قول المحدّثين
فقد رأيت من رواة هذا الحديث في كتبهم :
١ ـ الحافظ عبد الرزّاق الصنعاني ، صاحب كتاب المصنّف ، وهو شيخ البخاري صاحب الصحيح.
٢ ـ الحافظ عبد بن حميد ، صاحب كتاب المسند.
٣ ـ الحافظ رزين بن معاوية العبدري الأندلسي ، صاحب الجمع بين الصحاح الستّة.
٤ ـ الحافظ النسائي ، صاحب الصحيح ، روىٰ هذا الحديث في صحيحه.
٥ ـ الحافظ أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري ، صاحب التاريخ المعروف والتفسير المعروف المشهور.
٦ ـ ابن أبي حاتم الحافظ الرازي المحدّث المفسّر المشهور ، الذي يعتقد ابن تيميّة في منهاج السنّة بأنّ تفسير ابن أبي حاتم خال من الموضوعات.
٧ ـ الحافظ أبو الشيخ الإصفهاني.
٨ ـ الحافظ ابن عساكر الدمشقي.
٩ ـ الحافظ أبو بكر ابن مردويه الإصفهاني.
١٠ ـ الحافظ أبو القاسم الطبراني.
١١ ـ الحافظ الخطيب البغدادي.
١٢ ـ الحافظ أبو بكر الهيثمي.
١٣ ـ الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي الحنبلي.
١٤ ـ الحافظ المحبّ الطبري شيخ الحرم المكّي.
١٥ ـ الحافظ جلال الدين السيوطي ، المجدّد في القرن العاشر عند أهل السنّة.
١٦ ـ الحافظ الشيخ علي المتّقي الهندي ، صاحب كتاب كنز العمّال.
هؤلاء جماعة من أعلام الأئمّة في القرون المختلفة ، يروون هذا الحديث في كتبهم.
يقول الآلوسي صاحب التفسير المسمّىٰ بروح المعاني : غالب الأخباريين علىٰ أنّ هذه الآية نزلت في علي كرّم الله وجهه[١].
فالقضيّة بين المفسّرين مجمع عليها ، وغالب المحدّثين والأخباريين ينصّون علىٰ هذا ، ويقولون بنزول الآية في علي ويروون هذا الحديث. وذكرت لكم أسماء جماعة من أعلامهم ،
[١]روح المعاني ٦ / ١٦٨.
منذ زمن البخاري إلىٰ القرن الحادي عشر.
ولو أنّك تراجع تفسير ابن كثير في ذيل هذه الآية المباركة[١]، تجده يعترف بصحّة بعض أسانيد هذه الاخبار ، واعتراف ابن كثير بصحّة بعض هذه الأسانيد يمكن أن يكون لنا حجة على الخصوم ، لأنّ اعتراف مثل ابن كثير بصحّة هذه الروايات ، وهو ممّن لا نرتضيه نحن ونراه رجلاً متعصّباً في تفسيره وتاريخه ، هذا الإعتراف له قيمته العلميّة.
وأنا شخصيّاً راجعت عدّة من أسانيد هذه الرواية ، ولاحظت كلمات علماء الجرح والتعديل من كبار علمائهم في رجال هذه الروايات والأسانيد ، ورأيت تلك الأسانيد صحيحة علىٰ ضوء كلمات علمائهم.
منها هذا الحديث الذي أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره[٢]، فإنّه يرويه عن أبي سعيد الاشج ، عن الفضل بن دكين ، عن موسىٰ بن قيس الحضرمي ، عن سلمة بن كهيل قال : تصدّق علي بخاتمه وهو راكع فنزلت الآية :(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ)إلىٰ آخرها.
فإذن ، هذا الخبر مجمع عليه بين المفسّرين ، وعليه غالب
[١]تفسير ابن كثير ٢ / ٦٤.[٢]تفسير ابن أبي حاتم ٤ / ١١٦٢.
المحدّثين باعتراف الآلوسي ، وذكرت لكم أسامي عدّة من رواته من الأعلام ، وذكرت لكم اعتراف ابن كثير بصحّة بعض أسانيده ، كما أنّي شخصيّاً حقّقت بعض الأسانيد علىٰ ضوء كلمات علمائهم وصحّحتها على طبق قواعدهم.
وقد اشتهر هذا الخبر وثبت ، بحيث يروىٰ أنّ حسّان بن ثابت الشاعر الأنصاري الصحابي المعروف ، قد نظم هذه المنقبة وهذه القضيّة في شعر له ، ـ ومن الناقلين لهذا الشعر هو الآلوسي البغدادي صاحب روح المعاني[١]ـ يقول في شعر له :
فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعاً
زكاةً فدتك النفس يا خيرَ راكعِ
فأنزل فيك الله خيرَ ولاية
وأثبتها أثنىٰ كتاب الشرايع
إذن ، هذه القضيّة لا يمكن المناقشة في سندها بشكل من الأشكال ، ولا مجال لأن تكذّب هذه القضيّة. أو تضعّف روايات هذه القضيّة.
[١]روح المعاني ٦ / ١٦٨.
