بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 68

فأردنا أن نمضي باللّوح إلى معاوية لينظر إليه ، فلمّا ولّينا وقفت القردة كلّها أمامنا وحاصرتنا ، وضجّت ضجّة فرددنا اللوح إليها ، فأخذته واقتحمت الماء وعادت إلى الجزيرة.

ومن عجائب اليمن ما ذكر ابن فنجويه أن بأرض عاد تمثالا على هيئة فارس.

ومياه تلك الأرض كلّها ملحة ، فإذا دخلت الأشهر الحرم يفيض من ذلك التمثال ماء كثير عذب ، لا يزال يجري إلى انقضاء الأشهر الحرم ، وقد تطفّحت حياضهم من ذلك الماء فيكفيهم إلى تمام السنة ؛ قال الشاعر :

وبأرض عاد فارس يسقيهم

بالعين عذبا كالفرات السّائح

في الأشهر الحرم العظيمة قدرها

يغنون عن شرب الزّعاق المالح

فإذا انقضى الشّهر الحرام تطفّحت

تلك الحياض بماء عين السّافح

وبها جبل الشّبّ ، وعلى رأس هذا الجبل ماء يجري من كلّ جانب ، وينعقد حجرا قبل أن يصل إلى الأرض ، والشبّ اليماني الأبيض من ذلك.

وبها جبل شبام ؛ قال محمّد بن أحمد بن إسحاق الهمذاني : إنّه جبل عظيم بقرب صنعاء ، بينها وبينه يوم واحد ، وهو صعب المرتقى ليس إليه إلّا طريق واحد ، وذروته واسعة فيها ضياع كثيرة ومزارع وكروم ونخيل ، والطريق إليها في دار الملك ، وللجبل باب واحد مفتاحه عند الملك ، فمن أراد النزول إلى السهل استأذن الملك حتى يأذن بفتح الباب له ، وحول تلك الضياع والكروم جبال شاهقة لا تسلك ولا يعلم أحد ما وراءها إلّا الله. ومياه هذا الجبل تنكسب إلى سدّ هناك ، فإذا امتلأ السدّ ماء فتح ليجري إلى صنعاء ومخاليفها.

وبها جبل كوكبان ، إنّه بقرب صنعاء عليه قصران مبنيان بالجواهر ، يلمعان بالليل كالكوكبين ولا طريق إليهما. قيل : إنّهما من بناء الجنّ.

وبها نهر اليمن ؛ قال صاحب تحفة الغرائب : بأرض اليمن نهر عند طلوع الشمس يجري من المشرق إلى المغرب ، وعند غروبها من المغرب إلى المشرق.


صفحه 69

وبها العلس ، وهو نوع من الحنطة حبّتان منه في كمام لا يوجد إلّا باليمن ، وهو طعام أهل صنعاء.

وبها الورس ، وهو نبت له خريطة كما للسمسم ، ذكروا انّه يزرع سنة ويبقى عشرين سنة.

وبها الموز وهي ثمرة شبيهة بالعنب إلّا أنّه حلو دسم ، لا تحمل شجرتها إلّا مرّة واحدة.

وبها نوع من الكمثرى ، من أكل منها واحدة يطلق عشر مرّات ، وان أكل اثنتين يطلق عشرين مرّة ، وإن أكل ثلاثا يطلق ثلاثين. ويتّخذ منه عسل يلعق منه صاحب القولنج فينفتح في الحال.

ويجلب منها سيوف ليس في شيء من البلاد مثلها ، ويجلب منها البرود اليمانية ، وقرودها أخبث القرود وأسرع قبولا للتعليم.

وبها الغدار ، وهو نوع من المتشيطنة يوجد بأكناف اليمن ، يلحق الإنسان ويقع عليه ، فإذا أصيب الإنسان منه يقول أهل تلك النواحي : أمنكوح هو أم مذعور؟ فإن قالوا منكوح أيسوا منه ، وإن كان مذعورا سكن روعه وشجع ، ومن الناس من لم يكترث به لشجاعة نفسه.

وحكي عن الشافعي أنّه قال : دخلت بلدة من بلاد اليمن فرأيت فيها إنسانا من وسطه إلى أسفله بدن امرأة ، ومن وسطه إلى فوقه بدنان متفرّقان بأربع أيد ورأسين ووجهين ، وهما يتلاطمان مرّة ويصطلحان أخرى ، ويأكلان ويشربان.

ثمّ غبت عنهما سنين ورجعت ، فسألت عنها فقيل لي : أحسن الله عزاءك في أحد الجسدين! توفي فربط من أسفله بحبل حتى ذبل ثمّ قطع ، والجسد الآخر تراه في السوق ذاهبا وجائيا.

