بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 38

حينئذ ورجلاه تخّطان الأرض ويصلّي خلف أبي بكر.

ومن الذي يمكنه حينئذ من أنْ يناقش في إمامة أبي بكر وكونه خليفة لرسول الله ، مع اقتداء رسول الله به في الصلاة ، ألا يكفي هذا لأن يكون دليلاً على إمامة أبي بكر لما عدا رسول الله ؟

نعم ، وضعوا هذه الأحاديث الدالّة على أنّ رسول الله اقتدى بأبي بكر.

لكن الشيخين لم يرويا هذا الحديث ، أي هذه القطعة من الحديث غير موجودة في الصحيحين ، الموجود في الصحيحين : إنّ رسول الله نحّاه أو تنحّى أو تأخّر أبو بكر ، وصلّى رسول الله بنفسه تلك الصلاة.

أمّا هذا الحديث فموجود في مسند أحمد ، وهو حديث كذب قطعاً ، وكذّبه غير واحد من كبار الأئمّة من حفّاظ أهل السنّة ، وحتّى أنّ بعضهم كالحافظ أبي الفرج ابن الجوزي ألّف رسالة خاصة في بطلان حديث اقتداء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمبأبي بكر ، وهل من المعقول أن يقتدي النبي بأحد أفراد أُمّته ، فيكون ذلك الفرد إماماً للنبي ، هذا غير معقول أصلاً.

رسالة ابن الجوزي مطبوعة منذ عشرين سنة تقريباً لأوّل مرّة ،


صفحه 39

نشرتها أنا بتحقيق منّي والحمد لله[١].

النكتة الثالثة :إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمبعد أن خرج إلى الصلاة وصلّى بنفسه الشريفة ، ونحّى أبا بكر ، لم يكتف بهذا المقدار ، وإنّما جلس على المنبر بعد تلك الصلاة ، وخطب ، وذكر القرآن والعترة ، وأمر الناس باتّباعهما والاقتداء بهما ، فأكّد رسول الله بخطبته هذه ما دلّ عليه فعله ، أي حضوره للصلاة وعزله لأبي بكر عن المحراب ، ثمّ أضاف في هذه الخطبة بعد الصلاة إنّ على جميع المسلمين أن يخرجوا مع أُسامة ، وأكّد على وجوب هذا البعث وعلى الإسراع فيه.

وبعد هذا كلّه لا يبقى مجال للاستدلال بحديث تقديمه في الصلاة.

الدليل السابع :

قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: « خير أُمّتي أبو بكر وعمر ».

هذا الحديث بهذا المقدار ذكره القاضي الإيجي وشارحه

[١]هذه الرّسالة ألّفها الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي الحنبلي ، المتوفى سنة ٥٩٧ ه‌ ، ردّاً على معاصره الحافظ عبد المغيث الحنبلي ، ولذا أسماها بآفة أصحاب الحديث في الردّ على عبد المغيث ، طبعت لأوّل مرّة بتحقيقنا.


صفحه 40

وغيرهما أيضاً.

لكن الحديث ليس هكذا ، للحديث ذيل ، وهم أسقطوا هذا الذيل ليتمّ لهم الإستدلال ، فاسمعوا إلى الحديث كاملاً :

عن عائشة ، قلت : يا رسول الله ، من خير الناس بعدك ؟ قال : « أبو بكر » ، قلت : ثمّ مَن ؟ قال : « عمر ».

هذا المقدار الذي استدلّ به هؤلاء.

لكن بالمجلس فاطمة سلام الله عليها ، قالت فاطمة : يا رسول الله ، لم تقل في علي شيئاً !

قال : « يا فاطمة ، علي نفسي ، فمن رأيتيه يقول في نفسه شيئاً ؟ ».

فيستدلّون بصدر الحديث بقدر ما يتعلّق بالشيخين ، ويجعلونه دليلاً على إمامة الشيخين ، ويسقطون ذيله ، وكأنّهم لا يعلمون بأنّ هناك من يرجع إلى الحديث ويقرأه بلفظه الكامل ، ويعثر عليه في المصادر.

لكن الحديث ـ مع ذلك ـ ضعيف سنداً ، فراجعوا كتاب تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة[١].

[١]تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة ١ / ٣٦٧.


صفحه 41

الدليل الثامن :

قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: « لو كنت متّخذاً خليلاً دون ربّي لاتّخذت أبا بكر ».

ويكفي في الجواب عن هذا الحديث أن نقول : إذا كان رسول الله قال في حقّ أبي بكر : « لو كنت متّخذاً خليلاً لاتّخذت أبا بكر » إذا كان قال هكذا في حقّ أبي بكر ، فقد جاءت الرواية عندهم في حقّ عثمان : إنّه اتّخذه خليلاً ! فبالنسبة إلى أبي بكر يقول « لو » أمّا في حقّ عثمان يقول : « اتّخذته خليلاً » ، يقول : « إنّ لكلّ نبيّ خليلاً من أُمّته ، وإنّ خليلي عثمان بن عفّان » فيكون عثمان أفضل من أبي بكر.

