193-
فَلِلْكُلِّ ذَا أَوْلى وَيَقْصُرُهُ الَّذِي ... يُسَهِّلُ عَنْ كُلِّ كَآلآنَ مُثِّلا
أي فهذا الوجه أولى لكل القراء أي إبدال همزة الوصل هنا ألفا أولى من تسهيلها بين بين كما ذكر بعضهم عن كل القراء أيضا؛ لأن همزة الوصل لا قدم لها في الثبوت فتسهل والقائل بالتسهيل لا يمد؛ لأن المسهلة بزنة المحققة فلم يجتمع ساكنان بدليل اتزان الشعر في نحو قوله:
أأن رأت رجلا أعشى أضر به1
سواء أنشدت الثانية محققة أو مسهلة بين بين مع أن بعدها نونا ساكنة. ويحتمل أن يقال بالمد على مذهب التسهيل تخريجا من الوجه المحكي في أول الباب على قراءة ورش وهذا في مد يكون فاصلا بين المسهلة والساكن بعدها أما المد الذي يفصل بين المحققة والمسهلة؛ لثقل اجتماعهما على ما سيأتي فلا جريان له هنا على مذهب التسهيل وقد بينه في البيت الآتي، وقوله: عن كل يتعلق بيسهل أو بيقصر، وقوله: كآلآن خبر مبتدأ محذوف أي وذلك كآلآن، ثم استأنف جملة خبرية بقوله: مثلا؛ أي حصل تمثيل ذلك بما ذكرناه ولو قال: بآلآن مثلا لكان المعنى ظاهرا، ولم يحتج إلى هذه التقديرات والله أعلم.
194-
وَلاَ مَدَّ بَيْنَ الْهَمْزَتَيْنِ هُنَا وَلا ... بِحَيْثُ ثَلاَثٌ يَتَّفِقْنَ تَنَزُّلا
هنا يعني في هذا الذي سهلت فيه همزة الوصل: أي من مذهبه المد بين اهمزتين على ما سيأتي لا يفعل ذلك هنا؛ لأن همزة الوصل لا قدم لها في الثقل؛ لأن ثبوتها عارض وحقها الحذف في الوصل وكذلك لا مد بين الهمزتين في كلمة اجتمع فيها ثلاث همزات وذلك لفظان:
"أَآمِنْتُمْ" في الأعراف وطه والشعراء.
{أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ}[2]في الزخرف.
فالهمزة الثالثة مبدلة ألفا بإجماع على ما تقدم بيانه وسيأتي أيضا في سورة الزخرف، والثانية مختلف في تحقيقها، وتسهيلها ولم يمد أحد بينهما وبين الأولى خوفا من ثقل الكلمة باجتماع همزتين بينهما همزة، وقيل: لئلا يجمعوا بين أربع ألفات، وليس في ذلك اللفظ أربع ألفات وإنما فيه همزتان وألفان نعم في الخط ألفان هما صورة الهمزتين، وقوله: بحيث ثلاث ... ثلاث مرفوع بالابتداء ولا يجوز جرها بإضافة حيث إليها؛ لأن حيث إنما تضاف إلى الجمل لا إلى المفردات، وقد شذ ما لا قياس عليه و"يتفقن" صفة ثلاث والخبر محذوف أي مجتمعة وقد كثر حذف الخبر بعد حيث؛ لدلالة الكلام عليه ولا يكون يتفقن خبرا لئلا يبقى الابتداء بنكرة من غير وجود شرطها وإدخال الباء على حيث كإدخال من عليها في نحو:
{وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ}[3]. ونصب تنزلا على التمييز: أي اتفق نزولهن والله أعلم.
1 بيت شعر الأعشى ميمون، وآخره:
ريب المنون ودهر مفند خبل
[2]الآية: 58.
[3]سورة البقرة، آية: 149.
