مناقشة أدلّة القوم على أفضلية أبي بكر
هذه عامّة أدلّتهم ، ولو سألتني عن أهمّ هذه الأدلّة لذكرت لك : قضيّة الصلاة أوّلاً ، وحديث « إقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر » ، فهما أهم هذه الأدلّة العشرة.
لكنّا نبحث عن كل هذه الأدلّة واحداً واحداً ، على ضوء كتبهم ، وعلى أساس رواياتهم ، وأقوال علمائهم.
الدليل الأول :
قوله تعالى :(وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى*الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ*وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ).
هذه آية قرآنية ، وكما ذكرنا في مباحثنا حول الآيات المستدل بها على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام: إنّ دلالة الآية على إمامة علي تتوقّف على ثبوت نزولها في علي وبدليل معتبر ، وإلاّ فالآية من
القرآن ، وليس فيها اسم علي ولا اسم غير علي.
قوله تعالى :(وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى)يتوقّف الإستدلال به على مقدمات ، حتّى تتمّ دلالة الآية على إمامة أبي بكر ...
أوّلاً :الإستدلال بهذه الآية على إمامة أبي بكر يتوقّف على سقوط جميع الأدلّة التي أقامها الإمامية على عصمة عليعليهالسلام، وإلاّ فالمعصوم أكرم عند الله سبحانه وتعالى ممّن يؤتي ماله يتزكّى ، فإذن ، يتوقّف الإستدلال بهذه الآية على إمامة أبي بكر ـ لو كانت نازلةً فيه ـ على عدم تماميّة تلك الأدلّة التي أقامها الإمامية على عصمة عليعليهالسلام، وإلاّ فلو تمّ شيء من تلك الأدلّة لكان علي أكرم عند الله سبحانه وتعالى ، وحينئذ يبطل هذا الاستدلال.
وثانياً :يتوقف الإستدلال بهذه الآية المباركة لأكرميّة أبي بكر ، على أنْ لا يتمّ ما استدلّ به لافضليّة عليعليهالسلام، وإلاّ لتعارضا بناء على صحة هذا الإستدلال وحجيّة هذا الحديث الوارد في ذيل هذه الآية المباركة ، ويكون الدليلان حجّتين متعارضتين ، ويتساقطان ، فلا تبقى في الآية هذه دلالة على امامته.
ولكنّ ممّا لا يحتاج إلى أدلّة إثبات هو : أنّ عليّاًعليهالسلاملم يسجد لصنم قط ، وأبو بكر سجد ، ولذا يقولون ـ إذا ذكروا عليّاً ـ : كرّم الله وجهه ، وهذا يقتضي أن يكون علي أكرم عند الله سبحانه وتعالى.
ثالثاً :يتوقف الإستدلال بهذه الآية المباركة على نزول الآية في أبي بكر ، والحال أنّهم مختلفون في تفسير هذه الآية على ثلاثة أقوال :
القول الأول : إنّ الآية عامّة للمؤمنين ولا اختصاص لها بأحد منهم.
القول الثاني : إنّ الآية نازلة في قصّة أبي الدحداح وصاحب النخلة ، راجعوا الدر المنثور في التفسير بالمأثور[١]، يذكر لكم هذه القصة في ذيل هذه الآية ، وإنّ الآية بناء على هذا القول نازلة بتلك القصة ولا علاقة لها بأبي بكر.
القول الثالث : إنّ الآية نازلة في أبي بكر.
فالقول بنزول الآية المباركة في أبي بكر أحد الأقوال الثلاثة عندهم.
لكن هذا القول ـ أي القول بنزول الآية في أبي بكر ـ يتوقف على صحة سند الخبر به ، وإذا لم يتمّ الخبر الدال على نزول الآية في أبي بكر يبطل هذا القول.
وإليكم المصدر الذي ذكر فيه خبر نزول الآية في أبي بكر
[١]الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٦ / ٣٥٨.
