بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 9

المقدمة الثانية

في خواصّ البلاد

وفيها فصلان : الفصل الأوّل في تأثير البلاد في سكّانها ؛ قالت الحكماء : إن الأرض شرق وغرب وجنوب وشمال ، فما تناهى في التشريق وتحجّ منه نور المطلع فهو مكروه لفرط حرارته وشدّة إحراقه ، فإن الحيوان يحترق بها ، والنبات لا ينبت ، وما تناهى في التغريب أيضا مكروه لموازاته التشريق في المعنى الذي ذكرناه ، وما تناهى في الشمال أيضا مكروه لما فيه من البرد الشديد الذي لا يعيش الحيوان معه ، وما تناهى في الجنوب أيضا كذلك لفرط الحرارة ، فإنّها أرض محترقة لدوام مسامتة الشمس إيّاها. فالذي يصلح للسكنى من الأرض قدر يسير هو أوساط الإقليم الثالث والرابع والخامس ، وما سوى ذلك فأهلها معذّبون ، والعذاب عادة لهم ، وقالوا أيضا : المساكن الحارّة موسّعة للمسام ، مرخية للقوى ، مضعفة للحرارة العزيزيّة ، محلّلة للروح ، فتكون أبدان سكّانها متخلخلة ضعيفة ، وقلوبهم خائفة ، وقواهم ضعيفة لضعف هضمهم.

وأمّا المساكن الباردة فإنّها مصلبّة للبدن مسددة للمسام مقوية للحرارة العزيزيّة ، فتكون أبدان سكّانها صلبة ، وفيهم الشجاعة وجودة القوى والهضم الجيّد. فإن استيلاء البرد على ظاهر أبدانهم يوجب احتقان الحرارة العزيزيّة في باطنهم.

وأمّا المساكن الرطبة فلا يسخّن هواؤهم شديدا ولا يبرد شتاؤهم قويّا ، وسكّانها موصوفون بالسحنة الجيّدة ، ولين الجلود وسرعة قبول الكيفيّات والاسترخاء في الرياضات وكلال القوى.


صفحه 10

وأمّا المساكن اليابسة فتسدّد المسام وتورث القشف والنحول ويكون صيفها حارّا وشتاؤها باردا ، وأدمغة أهلها يابسة لكن قواهم حادّة.

وأمّا المساكن الحجريّة فهواؤها في الصيف حارّ وفي الشتاء بارد ، وأبدان أهلها صلبة ، وعندهم سوء الخلق والتكبّر والاستبداد في الأمور ، والشجاعة في الحروب.

وأمّا المساكن الآجاميّة والبحريّة فهي في حكم المساكن الرطبة وأنزل حالا وقد جرى ذكر المساكن الرطبة.

الفصل الثاني : في تأثير البلاد في المعادن والنبات والحيوان.

أمّا المعادن فالذهب لا يتكوّن إلّا في البراري الرملة والجبال الرخوة ، والفضّة والنحاس والرصاص والحديد لا يتكوّن إلّا في الأحجار المختلطة بالتراب اللين ، والكبريت لا يتكوّن إلّا في الأراضي الناريّة ، والزيبق لا يتكوّن إلّا في الأراضي المائية ، والأملاح لا تنعقد إلّا في الأراضي السبخة ، والشبوب والزاجات لا تتكوّن إلّا في التراب العفص ، والقار والنفط لا يتكوّن إلّا في الأراضي الدهنة ، أمّا تولّد الأحجار التي لها خواص فلا يعلم معادنها وسببها إلّا الله تعالى.

وأمّا النبات فإنّ النخل والموز لا ينبتان إلّا بالبلاد الحارّة ، وكذلك الأترج والنارنج والرمان والليمون ، وأمّا الجوز واللوز والفستق فلا ينبت إلّا بالبلاد الباردة ، والقصب على شطوط الأنهار ، وكذا الدلب والمغيلان بالأراضي الصلبة والبراري القفار ، والقرنفل لا ينبت إلّا بجزيرة بأرض الهند ، والنارجيل والفلفل والزنجبيل لا ينبت إلّا بالهند ، وكذلك الساج والآبنوس والورس لا ينبت إلّا باليمن ، والزعفران بأرض الجبال بروذراورد ، وقصب الذريرة بأرض نهاوند ، والترنجبين يقع على شوك بخراسان.

