الصنم في الوسط ، فوافقه قوم وخالفه آخرون. فقال للسلطان : ائذن لي برفع حجرين من رأس القبّة ليظهر ذلك ، فأذن له فلمّا رفع حجرين اعوجّ الصنم ومال إلى أحد الجوانب ، فلم يزل يرفع الأحجار والصنم ينزل حتى وقع على الأرض.
صنف
موضع بالهند أو الصين ينسب إليه العود الصّنفي ، وهو أردأ أصناف العود ، ليس بينه وبين الحطب إلّا فرق يسير.
صيمور
مدينة بأرض الهند قريبة بناحية السند لأهلها حظّ وافر في الجمال والملاحة لكونهم متولدين من الترك والهند ، وهم مسلمون ونصارى ويهود ومجوس.
ويخرج إليها تجارات الترك ، وينسب إليها العود الصّيموري.
بها بيت الصيمور ، وهو هيكل على رأس عقبة عظيمة عندهم ، ولها سدنة وفيها أصنام من الفيروزج والبيجاذق يعظّمونها.
وفي المدينة مساجد وبيع وكنائس وبيت النار ، وكفّارها لا يذبحون الحيوان ولا يأكلون اللحم ولا السمك ولا البيض ، وفيهم من يأكل المتردّية والنطيحة دون ما مات حتف أنفه. أخبر بذلك كلّه مسعر بن مهلهل ، صاحب عجائب البلدان ، وانّه كان سياحا دار البلاد وأخبر بعجائبها.
الطّائف
بليدة على طرف واد ، بينها وبين مكّة اثنا عشر فرسخا ، طيبة الهواء شمالية ، ربّما يجمد الماء بها في الشتاء. قال الأصمعي : دخلت الطائف وكأني أبشّر وقلبي ينضح بالسرور ، ولم أجد لذلك سببا إلّا انفساح جوّها وطيب نسيمها.
بها جبل عروان يسكنه قبائل هذيل ، وليس بالحجاز موضع أبرد من هذا الجبل ، ولهذا اعتدال هواء الطائف. ويجمد الماء به وليس في جميع الحجاز موضع يجمد الماء به إلّا جبل عروان.
ويشقّ مدينة الطائف واد يجري بينها يشقّها ، وفيها مياه المدابغ التي يدبغ فيها الأديم ، والطير تصرع إذا مرّت بها من نتن رائحتها. وأديمها يحمل إلى سائر البلدان ، ليس في شيء من البلاد مثله.
وفي أكنافها من الكروم والنخيل والموز وسائر الفواكه ، ومن العنب العدي ما لا يوجد في شيء من البلاد ، وأمّا زبيبها فيضرب بحسنه المثل.
بها وجّ الطائف ، وإنّها واد نهى النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم ، عن أخذ صيدها واختلاء حشيشها.
بها حجر اللات تحت منارة مسجدها ، وهو صخرة كان في قديم الزمان يجلس عليه رجل يلتّ السويق للحجيج ، فلمّا مات قال عمرو بن لحيّ : إنّه لم يمت لكن دخل في هذه الصخرة! وأمر قومه بعبادة تلك الصخرة ، وكان في اللات والعزّى شيطانان يكلّمان الناس ، فاتّخذت ثقيف اللات طاغوتا وبنت لها بيتا وعظّمته وطافت به ، وهي صخرة بيضاء مربّعة ، فلمّا أسلمت ثقيف بعث رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، أبا سفيان بن حرب ومغيرة بن شعبة فهدماه ، والحجر اليوم تحت منارة مسجد الطائف.
وبها كرم الرهط ، كرم كان لعمرو بن العاص معروشا على ألف ألف خشبة ، شري كلّ خشبة درهم ، فلمّا حجّ سليمان بن عبد الملك أحبّ أن ينظر إليه ، فلمّا رآه قال : ما رأيت لأحد مثله لو لا أن هذه الحرة في وسطه! قالوا : ليس بحرّة بل مسطاح الزبيب. وكان زبيبه جمع في وسطه ليجفّ ، فرآه من بعيد فظنّه حرّة.