195-
وَأَضْرُبُ جَمْعِ الْهَمْزَتَيْنِ ثَلاَثَةٌ ... ءأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ أَئِنَّا أَأُنْزِلا
أي أن اجتماع الهمزتين في كلمة واحدة يأتي في القرآن على ثلاثة أضرب ثم بينها بالأمثلة والهمزة الأولى مفتوحة في الأضرب الثلاثة، والثانية إما مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة، وكان الأولى تقديم هذا البيت في أول الباب، وإنما احتاج إلى ذكر هذا التقسيم؛ ليبني عليه الخلاف في المد بين الهمزتين كما سيأتي، وموضع قوله: {أءنذرتهم} وما بعده رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: أمثلتها كذا وكذا على حذف حرف العطف، و"أم لم" تتمة لقوله: "أأنذرتهم" احتاج إليها الوزن الشعر ولا مدخل لها في الأضرب الثلاثة فقوله أأنذرتهم في سورة البقرة ويس مثال المفتوحتين: {أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا}[1].
ونحوه مثال ما الثانية فيه مكسورة والأولى مفتوحة، وقوله: أأُنزل عليه الذكر مثال ما الثانية فيه مضمومة والأولى مفتوحة في الجميع، ولا تكون إلا همزة الاستفهام والله أعلم.
196-
وَمَدُّكَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَالْكَسْرِ "حُـ"ـجَّةٌ ... بِـ"ـهَا" "لُـ"ـذْ وَقَبْلَ الْكَسْرِ خُلْفٌ لَهُ وَلا
أي قبل ذات الفتح وذات الكسر يعني أن أبا عمرو وقالون وهشاما مدوا قبل الهمزة الثانية المفتوحة وقبل المكسورة، وحجة خبر قوله: ومدك، على تقدير حذف مضاف أي ذو حجة وهي إرادة الفصل بين الهمزتين؛ لثقل اجتماعهما، ولأن الأولى ليست من بنية الكلمة ففصل بينهما ءايذانا بذلك، ولهذا ضعف المد في كلمة أئمة؛ لأن الأولى من بنية الكلمة وهي لغة فاشية، قال ذو الرمة:
آأنت أم أم سالم2
"بها لذْ" أي الجأ إليها وتمسك بها ثم قال: وقبل ذات الكسر خلف لهشام إلا فيما يأتي ذكره، والهاء في "له" يعود على الحلف، والولا النصر أي لكل وجه دليل ينصره والله أعلم.
197-
وَفي سَبْعَةٍ لاَ خُلْفَ عَنْهُ بِمَرْيَمٍ ... وَفي حَرْفَيِ الأَعْرَافِ وَالشُّعَرَا الْعُلا
لا خلف لهشام في مد هذه السبعة أو يكون التقدير: وفي مد سبعة لا خلف عنه ثم بينها بما بعدها أي هي بمريم أو يكون قوله: بمريم بدلا من قوله: وفي سبعة؛ لأن معنى مريم أي بمريم لا خلف عنه في المد وكذا في حرفي الأعراف وما بعد ذلك، والذي في مريم قوله تعالى: {أَإِذَا مَا مِتُّ}[3].
وفي الأعراف موضعان:
[1]سورة الصافات، آية: 36.
2 أوله:
أبا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا ... ...
[3]آية: 66.
"أئنكم لتأتون"[1]، "أئن لنا لأجرًا"[2]، وفي الشعراء "أئن لنا لأجرًا"[3].
والعلا نعت السور الثلاث فهذه أربعة مواضع من السبعة ثم قال:
198-
أَئِنَّكَ آئِفْكاً مَعًا فَوْقَ صَادِهَا ... وَفي فُصِّلَتْ حَرْفٌ وَبِالخُلْفِ سُهِّلا
يريد قوله تعالى في والصافات: "أئنك لمن المصدقين"[4]، "أئفكا آلهة"5؛ أي وفي: "أءنك" "أئفكاً" وقوله: معًا حال منهما كما تقول: جاء زيد وعمرو معا أي مصطحبين، أي إنهما في سورة واحدة فوق صادها وهي سورة الصافات، وفي قوله: "معا" يوهم أن أئفكا موضعان كقوله: "نِعِمَّا".
