مع ابن تيمية
وإذا بلغ الأمر إلىٰ هذه المرحلة ، فلا بأس لو أقرأ لكم عبارة ابن تيميّة حول هذا الحديث وهذا الإستدلال ، نصّ عبارته هكذا ، يقول هذا الرجل :
قد وضع بعض الكذّابين حديثاً مفترى أنّ هذه الآية نزلت في علي لمّا تصدّق بخاتمه في الصلاة ، وهذا كذب بإجماع أهل العلم بالنقل ، وكذبه بيّن.
ويضيف هذا الرجل : وأجمع أهل العلم بالنقل علىٰ أنّها لم تنزل في علي بخصوصه ، وأنّ عليّاً لم يتصدّق بخاتمه في الصلاة ، وأجمع أهل العلم بالحديث علىٰ أنّ القصّة المروية في ذلك من الكذب الموضوع ، وأنّ جمهور الأُمّة لم تسمع هذا الخبر[١].
فليسمع المقلّدون لابن تيميّة في بحوثهم العلميّة ، ولينتبه أُولئك الذين يأخذون من مثل هذا الرجل عقائدهم وأحكامهم وسننهم وآدابهم.
فالقاضي الإيجي والشريف الجرجاني وكبار علماء الكلام ـ
[١]منهاج السنّة ٢ / ٣٠.
وهذه كتبهم موجودة ـ ينصّون علىٰ إجماع المفسّرين بنزول الآية المباركة في علي في القصّة الخاصّة هذه ، ويقول هذا الرجل : إنّ بعض الكذّابين قد وضع هذا الخبر المفترىٰ ، وعلي لم يتصدّق بخاتمه ، وأجمع أهل العلم في الحديث !!
أتصوّر أنّه يقصد من أهل العلم حيث يدّعي الإجماع يقصد نفسه فقط أو مع بعض الملتفّين حوله ، فإذا رأىٰ نفسه هذا الرأي ، ورأىٰ اثنين أو ثلاثة من الأشخاص يقولون برأيه ، فيدّعي إجماع أهل الحديث وأهل النقل وإجماع الاُمّة كلّهم علىٰ ما يراه هو ، وكأنّ الإجماع في كيسه ، متىٰ ما أراد أن يخرجه من كيسه أخرجه وصرفه إلى الناس ، وعلىٰ الناس أن يقبلوا منه ما يدّعي.
وعلىٰ كلّ حال ، فهذه القضيّة واردة في كتبهم وكتبنا ، في تفاسيرهم وتفاسيرنا ، في كتبهم في الحديث وكتبنا.
مثلاً : لو أنّكم تراجعون من التفاسير : تفسير الثعلبي وهو مخطوط ، تفسير الطبري ، وأسباب النزول للواحدي ، وتفسير الفخر الرازي ، وتفسير البغوي ، وتفسير النسفي ، وتفسير القرطبي ، وتفسير أبي السعود ، وتفسير الشوكاني ، وتفسير ابن كثير ، وتفسير الآلوسي ، والدر المنثور للسيوطي.
لرأيتم كلّهم ينقلون هذا الخبر ، بعضهم يروي بالسند ، وبعضهم
يرسل الخبر[١]، وكأنّ هؤلاء كلّهم ليسوا من هذه الأُمّة.
وعلىٰ كلّ حال ، فالقضيّة لا تقبل أيّ شك وأيّ مناقشة من جهة السند ، ومن ناحية شأن النزول ، وحينئذ ينتهي بحثنا عن الجهة الاُولىٰ ، أي جهة شأن نزول الآية المباركة وقضيّة أمير المؤمنين وتصدّقه بخاتمه وهو راكع.
[١]تفسير ابن أبي حاتم ٤ / ١١٦٢، تفسير الطبري ٦ / ١٨٦، تفسير السمعاني ٢ / ٤٧، أسباب النزول : ١١٣ ، تفسير العز الدمشقي ١ / ٣٩٣ ، تفسير ابن كثير ٢ / ٦٤ ، الكشاف ١ / ٦٤٩ ، الدرّ المنثور ٣ / ١٠٥.
وراجع من كتب الحديث مثلاً : جامع الاصول ٩ / ٤٧٨ ، المعجم الاوسط ٧ / ١٢٩ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٥٦.
الجهة الثانيةوجه الإستدلال بالآية المباركة علىٰ الإمامة
وجه الإستدلال يتوقّف علىٰ بيان مفردات الآية المباركة(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).
فكلمة(إِنَّمَا)تدلّ علىٰ الحصر ، لم ينكر أحد منهم دلالة إنّما علىٰ الحصر.
(وَلِيُّكُمُ)هذه الولاية بأيّ معنىٰ ؟ سنبحث عن معنىٰ الولاية في حديث الغدير بالتفصيل ، وأيضاً في حديث الولاية ، عندنا آية الولاية وهي هذه الآية التي هي موضوع بحثنا في هذه الليلة ، وعندنا حديث الولاية وهو قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم: « علي منّي وأنا من علي وهو وليّكم من بعدي » ، فكلمة « الولاية » موجودة في هذه الآية المباركة بعنوان « وليّكم » ، وأيضاً في ذلك الحديث بعنوان « وليّكم ».
معنىٰ الولاية
الولاية : مشترك ، إمّا مشترك معنوي ، وإمّا مشترك لفظي ، نحن نعتقد بالدرجة الاُولىٰ أن تكون الولاية مشتركاً معنويّاً ، فمعنىٰ الولاية إذا قيل : فلان وليّ فلان ، أي فلان هو القائم بأمر فلان ، فلان ولي هذه الصغيرة ، أي القائم بشؤون هذه الصغيرة ، فلان وليّ الأمر أي القائم بشؤون هذا الأمر ، ولذا يقال للسلطان ولي ، هذا المعنىٰ هو واقع معنىٰ الولاية.
