في كون الواو هذه حاليّة ...
ففي هذا الكتاب وغيره من المصادر عدّة روايات وردت تقول : تصدّق علي وهو راكع[١]، حتّىٰ في رواية تجدونها في الدر المنثور أيضاً هذه الرواية هكذا : إنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمسأل السائل ، سأل ذلك المسكين الذي أعطاه الامام خاتمه ، سأله قائلاً : « علىٰ أيّ حال أعطاكه » ـ أي الخاتم ـ ؟ قال : أعطاني وهو راكع[٢].
فالرسول نفسه يسأله : علىٰ أيّ حال أعطاكه ؟ يقول : أعطاني وهو راكع ، فالواو حاليّة ، ولا مجال لهذا الإشكال.
الاعتراض الثالث
هذا الإعتراض فيه أُمور :
الأمر الأوّل : من أين كان لعلي ذلك الخاتم ؟ من أين حصل عليه ؟
الأمر الثاني : ما قيمة هذا الخاتم وبأيّ ثمن كان يسوىٰ في ذلك الوقت ؟ ولا يستحقّ شيء من هذا القبيل من الإعتراض أن ينظر إليه ويبحث عنه.
[١]تفسير ابن أبي حاتم ٤ / ١١٦٢.[٢]الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور ٣ / ١٠٥.
نعم يبقىٰ :
الأمر الثالث : وله وجه ما ، وهو أنّه يفترض أن يكون عليعليهالسلامفي حال الصلاة منشغلاً بالله سبحانه وتعالىٰ ، منصرفاً عن هذا العالم ، ولذا عندنا في بعض الروايات أنّه لمّا أُصيب في بعض الحروب بسهم في رجله وأُريد إخراج ذلك السهم من رجله ، قيل انتظروا ليقف إلىٰ الصلاة ، وأخرجوا السهم من رجله وهو في حال الصلاة ، لأنه حينئذ لا يشعر بالالم ، المفترض أن يكون أمير المؤمنين هكذا ، ففي أثناء الصلاة وهو مشغول بالله سبحانه وتعالىٰ كيف يسمع صوت السائل ؟ وكيف يلتفت إلىٰ السائل ؟ وكيف يشير إليه ويومي بالتقدم نحوه ، ثمّ يرسل يده ليخرج الخاتم من أصبعه ؟ وهذا كلّه انشغال بأُمور دنيويّة ، عدول عن التكلّم مع الله سبحانه وتعالىٰ ، والإشتغال بذلك العالم.
هذا الإشكال قد يسمّىٰ بإشكال عرفاني ، لأن الإشكال السابق مثلاً حيث أرادوا جعل الواو عاطفة لا حاليّة إشكال نحوي ، وليكن الإشكال السابق عليه في الولاية إشكالاً لغوياً ، فلنسمّ هذا الإشكال بالإشكال العرفاني ، فالله سبحانه وتعالىٰ عندما يخاطب أمير المؤمنين في الصلاة وعلي يخاطبه ، وهما يتخاطبان ، وهو منشغل بالله سبحانه وتعالىٰ ، كيف يلتفت إلىٰ هذا العالم ؟
والجواب :
أوّلاً : لقد عُدّت هذه القضيّة عند الله ورسوله وسائر المؤمنين من مناقب أمير المؤمنين ، فلو كان لهذا الإشكال أدنىٰ مجال لمّا عدّ فعله من مناقبه.
وثانياً : هذا الإلتفات لم يكن من أمير المؤمنين إلىٰ أمر دنيوي ، وإنّما كانت عبادة في ضمن عبادة.
ولعلّ الأفضل والأولىٰ أنْ نرجع إلىٰ أهل السنّة أنفسهم ، الذين لهم ذوق عرفاني ، في نفس الوقت الذي هم من أهل السنّة ، ومن كبار أهل السنّة :
يقول الآلوسي[١]: قد سئل ابن الجوزي[٢]هذا السؤال ، فأجاب بشعر ، وقد سجّلت الشعر ، والجواب أيضاً جواب عرفاني في نفس ذلك العالم ، يقول :
يسقي ويشربُ لا تلهيه سكرتهُ
عن النديم ولا يلهو عن الناسِ
[١]روح المعاني ٦ / ١٦٩.[٢]ابن الجوزي هذا جدّ سبط ابن الجوزي ، وإنّما نبّهنا على هذا ، لأنّه قد يقع اشتباه بين ابن الجوزي وسبط ابن الجوزي ، فالمراد هنا : أبو الفرج ابن الجوزي الحنبلي الحافظ ، صاحب المؤلّفات الكثيرة ، المتوفى سنة ٥٩٧ ه.