معا فلو قال موضعها هما فوق صادها لزال الإيهام والضمير في صادها لسور القرآن وفوق ظرف للاصطحاب الذي دل عليه معا، أي اصطحبا فوق صادها أو ظرف الاستقرار أي ولا خلف في مد أئنك أئفكا اللذين فوق صادها وفي فصلت خلف وهو: {أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُون}[6]. وبالخلف سهلا: أي روي عن هشام تسهيله ولم يسهل من المكسور وغيره، وفي جميع المفتوح خلف مقدم سوى حرف نون والأحقاف و"أأعجمي" و"أأمنتم"، ولم يذكر صاحب التيسير في حرف فصلت لهشام غير التسهيل ولم يذكر صاحب الروضة فيه لابن عامر بكماله غير التحقيق.
فإن قلت: من أين يعلم أن لهشام المد في هذه المواضع السبعة بلا خلاف وكل واحد من الأمرين محتمل؛ لأنه ذكر الخلاف له في المد قبل المكسور، واستثنى هذه المواضع فمن أين تعلم المد دون القصر؟
قلت: هذا سؤال جيد، وجوابه أنه قد قدم أنه يمد قبل الفتح والكسر ثم استثنى الخلاف له قبل الكسر إلا في سبعة فلو لم يذكر الخلف في المكسورة لأخذنا له المد في الجمع عملا بما ذكر أولا فغايته أنه عين ما عدا السبعة للخلاف فنزل هذا منزلة استثناء من استثناء، فكأنه قال: يمد مطلقا إلا قبل الكسر فإنه لا يمد إلا في سبعة مواضع فمعناه أنه يمد فيها؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات على أنه لو قال سوى سبعة فالمد حتم بمريم لزال هذا الإشكال والله أعلم.
199-
وَآئِمَّةً بِالخُلْفِ قَدْ مَدَّ وَحْدَهُ ... وَسَهِّلْ "سَمَا" وَصْفاً وَفي النَّحْوِ أُبْدِلا
لم يمد هنا بين الهمزتين غير هشام بخلاف عنه؛ لأن الأولى من بنية الكلمة كما سبق ذكره، ولأن الهمزة الثانية حركتها عارضة فلم يتحكم ثقلها إذا أصلها السكون، وذلك أن أئمة جمع إمام وأصله أئمة على وزن مثال
[1]سورة الأعراف، آية: 81.
[2]سورة الأعراف، آية: 113.
[3]الآية: 41.
[4]و5 الآية: 52 و86.
[6]الآية: 9.
وأمثلة ثم نقلت حركة الميم إلى الهمزة فانكسرت وأدغم الميم في الميم فمن حقق فعلى هذا وهم الكوفيون وابن عامر على أصولهم، ومن سهل أيضا فهو على أصله، وهم مدلول سما؛ إذ قد اجتمع همزتان متحركتان الآن ولا نظر إلى كون الحركة عارضة فإن ذلك الأصل مرفوض، وقوله: أئمة مفعول مقدم بالخلف أي مدها مدًّا ملتبسا بالخلف، ووصفا تمييز أي سما وصف التسهيل، ثم قال: وفي النحو أبدلا أي رأى أهل النحو إبدال الهمزة ياء في أئمة نص على ذلك أبو علي في الحجة والزمخشري في مفصله، ووجهه النظر إلى أصل الهمزة وهو السكون وذلك يقتضي الإبدال مطلقا، وتعينت الياء هنا لانكسارها الآن فأبدلت ياء مكسورة ثم لم يوافق أبو القاسم الزمخشري أهل النحو في ذلك واختار مذهب القراء فقال في تفسيره في سورة براءة في قوله تعالى: {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} "[1].
فإن قلت كيف لفظ أئمة؟
قلت: همزة بعدها همزة بين بين أي بين مخرج الهمزة والياء وتحقيق الهمزتين قراءة مشهورة وإن لم تكن مقبولة عند البصريين.
