الإجماع على خلافة أبي بكر ، ليس بمعنى أنّ القوم كلّهم كانوا مجمعين وموافقين على إمامته ، بل إنّ إمامته قد وقعت في الحقيقة ببيعة عمر فقط وفي السقيفة ، بعد النزاع بين المهاجرين والأنصار ، وإلقاء النزاع بين الأنصار الأوس والخزرج ، يكفي أنْ أُشير إلى هذا المطلب.
لكن مع ذلك عندما نراجع إلى هذه الكتب يقولون بأنّ الأولى أنْ نسكت عن مثل هذه القضايا ولا نتكلّم عنها ، فإنّ رسول الله قد أمر بالسكوت عمّا سيقع بين أصحابه ، لا داعي لطرح مثل هذه القضايا وللتعرض لمثل هذه الاُمور.
وإنّي أرى من المناسب أنْ أقرأ لكم نصّ عبارة السعد التفتازاني في شرح المقاصد ، لتروا كيف يضطربون ، وإنّهم إلى أين يلتجئون ، يقول السعد :
إنّ جمهور علماء الملّة وعلماء الاُمّة أطبقوا على ذلك ـ أي على إمامة أبي بكر ـ وحسن الظن بهم يقضي بأنّهم لو لم يعرفوه بدلائل وإمارات لما أطبقوا عليه.
قلت :إذا كان كذلك ، إذا كنّا مقلّدين للصحابة من باب حسن الظن بهم ، فلماذا أتعبنا أنفسنا ؟ ولماذا اجتهدنا فنظرنا في الأدلّة وجئنا بالآية والحديث ، كنّا من الأول نقول : بأنّا في هذه المسألة
مقلّدون للصحابة ، فعلوا كذا ونحن نقول كذا ، لاحظوا ، ثمّ يقول التفتازاني :
يجب تعظيم الصحابة والكفّ عن مطاعنهم ، وحمل ما يوجب بظاهره الطّعن فيهم على محامل وتأويلات ، سيّما المهاجرين والأنصار.
اين صفحه در کتاب اصلي بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
خاتمة المطاف
وعندما ينقل السعد عن الإماميّة قولهم : إنّ بعد رسول الله إماماً ، وليس غير علي ، لانتفاء الشرائط من العصمة والنص والأفضليّة عن غيره ـ وقد رأيتم كيف كان هذا الانتفاء في بحوثنا السابقة ـ يتهجّم ويشتم الشيخ المحقق نصير الدين الطوسي وسائر علماء الإماميّة ، لاحظوا كلامه ، أنقل نصّ عبارته ، لتقفوا على مقدار فهم هؤلاء ، وعلى حدّ أدبهم ، ثمّ تقارنوا بين كلام الإماميّة وكلام هؤلاء القوم ، يقول :
احتجّت الشيعة بوجوه لهم في إثبات إمامة علي بعد النبي من العقل والنقل ، والقدح فيما عداه من أصحاب رسول الله الذين قاموا بالأمر ، ويدّعون في كثير من الأخبار الواردة في هذا الباب التواتر ، بناء على شهرته فيما بينهم ، وكثرة دورانه على ألسنتهم ، وجريانه في أنديتهم ، وموافقته لطباعهم ، ومقارعته لأسماعهم ، ولا يتأمّلون
كيف خفي على الكبار من الأنصار والمهاجرين ، والثقات من الرواة والمحدّثين ، ولم يحتجّ البعض على البعض ، ولم يبرموا عليه الإبرام والنقض ، ولم يظهر إلاّ بعد انقضاء دور الإمامة وطول العهد بأمْر الرسالة ، وظهور التعصّبات الباردة ، والتعسّفات الفاسدة ، وإفضاء أمر الدين إلى علماء السوء ، والملك إلى أُمراء الجور ، ومن العجائب أنّ بعض المتأخرين من المتشغّبين ، الذين لم يروا أحداً من المحدّثين ولا رووا حديثاً في أمر الدين ، ملؤوا كتبهم من أمثال هذه الأخبار والمطاعن في الصحابة الأخيار ، وإن شئت فانظر في كتاب التجريد المنسوب إلى الحكيم نصير الدين الطوسي ، كيف نصر الأباطيل وقرّر الأكاذيب ...