ومنها أبو عبد الرحمن طاووس بن كيسان اليماني افتخار اليمن ، كان من أعلم الناس بالحلال والحرام ، له نسل بقزوين مشايخ وعلماء إلى الآن ، وهو جدّي من قبل الأم ، ذكر يوسف بن اسباط أن طاووسا مرّ بنهر سلطاني ، فهمّت


صفحه 70

بغلته أن تشرب منه فمنعها. وذكر بشر بن عبد الله أن طاووسا مرّ بالسوق فرأى رؤوسا مشويّة بارزة الأسنان فلم ينعس تلك الليلة ، وقال إن الله تعالى يقول : تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون.

وقال منعم بن ادريس : صلّى طاووس اليماني صلاة الفجر بوضوء العتمة أربعين سنة. توفي سنة ستّ ومائة بمكّة قبل يوم التروية عن بضع وتسعين سنة.

وكان الناس يقولون : رحم الله أبا عبد الرحمن ، حجّ أربعين حجّة وصلّى عليه هشام بن عبد الملك ، وهو خليفة حجّ تلك السنة.

ومنها أويس بن عامر القرني. روى أبو هريرة عن رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، أن لله تعالى من خلقه الأصفياء الأحفياء ، الشعثة شعورهم الغبرة وجوههم الخمصة بطونهم ، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذنوا ، وإن خطبوا المنعّمات لم ينكحوا ، وإن غابوا لم يفتقدوا ، وإن طلعوا لم يفرح بطلعتهم ، وإن مرضوا لم يعادوا ، وإن ماتوا لم يشهدوا.

قالوا : يا رسول الله كيف لنا برجل منهم؟ قال : ذاك أويس القرني! قالوا : وما أويس القرني؟ قال : أشهل ذو صهوبة بعيد ما بين الكتفين معتدل القامة ، آدم شديد الأدمة ، ضارب بذقنه إلى صدره ، رام ببصره إلى موضع سجوده ، واضع بيمينه على شماله ، يتلو القرآن ، يبكي على نفسه ، ذو طمرين لا يؤبه له ، متّزر بإزار صوف ورداء صوف ، مجهول في أهل الأرض معروف في أهل السماء ، لو أقسم على الله لأبرّ قسمه! الا وان تحت منكبه الأيسر لمعة بيضاء ، الا وانّه إذا كان يوم القيامة قيل للعباد : ادخلوا الجنّة ، وقيل لأويس : قف واشفع! يشفّعه الله ، عزّ وجلّ ، في مثل عدد ربيعة ومضر. يا عمر ويا عليّ إذا أنتما لقيتماه فاطلبا إليه أن يستغفر لكما. فكانا يطلبانه عشرين سنة ، فلمّا كان سنة هلك فيها عمر قام على أبي قبيس ونادى بأعلى صوته : يا أهل الحجيج من اليمن ، أفيكم أويس؟ فقام شيخ كبير وقال : إنّا لا ندري ما أويس ، لكن لي ابن أخ يقال له أويس ، هو أخمل ذكرا وأقلّ


صفحه 71

مالا وأهون أمرا من أن نرفعه إليك! وإنّه ليرعى إبلنا حقين بين أظهرنا! فقال له عمر : إن ابن أخيك هذا عزمنا! قال : نعم. قال : فأين يصاب؟ قال : بأراك عرفات.