قال: وأما التصريح بالياء فليس بقراءة ولا يجوز أن تكون، ومن صرح بها فهو لاحِنٌ محرف.
قلت: ولم يذكر صاحب التيسير إبدالهما ياء ولا ذكر مسألة أئمة في هذا الباب، وإنما ذكرها في سورة براءة، ولفظ الناظم بأئمة على قراءة هشام بالمد والضمير في قوله أبدلا للمسهل المفهوم من قوله وسهل وهو الهمز المكسور.
وقال ابن جنى في باب شواذ الهمز من كتاب الخصائص: ومن شواذ الهمز عندنا قراءة الكسائي أئمة بالتحقيق فيهما، فالهمزتان لا تلتقيان في كلمة واحدة إلا أن تكونا عينين نحو: سأال وسأار وجأار، وأما التقاؤهما على التحقيق من كلمتين فضعيف عندنا وليس لحنا، وذلك نحو قرأ أبوك و: "السُّفَهَاءُ أَلا"[2]، {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ}[3]، {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ}[4].
فهذا كله جائز عندنا على ضعف لكن التقاؤهما في كلمة واحدة غير عينين لحن إلا ما شذ مما حكيناه في خطاء وبابه.
200-
وَمَدُّكَ قَبْلَ الضَّمِّ "لَـ"ـبَّى "حَـ"ـبِيبُهُ ... بِخُلْفهِمَا "بَـ"رَّا وَجَاءَ لِيَفْصِلا
مضى الكلام في المد قبل الفتح والكسر ثم ذكر المد قبل الضم فنص على أن لهشام وأبي عمرو خلافا في ذلك، ولم يذكر عن قالون خلافا في المد، وقد ذكره ابن الفحام في تجريده، وأما أبو عمر فالمشهور عنه
[1]الآية: 12.
[2]سورة البقرة، آية: 13.
[3]سورة الحج، آية: 65.
[4]سورة البقرة، آية: 27.
ترك المد، ولم يذكر له صاحب التيسير غيره، وذكره غيره، وأما هشام فله ثلاثة أوجه اثنان كالوجهين عن أبي عمرو والثالث فصله في البيت الآتي والهاء في حبيبه تعود إلى المد: أي لباه حبيبه، ويكون الحبيب كناية عن القارئ كأن المد ناداه ليجعله في قراءته فأجابه بالتلبية والقبول له وبرا حال من حبيبه أي لباه في حال بره وشفقته عليه أو يكون برا مفعول لبى حبيبه قارئا بارا بالمد مختارا له والبر والبار، بمعنى واحد وهو ضد العاق المخالف والضمير في جاء للمد أي جاء المد للفصل بين الهمزتين.
201-
وَفي آلِ عِمْرَانَ رَووْا لِهِشَامِهِمْ ... كَحَفْصٍ وَفي الْبَاقِي كَقَالُونَ وَاعْتَلا
فصل في هذا البيت الوجه الثالث الذي لهشام، وشرحه أن يقال إن هذه الهمزة المضمومة بعد المفتوحة جاءت في القرآن في ثلاثة مواضع، وجاءت لبعضهم في موضع رابع، أما الثلاثة ففي آل عمران: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ}[1]وفي ص: {أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ}[2]وفي القمر: {أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ}[3]والرابع في الزخرف: "أَءُشْهِدُوا خَلْقَهُمْ"[4].
على قراءة نافع وحده وسيأتي في سورته، والباقون بهمزة واحدة فلا مد فيه لغير نافع، ومذهب هشام في الثلاثة على ما في التيسير أنه في آل عمران بلا خلاف فإنه قال: وهشام من قراءتي على أبي الحسن بتحقيق الهمزتين من غير ألف بينهما في آل عمران، ويسهل الثانية ويدخل قبلها ألفا في الباقيتن كقالون والباقون يحققون الهمزتين في ذلك وهشام من قراءتي على أبي الفتح كذلك ويدخل بينهما ألفا.
