مختلف فيهما ولهذا ألغز الحصري هذه الكلمة في أبيات له قد ذكرناها[1]، والجواب عنها من نظم جماعة من المشايخ في الشرح الكبير وأطلق لفظ سوءات؛ ليتناول ما أضيف إلى ضمير التثنية وإلى ضمير الجمع نحو: {بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا}[2]، {يُوَارِي سَوْآتِكُمْ}[3]وأما {الْمَوْؤُودَةُ}[4].
فأجمعوا على ترك المدة في واوها الأولى؛ لأن الثانية بعد الهمزة ممدودة فلم يجمع بين مدتين والتزم ذلك فيها خلاف "سوءات"؛ لثقل مد الواو والهمزة المضمومة بخلاف الهمزة المفتوحة، ومد الألف بعدها وأما موئلا فترك مده؛ مشاكلة لرءوس الآى؛ لأن بعده موعدا.
وقد ذكر فيه في "الموءودة" علل أخر ضعيفة تركت ذكرها هنا اختصارا، وهي مذكورة في الشرح الكبير والله سبحانه أعلم وهو على كل شيء قدير.
[1]لغز الحصري هو قوله:
سألتكمُ يا مقرئي الغرب كله ... وما من سؤال الحبر عن علمه بدُّ
بحرفين مدوا ذا وما المد أصله ... وذا لم يمدوه ومن أصله المدُّ
وقد جُمِعَا في كِلْمة مستبينةٍ ... على بعضكم تخفى ومن بعضكم تبدو
وأجابه الإمام الشاطبي بقوله:
عجبت لأهل القيروان وما جدوا ... لدى قصر سوآتٍ وفي همزها مدوا
لورش ومد اللين للهمز أصله ... سوى مشرع الثنيا إذا عذب الورد
وما بعد همز حرف مد يمده ... سوى ما سكون قبله ما له مد
وفي همز سؤآت يمد وقبله ... سكون بلا مد فمن أين ذا المد؟
يقولون عين الجمع فرع سكونها ... فذو القصر بالتحريك الَاصلي يعتد
ويوجب مد الهمز هذا بعينه ... لأن الذي بعد المحرك ممتد
ولولا لزوم الواو قلبا لحركت ... بجمعٍ بفعلات في الَاسما له عقد
وتحريكها الويا هزيل وإن فشا ... فليس له فيما روى قارئ عقد
وللحصري نظم السؤال بها وكم ... عليه اعتراض حين زايله الجد
ومن يعن وجه الله بالعلم فليُعن ... عليه وإن عنَّى به خانه الجد
وقوله سوى مشرع الثنيا: أي موضع الاستثناء من الموءودة وموئلا اهـ.
[2]سورة الأعراف، آية: 22.
[3]سورة الأعراف أيضا، آية: 26.
[4]سورة التكوير، آية 8.
باب الهمزتين من كلمة:
أي باب حكم الهمزتين المعدودتين من كلمة، وكذا معنى باب الهمزتين من كلمتين، وبعض المصنفين يجعل موضع من في، وهي ظاهرة المعنى، والهمز أول حروف المعجم، والهمز: جمع همزة كتمرة وتمر، ومصدر همز همزًا، والهمز في أصل اللغة مثل الغمز والضغط، وسمى الحروف همزة؛ لأن الصوت بها يغمز ويدفع؛ لأن في النطق بها كلفة، ولذلك تجرأ على إبدالها وتسيهلها بجميع أنواع التسهيل على ما سيأتي في أبوابه.
والكلام في الهمز على طريقة مذاهب القراء يأتي في خمسة أبواب سوى ما تأخر ذكره في فرش الحروف كالمذكور في سورة الرعد من لفظ الاستفهامين، وفي الزخرف:
{أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ}[1]، {أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ}[2].
والهمز إما أن يأتي منفردا أو منضما إلى مثله، فالمفرد ذكره في ثلاثة أبواب متوالية ستأتي، والمنضم إلى همز آخر ينقسم إلى قسمين: إلى ما هو في كلمة، وإلى ما هو في كلمتين، فرسم لكل قسم منهما بابا.
واعلم أن جميع ما ذكر أنه من كلمة فالهمزة الأولى منهما همزة استفهام منفصلة تقديرا من الكلمة إلى حرفا واحدا وهو: {أَئِمَّةً}[3].