وأنا أيضاً ـ كما ذكرت هذا مرّة في بعض الليالي الماضية اعتقادي على ضوء رواياتهم في مناقب المشايخ ـ أرى أنّ عثمان أفضل من أبي بكر وعمر ، لمناقبه الموجودة في كتبهم ، ومن جملتها هذا الحديث ، لكنه حديث باطل مثله[١].

[١]تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة ١ / ٣٩٢.


صفحه 42

الدليل التاسع :

قوله : وأين مثل أبي بكر فقد فعل كذا وكذا ، زوّجني واساني بنفسه كذا جهّزني بماله إلى آخره.

وهذا الحديث :

أمّا سنداً ، فقد أدرجه الحافظ السيوطي في كتابه اللآلي المصنوعة بالأحاديث الموضوعة[١]، وأيضاً أدرجه الحافظ ابن عرّاق صاحب كتاب تنزيه الشريعة[٢]، أدرجه في كتابه هذا المؤلف في خصوص الروايات الموضوعة.

أمّا دلالة ، فإنّه يدلّ على أنّ أبا بكر كان يعطي من ماله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وكان يصرف من أمواله الشخصية على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وكان رسول الله بحاجة إلى مال أبي بكر وإنفاقه عليه ، وهذا من القضايا الكاذبة ، وقد وصل كذب هذا الخبر إلى حدٍّ التجأ مثل ابن تيميّة إلى التصريح عن كذبه ، مثل ابن تيميّة يصرّح بأنّ هذا غير صحيح[٣]ورسول الله لم يكن محتاجاً إلى أموال أبي بكر.

[١]اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ١ / ٢٩٥.

[٢]تنزيه الشريعة المرفوعة في الأحاديث الشنيعة الموضوعة ١ / ٣٤٤.

[٣]منهاج السنة ٤ / ٢٨٩.


صفحه 43

وهكذا يضع الواضعون الفضائل والمناقب المستلزمة بالطعن في رسول الله ، فإنفاق أبي بكر على رسول الله كذب ، وابن تيميّة ممّن يعترف بهذا.

فهذا الحديث كذب سنداً ودلالة.

الدليل العاشر :

ما رووه عن عليعليه‌السلامفي فضل الشيخين ، منها الرواية التي ذكرها هؤلاء أنّه قال : خير الناس بعد النبيين أبو بكر ثمّ عمر ثمّ الله أعلم.

ليس هذا اللفظ وحده ، لهم أحاديث أُخرى ، وألفاظ أُخرى أيضاً ينقلونها عن علي في فضل الشيخين ، لكن :

أوّلاً :أبو بكر نفسه يعترف بأنّه لم يكن خير الناس ، ألم يقل : ولّيتكم ولست بخيركم ؟ ، وهذا موجود في الطبقات لابن سعد[١]، أو : أقيلوني فلست بخيركم ، كما في المصادر الكثيرة[٢].

وثانياً :ذكر صاحب الإستيعاب بترجمة أمير المؤمنين[٣]سلام

[١]الطبقات الكبرى ٣ / ١٣٩.

[٢]مجمع الزوائد ٥ / ١٨٣ ، سيرة ابن هشام ٢ / ٦٦١ ، تاريخ الخلفاء : ٧١.

[٣]الإستيعاب في معرفة الاصحاب ٣ / ١٠٩٠.


صفحه 44

الله عليه ، وذكر ابن حزم في كتاب الفصل[١]، وذكر غيرهما من كبار الحفّاظ : إنّ جماعة كبيرة من الصحابة كانوا يفضّلون عليّاً على أبي بكر.

فإذا كان علي بنفسه يعترف بأفضليّة الشيخين منه ، كيف كان أولئك يفضّلون عليّاً عليهما ؟ لقد ذكروا أسماء عدّة من الصحابة كانوا يقولون بأفضليّة علي ، منهم أبو ذر ، وسلمان ، والمقداد ، وعمّار ، و ... ، وعلي يعترف بأفضليّة الشيخين منه !! هذه أخبار مكذوبة على أمير المؤمنينعليه‌السلامسلام الله عليه.

إذن ، لم نجد دليلاً من أدلّة القوم سالماً عن الطعن والجرح والإشكال ، إمّا سنداً ودلالة ، وإمّا سنداً ، على ضوء كتبهم وعلى ضوء كلمات علمائهم.

فتلك الأحاديث من الأحاديث الموضوعة التي لا أساس لها ، في اعترافهم ، لاسيّما حديث اقتدوا باللذين من بعدي.

والمهم قضيّة الصلاة ، فصلاة أبي بكر في حياة رسول الله قد تشعر بإمامته بعده ، لكن رسول الله عزله عن المحراب وصلّى تلك الصلاة بنفسه ، إن صحّ خبر إرساله أبا بكر إلى الصلاة.

[١]الفصل في الملل والنحل ٤ / ١٨١.


صفحه 45

مضافاً إلى أنّ إمامة الشيخين يجب أن تبحث من ناحية أُخرى ، وهي : أنّ هناك موانع ، أنّ هناك قضايا تمنع من أن يكونا إمامين للمسلمين ، تلك القضايا كثيرة ومذكورة في الكتب ، ولم يكن من منهجنا التعرض لتلك القضايا.