فقد اتفق الشيخان أبو الحسن وأبو الفتح على التحقيق في آل عمران وعلى المد في ص والقمر، واختلفا في المد في آل عمران والتسهيل في ص والقمر فتكون قراءة هشام في ص والقمر كقراءته: "أئنكم" في فصلت مد بلا خلاف وتسهيل بخلاف، فيكون قد فعل في المكسورة في بعض مواضعها، وجماعتنا أشكل عليهم تنزيل النظم على ما في التيسير، وصوابه أن يقال لهشام في هذه الثلاثة ثلاثة أوجه:
القصر التحقيق في الجميع وهذا الوجه ذكره صاحب الروضة وغيره وهو من زيادات هذه القصيدة.
والوجه الثاني المد في الجميع مع التحقيق وهذا الذي قرأه صاحب التيسير على أبي الفتح فارس بن أحمد وهو شيخه الذي ذكره في آخر باب التكبير.
والوجه الثالث التفصيل، القصر والتحقيق في آل عمران والمد والتسهيل في الباقيين، وهذا الذي قرأه صاحب التيسير على أبي الحسن طاهر بن غلبون الذي سبق ذكره في باب المد والقصر فالوجهان الأولان لهشام يماثل فيهما أبا عمرو في أنه يمد في الجميع ولا يمد، فلهذا أدرجه الناظم معه، فقال في البيت الأول: بخلفهما، ثم ذكر لهشام الوجه الثالث في البيت الثاني، ولو أنه نظم مقتصرا على ما في التيسير لقال ما كنت قد نظمته قديما تسهيلا على الطلبة:
[1]سورة آل عمران، آية: 15.
[2]الآية: 8.
[3]الآية: 25.
[4]الآية: 19.
بب: الهمزتين من كلمتين
...
باب: الهمزتين في كلمتين
يعني الهمزتين المجتمعتين من كلمتين، وذلك أن تكون أولاهما آخر كلمة والثانية أول كلمة آخرى، وذلك يأتي على ضربين.
أحدهما: أن يتفقا في الفتح أو الكسر أو الضم. والآخر: أن لا يتفقا في شيء من ذلك بل يختلفا فيه، ولكل واحد من الضربين حكم يخصه، وقد بين كلاهما منها وبدأ بقسم الاتفاق فقال:
202-
وَأَسْقَطَ الُاولَى في اتِّفَاقِهِمَا مَعًا ... إِذَا كَانَتَا مِنْ كِلْمَتَيْنِ فَتَى الْعلا
فتى العلا فاعل أسقط يعني ولد العلا وهو أبو عمرو بن العلاء أسقط الهمزة الأولى من المتفقتين بالفتح والكسر والضم وهذا نقل علماء القراءات عن قراءة أبي عمرو بإسقاط الهمزة.
ثم منهم من يرى أن الساقطة هي الأولى؛ لأن أواخر الكلم محل التغيير غالبا ومنهم من يجعل الساقطة هي الثانية؛ لأن الثقل بها حصل.
والذي نقله النحاة عن أبي عمرو أنه يخفف الأولى من المتفق والمختلف جميعا.
قال أبو علي في التكملة: أهل التحقيق يحققون إحداهما فمنهم من يخفف الأولى ويحقق الثانية، ومنهم من يحقق الأولى ويخفف الثانية، وهو الذي يختاره الخليل، ويحتج بأن التخفيف وقع على الثانية إذا كانتا في كلمة واحدة نحو آدم وآخر فكذلك إذا كانتا من كلمتين.
قال الخليل: رأيت أبا عمرو قد أخذ بهذا القول في قوله: {يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ}[1].
قال العبدي في شرحه: مذهب أبي عمرو تخفيف الأولى، ومذهب الخليل تخفيف الثانية، والقراء على خلاف ما حكاه النحويون عنه؛ وذلك أنهم يقولون: الهمزتان إذا التقيا بحركة واحدة حذفت إحداهما حذفا من غير أن تجعلها بين بين، وإذا اختلفت الحركة عادوا إلى ما قلناه، قال وقياس قول أبي عمرو المحذوفة هي الأولى؛ لأنه حكى مذهبه أن تكون الأولى بين بين.