أطاعَهُ سُكرُهُ حتّىٰ تمكّن من
فعلِ الصحاةِ فهذا واحدُ الناسِ
هذا شعر ابن الجوزي الحنبلي ، الذي نعتقد بأنّه متعصّب ، لأنّه في كثير من الموارد نرىٰ أمثال ابن تيميّة والفضل ابن روزبهان وأمثالهما يعتمدون علىٰ كتب هذا الشخص في ردّ فضائل أمير المؤمنين ومناقبه ، أمّا في مثل هذا المورد يجيب عن السؤال بالشعر المذكور.
أمير المؤمنينعليهالسلامجمع في صفاته الاضداد ، هذا موجود في حال أمير المؤمنين ، وإلاّ لم يكن واحد الناس ، وإلاّ لم يكن متفرّداً بفضائله ومناقبه ، وإلاّ لم يكن وصيّاً لرسول الله ، وإلاّ لم يكن كفواً للزهراء البتول بضعة رسول الله ، وإلىٰ آخره.
فحينئذ هذا الاشكال أيضاً ممّا لا يرتضيه أحدٌ في حقّ أمير المؤمنين ، بأن يقال : إنّ عليّاً انصرف في أثناء صلاته إلىٰ الدنيا ، انصرف إلىٰ أمر دنيوي.
نعم وجدت في كتب أصحابنا ـ ولم أجد حتّىٰ الآن هذه الرواية في كتب غير أصحابنا ـ : عن عمر بن الخطّاب أنّه قال : تصدّقت بخاتمي أربعين مرّة ولم تنزل في حقّي آية.
إذن هذا الاعتراض أيضاً لا مجال له.
الاعتراض الرابع
وهو الإعتراض المهم الذي له وجه علميّ ، قالوا : بأنّ عليّاً مفرد ، ولماذا جاءت الألفاظ بصيغة الجمع :(وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).
هذا الإشكال له وجه ، ولا يختصّ هذا الإشكال والاعتراض بهذه الآية ، عندنا آيات أُخرىٰ أيضاً ، وآية المباهلة نفسها التي قرأناها أيضاً بصيغة الجمع ، إلاّ أنّ رسول الله جاء بعلي ، مع أنّ اللفظ لفظ جمع(وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ)وجاء بفاطمة والحال أنّ اللفظ لفظ جمع « النساء » ، هذا الإعتراض يأتي في كثير من الموارد التي تقع مورد الإستدلال ، وفي سائر البحوث العلمية المختلفة لا في بحث الإمامة فقط.
الزمخشري الذي هو من كبار علماء العامّة ، وليس من أصحابنا الإماميّة ، صاحب الكشّاف وغير الكشّاف من الكتب الكثيرة في العلوم المختلفة ، يجيب عن هذا الإشكال ، وتعلمون أنّ الزمخشري تفسيره تفسير للقرآن من الناحيّة الأدبيّة والبلاغيّة ، هذه ميزة تفسير الكشّاف للزمخشري ، وهذا شيء معروف عن تفسير الزمخشري ، وأهل الخبرة يعلمون بهذا.
يجيب الزمخشري عن هذا ما ملخّصه : بأنّ الفائدة في مجيء اللفظ بصيغة الجمع في مثل هذه الموارد هو ترغيب الناس في مثل فعل أمير المؤمنين ، لينبّه أنّ سجيّة المؤمنين يجب أن تكون علىٰ هذا الحد من الحرص علىٰ الإحسان إلىٰ الفقراء والمساكين ، يكونون حريصين علىٰ مساعدة الفقراء وإعانة المساكين ، حتّىٰ في أثناء الصلاة ، وهذا شيء مطلوب من عموم المؤمنين ، ولذا جاءت الآية بصيغة الجمع. هذا جواب الزمخشري[١].