وأخر عن هذا الباب ما كان ينبغي أن يذكر فيه، وهو إذا اجتمعت همزتان الثانية ساكنة، فتلك كانت أولى بهذا الباب؛ لأن الكلمة مبنية على تلك الزنة بالهمزتين معا، فذكر ذلك في آخر باب الهمز المفرد، وكان ينبغي أن يذكر هنا عند ذكر أئمة، فكلا اللفظين فيه همزتان الثانية أصلها السكون كما سيأتي بيانه، وباقي المذكور في هذا الباب الأولى منها مفتوحة أبدا لا يتعلق بها حكم إلا في كلمة: {أَأَمِنْتُمْ}[4].
ومعظم الخلاف إنما هو في الثانية، وهي مفتوحة ومكسورة ومضمومة. قال رحمه الله تعالى:
183-
وَتَسْهِيلُ أُخْرَى هَمْزَتَيْنِ بِكِلْمةٍ ... "سَمَا" وَبِذَاتِ الْفتْحِ خُلْفٌ "لِـ"تَجْمُلا
لما كانت الهمزة حرفا جلدا على اللسان في النطق بها كلفة بعيد المخرج يشبه بالسعلة؛ لكونه نبرة من الصدور توصل إلى تخفيفه، فسهل النطق به كما تسهل الطرق الشاقة والعقبة المتكلف صعودها، فلهذا سمي تخفيفها تسهيلا، ثم تخفيفها يكون على ثلاثة أنواع: الإبدال والنقل وجعْلها بين بين، وتجتمع الأنواع الثلاثة في باب وقف حمزة وهشام، وللنقل باب مختص به، والإبدال له باب الهمز المفرد، وهو يقع في المتحركة والساكنة، وأما النقل وبين بين فلا يكونان إلا في المتحركة، وهذا الباب وما بعده مختصان بما يسهَّل بين بين، ويقع فيهما ذكر الإبدال قليلا ولفظ التسهيل وإن كان يشمل هذه الأنواع الثلاثة تسمية من حيث اللغة والمعنى إلا أنه قد صار في اصطلاح القراء وكثرة استعمالهم وتردده في كلامهم كالمختص ببين بين أي تكون الهمزة بينها وبين الحرف الذي منه حركتها، وقد بيَّن ذلك في آخر الباب الذي بعد هذا.
ثم الهمزة الأولى في هذا الباب لا تكون إلا مفتوحة محققة إلا أن يأتي قبلها ساكن فتنقل حركتها إليه في مذهب من يرى ذلك بشرطه نحو: "قُلَ اؤُنَبِّئُكُمْ"[5]، "قُلَ اأَنْتُمْ أَعْلَمُ"[6]، "قُلَ اإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ"[7].
وهذا سيأتي ذكره في بابه إن شاء الله تعالى، وأخرى: بمعنى أخيرة أي الهمزة الأخيرة من همزتين واقعتين بكلمة وهي الثانية والأصل الأخرى تأنيث آخر بفتح الخاء كقوله تعالى:
[1]سورة الزخرف، آية: 22.
[2]سورة الزخرف، آية: 58.
[3]سورة السجدة، آية: 24.
[4]سورة طه، آية: 22.
[5]سورة آل عمران، آية: 15.
[6]سورة البقرة، آية: 140.
[7]سورة فصلت، آية: 9.
{وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى}[1]، ثم استعملت أخرى بمعنى أخيرة كقوله تعالى: {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى}[2]. وقال تعالى في موضع آخر: {ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ}[3]. فقابل بهما سبحانه لفظ الأولى في قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى}[4]. وقال تعالى أيضا: "قالت أُخْرِيهم" و: {قَالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ}[5]. أي الفرقة المتقدمة للفرقة المتأخرة، ومنه قوله: جاء بي في أخريات الناس أي أواخرهم ولا أفعله أخرى الليالي أي أبدا.
