[سنة إحدى وخمسين وست مئة هجرية]
بادر هُولاكُو إلى إرسال الجيوش [التي أعدَّها] في خراسان، إلى قُهِسْتَان، فأرسل أولاً في ربيع الأول سنة إحدى وخمسين وست مئة[217]جيشاً إلى حدود قلعة گردكوه وحاصرها بشكل لم يرَ أحدٌ له مثيلاً. فحفروا حول القلعة خندقاً عظيماً، وبنوا حول الخندق سوراً منيعاً، ومن بعد السور اتَّخذوا لهم مواضع، وبنوا بعد تلك المواضع سوراً آخر، وحفروا بعده خندقاً آخر (32أ)، بحيث لو خرج أحدٌ من داخل القلعة أو أراد أحدٌ من خارجها أن يهاجم تلك الجماعة، فإنَّ الخندق والسور سيكونان حائلاً بين كليهما[218].
ثم إنَّ الجيش تقدم إلى مشارف القلعة وحارب حوالي يوم أو يومين. ولمَّا لم يكن من اليسير الاستيلاء على القلعة، فقد وضع هُولاكُو هناك جيشاً جراراً وعيَّن عليه قادة حازمين.
وبعد سنة تَفَشَّى الطاعون بين أهل قلعة گردكوه، فمات أكثرهم. فوصل إلى علاء الدين مُحَمَّد ملك الإسماعيليين خبر مفاده أن قلعة گردكوه لم يبقَ فيها رجال وستسقط، فأرسلَ إليهم نجدةً من مئة رجل برفقة القائد مقدَّم الدين مبارز مُحَمَّد ليقوموا بالالتفاف على القوات المحاصِرة[219].
[217]هذا التأريخ ذكره أيضاً رشيد الدِّين في جامع التواريخ كما ذكر بعضاً من هذه التطورات.
[218]حول بناء هذه المواضع والاستحكامات، انظر: رشيد الدِّين، جامع التواريخ، 2/690. ويمكن مراجعة تفاصيل أوفى عنها في الكتاب القيِّم لعناية الله مجيدي، ميمون دز ألموت.
[219]يقول رشيد الدِّين (جامع التواريخ، 690)، إنّ عدد أفراد القوة كان 110 أفراد بقيادة مبارز الدين عَليّ توران، وشجاع الدين عَليّ سراباني.
تمكَّن هؤلاء[220]من اختراق صفوف القوة المحاصِرة ولمْ يُصَبْ أيٌّ منهم بأذىً سوى رجل واحد زلَّت قدمه فسقط في الخندق، ومع ذلك تمَّ إنقاذه هو الآخر. وهكذا دخلوا القلعة وعاد وضعها حصيناً[221].
ولقد ظلَّت هذه القلعة تحت الحصار عشرين عاماً[222]، وفي النهاية استسلم مَن فيها فقُتلوا ولم يَنْجُ منهم أيُّ أحد.
[220]أي قوات النجدة القادمة.
[221]يذكر رشيد الدين هذه التطورات بتفاصيلها الدقيقة أيضاً (انظر: جامع التواريخ، 2/690).
[222]يعني في المدة التي سبقت غزو هولاكو، حيث صراع الإسماعيلية الطويل مع جيوش الحكام المجاورين لقلاعهم.
[سنة ثلاث وخمسين وست مئة هجرية]
وفي ذي القعدة من سنة ثلاث وخمسين وست مئة[223]، قُتل علاء الدين مُحَمَّد على يد شخص مرتَدّ كان قد أصبح خادمَه الخاص وموضع ثقته[224]. فتسنَّم العرش نجله ركن الدين حسن الَّذي كان يُدعى خورشاه وأرسل أخاً له يُدعى شاهنشاه إلى بلاط هُولاكُو يحمل رسالة تقول: إنْ كان أبي لم يقدِّم لك فروضَ الطاعة فأنا أقدِّمها وأضع نفسي في خدمتك. فذهب شاهنشاه إلى نيسابور وحضر بين يدي هُولاكُو الَّذي أبقاه لديه وأخذه معه إلى العراق.
ثم إنَّ ركن الدين أرسل ابناً آخر له [32 ب] ليكون في الخدمة قائلاً: أرسلتُ أخي ليكون طليعةً لي من ولاية الري. فأعاده هُولاكُو مع عشـرة آخرين من المئتي رجل الَّذين كانوا صحبته قائلاً: إذا كان ركن الدين لا يستطيع القدوم بنفسه فليرسل لنا أخاً آخر أو ابناً. فبادر ركن الدين إلى إرسال وزيره وأخٍ آخر له يُدعى شيران شاه يحمل كثيراً من التحف، مطمئنَّاً إلى هُولاكُو الَّذي كان قد قال له: بما أنّك أصبحت طائعاً، فلَكَ الأمان؛ غافلاً عن أن جيشنا أصبح في بلاده.