فإذن ، لا يوافق الزمخشري علىٰ هذا الاعتراض ، بل يجيب عنه بوجه يرتضيه هو ويرتضيه كثير من العلماء الآخرين.
ولكن لو لم نرتض هذا الوجه ولم نوافق عليه ، فقد وجدنا في القرآن الكريم وفي السنّة النبويّة الثابتة الصحيحة ، وفي الاستعمالات العربيّة الصحيحة الفصيحة : أنّ اللفظ يأتي بصيغة الجمع والمقصود شخص واحد ، كثير من هذا الإستعمال موجود في القرآن وفي السنّة وفي الموارد الأُخرىٰ ، وهذا شيء موجود.
مضافاً إلىٰ جواب يجيب به بعض علمائنا وعلمائهم : أنّه في مثل هذا المورد أراد الله سبحانه وتعالىٰ أن يعظّم هذه الفضيلة أو
[١]تفسير الكشّاف ١ / ٦٤٩.
هذا الفعل من علي ، وجاء بلفظ الجمع إكراماً لعلي ولما فعله في هذه القضيّة.
وتبقىٰ نظرية أُخرىٰ ، أتذكّر أنّ السيّد شرف الدين رحمة الله عليه يذكر هذه النظرية وهذا الجواب ويقول : لو أنّ الآية جاءت بصيغة المفرد ، لبادر أعداء أمير المؤمنين من المنافقين إلىٰ التصرّف في القرآن الكريم وتحريف آياته المباركات عداءً لأمير المؤمنين ، إذ ليست هذه الآية وحدها بل هناك آيات أُخرىٰ أيضاً جاءت بصيغة الجمع ، والمراد فيها علي فقط ، فلو أنّه جاء بصيغة المفرد لبادر أُولئك وانبروا إلىٰ التصرّف في القرآن الكريم.
إنّه في مثل هذه الحالة يكون الكناية ، صيغة الجمع ، أبلغ من التصريح ـ بأن يأتي اللفظ بصيغة المفرد ، والذي آمن وصلّىٰ وتصدّق بخاتمه في الصلاة في الركوع أو آتىٰ الزكاة وهو راكع ـ والروايات تقول هو علي ، فيكون اللفظ وإن لم يكن صريحاً باسمه إلاّ أنّه أدل علىٰ التصريح ، أدل علىٰ المطلب من التصريح ، من باب الكناية أبلغ من التصريح. يختار السيد شرف الدين هذا الوجه[١].
ويؤيّد هذا الوجه رواية واردة عن إمامنا الصادقعليهالسلامبسند
[١]المراجعات : ٢٦٣.
معتبر ، يقول الراوي للإمام : لماذا لم يأت اسم علي في القرآن بصراحة بتعبيري أنا ، لماذا لم يصرّح الله سبحانه وتعالىٰ باسم علي في القرآن الكريم ؟ فأجاب الإمامعليهالسلام: لو جاء اسمه بصراحة وبكلّ وضوح في القرآن الكريم لحذف المنافقون اسمه ووقع التصرّف في القرآن ، وقد شاء الله سبحانه وتعالىٰ أن يحفظ القرآن(وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).
وهذه وجوه تذكر جواباً عن السؤال : لماذا جاءت الكلمة أو الكلمات بصيغة الجمع ؟
ولعلّ أوفق الوجوه في أنظار عموم الناس وأقربها إلىٰ الفهم : أنّ هذا الإستعمال له نظائر كثيرة في القرآن الكريم ، وفي السنّة النبويّة ، وفي الإستعمالات الصحيحة الفصيحة ، ثم إن الروايات المعتبرة المتّفق عليها دلّت علىٰ أنّ المراد هنا خصوص عليعليهالسلام.
إذن ، مجيء اللفظ بصيغة الجمع لا بدّ وأن يكون لنكتة ، تلك النكتة ذكرها الزمخشري بشكل ، والطبرسي بنحو آخر ، والسيد شرف الدين بنحو ثالث ، وهكذا.
وإذا راجعتم كتاب الغدير لوجدتم الشيخ الأميني رحمة الله عليه يذكر قسماً من الايات التي جاءت بصيغة الجمع وأُريد منها الشخص الواحد ، ويذكر الروايات والمصادر التي يُستند إليها في