وأمّا الحيوان فإنّ الفيل لا يتولّد إلّا في جزائر البحار الجنوبيّة ، وعمرها بأرض الهند أطول من عمرها بغير أرض الهند ، وأنيابها لا تعظم مثل ما تعظم بأرضها ، والزرافة لا تتولّد إلّا بأرض الحبشة ، والجاموس لا يتولّد إلّا بالبلاد


صفحه 11

الحارّة قرب المياه ، ولا يعيش بالبلاد الباردة ، وعير العانة ليس له سفاد في غير بلاده كما يكون ذلك في بلاده ، ويحتاج أن يؤخذ من حافره ولا كذلك في بلاده ، والسنجاب والسمور وغزال المسك لا يتولّد إلّا في البلاد الشرقيّة الشماليّة ، والصقر والبازي والعقاب لا يتفرّخ إلّا على رؤوس الجبال الشامخة ، والنعامة والقطا لا يفرّخان إلّا في الفلوات ، والبطوط وطيور الماء لا تفرّخ إلّا في شطوط الأنهار والبطائح والآجام ، والفواخت والعصافير لا تفرّخ إلّا في العمارات ، والبلابل والقنابر لا تفرّخ إلّا في البساتين ، والحجل لا يفرّخ إلّا في الجبال ، هذا هو الغالب فإن وقع شيء على خلاف ذلك فهو نادر. والله الموفق للصواب.


صفحه 12

المقدمة الثالثة

في أقاليم الأرض

قال أبو الريحان الخوارزمي : إذا فرضنا أن دائرة معدل النهار تقطع كرة الأرض بنصفين : يسمّى أحد النصفين جنوبا ، والآخر شمالا. وإذا فرضنا دائرة تعبر عن قطبي معدّل النهار وتقطع الأرض ، صارت كرة الأرض أربعة أرباع : ربعان جنوبيّان ، وربعان شماليّان ، فالربع الشمالي المكشوف يسمّى ربعا مسكونا ، والربع المسكون مشتمل على البحار والجزائر والأنهار والجبال والمفاوز والبلدان والقرى ، على أن ما بقي منها تحت قطب الشمال قطعة غير مسكونة من افراط البرد وتراكم الثلوج ، وهذا الربع المسكون قسموه سبعة أقسام ، كلّ قسم يسمّى إقليما ، كأنّه بساط مفروش من الشرق إلى الغرب طولا ، ومن الجنوب إلى الشمال عرضا ، وإنّها مختلفة الطول والعرض ، فأطولها وأعرضها الإقليم الأوّل ، فإن طوله من المشرق إلى المغرب نحو من ثلاثة آلاف فرسخ ، وعرضه من الجنوب إلى الشمال نحو من مائة وخمسين فرسخا ، وأقصرها طولا وعرضا الإقليم السابع ، فإن طوله من المشرق إلى المغرب نحو من ألف وخمسمائة فرسخ ، وعرضه من الجنوب إلى الشمال نحو من خمسين فرسخا.

وأمّا سائر الأقاليم فمختلف طولها وعرضها ، وعلى الصفحة المقابلة صورة كرة الأرض بأقاليمها.

وهذه القسمة ليست قسمة طبيعيّة ، لكنّها خطوط وهميّة وضعها الأوّلون الذين طافوا بالربع المسكون من الأرض ، ليعلموا بها حدود الممالك والمسالك ، مثل افريدون النّبطي واسكندر الرومي واردشير الفارسي ، وإذا جاوزوا الأقاليم


صفحه 13

السبعة فمنعهم من سلوكها البحار الزاخرة والجبال الشامخة ، والأهوية المفرطة التغيّر في الحرّ والبرد ، والظلمة في ناحية الشمال تحت مدار بنات النعش ، فإن البرد هناك مفرط جدّا ، لأنّ ستّة أشهر هناك شتاء وليل ، فيظلم الهواء ظلمة

شديدة ويجمد الماء لشدّة البرد ، فلا حيوان هناك ولا نبات. وفي مقابلتها من ناحية الجنوب تحت مدار سهيل يكون ستّة أشهر صيفا نهارا كلّه ، فيحمى الهواء ويصير نارا سموما يحرق كلّ شيء ، فلا نبات ولا حيوان هناك.


صفحه 14

وأمّا جانب المغرب فيمنع البحر المحيط السلوك فيه لتلاطم الأمواج. وأمّا جانب المشرق فيمنع البحر والجبال الشامخة ، فإذا تأمّلت وجدت الناس محصورين في الأقاليم السبعة ، وليس لهم علم بحال بقية الأرض. فلنذكر ما وصل إلينا بقعة بقعة في إقليم إقليم ، مرتبة على حروف المعجم ، والله الموفق للسداد والهادي إلى سواء الصراط.