وبها سجن عارم ، وهو الحبس الذي حبس فيه عبد الله بن الزبير محمّد ابن الحنفية ، يزوره الناس ويتبرّكون به سيّما الشيعة ، سيّما الكيسانيّة ؛ قال
كثير يخاطب ابن الزبير :
يخبّر من لا قيت أنّك عائد
بل العائد المحبوس في سجن عارم
ومن يلق هذا الشّيخ بالخيف من منى
من النّاس يعلم أنّه غير ظالم
سميّ النبيّ المصطفى وابن عمّه
وفكّاك أغلال وقاضي مغارم
أبى هو لا يشري هدى بضلالة
ولا يتّقي في الله لومة لائم
فما نعمة الدّنيا بباق لأهله
ولا شدّة البلوى بضربة لازم
وينسب إليها الحجّاج بن يوسف الثقفي من فحول الرجال ، كان أوّل أمره معلّما لوشاقية سليمان بن نعيم ، وزير عبد الملك بن مروان ، وكان فصيحا شاطرا ، قال عبد الملك لوزيره : إني إذا ترحّلت يتخلّف مني أقوام ، أريد شخصا يمنع الناس عن التخلّف. فاختار الوزير الحجّاج لذلك ، فرأى في بعض الأيّام أن الخليفة قد رحل وتخلّف عنه قوم من أصحاب الوزير ، فأمرهم بالرحيل فامتنعوا وشتموه في أمّه وأخته ، فأخذ الحجّاج النار وأضرمها في رحل الوزير ، فانتهى الخبر إلى عبد الملك فأحضر الحجّاج وقال : لم أحرقت رحل الوزير؟
فقال : لأنّهم خالفوا أمرك! فقال للحجّاج : ما عليك لو فعلت ذلك بغير الحرق؟ فقال الحجّاج : وما عليك لو عوّضته من ذلك ولا يخالف أحد بعد هذا أمرك! فأعجب الخليفة كلامه وما زال يعلو أمره حتى ولي اليمن واليمامة ، ثمّ استعمل على العراق سنة خمس وسبعين. وكان أهل العراق كلّ من جاءهم واليا استخفّوا به وضحكوا منه ، وإذا صعد المنبر رموه بالحصاة ؛ فبعث عبد الملك إليهم الحجّاج ، فلمّا صعد المنبر متلثما وكان قصير القامة ضحكوا منه ، فعرف الحجّاج ذلك فأقبل عليهم وقال :
أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا
متى أضع العمامة تعرفوني
إن أمير المؤمنين نثل كنانته فوجدني أصلبها عودا فرماكم بي ، واني أرى
رؤوسا دنا أوان حصادها ، وأنا الذي أحصدها. فدخل القوم منه رعب ، فما زال بهم حتى أراهم الكواكب بالنهار.
ولمّا بنى واسط عدّ في حبسه ثلاثة وثلاثون ألف إنسان ، حبسوا بلا دم ولا تبعة ولا دين ، ومات في حبسه واحد وعشرون ألفا صبرا ، ومن قتله بالسيف فلا يعدّ ولا يحصى! وقال يوما على المنبر في خطبته : أتطلبون مني عدلّ عمر ولستم كرعية عمر؟ وإنّما مثلي لمثلكم كثير ، لبئس المولى ولبئس العشير! وكان في مرض موته يقول :
يا ربّ قد زعم الأعداء واجتهدوا
أيمانهم أنّني من ساكني النّار
أيحلفون على عمياء؟ ويحهم
ما علمهم بعظيم العفو غفّار؟
وحكى عمر بن عبد العزيز أنّه رأى الحجّاج في المنام بعد مدّة من موته ، قال :فرأيته على شكل رماد على وجه الأرض ، فقلت له : أحجّاج؟ قال : نعم ، قلت : ما فعل الله بك؟ قال : قتلني بكلّ من قتلته مرّة مرّة ، وبسعيد بن جبير سبعين مرّة ، وأنا أرجو ما يرجوه الموحّدون!
وينسب إلى الطائف سعيد بن السائب ، كان من أولياء الله وعباد الله الصالحين ، نادر الوقت عديم النظير ، وكان الغالب عليه الخوف من الله تعالى لا يزال دمعه جاريا ، فعاتبه رجل على كثرة بكائه فقال له : إنّما ينبغي أن تعاتبني على تقصيري وتفريطي لا على بكائي!