[223]في 30 شوال سنة 653هـ (رشيد الدِّين، جامع التواريخ، تاريخ إسماعيليان، 180).
[224]علاء الدين مُحَمَّد الثالث (ح 618 - 653هـ) الإمام الإسماعيلي النزاريّ السادس والعشـرون والسيّد ما قبل الأخير لقلعة أَلَمُوت (دفتري، معجم التاريخ الإسماعيلي، 202 - 203). استناداً إلى رشيد الدِّين، فقد وُجِد مقتولاً في شيركوه قرب أَلَمُوت واكتُشف بعد إعدام عدد من المقرَّبين وخَدَمه الَّذين اتُّهِموا بقتله، أنّ قاتلَه هو حسن المازندرانيّ الَّذي كان أخصَّ خواصِّه، وحقيبة أسرارِه، والملازم له في ليله ونهارِه. وبرغم أنّ ذلك القتل تمَّ بأمر من ركن الدين (خورشاه نجل علاء الدين)، إلّا أنّه تمَّ قتل المازندرانيّ وأُحرقت جثته، ثُمَّ قُتِل نجلُه وطفلتاه وأُحرقت جثثهم (جامع التواريخ، تاريخ الإسماعيلية، 181).
وعندما كان يرسل أحداً لمقابلة أحد الأمراء [المغول] كان يسأله: لمَّا كنّا قد أعلنا لك طاعتنا فلماذا جئتَ إلى بلدنا؟ كان يجيب: لأنّك أصبحت طائعاً وإنَّا وإيَّاكَ صرنا واحداً، فقد جئنا لطلب الأعلاف لدوابِّنا.
وحين وصل هُولاكُو إلى مشارف بلادهم شنَّ عليهم هجوماً كاسحاً، بحيث لو لم يكن المطر غزيراً تلك الليلة لأمكن اعتقال ركن الدين أسفل القلعة.
علم ركن الدين بما جرى فتحصَّنَ في القلعة صباحاً. وخلال ساعة حاصرت الجيوش القلعة من جميع الجهات بصورة لا يصدِّق معها أيُّ مخلوق أنّ شيئاً كهذا يمكن أن يُصنع إلَّا أن يكون قد رأى الحال بأمّ عينيه حيث أحاطوا بالجبل والآجام والصحارى بشكل لم يبق معه طريق لواحد من المشاة في أي جانب، وفي أقل من ليلة وضحاها ضربوا طوقاً حول القلعة التي كانت جبلاً شاهقاً، ويُقَدَّر محيط هذه الطوق بحوالي ستة فراسخ.
وبعد ثلاثة عشر يوماً من تبادل الرأي ومناقشة أعيان دولته وأركانها، خرج ركن الدين وحضر بين يدي هُولاكُو، فلمّا رآه أدرك أنّه طفل (23 أ) ليست له الكفاءة لتولي مقاليد الحكم. وتمكَّن هُولاكُو من طمأنته بلسانه إلى أن أرسل رسلاً إلى جميع القلاع والحصون التي كانت تحت سلطته في خراسان وقومس ورودبار والشام وغيرها يطلب إلى متولِّيها والناس الَّذين فيها بالنزول منها، فاستسلموا جميعاً، إل حدِّ أنّه باستثناء قلعة گردكوه التي مرَّ ذكرها التي ظلت مغلقة على نفسها لِما يقرب من عـشرين سنة، وقلعة لَمسر التي كان فيها أقارب ركن الدين التي ظلت تقاوم لِما يزيد عن سنة كاملة، ومات أهلها بعد أن عانوا لِما يزيد على عامٍ مجرَّمٍ الطاعونَ والوَيلات، فقد استسلمت جميع القلاع الباقية التي يربو عددها على المئة من غير إراقة قطرة دم واحدة.
وفي نهاية المطاف أرسل هُولاكُو ركنَ الدين إلى شقيقه مُنْكو قاآن، وحين أخذوه إلى هناك، أبقاه لديه ثُمَّ قُتل عنده[225]، كما قُتل باقي أشقائه وأولاده ومخدَّراته ومَن يمتُّ إليه بصلة بين قزوين وأبهر، وبذلك طويت صفحة تلك الدولة.