صفحه 15

الاقليم الاول

فجنوبيّه ما يلي بلاد الزنج والنوبة والحبشة ، وشماليّه الإقليم الثاني ، وأوله حيث يكون الظلّ نصف النهار إذا استوى الليل والنهار قدما واحدة ونصفا وعشرا وسدس عشر قدم ، وآخره حيث يكون ظلّ الاستواء فيه نصف النهار قدمين وثلاثة أخماس قدم. وقد يبتدىء من أقصى المشرق من بلاد الصين ، ويمرّ على ما يلي الجنوب من الصين جزيرة سرنديب ، وعلى سواحل البحر في جنوب الهند ، ويقطع البحر إلى جزيرة العرب ويقطع بحر قلزم إلى بلاد الحبشة ، ويقطع نيل مصر وأرض اليمن إلى بحر المغرب ؛ فوقع في وسطه من أرض صنعاء وحضرموت ، ووقع طرفه الذي يلي الجنوب أرض عدن ، ووقع في طرفه الذي يلي الشمال بتهامة قريبا من مكّة.

ويكون أطول نهار هؤلاء اثنتي عشرة ساعة ونصف الساعة في ابتدائه ، وفي وسطه ثلاث عشرة ساعة ، وفي آخره ثلاث عشرة ساعة وربع الساعة. وطوله من المشرق إلى المغرب تسعة آلاف ميل وسبعمائة واثنان وسبعون ميلا وإحدى وأربعون دقيقة ، وعرضه أربعمائة ميل واثنان وأربعون ميلا واثنتان وعشرون دقيقة وأربعون ثانية ، ومساحته مكسرا أربعة آلاف ألف وثلاثمائة ألف وعشرون ألف ميل وثمانمائة وسبعة وسبعون ميلا وإحدى وعشرون دقيقة ، ولنذكر بعض بلادها مرتبا على حروف المعجم.

إرم ذات العماد

بين صنعاء وحضرموت ، من بناء شدّاد بن عاد ، روي أن شداد بن عاد كان جبّارا من الجبابرة ، لما سمع بالجنّة وما وعد الله فيها أولياءه من قصور


صفحه 16

الذهب والفضّة والمساكن التي تجري من تحتها الأنهار ، والغرف التي فوقها غرف ، قال : إني متّخذ في الأرض مدينة على صفة الجنّة ، فوكل بذلك مائة رجل من وكلائه ، تحت يد كلّ وكيل ألف من الأعوان ، وأمرهم أن يطلبوا أفضل فلاة من أرض اليمن ، ويختاروا أطيبها تربة. ومكّنهم من الأموال ومثّل لهم كيفيّة بنائها ، وكتب إلى عمّاله في سائر البلدان أن يجمعوا جميع ما في بلادهم من الذهب والفضّة والجواهر ؛ فجمعوا منها صبرا مثل الجبال ، فأمر باتّخاذ اللبن من الذهب والفضّة ، وبنى المدينة بها ، وأمر أن يفضّض حيطانها بجواهر الدرّ والياقوت والزبرجد ، وجعل فيها غرفا فوقها غرف ، أساطينها من الزبرجد والجزع والياقوت. ثمّ أجرى إليها نهرا ساقه إليها من أربعين فرسخا تحت الأرض فظهر في المدينة ، فأجرى من ذلك النهر سواقي في السكك والشوارع ، وأمر بحافتي النهر والسواقي فطليت بالذهب الأحمر ، وجعل حصاه أنواع الجواهر الأحمر والأصفر والأخضر ، ونصب على حافتي النهر والسواقي أشجارا من الذهب ، وجعل ثمارها من الجواهر واليواقيت.

وجعل طول المدينة اثني عشر فرسخا وعرضها مثل ذلك ، وصيّر سورها عاليا مشرفا ، وبنى فيها ثلاثمائة ألف قصر ، مفضّضا بواطنها وظواهرها بأصناف الجواهر. ثمّ بنى لنفسه على شاطىء ذلك النهر قصرا منيفا عاليا ، يشرف على تلك القصور كلّها ، وجعل بابه يشرع إلى واد رحيب ، ونصب عليه مصراعين من ذهب مفضّض بأنواع اليواقيت.

وجعل ارتفاع البيوت والسور ثلاثمائة ذراع. وجعل تراب المدينة من المسك والزعفران.

وجعل خارج المدينة مائة ألف منظرة أيضا من الذهب والفضّة لينزلها جنوده.

ومكث في بنائها خمسمائة عام ، فبعث الله تعالى إليه هودا النبي ، عليه السلام ، فدعاه إلى الله تعالى ، فتمادى في الكفر والطغيان. وكان إذ ذاك تمّ ملكه سبعمائة سنة ، فأنذره هود بعذاب الله تعالى وخوّفه بزوال ملكه ، فلم يرتدع عمّا كان