فركب عمر وعليّ سراعا إلى عرفات فإذا هو قائم يصلّي إلى شجرة والإبل حوله ترعى ، فأقبلا إليه وقالا : السلام عليك ورحمة الله وبركاته! فردّ عليهما جواب السلام. قالا له : من الرجل؟ قال : راعي إبل وأجير قوم! قالا :ما اسمك؟ قال : عبد الله. قالا : اسمك الذي سمّتك أمّك به؟ قال : يا هذان ما تريدان إليّ؟ قالا : وصف لنا رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، أويسا القرني وقد عرفنا الصهوبة والشهولة ، أخبرنا أن تحت منكبك الأيسر لمعة بيضاء أوضحها لنا. فأوضح منكبه ، فإذا اللمعة فابتدار يقبّلانه وقالا : نشهد أنّك أويس القرني! فاستغفر لنا يغفر الله لك! فقال : ما أخصّ باستغفاري نفسي ولا أحدا من ولد آدم ، ولكنّه من في البحر والبرّ من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات. يا هذان ، قد شهر الله لكما حالي وعرّفكما أمري فمن أنتما؟ قال عليّ : أمّا هذا فعمر أمير المؤمنين ، وأمّا أنا فعليّ بن أبي طالب! فاستوى أويس وقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ، وعليك يا عليّ بن أبي طالب ، فجزا كما الله عن هذه الأمّة خيرا! قالا : وأنت جزاك الله عن نفسك خيرا! فقال له عمر : مكانك يرحمك الله ، حتى أدخل مكّة وآتيك بنفقة من عطائي وفضل كسوة من ثيابي ، هذا المكان ميعاد بيني وبينك. فقال : يا أمير المؤمنين لا ميعاد بيني وبينك ، لا أراك بعد اليوم تعرفني ، ما أصنع بالنفقة وما أصنع بالكسوة؟ أما ترى عليّ إزارا ورداء من صوف متى تراني أبليهما؟ أما ترى أني أخذت رعائي أربعة دراهم متى تراني آكلها؟ يا أمير المؤمنين ، إن بين يديّ ويديك عقبة كؤودا لا يجاوزها إلّا ضامر مخفّ مهزول! فلمّا سمع عمر ذلك ضرب بدرّته الأرض ثمّ قال بأعلى صوته : يا ليت عمر لم تلده أمّه! يا ليتها كانت عاقرا لم تعالج حملها! قال : يا أمير


صفحه 72

المؤمنين خذ أنت هاهنا حتى آخذ أنا هاهنا ؛ فولّى عمر نحو ناحية مكّة وساق أويس إبله ، فأتى القوم بإبلهم وخلّى الرعاية وأقبل على العبادة.

وحكي أن أويسا إذا خرج يرميه الصبيان بالحجارة ، وهو يقول : إن كان لا بدّ فبالصغار حتى لا تدموا ساقيّ فتمنعوني من الصلاة. وحدّث عبد الرحمن ابن أبي ليلى أنّه نادى يوم صفّين رجل من أهل الشام : أفيكم أويس القرني؟ قلنا : نعم! ما تريد منه؟ قال : إني سمعت رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، يقول : أويس القرني خير التابعين بإحسان. وعطف دابته ودخل مع أصحاب عليّ فنادى مناد في القوم : أويس! فوجد في قتلى عليّ ، كرّم الله وجهه.

ومنها أبو عبد الله وهب بن منبّه ، وكان الغالب عليه قصص الأنبياء وأخبار القرون الماضية والوعظ ؛ قال : قرأت في بعض الكتب أن مناديا ينادي من السماء الرابعة كلّ صباح : أبناء الأربعين زرع قد دنا حصاده! أبناء الخمسين ماذا قدّمتم وماذا أخّرتم؟ أبناء الستّين لا عذر لكم! ليت الخلق لم يخلقوا وإذا خلقوا علموا لماذا خلقوا. قد أتتكم الساعة فخذوا حذركم ؛ قال منعم بن ادريس : إن وهب بن منبّه صلّى أربعين سنة صلاة الفجر بوضوء العشاء. مات سنة أربع عشرة ومائة.

هذا آخر ما عرفناه من الإقليم الأوّل.


صفحه 73

الاقليم الثاني

هو حيث يكون ظلّ الاستواء ، في أوّله نصف النهار إذا استوى الليل والنهار قدمين وثلاثة أخماس قدم ، وآخره حيث يكون ظل الاستواء فيه نصف النهار ثلاثة أقدام ونصف وعشر سدس قدم ، يبتدىء من المشرق فيمرّ على بلاد الصين وبلاد الهند والسند ، ويمرّ بملتقى البحر الأخضر ، ويقطع جزيرة العرب في أرض نجد وتهامة والبحرين ، ثمّ يقطع بحر القلزم ونيل مصر إلى أرض المغرب.

ويكون أطول نهار هؤلاء في أوّل الإقليم ثلاث عشرة ساعة وربع الساعة ، وآخره ثلاث عشرة ساعة ونصف وربع ، وأوسطه ثلاث عشرة ساعة ونصف ، وطوله من المشرق إلى المغرب تسعة آلاف وثلاثمائة واثنا عشر ميلا واثنتان وأربعون دقيقة ، وعرضه أربعمائة ميل وميلان واحدى وخمسون دقيقة ، ومساحتها مكسرا ثلاثة آلاف ألف وستّمائة ألف ميل ، وتسعون ألف ميل ، وثلاثمائة وأربعون ميلا وأربع وخمسون دقيقة ، وأمّا المدن الواقعة فيها فسنذكرها مرتّبة على حروف المعجم ، ما انتهى خبرها إلينا ، والله المستعان.

