أيدينا الذي هو من تأليف النسائي ، هذا جزء من صحيحه ، إلاّ أنّه نشر أو انتشر بهذه الصورة بالاستقلال ، وإلاّ فهو جزء من صحيحه الذي اشترط فيه ، وكان شرطه في هذا الكتاب أشدّ من شرط الشيخين في صحيحيهما.
٦ ـ تفسير الطبري ، حيث روى هذا الحديث من أربعة عشر طريقاً[١].
٧ ـ كتاب الدر المنثور للسيوطي ، يرويه عن كثير من كبار الأئمّة الحفّاظ من أهل السنّة[٢].
وقد اشتمل لفظ الحديث في أكثر طرقه على أنّ أُم سلمة أرادت الدخول معهم تحت الكساء ، فجذب رسول الله الكساء ولم يأذن لها بالدخول ، وقال لها : « وإنّك على خير » أو « إلى خير »[٣].
والحديث أيضاً وارد عن عائشة كذلك[٤].
واشتمل بعض ألفاظ الحديث على جملة أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمأرسل إلى فاطمة ، وأمرها بأن تدعو عليّاً والحسنين ، وتأتي بهم إلى
[١]تفسير الطبري ٢٢ / ٥ ـ ٧.[٢]الدرّ المنثور ٥ / ١٩٩.[٣]أحمد ٦ / ٢٩٢ ، والترمذي ، وغيرهما.[٤]صحيح مسلم ٧ / ١٣٠.
النبي ، فلمّا اجتمعوا ألقى عليهم الكساء وقال : « اللهمّ هؤلاء أهل بيتي » ممّا يدل على أن النبي كانت له عناية خاصة بهذه القضيّة ، ولمّا أمر رسول الله فاطمة بأن تأتي هي وزوجها وولداها ، لم يأمرها بأن تدعو أحداً غير هؤلاء ، وكان له أقرباء كثيرون ، وأزواجه في البيت عنده ، وحتّى أنّه لم يأذن لاُمّ سلمة أن تدخل معهم تحت الكساء.
إذن ، هذه القضيّة تدلّ على أمر وشأن ومقام لا يعمّ مثل أُمّ سلمة ، تلك المرأة المحترمة المعظّمة المكرّمة عند جميع المسلمين.
إلى هنا تمّ لنا المراد من أهل البيت في هذه الآية المباركة.
وهذا الاستدلال فيه جهة إثبات وجهة نفي ، أمّا جهة الإثبات ، فإنّ الذين كانوا تحت الكساء ونزلت الآية في حقّهم هم : علي وفاطمة والحسن والحسين فقط ، وأمّا جهة النفي ، فإنّه لم يأذن النبي لأن يكون مع هؤلاء أحد.
في جهة الإثبات وفي جهة النفي أيضاً ، تكفينا نصوص الأحاديث الواردة في الصحاح والمسانيد وغيرها من الأحاديث التي نصّوا على صحّتها سنداً ، فكانت تلك الأحاديث صحيحةً ، وكانت مورد قبول عند الطرفين.
آية التطهير وأزواج النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
لكن يبقى هناك في جهة النفي بحث يتعلّق بقولين :
أحدهما : ما ينقل عن عكرمة مولى عبد الله بن عباس ، فهذا كان يصرّ على أنّ الآية نازلة في خصوص أزواج النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم، حتّى أنّه كان يمشي في الاسواق ويعلن عن هذا الرأي ، ويخطّئ الناس باعتقادهم باختصاص الآية المباركة بأهل البيت ، ممّا يدلّ على أنّ الرأي السائد عند المسلمين كان هذا الرأي ، حتّى أنّه كان يقول : من شاء باهلته في أنّ الآية نازلة في أزواج النبي خاصّة ، وفي تفسير الطبري : إنّه كان ينادي في الأسواق بذلك[١]، وفي تفسير ابن كثير إنّه كان يقول : من شاء باهلته أنّها نزلت في نساء النبي خاصّة[٢]، وفي الدر المنثور ، كان يقول : ليس بالذي تذهبون إليه ، إنّما هو
[١]تفسير الطبري ٢٢ / ٧ ، ابن كثير ٣ / ٤١٥.[٢]ابن كثير ٣ / ٤١٥ ، الدرّ المنثور ٥ / ١٩٨.