وتصريحه بضعف سند هذه الرواية :
الرواية يرويها الطبراني ، ويرويها عنه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ، ثمّ يقول : فيه ـ أي في سنده ـ مصعب بن ثابت ، وفيه ضعف[١].
فالقول الثالث الذي هو أحد الأقوال في المسألة يستند إلى هذه الرواية ، والرواية ضعيفة.
ومصعب بن ثابت هو حفيد عبدالله بن الزبير ، مصعب بن ثابت بن عبدالله بن الزبير ، وآل الزبير منحرفون عن أهل البيت كما هو مذكور في الكتب المفصلة المطولة ، ومصعب بن ثابت : ضعّفه يحيى بن معين ، ضعّفه أحمد بن حنبل ، ضعّفه أبو حاتم قال : لا يحتجّ به ، وقال النسائي : ليس بالقوي ، وهكذا قال غير هؤلاء[٢].
فكيف يستدل بالآية المباركة على أكرميّة أبي بكر وأفضليّته ، وفي المسألة ثلاثة أقوال ، والقول بنزولها في أبي بكر يستند إلى رواية ، وتلك الرواية ضعيفة ؟
مضافاً : إلى أنّ هذا الإستدلال موقوف على عدم تماميّة أدلّة الإماميّة على أفضليّة أمير المؤمنين وإمامته.
[١]مجمع الزوائد ٩ / ٥٠.
[٢]تهذيب التهذيب ١٠ / ١٤٤.
الدليل الثاني :
الحديث : « إقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ».
هذا الحديث من أحسن أدلّتهم على إمامة الشيخين ... ، يستدلون بهذا الحديث في كتب الكلام ، وفي كتب الاُصول أيضاً ، واستناداً إلى هذا الحديث يجعلون اتفاق الشيخين حجة ، ويعتبرون سنّة الشيخين إستناداً إلى هذا الحديث حجة ، فالحديث مهمّ جدّاً ، لا سيّما وأنّه في مسند أحمد بن حنبل[١]، وأيضاً في صحيح الترمذي[٢]، وأيضاً في مستدرك الحاكم[٣]، فهو حديث موجود في كتب معتبرة مشهورة ، ويستدلّون به في بحوث مختلفة.
ولكن بإمكانكم أن ترجعوا إلى أسانيد هذا الحديث ، وتدقّقوا النظر في حال تلك الأسانيد ، على ضوء أقوال علمائهم في الجرح والتعديل ، ولو فعلتم هذا ودقّقتم النظر وتتبعتم في الكتب ، لرأيتم جميع أسانيده ضعيفة ، وكبار علمائهم ينصّون على كثير من رجال هذا الحديث بالضعف ، ويجرحونهم بشتّى أنواع الجرح.
[١]مسند أحمد ٥ / ٣٨٢ ، ٣٨٥.
[٢]صحيح الترمذي ٥ / ٥٧٢.
[٣]المستدرك على الصحيحين ٣ / ٧٥.
لكنّكم لابدّ وأنْ تطلبون منّي أن أذكر لكم خلاصة ما يقولونه بالنسبة إلى هذا الحديث ، وأُقرّب لكم الطريق ولا تحتاجون إلى مراجعة الكتب ، فأقول :
قال المنّاوي في شرح هذا الحديث في فيض القدير في شرح الجامع الصغير[١]: أعلّه أبو حاتم [ أي قال : هذا الحديث عليل ] وقال البزّار كابن حزم لا يصح[٢].
فهؤلاء ثلاثة من أئمّتهم يردّون هذا الحديث : أبو حاتم ، أبو بكر البزّار ، وابن حزم الأندلسي.
والترمذي حيث أورد هذا الحديث في كتابه بأحسن طرقه ، يضعّفه بصراحة ، فراجعوا كتاب الترمذي وهو موجود[٣].
وإذا ما رجعتم إلى كتاب الضعفاء الكبير لأبي جعفر العُقيلي لرأيتموه يقول : منكر لا أصل له[٤].