قلت: ومن فوائد هذا الاختلاف ما يظهر في نحو: {جَاءَ أَمْرُنَا}[2]من حكم المد فيه.
[1]سورة هود، آية: 72.
[2]سورة هود، آية: 8.
ومدك قبل الضم بر حبيبه ... بخلف هشام في الثلاثة أصلا
ففي آل عمران يمد بخلفه ... وفي غيرها حتما وبالخلف سهلا
أي مد حتما بلا خلاف والله أعلم.
فإن قيل الساقطة هي الأولى كان المد فيه من قبيل المنفصل، وإن قيل هي الثانية كان المد من قبيل المتصل، وقد نص مكي في كتاب التبصرة على قول أن الساقطة هي الأولى.
ثم إن القارئ لأبي عمرو إذا وقف على "جاء" فإنه يمد ويهمز فإن الحذف إنما يكون في الوصل؛ لأن الاجتماع إنما يحصل فيه.
ولم أر أن النحويين ذكروا لغة الإسقاط. ووجهها على ما نقله القراء أن من مذهب أبي عمرو الإدغام في المثلين ولم يمكن هنا لثقل الهمز غير مدغم فكيف به مشددا مدغما فعدل الإسقاط واكتفى به، وقوله: معا حال من ضمير التثنية الذي أضيف إليه الاتفاق؛ لأنه بمنزلة قولك: اتفقا معا، ولا فائدة لقوله معا في هذا الموضع إلا مجرد التوكيد، كما لو قال: كليهما، وفي غير هذا الموضع معا يذكر لفائدة سننبه عليها في الباب الآتي، والهاء في اتفاقهما عائدة[1]على الهمزتين في قوله في أول الباب السابق: وتسهيل أخرى همزتين، ثم مثل صورة الاتفاق فقال:
203-
كَجَا أَمْرُنَا مِنَ السَّماَ إِنَّ أَوْلِيَا ... أُولئِكَ أَنْوَاعُ اتِّفَاقٍ تَجَمَّلا
فمثل المفتوحتين بقوله تعالى: {جَاءَ أَمْرُنَا} والمكسورتين بقوله في سبأ: {مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ}[2].
والمضمومتين بقوله في الأحقاف: {أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ}[3].
وليس في القرآن العزيز غيره، ولفظ بالأمثلة الثلاثة على لفظ قراءة أبي عمرو فالهمزة المسموعة في جاء أمرنا هي أول أمرنا ومثله: {ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ}[4].
الهمزة أول "أنشره"؛ لأنها همزة قطع فإن اتفق بعد ما آخره همزة همزة وصل حذفت فتبقى الهمزة المسموعة هي آخر الكلمة الأولى لجميع القراء: {فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ}[5]، {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ}[6].
الهمزة آخر شاء وآخر الماء.
وقوله: أنواع خبر مبتدأ محذوف؛ أي هي أنواع اتفاق تجمل أي تزين.
ثم بين مذهب قالون والبزي فقال:
204-
وَقَالُونُ وَالْبَزِّيُّ في الْفَتْحِ وَافَقَا ... وَفي غَيْرِهِ كَـ "الْيا" وَكَالْوَاوِ سَهَّلا
أي وافقا أبا عمرو في ذواتي الفتح، فأسقطا الأولى منهما وفي غير الفتح جعلا المكسورة كالياء والمضمومة كالواو أي سهلا كل واحدة منهما بين بين فجمعا بين اللغتين.
[1]بعيد والأولى عودها على الهمزتين في هذا الباب، ومثلها الألف في "كانتا" اهـ ضباع.
[2]سورة هود، آية: 40.
[3]الآية: 32.
[4]سورة عبس، آية: 32.
[5]سورة المزمل، آية: 19.
[6]سورة الحج، آية:5.