فالهمزة الأخيرة من همزتين وهي الثانية تسهيلها بأن يجعل لفظها بين الهمزة والألف إن كانت مفتوحة وبين الهمزة والياء إن كانت مكسورة وبين الهمزة والواو إذا كانت مضمومة والذين فعلوا هذا التسهيل مدلول قوله: سما وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو وسما خبر قوله: وتسهيل أخرى همزتين وإنما صح الابتداء بلفظ: تسهيل وهو نكرة؛ لتخصيصه بإضافته إلى مضاف إلى موصوف إن جعلنا "بكلمة" صفة لهمزتين أي كائنتين بكلمة كقولك: بيت رجل ذي علم مقصود، ويجوز أن تجعل "بكلمة" صفة تسهيل أي: وتسهيل واقع بكلمة في همزة ثانية سما أي ارتفع شأنه وظهر وجهه وعليه أكثر العرب واختارته الأئمة من أهل العربية؛ لأنهم إذا كانوا يستثقلون الهمزة المفردة فيخففونها بجميع أنواع تخفيفها فما الظن بها إذا اجتمعت مع همزة أخرى وقراءة باقي القراء بتحقيق الهمزة الثانية كالأولى فضد التسهيل تركه وهو إبقاء الهمز على حاله، وهذا الخلاف مختص بالهمزة المتحركة؛ لأنها هي التي يمكن جعلها بين بين.
أما إذا كانت ساكنة فإبدالها واجب على ما يأتي في موضعه.
قوله: وبذات الفتح؛ أي وبالهمزة الأخيرة ذات الفتح على حذف الموصوف، أي وبالهمزة المفتوحة خلف لهشام في التسهيل والتحقيق واللام في لتجملا رمز لهشام، والضمير فيها يرجع إلى الهمز أو إلى الكلمة وهو متعلق بالتسهيل؛ لأنه مصدر: أي وسهلت الهمزة الأخيرة لتجمل؛ لأن تسهيلها يخفف النطق بها فهو جمال لها، ولا يتعلق بالاستقرار المتعلق به وبذات الفتح؛ لأنه ليس في الخلف جمال لها، والجمال: الحسن، وقد جمل الشيء بالضم فهو جميل، وسيأتي لهشام تسهيل موضع من المكسورة وموضعين من المضمومة بخلاف عنه فيهما كما أن الخلاف عنه في المفتوحة لكنه استوعبها بالتسهيل؛ لثقل اجتماع المثلين وليس في كتاب التيسير
[1]سورة طه، آية: 38.
[2]سورة النجم، آية: 47.
[3]سورة العنكبوت، آية: 20.
[4]سورة الواقعة، آية: 62.
[5]سورة الأعراف، آية: 38، 39.
والعنوان والمستنير غيره، وكذا ذكر ابنا غلبون ومكي والمهدي وابن شريح، وذكر له التحقيق ابن مجاهد والنقاش وصاحب الروضة، وممن لم يذكر له إلا التحقيق أبو معشر وابن مريم والشيخ أبو محمد البغدادي وهو رواية إبراهيم بن عباد عن هشام، وذكر الوجهين أبو علي الأهوازي وابن رضوان وابن الفحام والحافظ أبو العلا الهمداني والله أعلم.
184-
وَقُلْ أَلِفاً عَنْ أَهْلِ مِصْرَ تَبَدَّلَّتْ ... لِوَرْشٍ وَفي بَغْدَادَ يُرْوَى مُسَهَّلا
ألفا: مفعول تبدلت أي تبدلت الهمزة الثانية المفتوحة ألفا لورش، قُلْ ذلك عن أهل مصر أي انقله عنهم وانسبه إليهم، والضمير في يروى عائد على المذكور وهي الهمزة بالصفة المتقدمة أي يروى ذلك مسهَّلًا أي بين بين كما سبق، وهي رواية العراقيين وغيرهم، وإنما ذكر يروى بعد تأنيث تبدلت والضمير فيهما للهمزة لأجل قوله: مسهلا، ثم رجع إلى التأنيث في البيت الآتي فقال: وحققها في فصلت فالتأنيث الأصل والتذكير على تأول يروى ذلك كما تقدم أو يروى الهمز والتسهيل هو الوجه المختار الجاري على القياس.
وأما البدل في مثل هذا فلا يكون إلا سماعا؛ لأنه على خلاف قياس تخفيف الهمز على ما سيأتي بيانه في باب وقف حمزة.
وقد قيل: إنه لغة لبعض العرب فعلى هذا إن كان بعد الهمز الثانية المبدلة ساكن طول المد لأجله نحو: {أَأَنْذَرْتَهُمْ}[1]؛ أخذا من قوله: وعن كلهم بالمد ما قبل ساكن، وعلى رواية التسهيل لا مد؛ لأن المسهلة بزنة المحققة.