وإذا رجعتم إلى ميزان الاعتدال يقول نقلاً عن أبي بكر
[١]وقد ذكرت لكم من قبل إنّنا في فهم الأحاديث والدقّة في أسانيدها لابدّ وأن نرجع إلى ما قيل في شرحها والكتب المؤلّفة في شروح الأحاديث ، من قبيل المرقاة وفيض القدير وشروح الشفاء للقاضي عياض ، وأمثال ذلك.
[٢]فيض القدير شرح الجامع الصغير ٢ / ٥٦.
[٣]صحيح الترمذي ٥ / ٥٧٢.
[٤]كتاب الضعفاء الكبير ٤ / ٩٥.
النقّاش : وهذا الحديث واهٍ[١].
ويقول الدارقطني ـ وهو أمير المؤمنين في الحديث عندهم في القرن الرابع الهجري ـ : هذا الحديث لا يثبت[٢].
وإذا رجعتم إلى كتاب العلاّمة العبري الفرغاني المتوفّى سنة ٧٤٣ ه ، يقول في شرحه على منهاج البيضاوي : إنّ هذا الحديث موضوع[٣].
ولو رجعتم إلى ميزان الاعتدال لرأيتم الحافظ الذهبي يذكر هذا الحديث في مواضع عديدة من هذا الكتاب ، وهناك يردّ هذا الحديث ويكذّبه ويبطله ، فراجعوا[٤].
وإذا رجعتم إلى تلخيص المستدرك ترونه يتعقّب الحاكم ويقول : سنده واه جدّاً[٥].
وإذا رجعتم إلى مجمع الزوائد للهيثمي حيث يروي هذا الحديث عن طريق الطبراني يقول : وفيه من لم أعرفهم[٦].
[١]ميزان الاعتدال ١ / ١٤٢.
[٢]لسان الميزان ٥ / ٢٣٧.
[٣]شرح المنهاج : مخطوط.
[٤]ميزان الاعتدال ١ / ١٠٥ ، ١٤١ و ٤٣ / ٦١٠.
[٥]تلخيص المستدرك ـ ط في ذيل المستدرك ٣ / ٧٥.
[٦]مجمع الزوائد ٩ / ٥٣.
وإذا رجعتم إلى لسان الميزان لابن حجر العسقلاني الحافظ شيخ الإسلام لرأيتم يذكر هذا الحديث في أكثر من موضع وينصّ على سقوط هذا الحديث ، فراجعوا لسان الميزان[١].
وإذا رجعتم إلى أحد أعلام القرن العاشر من الهجرة ، وهو شيخ الإسلام الهروي ، له كتاب الدر النضيد من مجموعة الحفيد ـ وهذا الكتاب مطبوع موجود ـ يقول : هذا الحديث موضوع[٢].
وابن درويش الحوت يورد هذا الحديث في كتابه أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب ، ويذكر الأقوال في ضعف هذا الحديث وسقوطه وبطلانه[٣][٤].
فهذا الحديث ـ إذن ـ لا يليق أنْ يُستدلّ به على مبحث الإمامة ، سواء كان يستدل به الشيعة الإمامية أو السنّة ، حتّى لو
[١]لسان الميزان ١ / ١٨٨ ، ٢٧٢ و ٥ / ٢٣٧.
[٢]الدر النضيد من مجموعة الحفيد : ٩٧.
[٣]أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب : ٤٨.
[٤]هذا ، وللحافظ ابن حزم الاندلسي في الإستدلال بهذا الحديث كلمة مهمة جدّاً ، إنّه يقول ما هذا نصّه : ولو أننا نستجيز التدليس والأمر الذي لو ظفر به خصومنا طاروا به فرحاً أو أبلسوا أسفاً لاحتججنا بما روي : « اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر » ، ولكنّه لم يصح ويعيذنا الله من الإحتجاج بما لا يصح. الفصل في الملل والنحل ٤ / ٨٨.