205-
وَبِالسُّوءِ إِلاَّ أَبْدَلا ثُمَّ أَدْغَمَا ... وَفِيهِ خِلاَفٌ عَنْهُمَا لَيْسَ مُقْفَلا
يعني قوله تعالى في سورة يوسف: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ}[1]، خالفا فيها أصلهما فعدلا عن تسهيل همزة السوء بين بين؛ لأن لغة العرب في تخفيف همزة مثل ذلك على وجهين سيأتي ذكرهما في باب وقف حمزة وهشام.
أحدهما: أن تُلقى حركة الهمزة على الواو وبحذف الهمز وهذا لم يقرأ به لهما، وهو الوجه المختار في تخفيف همز ذلك، وقد نبه عليه مكي -رحمه الله- في التبصرة.
والثاني: أن تبدل الهمزة واوا، وتدغم الواو التي قبل الهمزة فيها، وهذا الوجه هو المذكور لهما في هذا البيت أي أبدلا الهمز واوا ثم أدغما فيها الواو التي قبلها، وإنما اختارا هذا على وجه نقل الحركة؛ لأن النقل يؤدي هنا إلى أن تنكسر الواو بعد ضمة، فتصير مثل قول، وهو مرفوض في اللغة، وقول بالتشديد مستعمل وهو أخف من قول، ولعل سببه حجز الساكن بين الضمة والكسرة، وقد فعل قالون نحو ذلك في لفظ النبي في موضعين في سورة الأحزاب؛ لأنه يهمز لفظ النبي، وقبل الهمز ياء، فأبدل الهمزة ياء وأدغم فيها الياء التي قبلها وذلك متعين، ثم لا يجوز فيه نقل حركة الهمزة إلى الياء؛ لأنها زائدة بخلاف الواو هنا وهذا سيأتي ذكره ف سورة البقرة إن شاء الله تعالى، ثم قال: "وفيه" أي: وفي تخفيف بالسوء خلاف عن قالون والبزي ليس مقفلا أي ليس مغلقا أو ليس مقفلا عليه أي ممنوعا لا يوصل إليه بل هو مشهور معروف في كتب مصنفة منها التبصرة لمكي، وإن كان صاحب التيسير ما ذكره ولم يذكر هذه المسألة إلا في سورتها، والخلاف المشار إليه أنهما قرآها بين بين على أصلهما ولا يمنع من ذلك كون الواو ساكنة قبلها؛ فإنها لو كانت ألفا لما امتنع جعلها بين بين بعدها لغة على ما يأتي فالواو قريبة منها والله أعلم.
قال مكي: ذكر عن قالون فيها أنه يجعل الأولى كالياء الساكنة، قال: والأحسن الجاري على الأصول إلقاء الحركة ولم يرو عنه، ويليه في الجواز الإبدال والإدغام وهو الأشهر عن قالون وهو الاختيار لأجل جوازه والرواية، قال: فأما البزي فقد روي عنه الوجهان أيضا والاختيار الإبدال والإدغام؛ لجريه على الأصول.
قلت: فهذا آخر الكلام في مذهب من يخفف الهمزة الأولى إما بإسقاط وإما بتسهيل، وذلك في الوصل فلو وقف عليها لحققت الهمزة، وسنذكر ذلك أيضا في سورة البقرة بتوفيق الله تعالى.
206-
وَالُاخْرَى كَمَدٍّ عِنْدَ وَرْشٍ وَقُنْبُلٍ ... وَقَدْ قِيلَ مَحْضُ المَدِّ عَنْهَا تَبَدَّلا
مذهب أبي عمرو وقالون والبزي كان متعلقا بالهمزة الأولى ومذهب ورش وقنبل يتعلق بالثانية؛ لأن الثقل عندها حصل وهي المرادة بقوله: "والأخرى" وروي عنهما في تسهيلها وجهان؛ أحدهما: جعلها بين بين؛ لأنها همزة متحركة ما قبلها كذلك قياس تسهيلها وهو المراد بقوله: كمد، والوجه الثاني لم يذكر في التيسير، وهو أن تبدل حرفا ساكنا من جنس حركتها، وهو مذهب عامة المصريين كما فعلوا ذلك في المفتوحتين في كلمة
[1]الآية: 53.