[225]استناداَ إلى رشيد الدِّين (جامع التواريخ، 2/697)، فإنَّ مُنْكو قاآن لمَّا بلغه خبرُ جلبه إليه، أرسل إلى المكلَّفين بذلك يقول: لماذا تُرهقون البغل الَّذي سيحمله إليَّ؟ وأرسل مبعوثاً من قِبَلِهِ ليقتل ركنَ الدين خورشاه في الطريق. لكنّه يقدِّم رواية ثانية في القسم الخاصّ بتاريخ الإسماعيلية من كتابه جامع التواريخ المطبوع بصورة منفصلة عن التاريخ المخصَّص للمغول وقبائلهم وملوكهم المسمّى بالتاريخ الغازاني، يقول فيها إنّ خورشاه وصل إلى العاصمة المغولية قراقورم، ثُمَّ قُتل هناك (انظر: جامع التواريخ، القسم الخاص بتاريخ الإسماعيلية، 190)؛ وهذه الرواية تتفق مع رواية الجُوَيْنيّ (تاريخ جَهَانْگُشَاي، 3/780)؛ وهي التي نقلها أيضاً ابنُ العِبْرِيّ (تاريخ مختصـر الدول، 462 - 465) من الجُوَيْنيّ، ونقلها أبو القاسم القاشانيّ في زبدة التواريخ (ص 232). وأخيراً مؤلِّف كتاب الحوادث (ص 330) يورد رواية يقول فيها إنّ هُولاكُو هو الَّذي أمر بقتل خورشاه.
[سنة خمس وخمسين وست مئة هجرية]
ومن هناك وفي أوائل شهور سنة خمس وخمسين وست مئة انبرى [هُولاكُو] لقتال جمع من الملوك وأهل الجبال، مثل بلاد درتنگ[226]وكلين وأيوه وغيرها واستولى عليها.
وفي شوال سنة خمس وخمسين وست مئة انطلق من ولاية همذان إلى بغداد فوصلها بعد ثلاثة أشهر، ذلك أنّه لم يكن يقطع في اليوم أكثر من فرسخ أو فرسخين وقد عبَّأ الجيوش بصورة كان معها الجنود قد ملأوا الفضاء من بلاد فارس إلى بلاد الروم بأعداد لا حدّ لها ولا حصر متوجهين إلى بغداد.
تقدم عسكر فارس وكرمان من طريق خوزستان وتستر بحيث كانت ميسـرته تتحرك من ساحل بحر عُمَان، بينما ميمنته منضمَّة إلى جيش (. . .)[227][23 ب] العراق وغيره؛ وجاء جيش بلاد الروم من حدود الشام وديار بكر، بحيث كانت ميسـرته قد انضمَّت إلى جيشي أران وآذربيجان، وهجموا على عراق العرب من جميع الجهات في آن واحد.
[226]ذكرنا في المقدمة أنّ درتنگ هي مدينة حلوان العراقية.
[227]كلمة غير واضحة.
[سنة ست وخمسين وست مئة هجرية]
أول جمع وصل بغداد وواجه جيشها كان الأمراء بوقاتمور وبايجو نوئين وسونجاق نوئين - ونوئين[228]تعني باللغة المغولية الأمير- وكان مع كلّ واحد من هؤلاء الأمراء جيش يضم ما بين عشـرة آلاف وخمسة عـشر ألف مقاتل[229]، فوصلوا إلى مشارف بغداد عند الحَربيّة[230].
خرج جيش الخليفة الَّذي كان يقوده مجاهد أيبك[231]الدواتدار المسمّى الدواتدار
[228]تُكتب (نويان) أيضاً.
[229]ذكر رشيد الدِّين (جامع التواريخ، 2/709)، وصول هؤلاء القادة الثلاثة إلى محلَّة الحربيَّة لكنّه لم يذكر أعداد الجنود الَّذين كانوا معهم.
[230]الحربية محلَّة كبيرة ببغداد كانت تُدعى رَبَضَ حَرْب كما قال ياقوت في معجم البلدان، 2/750، الَّذي أتمَّ تسويده سنة 621هـ، وأضاف: وخرب جميع ما كان يجاور الحربية من المحالّ وبقيت وحدها كالبلدة المفردة في وسط الصحراء، فعمل عليها أهلها سوراً وجيَّروها، وبها أسواق من كلِّ شيء، ولها جامع تقام فيه الخطبة والجمعة، وبينها وبين بغداد اليوم نحو ميلين (المصدر نفسه، 2/234)، وكان معظم سكان الحربية أولاً من الفُرس والتُّرك والمهاجرين إلى بغداد بمعيَّة العبَّاسيِّين، ثُمَّ سكَنتها الحنابلة في عصور الدولة العَبَّاسِيَّة الأخيرة (جواد وسوسة، دليل خارطة بغداد المفصل، 94)؛ قال ابن خلكان (وفيات الأعيان، 1/65): وقبر أحمد بن حنبل مشهور بها يُزار .