قلت :أمّا نصير الدين الطوسي ، فإنّا نشكر التفتازاني على قناعته بهذا المقدار من الشتم والسبّ له ! نشكره على اكتفائه بهذا المقدار !
فإنّ ابن تيميّة ذكر في الشيخ نصير الدين الطوسي بسبب تأليفه كتاب التجريد واستدلاله في هذا الكتاب على إمامة علي من كتب أهل السنّة ، ذكره بما لا يمكن أن يتفوّه به مسلم في حقّ أدنى الناس ، ذكره بما لا يقال ، ونسب إليه الكبائر والعثرات التي لا تقال ، وقد خصّصنا ليلةً للتحقيق حول هذا الموضوع ، وسنتعرض لكلامه
بعون الله.
هذا فيما يتعلق بالشيخ نصير الدين الطوسي.
وأمّا أصل المطلب ، فإنّا قد أقمنا الأدلّة على إمامة علي من نفس كتبهم ، بيّنا صحّة تلك الأدلّة من نفس كتبهم ، وقد ذكرنا احتجاجاتنا بكلّ أدب ومتانة ووقار ، لم نتعرض لأحد منهم بسبّ أو شتم ، فأثبتنا إمامة أمير المؤمنين بالنص ، وأثبتنا إمامته بالعصمة ، وأثبتنا إمامته بالأفضليّة ، كلّ ذلك من كتبهم ، كلّ ذلك بناء على أقوال علمائهم ، واستشهدنا بأفضل الطرق والأسانيد ، واستندنا إلى أشهر الكتب والمؤلّفات ، لم يكن منّا سبّ ولا شتم ولا تعصّب ولا تعسّف ، ثمّ نظرنا إلى أدلّتهم في إمامة أبي بكر ، أمّا النص فقالوا هم : بعدم وجوده ، وأمّا الإجماع فلا إجماع حتّى اضطرّوا إلى الاعتراف بعدم انعقاده ، وربما نتعرض لذلك في ليلة خاصة ، وأمّا الأفضلية فتلك أفضل أدلّتهم ، وقد نظرنا إليها واحداً واحداً على ضوء كتبهم ، فما ذنبنا إنْ لم يتم دليل على إمامة أبي بكر ؟ وتمّ الدليل من كتبهم على إمامة علي.
لماذا لا يريدون البحث عن الحقيقة ؟ لماذا تكون الحقيقة مرّة ؟ لماذا يلجؤون إلى السبّ والشتم ؟ ولماذا هذا التهجّم ؟ ألا يكفي ما واجهه علماؤنا منذ العصور الأولى إلى يومنا هذا ، من سبّ
وشتم وقتل وسجن وطرد وإلى آخره ؟ إلى متى ؟ ولماذا هذا ؟ نحن نريد البحث عن أمر حقيقي واقعي يتعلّق بمن نريد أن نقتدي به بعد رسول الله ، نريد أن نجعله واسطة بيننا وبين ربّنا ، في أُمورنا الإعتقادية وفي أُمورنا العملية ، أي في الاُصول والفروع وفي جميع الجهات ، نريد أن نبحث عن الحقيقة ونتوصّل إليها ، فإذا وصلنا إلى الحقيقة وعثرنا على الحق حينئذ نقول لربّنا : إنّا قد نظرنا في الأدلّة وبحثنا عن الحقيقة ، فكان هذا ما توصّلنا إليه ، وهذا إمامنا ، وهذا منهجنا ومسلكنا ، ليكون لنا عذراً عند الله سبحانه وتعالى ، وكلّ هذا البحث لهذا ، وليس لحبّ أو بغض ، وليس لدينا أيّ غرض ، وما الداعي إلى الشتم ؟ وإلى متى تكون الحقيقة مرّة ؟ وإلى متى لا يريدون استماع الحق وأخذ الحق وقبول الحق ؟ والشتم لماذا ؟ وهل يتفوّه به إلاّ السوقه ؟ إلاّ الجهلة ؟
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّقنا لما يرضيه ، نسأله تعالى أن يهدينا إلى فهم الحقائق ، إلى أخذ الحقائق ، إلى العمل بالحق ، إلى اتّباع الحق ، ونسأله سبحانه وتعالى أن يبيّض وجوهنا عندما نرد عليه ونلقاه ، وعندما نواجه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم.
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.