وقال له صديق له : كيف أصبحت؟ قال : أصبحت أنتظر الموت على غير عدة! وقال سفيان الثوري : جلسنا يوما لحدّث ومعنا سعيد بن السائب ، وكان يبكي حتى رحمه الحاضرون ، فقلت له : يا سعيد لم تبكي وأنت تسمع حديث أهل الخير؟ فقال : يا سفيان ما ينفعني إذا ذكرت أهل الخير وأنا عنهم بمعزل؟
طيفند
قلعة في بلاد الهند منيعة ، على قلّة جبل ليس لها إلّا مصعد واحد ، وعلى رأس الجبل مياه ومزارع وما احتاجوا إليه ، غزاها يمين الدولة محمود بن سبكتكين سنة أربع عشرة وأربعمائة ، وحاصرها زمانا وضيّق على أهلها ، وكان عليها خمسمائة قيل فطلبوا الأمان فآمنهم ، وأقرّ صاحبها فيها على خراج ، فأهدى صاحب القلعة إلى السلطان هدايا كثيرة ، منها طائر على هيئة القمري ، خاصيّته إذا أحضر الطعام وفيه سمّ دمعت عيناه وجرى منهما ماء وتحجّر ، فإذا تحجّر سحق وجعل على الجراحات الواسعة الحمها ، وهذا الطائر لا يوجد إلّا في ذلك الموضع ولا يتفرّج إلّا فيه.
عدن
مدينة مشهورة على ساحل بحر الهند من ناحية اليمن ، سميّت بعدن بن سنان بن إبراهيم ، عليه السلام ، لا ماء بها ولا مرعى ، شربهم من عين بينها وبين عدن مسيرة يوم ، وكان عدن فضاء في وسط جبل على ساحل البحر ، والفضاء يحيط به الجبل من جميع الجوانب ، فقطع لها باب بالحديد في الجبل فصار طريقا إلى البرّ.
وإنّها مرفأ مراكب الهند وبلدة التجار ومرابح الهند ، فلهذا يجتمع إليها الناس ويحمل إليها متاع الهند والسند والصين والحبشة وفارس والعراق ، وقال الاصطخري : بها مغاص اللؤلؤ.
بها جبل النار وهو جبل أحمر اللّون جدّا في وسط البحر ؛ قالوا : هو الجبل الذي تخرج منه النار التي هي من اشراط الساعة ، وسكّان عدن يزعمون أنّهم من نسل هارون ، عليه السلام ، وهم المربّون.
وبها البئر المعطّلة التي ذكرها الله تعالى في القرآن. ومن حديثها أن قوم
صالح ، عليه السلام ، بعد وفاته تفرّقوا بفلسطين ، فلحقت فرقة منهم بعدن ، وكانوا إذا حبس عنهم المطر عطشوا وحملوا الماء من أرض بعيدة ، فأعطاهم الله بئرا فتعجّبوا بها وبنوا عليها أركانا على عدد القبائل ، كان لكلّ قبيلة فيها دلو.
وكان لهم ملك عادل يسوسهم ، فلمّا مات حزنوا عليه فمثل لهم الشيطان صنما على صورة ذلك الملك ، وكلّم القوم من جوف الصنم : إني ألبسني ربي ثوب الالهيّة والآن لا آكل ولا أشرب ، وأخبركم بالغيوب فاعبدوني فإني أقربكم إلى ربكم زلفى! ثمّ كان الصنم يأمرهم وينهاهم فمال إلى عبادة الصنم جميعهم ، فبعث الله إليهم نبيّا فكذّبوه ، فقال لهم نبيّهم : إن لم تتركوا عبادة الصنم يغور ماء بئركم! فقتلوه فأصبحوا لم يجدوا في البئر قطرة ماء.
فمضوا إلى الصنم فلم يكلّمهم الشيطان لمّا عاين نزول ملائكة العذاب ، فأتتهم صيحة فأهلكوا ، فأخبر الله تعالى عنهم وعن أمثالهم : وكأيّن من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطّلة وقصر مشيد. والقصر المشيد بحضر موت وقد مرّ ذكره ، ويقال : إن سليمان بن داود ، عليه السلام ، حبس المردة مصفّدين في هذه البئر وهي محبسهم.
فاس
مدينة كبيرة مشهورة في بلاد بربر على برّ المغرب بين ثنيتين عظيمتين ، والعمارة قد تصاعدت حتى بلغت مستواها ، وقد تفجّرت كلّها عيونا تسيل إلى قرارة إلى نهر منبسط إلى الأرض ينساب إلى مروج خضر ، وعليها داخل المدينة ستمائة رحى ، ولها قهندز في أرفع موضع منها ، ويسقيها نهر يسمّى المفروش.