وقيل: يمد؛ لأن المسهلة قريبة من الساكنة ولهذا لا تبتدأ بها، وليس في القرآن متحرك بعد الهمزتين في كلمة سوى موضعين الذي في هود، وهو قوله تعالى: {أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ}[2]و {أَأَمِنْتُمْ}[3]في تبارك.
فهذه أصول مطردة لمن حقق أو سهل أو أبدل تأتي في جميع المواضع.
ثم ذكر التي خرج فيها بعضهم عن أصله وكان الخلاف فيها غير الخلاف المقدم ذكره، وهي تسعة مواضع في طريقته وبعضهم زاد عليها، وإنما ذكرها صاحب التيسير في سورة فقال:
185-
وَحَقَّقَهَا فِي فُصِّلَتْ "صُحْبَةٌ" ءأَعْـ ... ـجَمِيٌّ وَالُاولَى أَسْقِطَنَّ "لِـ"ـتُسْهِلا
أي وحقق الهمزة الثانية التي هي ذات الفتح في حرف فصلت صحبة فقرءوا: {أَأَعْجَمِيّ}[4].
وخالف ابن ذكوان وحفص أصلها فسهلاها كما يقرؤها ابن كثير وأسقط هشام الأولى فقرأ على لفظ الخبر أي هو أعجمي وعربي أو والرسول عربي أو يكون معنى الاستفهام باقيا وإن سقطت همزته؛ للعلم بها من قرينة الحال كنظائر له فيتفق حينئذ معنى القراءتين والاستفهام هنا للإنكار.
[1]سورة البقرة، آية: 6.
[2]آية: 72.
[3]آية: 16.
[4]سورة فصلت، آية: 44.
ويجوز أن يكون قوله: أعجمي بدلا من حرف فصلت أو عطف بيان له، وفصل بينهما بفاعل حققها وهو صحبة وضرورة، ولك أن تجعله خبرا مبتدأ محذوف أي هو ءأعجمي، وقوله: لتسهلا أي لتركب الطريق السهل أو لتسهل اللفظ بإسقاطها، ثم إن الناظم -رحمه الله- بعد ذكره لحرف فصلت أتبعه ما وقع فيه الخلاف بعده فلهذا ذكر ما في الأحقاف، ونون ثم ذكر ما قبل فصلت على الترتيب فقال:
186-
وَهَمْزَة أَذْهَبْتُمْ فِي الأَحْقَافِ شُفِّعَتْ ... بِأُخْرَى "كَـ"مَا "دَ"امَتْ وِصَالاً مُوَصَّلا
شفعت: أي جعلت شفعا بزيادة همزة التوبيخ عليها ابن كثير وابن عامر يقرآنها بهمزتين، وكل واحد منهما على أصله من التحقيق والتسهيل، وإدخال الألف بينهما على ما يأتي فالتحقيق لابن ذكوان، ولهشام التسهيل وإدخال الألف، ولابن كثيرٍ التسهيلُ من غير ألف، ولم أر في تصانيف من تقدم الناظم مَن ذَكَر لهشام التحقيق هنا فإن كان فالمد معه ولكن ليس هذا مما يؤخذ قياسا؛ ألا ترى أن ابن عامر بكماله شفع في نون مع التسهيل كما يأتي.
وظاهر نظم الشاطبي أن وجه التحقيق لهشام يجري هنا لإطلاقه القول في ذلك وإجماله له مع أنه بين الذي في سورة ن وللحافظ أبي عمرو الداني -رحمه الله- كتاب مستقل في إيضاح مذاهب القراء في الهمزتين الملتقيتين في كلمة أو كلمتين متفقتين أو مختلفتين فحكى فيه عن ابن ذكوان في: {أَذْهَبْتُمْ}[1]وجهين: أحدهما تحقيق الهمزتين، والثاني بهمزة ومدة.
قال: واختلف أصحاب هشام عنه فروى الحلواني عنه بهمزة مطولة قال: يعني أنه حقق همزة الاستفهام وسهل همزة القطع بعدها فجعلها بين بين وأدخل ألفا فاصلة بينهما؛ طردا لمذهبه في سائر الاستفهام، وقال أحمد بن يونس: حدثنا هشام عن أصحابه عن ابن عامر "أأذهبتم" بهمزتين ولم يذكر فصلا بينهما.