نساء النبي[١].
فهذا هو القول الأوّل.
لكنّ هذا القول يبطله :
أوّلاً : إنّه قول غير منقول عن أحد من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم.
ثانياً : قول تردّه الأحاديث الصحيحة المعتبرة المعتمدة المتفق عليها بين المسلمين.
ثالثاً : هذا الرجل كان منحرفاً فكراً وعملاً ، وكان معادياً لأهل البيت ومن دعاة الخوارج.
أذكر لكم جملاً ممّا ذكر بترجمة هذا الرجل :
كان خارجيّاً بل من دعاتهم ، وإنّما أخذ أهل أفريقيّة هذا الرأي ـ أي رأي الخوارج ـ من عكرمة ، ولكونه من الخوارج تركه مالك بن أنس ولم يرو عنه.
قال الذهبي : قد تكلّم الناس في عكرمة لأنّه كان يرى رأي الخوارج ، بل كان هذا الرجل مستهتراً بالدين ، طاعناً في الإسلام ، فقد نقلوا عنه قوله : إنّما أنزل الله متشابه القرآن ليضلّ به الناس ، وقال في وقت الموسم أي موسم الحج : وددت أنّي بالموسم
[١]الدرّ المنثور ٥ / ١٩٨.
وبيدي حربة فأعترض بها من شهد الموسم يميناً وشمالاً ، وإنّه وقف على باب مسجد النبي وقال : ما فيه إلاّ كافر ، وذكر أنّه كان لا يصلّي ، وأنّه كان يرتكب جملة من الكبائر.
وقد نصّ كثير من أئمّة القوم على أنّه كان كذّاباً ، فقد كذب على سيّده عبد الله بن عباس حتّى أوثقه علي بن عبد الله بن عباس على باب كنيف الدار ، فقيل له : أتفعلون هذا بمولاكم ؟ قال : إنّ هذا يكذب على أبي.
وعن سعيد بن المسيّب أنّه قال لمولاه : يا برد إيّاك أن تكذب عَلَيّ كما يكذب عكرمة على ابن عباس.
وعن القاسم بن محمّد بن أبي بكر الذي هو من فقهاء المدينة المنوّرة : إنّ عكرمة كذّاب.
وعن ابن سيرين : كذّاب.
وعن مالك بن أنس : كذّاب.
وعن يحيى بن معين : كذّاب.
وعن ابن ذويب : كان غير ثقة.
وحرّم مالك الرواية عن عكرمة.
وقال محمّد بن سعد صاحب الطبقات : ليس يحتج بحديثه.
هذه الكلمات بترجمة عكرمة نقلتها : من كتاب الطبقات لابن
سعد ، من كلمات الضعفاء الكبير لأبي جعفر العقيلي ، من تهذيب الكمال للحافظ المزّي ، من وفيّات الأعيان ، من ميزان الإعتدال للذهبي ، المغني في الضعفاء للذهبي ، سير أعلام النبلاء للذهبي ، تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني[١].
هذه خلاصة ترجمة هذا الشخص.
لكن الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه على صحيح البخاري ، في مقدمة هذا الشرح[٢]، له فصل يدافع فيه عن رجال صحيح البخاري المقدوح فيهم ، عن الرجال المشاهير المجروحين الذين اعتمدهم البخاري ، فيعنون هناك عكرمة مولى ابن عباس ويحاول الذبّ عن هذا الرجل بما أُوتي من حول وقوّة.