ونجد هذا المعنىٰ في كلّ مورد ذكر مورداً للولاية مثلاً : الصديق وليّ ، الجار وليّ ، الحليف وليّ ، الأب وليّ ، الله وليّ ، ورسوله وليّ ، وهكذا في الموارد الأُخرىٰ من الأولياء.
هذا المعنىٰ موجود في جميع هذه الموارد ، وهو القيام بالأمر ، هذا هو معنىٰ الولاية علىٰ ضوء كلمات علماء اللغة ، فلو تراجعون كتب اللغة تجدون أنّ هذه الكلمة يذكرون لها هذا المعنىٰ الأساسي ، وهذا المعنىٰ موجود في جميع تلك الموارد المتعددة مثلاً : الجار له الولاية أي الجار له الأولويّة في أن يقوم بأمور جاره ، يعني لو أنّ مشكلة حدثت لشخص فأقرب الناس في مساعدته في تلك المشكلة والقيام بشؤون هذا الشخص يكون جاره ، هذا حقّ
الجوار ، مثلاً الحليف كذلك ، مثلاً الناصر أو الاخ ، هذه كلّها ولايات ، لكن المعنىٰ الوحداني الموجود في جميع هذه الموارد هو القيام بالأمر.
هذا بناء علىٰ أن تكون الولاية مشتركاً معنويّاً.
وأمّا إذا جعلنا الولاية مشتركاً لفظيّاً ، فمعنىٰ ذلك أن يكون هناك مصاديق متعدّدة ومعاني متعدّدة للّفظ الواحد ، مثل كلمة العين ، كلمة العين مشترك لفظي ، ويشترك في هذا : العين الجارية ، والعين الباصرة ، وعين الشمس ، وغير ذلك كما قرأتم في الكتب الأُصوليّة.
فالاشتراك ينقسم إلىٰ اشتراك معنوي واشتراك لفظي ، في الدرجة الأُولىٰ نستظهر أن تكون الولاية مشتركاً معنويّاً ، وعلىٰ فرض كون المراد من الولاية المعنىٰ المشترك بالاشتراك اللفظي ، فيكون من معاني لفظ الولاية : الأحقية بالأمر ، الأولويّة بالأمر ، فهذا يكون من جملة معاني لفظ الولاية ، وحينئذ لتعيين هذا المعنىٰ نحتاج إلىٰ قرينة معيّنة ، كسائر الألفاظ المشتركة بالاشتراك اللفظي.
وحينئذ لو رجعنا إلىٰ القرائن الموجودة في مثل هذا المورد ، لرأينا أنّ القرائن الحاليّة والقرائن اللفظيّة ، وبعبارة أُخرىٰ القرائن
المقاميّة والقرائن اللفظيّة كلّها تدلّ علىٰ أنّ المراد من الولاية في هذه الآية المعنىٰ الذي تقصده الإماميّة ، وهو الأولويّة والأحقيّة بالأمر.
ومن جملة القرائن اللفظيّة نفس الروايات الواردة في هذا المورد.
يقول الفضل ابن روزبهان في ردّه[١]على العلاّمة الحلّي رحمة الله عليه : إنّ القرائن تدلّ علىٰ أنّ المراد من الولاية هنا النصرة ، ف(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)، أي إنّما ناصركم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة إلىٰ آخر الآية المباركة.
فابن روزبهان يجعل الولاية بمعنىٰ النصرة ، والنصرة أحد معاني لفظ الولاية كما في الكتب اللغويّة ، لكن الروايات أنفسها ونفس الروايات الواردة في القضيّة تنفي أن يكون المراد من الولاية هنا النصرة.
مثلاً هذه الرواية ـ وهي موجودة في تفسير الفخر الرازي ، موجودة في تفسير الثعلبي ، موجودة في كتب أُخرىٰ[١]ـ : أنّ
[١]إحقاق الحقّ ٢ / ٤٠٨.[٢]تفسير الرازي١١ / ٢٥ ، تفسير الثعلبي ـ مخطوط.
النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلملمّا علم بأنّ عليّاً تصدّق بخاتمه للسائل ، تضرّع إلى الله وقال : « اللهمّ إنّ أخي موسىٰ سألك قال :(رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي*وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي*وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي*يَفْقَهُوا قَوْلِي*وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي*هَارُونَ أَخِي*اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي*وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي*كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا*وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا*إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا)فأوحيت إليه :(قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ)[١]، اللهمّ وإنّي عبدك ونبيّك فاشرح لي صدري ويسّر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي عليّاً أُشدد به ظهري ... » قال أبو ذر : فوالله ما استتمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمالكلمة حتّىٰ هبط عليه الأمين جبرائيل بهذه الآية :(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ)إلىٰ آخر الآية.
فهل يعقل وهل يرتضي عاقل فاهم له أدنىٰ إلمام بالقضايا ، وباللغة ، وبأُسلوب القرآن ، وبالقضايا الواردة عن رسول الله ، هل يعقل حمل الولاية في هذه الآية مع هذه القرائن على النصرة ؟ بأن يكون رسول الله يطلب من الله سبحانه وتعالىٰ أن يعلن إلىٰ الملأ ، إلىٰ الناس ، بأنّ عليّاً ناصركم ، فيتضرّع رسول الله بهذا التضرّع إلىٰ الله سبحانه وتعالىٰ في هذا المورد ، فيطلب من الله نزول آية تفيد
[١]سورة طه : ٢٥ ـ ٣٦.