قلت: ولم يذكر تحقيقا ولا تسهيلا والظاهر التسهيل؛ توفيقا ين الروايتين، ويصدق على ذلك إطلاق عبارة الهمزتين، قال الداني: وقياس رواية إبراهيم بن عباد عن هشام أن يحققها ويفصل بألف بينهما، وقوله: كما دامت نعت لمصدر محذوف أي شفعت تشفيعا دائما دواما كدوام همزة "أذهبتم" في نفسها: أي ثابتا ثباتا كثباتها.
والمعنى أن ثبات التشفيع في قراءة ابن عامر وابن كثير كثبات همزة أذهبتم لا تبرح ولا تذهب أو شفعت بأخرى دائمة كدوامها فتواصلا وصالا موصلا ينقله بعض القراء إلى بعض، وقيل: كما دامت كذلك مشفعة بهمزة التوبيخ مواصلة لها في مواضع كثيرة نحو: {أَأَشْفَقْتُمْ}[2].
ويؤيده قوله في آخر السورة: {أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ}[3].
[1]سورة الأحقاف، آية: 20.
[2]سورة المجادلة، آية: 13.
[3]سور الأحقاف، آية: 34.
ولا يمتنع الاستفهام بطريق التوبيخ عما وجد، وكان كقوله تعالى: {أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}[1]، {أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي}[2].
ووجه القراءة على الخبر ظاهر والله أعلم.
187-
وَفِي نُون فِي أَنْ كَانَ شَفعَ حَمْزَةٌ ... وَشُعْبَةُ أَيْضاً وَالدِّمَشْقِي مُسَهِّلا
أي وفي حرف نون ثم أبدل منه قوله في أن كان بإعادة حرف الجر يريد قوله تعالى:
{أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ}[3].
أي لا تطعه لأن كان ذا مال ومن زاد همزة الإنكار فمعناه ألأن كان ذا مال وبنين تطيعه فحمزة وأبو بكر وهو شعبة عن عاصم زادا همزة وحققاهما على أصلهما والدمشقي وهو ابن عامر زاد همزة وسهل الثانية أي وشفع الدمشقي في حال تسهيله، خالف أصله فسهل هذا الموضع بلا خلاف وهشام يدخل ألفا بين الهمزتين على أصله كما يأتي وابن ذكوان يقرأ هنا كابن كثير في غير هذا الموضع.
وذكر صاحب التيسير في سورة فصلت قال على أن بعض أهل الأداء من أصحابنا يأخذ لابن ذكوان بإشباع المد هنا يعني في -ءأعجمي- وفي ءأن كان ذا مال قياسيا على مذهب هشام قال وليس ذلك بمستقيم من طريق النظر ولا صحيح من جهة القياس وذلك أن ابن ذكوان لما لم يفصل بهذه الألف بين الهمزتين في حال تحقيقهما مع ثقل اجتماعهما علم أن فصله بها بينهما في حال تسهيله إحداهما مع خفة ذلك غير صحيح في مذهبه.
188-
وَفِي آلِ عِمْرَانَ عَنِ ابْنِ كَثِيرِهِمْ ... يُشَفَّعُ أَنْ يُؤْتَى إِلَى مَا تَسَهَّلاَ
أي مضافا إلى ما تسهلا في مذهبه أي أنه وإن شفع:
{أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ}[4].
فهو يسهل الثانية على أصله وقراءة الباقين في هذه المواضع الثلاثة أذهبتم وأن كان وأن يؤتى بعدم التشفيع وهو الإتيان بهمزة واحدة وصاحب التيسير يعبر عن مذهب من سهل في هذه المواضع بهمزة ومدة ومراده بين بين والله أعلم.