إلاّ أنّكم لو رجعتم إلى كلماته لوجدتموه متكلّفاً في أكثرها أو في كلّ تلك الكلمات ، وهذه مصادر ترجمة هذا الشخص ذكرتها لكم ، ومن أراد التوسع فليرجع إلى الكتب التي ذكرتها.
ومن طريف ما أُحبّ أن أذكره هنا : إنّ عكرمة وإنْ أخرج عنه البخاري ، لم يخرج عنه مسلم ، عكرمة أعرض عنه مسلم وإن
[١]طبقات ابن سعد ٥ / ٢٨٧ ، تهذيب الكمال ٢٠ / ٢٦٤ ، تهذيب التهذيب ٧ / ٢٦٣ ، المغني في الضعفاء للذهبي ٢ / ٨٤ ، ميزان الإعتدال ٣ / ٩٣ ، وغيرها.[٢]هدي الساري مقدّمة فتح الباري : ٥٢٤.
اعتمده البخاري ، ومن هنا قالوا : إن أصحّ الكتب كتاب البخاري وكتاب مسلم ، وأصحّهما كتاب البخاري ، فلامر ما قدّموا البخاري !! ولي أيضاً شواهد على هذا.
سأقرأ لكم حديث الثقلين من صحيح مسلم ، والبخاري لم يرو حديث الثقلين في صحيحه ، سأذكر لكم ـ إن شاء الله ـ حديثاً عن صحيح مسلم فيه مطلب مهمّ جدّاً يتعلّق بالشيخين ، وقد ذكره البخاري في صحيحه في مواضع متعددة وحرّفه وذكره بألفاظ وأشكال مختلفة.
إذن ، كون عكرمة من رجال البخاري لا يفيد البخاري ولا يفيد عكرمة إنّه ربّما يحتجّ لوثاقة عكرمة باعتماد البخاري عليه ، ولكن الأمر بالعكس ، إنّ رواية البخاري عن عكرمة من أسباب جرحنا للبخاري ، من أسباب عدم اعتمادنا على البخاري ، ولو أنّ بعض الكتّاب المعاصرين ـ ولربّما يكون أيضاً من أصحابنا الإماميّة ـ يحاولون الدفاع عن عكرمة ، فإنّهم في اشتباه.
وعلى كلّ حال ، فالقول باختصاص الآية المباركة بأزواج النبي ، هذا القول مردود ، إذ لم يرو إلاّ عن عكرمة ، وقد رفع عكرمة راية هذا القول ، وجعل ينشره بين الناس ، وطبيعي أن الذين يكونون على شاكلته سيتقبلون منه هذا القول.
الثاني : وهو القول بأنّ المراد من أهل البيت في هذه الآية المباركة : أهل البيت ـ أي علي وفاطمة والحسنان ـ والأزواج أيضاً.
هذا القول إذا رجعنا إلى التفاسير المعتبرة ، لوجدنا مثل ابن الجوزي في كتابه زاد المسير في علم التفسير[١]، الذي هو من التفاسير المشهورة ، ينسب هذا القول إلى الضحّاك فقط ، ولم نجد في كتاب ابن الجوزي وأمثاله من يعزو هذا القول إلى غير الضحّاك.
أترى أنّ قول الضحّاك وحده يعارض ما روته الصحاح والسنن والمسانيد عن ابن عباس ، وعن جابر بن عبد الله ، وعن زيد بن أرقم ، وعن سعد بن أبي وقّاص ، وعن أُمّ سلمة ، وعن عائشة ؟
وعجيب ، إنّ هؤلاء يحاولون أن يذكروا لزوجات النبي فضيلة ، والحال أنّ نفس الزوجات هنّ بأنفسهنّ ينفين هذا القول ، فأُمّ سلمة وعائشة من جملة القائلين باختصاص الآية المباركة بأهل البيت ، وكم من عجيب عندهم ، وما أكثر العجب والعجيب عندهم ، يحاولون الدفاع عن الصحابة أجمعين اكتعين كما يعبّر
[١]زاد المسير في علم التفسير ٦ / ٣٨١.