مع ابن تيمية
وإذا بلغ الأمر إلىٰ هذه المرحلة ، فلا بأس لو أقرأ لكم عبارة ابن تيميّة حول هذا الحديث وهذا الإستدلال ، نصّ عبارته هكذا ، يقول هذا الرجل :
قد وضع بعض الكذّابين حديثاً مفترى أنّ هذه الآية نزلت في علي لمّا تصدّق بخاتمه في الصلاة ، وهذا كذب بإجماع أهل العلم بالنقل ، وكذبه بيّن.
ويضيف هذا الرجل : وأجمع أهل العلم بالنقل علىٰ أنّها لم تنزل في علي بخصوصه ، وأنّ عليّاً لم يتصدّق بخاتمه في الصلاة ، وأجمع أهل العلم بالحديث علىٰ أنّ القصّة المروية في ذلك من الكذب الموضوع ، وأنّ جمهور الأُمّة لم تسمع هذا الخبر[١].
فليسمع المقلّدون لابن تيميّة في بحوثهم العلميّة ، ولينتبه أُولئك الذين يأخذون من مثل هذا الرجل عقائدهم وأحكامهم وسننهم وآدابهم.
فالقاضي الإيجي والشريف الجرجاني وكبار علماء الكلام ـ
[١]منهاج السنّة ٢ / ٣٠.
وهذه كتبهم موجودة ـ ينصّون علىٰ إجماع المفسّرين بنزول الآية المباركة في علي في القصّة الخاصّة هذه ، ويقول هذا الرجل : إنّ بعض الكذّابين قد وضع هذا الخبر المفترىٰ ، وعلي لم يتصدّق بخاتمه ، وأجمع أهل العلم في الحديث !!
أتصوّر أنّه يقصد من أهل العلم حيث يدّعي الإجماع يقصد نفسه فقط أو مع بعض الملتفّين حوله ، فإذا رأىٰ نفسه هذا الرأي ، ورأىٰ اثنين أو ثلاثة من الأشخاص يقولون برأيه ، فيدّعي إجماع أهل الحديث وأهل النقل وإجماع الاُمّة كلّهم علىٰ ما يراه هو ، وكأنّ الإجماع في كيسه ، متىٰ ما أراد أن يخرجه من كيسه أخرجه وصرفه إلى الناس ، وعلىٰ الناس أن يقبلوا منه ما يدّعي.
وعلىٰ كلّ حال ، فهذه القضيّة واردة في كتبهم وكتبنا ، في تفاسيرهم وتفاسيرنا ، في كتبهم في الحديث وكتبنا.
مثلاً : لو أنّكم تراجعون من التفاسير : تفسير الثعلبي وهو مخطوط ، تفسير الطبري ، وأسباب النزول للواحدي ، وتفسير الفخر الرازي ، وتفسير البغوي ، وتفسير النسفي ، وتفسير القرطبي ، وتفسير أبي السعود ، وتفسير الشوكاني ، وتفسير ابن كثير ، وتفسير الآلوسي ، والدر المنثور للسيوطي.
لرأيتم كلّهم ينقلون هذا الخبر ، بعضهم يروي بالسند ، وبعضهم
يرسل الخبر[١]، وكأنّ هؤلاء كلّهم ليسوا من هذه الأُمّة.
وعلىٰ كلّ حال ، فالقضيّة لا تقبل أيّ شك وأيّ مناقشة من جهة السند ، ومن ناحية شأن النزول ، وحينئذ ينتهي بحثنا عن الجهة الاُولىٰ ، أي جهة شأن نزول الآية المباركة وقضيّة أمير المؤمنين وتصدّقه بخاتمه وهو راكع.
[١]تفسير ابن أبي حاتم ٤ / ١١٦٢، تفسير الطبري ٦ / ١٨٦، تفسير السمعاني ٢ / ٤٧، أسباب النزول : ١١٣ ، تفسير العز الدمشقي ١ / ٣٩٣ ، تفسير ابن كثير ٢ / ٦٤ ، الكشاف ١ / ٦٤٩ ، الدرّ المنثور ٣ / ١٠٥.
وراجع من كتب الحديث مثلاً : جامع الاصول ٩ / ٤٧٨ ، المعجم الاوسط ٧ / ١٢٩ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٥٦.
الجهة الثانيةوجه الإستدلال بالآية المباركة علىٰ الإمامة
وجه الإستدلال يتوقّف علىٰ بيان مفردات الآية المباركة(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).
فكلمة(إِنَّمَا)تدلّ علىٰ الحصر ، لم ينكر أحد منهم دلالة إنّما علىٰ الحصر.
(وَلِيُّكُمُ)هذه الولاية بأيّ معنىٰ ؟ سنبحث عن معنىٰ الولاية في حديث الغدير بالتفصيل ، وأيضاً في حديث الولاية ، عندنا آية الولاية وهي هذه الآية التي هي موضوع بحثنا في هذه الليلة ، وعندنا حديث الولاية وهو قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم: « علي منّي وأنا من علي وهو وليّكم من بعدي » ، فكلمة « الولاية » موجودة في هذه الآية المباركة بعنوان « وليّكم » ، وأيضاً في ذلك الحديث بعنوان « وليّكم ».