حمراء سوداء الشعر عجزاء من أحسن النساء وجها ، فأخذها أهل يورا وأخرجوها إلى البرّ ، وهي تضرب وجهها وتنتف شعرها وتصيح ، وقد خلق الله تعالى في وسطها جلدا ضعيفا كالثوب من سرّتها إلى ركبتها لستر عورتها ، فبقيت عندهم مدّة. وأهل يورا إن لم يلقوا السيف في البحر لا تخرج السمكة فيجوعون لأن قوتهم من هذا.
إلى ههنا انتهى علم أهل بلادنا ، والله أعلم
بما وراء ذلك من البلاد والبحار.
وليكن هذا آخر الكلام.
فهرس الأعلام
أ
آدم ، عليه السلام ١١٤ ، ١٨٩ ، ٢٢٤ ، ٢٢٩ ، ٢٧٧ ، ٤٨٧
إبراهيم الآجري ٤٢٣
إبراهيم الأصيلي ١٠٣
إبراهيم الأطروش ٤٤٤
إبراهيم بن أحمد بن الأغلب ١٩٩
إبراهيم بن أحمد الطرطوشي ٥٥٦
إبراهيم بن أدهم العجلي ١٩٦ ، ٢٨٨ ،
٣٣٢ ، ٣٣٣ ، ٤٨٢
إبراهيم بن إسحاق الموصلي ٨٩
إبراهيم بن المولد ٣٣٦
إبراهيم الحربي ٣٧٣
إبراهيم الخليل ، عليه السلام ١٠٨ ، ١١٣ ، ١١٤ ، ١١٦ ، ١١٨ ، ١٢٠ ، ١٣٨ ،
١٥٦ ، ١٦٦ ، ١٨٣ ، ١٨٧ ، ٢٥٩ ، ٢٧٧ ، ٤٢٢ ، ٤٤٩
إبراهيم الخواص ٤٨٢
إبراهيم بن دوحة ٤٨٢
إبراهيم بن شيبان ٤٨٢
إبراهيم ستنبه ٤٨٢
أبرهة بن الصباح ٢٠ ، ٥٢ ، ١١١ ، ١١٦
ابن أبي زكرياء الطمامي ١٨٠
ابن أبي ليلى ٢٠٦
ابن الأثير الجزري ٥٧ ، ١٤٨
ابن الأشعث ٢٥٥
ابن البشار ١٦٣
ابن البصري ١٩٨
ابن جني ٢٥٦ ، ٢٥٧
ابن الجوزي ٥٢٧ ، ٥٢٨
ابن حاجب ٤٨٦
ابن الحايك ٤٥
ابن حمديس ٢١٥
ابن حوقل الموصلي ١٥٨ ، ١٦٤
ابن خوارزمشاه ركن الدين غورسايحي ٢٩٣
ابن دارة ٧٧
ابن رطلين ٢٥٩
ابن الزبير ١١٤
ابن زولاق ٢٦٣ ، ٢٦٧ ، ٢٧٤
ابن الزيانت ٢١٩
ابن زيدان ٥٤٥
ابن سكرة الهاشمي ٢٥٧
ابن شاس ٤٠٠
ابن الصباغ ٢٣٨
ابن طولون ٢٢٣ ، ٤٧٩
ابن عاصم ١٩٧
ابن عباس ، رضي الله عنه ٢٧ ، ٢٨ ، ٨٥ ، ١٠٧ ، ١٠٩ ، ١١٢ ، ١٦٠ ،
١٧٥ ، ٣٦٦ ، ٤٢٠