189-
وَطه وفِي الأَعْرَافِ وَالشُّعَرَا بِهَا ... ءَآمَنْتُمُ لِلكُلِّ ثَالِثًا ابْدِلاَ
أي وطه بها وفي الأعراف والشعراء لفظ آمنتم وقيل بها أي بهذه السور الثلاث على زيادة في من قوله وفي الأعراف ووجه الكلام وطه والأعراف والشعراء بها ءآمنتم ولو قال مع الأعراف لما احتاج إلى هذا التكلف وثالثا نصب على التمييز وقد تقدم على عامله وفي جواز مثل ذلك خلاف النحويين ولو قال ثالثه أبدلا لخلص من ذلك وظهر المراد ولكن فيه وصل همزة القطع ومثل ذلك في التمييز قولك زيد ضربته ظهرا لأن الظهر بعضه وكذا ثالث حروف -أآمنتم- بعضها وقيل هو نصب على الحال: أي أبدل
[1]سورة آل عمران، آية: 106.
[2]سورة النمل، آية: 84.
[3]سورة القلم، آية: 14.
[4]سورة آل عمران، آية: 72.
همزة في حال كونه ثالثا، ولا دليل على هذا؛ بل الضمير في أبدل يعود إلى المذكور وهو أآمنتم، وأصل آمن أأمن بهمزة ثانية ساكنة ثم دخلت همزة الترفيع فاجتمعت ثلاث همزات، فأبدلت الثالثة ألفا بلا خلاف لسكونها وانفتاح ما قبلها، والثانية مختلف في تسهيلها على ما سنذكر، فعلى قراءة من سهلها يكون قد اجتمع همزتان مخففتان ليس بينهما حاجز، وقد جرى بمجلس أبي محمد مكي ذكر اجتماع همزتين مخففتين في القرآن ليس بينهما حاجز في قراءة ورش، فأجاب بأربعة أوجه؛ اثنان منها نقلت حركة الأولى إلى ساكن قبلها والثانية مسهلة بين بين أو مبدلة نحو: {قُلْ أَأَنْتُمْ}[1]، {مَنْ آمَنَ}[2]. والثالث منها: الأولى بين بين والثانية مبدلة وهي: {أَأَمِنْتُمْ}[3]، {آلِهَتُنَا خَيْرٌ}[4]. والرابع نحو: {مِنَ السَّمَاءِ آيَةً}[5]، {هَؤُلاءِ آلِهَةً}[6].
الأولى من آية وآلهة مبدلة ياء وبعدها ألف منقلبة من همزة والله أعلم.
190-
وَحَقَّقَ ثَانٍ "صُحْبَةٌ" وَلِقُنْبُلٍ ... بِإِسْقَاطِهِ الأُولى بِطَهَ تُقُبِّلا
أي وحقق الهمزة الثانية من أآمنتم صحبة على أصولهم وسهلها الباقون بين بين ومن أبدل لورش الثانية في نحو "ءأنذرتهم" ألفا أبدلها أيضا ألفا ثم حذفها هنا لأجل الألف التي بعدها نص عليه أبو عمرو الداني في كتاب الإيجاز، فتبقى قراءة ورش على هذا على وزن قراءة حفص بإسقاطه الهمزة الأولى كما يأتي فلفظهما متحد ومأخذهما مختلف.
واعلم أن كل من أسقط الهمزة الأولى حقق الثانية أيضا، وهو حفص في المواضع الثلاثة، وقنبل في طه كما يأتي، فليس تحقيق الثانية من خصائص صحبة إلا بتقدير اجتماعها مع الأولى، فإذا سقطت الأولى فالثانية في قراءة صحبة صارت أولى لمن أسقط الأولى، ومدلول صحبة هم حمزة والكسائي وأبو بكر، وقال ثانٍ؛ لأنه أراد الحرف ولم ينصبه ضرورة كما قال الآخر: لعلي أرى باقٍ على الحدثان ... وقنبل أسقط الأولى في طه وحقق الثانية فقرأ على لفظ الخبر.
وفيه أيضا معنى التقريع والتوبيخ وإن انحذفت همزته كما يبقى معنى الاستفهام بعد حذف همزته؛ لأن قرينة الحال دالة عليها، والضمير في تقبلا للفظ: "أآمنتم" أي تقبل هذا الحرف لقنبل بسبب إسقاطه الأولى منه بسورة طه وقيل الضمير في تقبل يعود إلى الإسقاط وليس بشيء.