الأبلق

حصن السّموأل بن عاديا اليهودي الذي يضرب به مثل الوفاء ، والحصن يسمّى الابلق الفرد ، لأنّه كان في بنائه بياض وحمرة ، وهو بين الحجاز والشام على تلّ من تراب ، والآن بقي على التلّ آثار الأبنية القديمة ، بناه أبو السموأل عاديا اليهودي. يقال : أوفى من السموأل.

وكان من قصّته أن امرأ القيس بن حجر الكندي ، لمّا قتل أبوه مرّ إلى قيصر


صفحه 74

يستنجده على قتلة أبيه ، وكان اجتيازه على الأبلق الفرد ، فرآها قلعة حصينة ذاهبة نحو السماء ، وكان معه أدراع تركها عند السموأل وديعة وذهب.

فبلغ هذا الخبر الحرث بن ظالم الغسّاني ، فسار نحو الأبلق لأخذ الدروع ، فامتنع السموأل من تسليمها إليه ، فظفر بابن السموأل وكان خارج الحصن يتصيّد ، فجاء به إلى أسفل الحصن وقال : إن دفعت الدروع إليّ وإلّا قتلت ابنك! فقال السموأل : لست أخفر ذمّتي فاصنع ما شئت! فذبحه والسموأل ينظر إليه وانصرف الملك على يأس! فضرب العرب المثل في الوفاء. وقال السموأل :

بنى لي عاديا حصنا حصينا

وماء كلّما شئت استقيت

رفيعا تزلق العقبان عنه

إذا ما نابني ضيم أبيت

وأوصى عاديا قدما بأن لا

تهدّم يا سموأل ما بنيت

وفيت بأدرع الكنديّ إني

إذا ما خان أقوام وفيت

أجأ وسلمى

جبلان بأرض الحجاز ، وبها مسكن طيّء وقراهم. موضع نزه كثير المياه والشجر. قيل : أجأ اسم رجل وسلمى اسم امرأة كانا يألفان عند امرأة اسمها معروجا ، فعرف زوج سلمى بحالهما فهربا منه ، فذهب خلفهما وقتل سلمى على جبل سلمى وأجأ على جبل أجأ ، ومعروجا ، فسميّت المواضع بهم ، وقال الكلبي : كان على أجأ أنف أحمر كأنّه تمثال إنسان يسمّونه فلسا ، كان طيّء يعبدونه إلى عهد رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، فلمّا جاء الإسلام بعث رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، عليّ بن أبي طالب في مائة وخمسين من الأنصار ، فكسروا فلسا وهدموا بيته وأسروا بنت حاتم.

ينسب إليها أبو سليمان داود بن نصير الطائي الزاهد العابد ؛ قيل إنّه سمع


صفحه 75

امرأة عند قبر تقول :

مقيم إلى أن يبعث الله خلقه

لقاؤك لا يرجى وأنت قريب

تزيد بلى في كلّ يوم وليلة

وتبقى كما تبلى وأنت حبيب

كان ذلك سبب توبته. وقيل : إنّه ورث من أبيه أربعمائة درهم ، أنفقها ثلاثين سنة ، وصام أربعين سنة ، ما علم أهله أنّه صائم. وكان حرّازا يأخذ أوّل النهار غداءه معه إلى الدكان ، ويتصدّق به في الطريق ، ويرجع آخر النهار يتعشّى في بيته ، ولا يعلم أهله أنّه كان صائما. وكان له داية قالت : يا أبا سليمان أما تشتهي الخبز؟ قال : يا داية بين أكل الخبز وشرب القنيت أقرأ خمسين آية! وقال حفص بن عمر الجعفي : إن داود الطائي مرّ بآية يذكر فيها النار فكرّرها في ليلة مرارا ، فأصبح مريضا ، فوجدوه مات ورأسه على لبنة ، سنة خمس وستّين ومائة في خلافة المهدي.

وينسب إليها أبو تمام حبيب بن أوس الطائي ، الشاعر المفلق ، فاق على كلّ من كان بعده بفصاحة اللفظ وجزالة المعنى ؛ قيل إنّه أنشد قصيدته في مدح المعتصم :

ما في وقوفك ساعة من باس

تقضي ذمام الأربع الدّرّاس

فلمّا انتهى إلى المديح قال :

إقدام عمرو في سماحة حاتم

في حلم أحنف في ذكاء إياس

قال بعض الحاضرين : مه! من هؤلاء حتى تشبّه الخليفة بهم؟ فأطرق أبو تمام هنيّة ثمّ رفع رأسه وقال :

لا تنكروا ضربي له من دونه

مثلا شرودا في النّدى والباس

فالله قد ضرب الأقلّ لنوره

مثلا من المشكاة والنّبراس