قال أبو عبيد البكري : فاس منقسمة قسمين ، وهي مدينتان مسورتان ، يقال لإحداهما عدوة القروبيين وللأخرى عدوة الأندلسيّين ، وفي كلّ دار جدول ماء وعلى بابها رحى وبستان ، وهي من أكثر بلاد المغرب ثمارا وخيرا
وأكثر بلاد المغرب يهودا ، منها يختلفون إلى سائر الآفاق ، بها تفّاح حلو يعرف بالاطرابلسي حسن الطعم جدّا ، يصلح بعدوة الأندلسيّين ولا يصلح بعدوة القروبيين ، وسميذ عدوة الأندلسيّين أطيب من سميذ عدوة القروبيين ، ورجال الأندلسيّين أشجع من رجال القروبيين ، ونساؤهم أجمل ، ورجال القروبيين أحمد من رجال الأندلسيّين ؛ قال إبراهيم الأصيلي :
دخلت فاسا وبي شوق إلى فاس
والجبن يأخذ بالعينين والرّاس
فلست أدخل فاسا ما حييت ولو
أعطيت فاسا وما فيها من النّاس
فيصور
بلاد بأرض الهند يجلب منها الكافور القيصوري وهو أحسن أنواعه.
وذكروا أن الكافور يكثر في سنة فيها رعود وبروق ورجف وزلازل ، وان قلّ ذلك كان نقصا في وجوده.
قبا
قرية على ميلين من مدينة رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم. بها مسجد التّقوى وهو المسجد الذي ذكره الله تعالى : لمسجد أسس على التقوى من أوّل يوم أحقّ أن تقوم فيه ، فيه رجال يحبّون أن يتطهّروا ، والله يحبّ المطّهّرين.
ولمّا قدم رسول الله ، عليه السلام ، قبا مهاجرا يريد المدينة ، أسّس هذا المسجد ووضع بيده الكريمة أوّل حجر في محرابه ، ووضع أبو بكر ، رضي الله عنه ، حجرا ، ثمّ أخذ الناس في البناء وهو عامر إلى زماننا هذا ، وسئل أهله عن تطهّرهم فقالوا : إنّا نجمع بين الحجر والماء.
وبها مسجد الضّرار ويتطوّع الناس بهدمه ، وبها بئر غرس كان رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، يستطيب ماءها وبصق فيها ، وقال : إن فيها عينا من عيون الجنّة.
قزدار
ناحية بأرض الهند. قال أبو الحسن المتكلّم : كنت مجتازا بناحية قزدار ، فدخلت قرية من قراه فرأيت شيخا خياطا في مسجد فأودعت ثيابي عنده ومضيت.
ثمّ رجعت من الغد فرأيت باب المسجد مفتوحا والرزمة يشدّها في المحراب ، فقلت : ما أجهل هذا الخيّاط! فقال : افتقدت منها شيئا؟ قلت : لا.
قال : فما سؤالك؟ فأقبلت أخاصمه وهو يضحك. قال : أنتم نشأتم في بلاد الظلم ، وتعوّدتم أخلاق الأراذل التي توجب السرقة والخيانة وانّها لا تعرف ههنا ، ولو بقيت ثيابك في المحراب حتى بليت ما مسّها أحد! وإذا وجدنا شيئا من ذلك في مدد متطاولة نعلم أنّه كان من غريب اجتاز بنا ، فنركب خلفه ولا يفوتنا ، فندركه ونقتله. فسألت عن غيره سيرة أهل البلد فقال كما ذكره الخيّاط. وكانوا لا يغلقون الأبواب باللّيل ، وما كان لأكثرهم أبواب بل شيء يردّ الوحش والكلاب.
قشمير
ناحية بأرض الهند متاخمة لقوم من الترك ، فاختلط نسل الهند بالترك ، فأهلها أكثر الناس ملاحة وحسنا. ويضرب بحسن نسائهم المثل ، لهنّ قامات تامّة وصور مستوية وملاحة كثيرة وشعور طوال غلاظ ، وهذه الناحية تحتوي على نحو ستّين ألفا من المدن والضياع ، ولا سبيل إليها إلّا من جهة واحدة ، ويغلق على جميعها باب واحد.
وحواليها جبال شوامخ لا سبيل للوحش أن يتسلّق إليها فضلا عن الانس.
وفيها أودية وعرة وأشجار ورياض وأنهار.
قال مسعر بن مهلهل : شاهدتها وهي في غاية المنعة. ولأهلها أعياد في رؤوس