191-
وَفي كُلِّهَا حَفْصٌ وَأَبْدَلَ قُنْبُلٌ ... فِي الَاعْرَافِ مِنْهَا الْوَاوَ وَالْمُلْكِ مُوْصِلا
أي وفي المواضع الثلاثة أسقط حفص الهمزة الأولى كما فعل قنبل في طه، وأبدل قنبل في سورة الأعراف منها أي من الأولى واوًا؛ لأن ما قبلها ضمة في: {قَالَ فِرْعَوْنُ}[7].
[1]سورة البقرة، آية: 140.
[2]سورة البقرة، آية: 62.
[3]سورة الأعراف، آية: 132.
[4]سورة الزخرف، آية: 58.
[5]سورة الشعراء، آية: 40.
[6]سورة الأنبياء، آية: 199.
[7]سورة الأعراف، آية: 132.
والهمزة المفتوحة بعد الضمة إذا أريد تسهيلها قلبت واوًا، وفي سورة الملك: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ}[1]. أبدل أيضا قنبل من همزتها الأولى واوًا كذلك؛ لأن قبلها: {وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}[2]. والهمزة الثانية في الموضعين يسهلها بين بين على أصله وهو في التي في الشعراء يقرأ كما يقرأ من يحقق الثانية، فقد غاير في قراءته بين المواضع الثلاثة في الهمزة الأولى فأسقطها في طه وأبدلها في الأعراف وأثبتها في الشعراء، وحكم ما في الملك حكم "ءأنذرتهم" وشبهه؛ لأن ليس فيها إلا همزتان، ولم يكن له حاجة بذكر التي في الملك هنا؛ فإنها ليست بلفظ هذه الكلمة ولأنه قد أفرد لها بيتا في سورتها، فلو قال هنا: في الَاعراف منها الواو في الوصل موصَلا بفتح الصاد من موصلا لكان أولى وأبين وقوله: موصلا بكسر الصاد حال من قنبل أي أبدل الأولى موصِلا لها إلى ما قبلها احترز بذلك من الوقف على فرعون أو النشور فإنه لو ابتدأ بما بعدهما لم يكن إبدال لانفصال الضمة من الهمزة، والناظم -رحمه الله- يستعمل كثيرا في هذه القصيدة موصلا بمعنى واصلا كما يأتي في البقرة والنمل، وفيه نظر؛ فإن موصلا اسم فاعل من أوصله: إذا بلغه، ويقال: وصله به ومنه الواصلة للشعر، ويقرن لفظ الوصل بالإيصال.
ووجه الاعتذار له أنهما يتلاقيان في المعنى؛ لأن الشيء إذا أوصلته إلى الشيء فقد وصلته به، وكان يمكنه من جهة وزن الشعر أن يقول: واصلا، ولكنه عدل عنه تجنُّبا للسناد الذي هو عيب من عيوب القوافي وهو تأسيس بعضها دون بعض.
192-
وَإِنْ هَمْزُ وَصْلٍ بَيْنَ لاَمٍ مُسَكِّنٍ ... وَهَمْزَةِ الاِسْتِفْهَامِ فَامْدُدْهُ مُبْدِلا
هذه مسألة ليست في كتاب التيسير في هذا الباب، وإنما ذكرها في سورة يونس تبعا لذكر نقل الحركة لنافع في: "آلْآنَ"[3].
ولم يجعل هذه المسألة أصلا فلم يذكرها هنا ولا في سورة الأنعام؛ لأنها مما أجمع القراء عليه ولم توضع كتب القراءات إلا لبيان الحروف المختلف فيها لا المتفق عليها، ولكن جرت عادة أكثر المصنفين أن يذكروا في بعض المواضع من المتفق عليه ما يشتد إلباسه بالمختلف فيه؛ ليحصل التمييز بينهما، وهذا الموضع من ذلك القبيل، ومنه ما ذكر في آخر باب الهمز المفرد والإدغام الصغير ومسألة: {لا تَأْمَنَّا}[4]في يوسف وغير ذلك، قوله: وإن همز وصل ... يعني وإن وقع همز وصل فحذف الفعل ولم يذكر له مفسرا ظاهرا، وكذا في قوله في الباب الذي بعد هذا: وإن حرف مد قبل همز مغير ... ولا بد بعد إن الشرطية من وقوع صريح أو مقدر بمفسر ظاهر نحو:
[1]الآية: 16، 17.
[2]الآية: 15.
[3]سورة يونس، آية: 91.
[4]آية: 11.