[231]في الأصل: ببكرز. ولا معنى لها. وهو مجاهد الدين أبو الميامن أيبك بن عبد الله المستنصـريّ الجركسيّ الحَنْبَلِيّ المعروف بالدويدار الصغير (576 - 656هـ)، القائد العام للقوات المسلَّحة العَبَّاسِيَّة، وكان هو الحاكم الحقيقيّ للعراق آنذاك وليس المستعصم بالله، بل إنَّه أراد خلعه في سنة 654هـ، ففي تلك السنة امتدت أيدي جمع من العيَّارين والشُّطَّار والغوغاء والأوباش بالاعتداء على الناس، فكانوا يسلبون كلَّ يوم جمعاً من خلق الله الأبرياء؛ وكان مجاهد الدين أيبك الدواتدار يحمي أولئك الغوغائيين والأوباش، حتى أصبح في مدَّة قصيرة صاحب شوكة ونفوذ. ولمّا رأى نفسه قوياً والخليفةَ المستعصم عديم الرأي والتدبير وساذجاً، اتفق مع جمع من الأعيان على خلعه... ، لكن الوزير ابن العَلْقَمِيّ أحسَّ بتلك الدسيسة فأخبر الخليفة بها (رشيد الدِّين، جامع التواريخ، 2/698)، ممَّا أدى إلى توتر العلاقة بين الرجلين، وأدى من ثمّ إلى أن ينبري الدويدار الصغير إلى معارضة ابن العَلْقَمِيّ حتى في الأمور الخطيرة الخاصة بأمن الدولة؛ فعندما نصَحَ الوزيرُ ابنُ العَلْقَمِيّ الخليفة أن يرسل وفداً محمَّلاً بالهدايا إلى هُولاكُو لفتح باب التفاوض كي ينصرف عن بغداد، أحبط الدويدار تلك المحاولة، يقول الذَّهَبيّ: في سنة 655هـ سار هُولاكُو من همذان قاصداً بغداد ، فأشار ابن العَلْقَمِيّ الوزير على الخليفة ببذل الأموال والتحف النفيسة إليه ، فثناه عن ذلك الدويدار وغيره، وقالوا: غرض الوزير إصلاح حاله مع هُولاكُو . فأصغى إليهم وبعث هدية قليلة مع عبد الله ابن الجوزي، فتنمَّرَ هُولاكُو (تاريخ الإسلام، 48/32). ثُمَّ بعث الدويدار بمَن أشاع أنّ الغوغاء سيهاجمون أعضاء الوفد المتوجِّه إلى هُولاكُو ويذيقونهم أبشع أنواع العذاب، وسينهبون الهدايا التي سيبعث بها الخليفة لهولاكو إنْ هو أَقْدَمَ على ذلك (انظر: رشيد الدِّين، جامع التواريخ، 2/702)، ممّا أخافَ الخليفة فلم يرسل ذلك الوفد، وظلَّ هولاكو يتقدم نحو بغداد حتو وصلها وطوَّقها؛ وكان عداء الدويدار الصغير للوزير ابن العَلْقَمِيّ جارفاً إلى درجة أنّ أتباعه من غوغاء المدينة وأوباشها كانوا يذيعون بين الناس أنّ الوزير متفق مع هُولاكُو خان وأنّه يريد نصـرتَه وخذلانَ الخليفة (رشيد الدِّين، جامع التواريخ، 2/702 - 704)؛ انظر تفاصيل مهمة عن حياته وأدواره السياسية والعسكرية في كتابنا إعادة كتابة التاريخ (48 - 50، 110 - 111، 122).
الصغير - وكان قطبَ رحى جيش الخليفة المستعصم بالله أبي أحمد ودولته- لمواجهة الجيش الَّذي كان سونجاق نوئين قد جاء بطليعته التي تضمّ ما بين أربعة آلاف إلى خمسة آلاف مقاتل، فانقضَّت تلك الطليعة على جيش الخليفة وألحقت به هزيمة نكراء وطاردته لمسافة أربعة فراسخ حتى البشيرية من ناحية الدجيل.