223-
وَفي لُؤْلُؤٍ في العُرْفِ وَالنُّكْرِ شُعْبَةٌ ... وَيَأْلِتْكُمُ الدُّورِي وَالِابْدَالُ "يُـ"ـجْتَلا
أي وتابعه شعبة عن عاصم في إبدال همزة "لؤلؤ" الأولى واوا سواء كانت الكلمة معرفة باللام نحو: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا[1]اللُّؤْلُؤُ} .
أو منكرة نحو: {مِنْ ذَهَبٍ[2]وَلُؤْلُؤًا} .
وذكر صاحب التيسير هذا الحكم في سورة الحج، ووجه اختيار شعبة تخفيف لؤلؤ دون غيره استثقال اجتماع الهمزتين فيه والساكنة أثقل فأبدلها.
قوله: ويألتكم الدوري.. أي قراءة الدوري بهمزة ساكنة، وأبدلها السوسي على أصله فالياء من يجتلا رمزه وهذا مما استغنى فيه باللفظ عن القيد، فكأنه قال: بالهمز وقراءة الباقين بضد ذلك وهو ترك الهمز فإذا ترك صار يلتكم، وكذلك قرءوا وإنما تعين أن لفظ "يألتكم" بالهمز للدوري، والوزن مستقيم بالهمز وبالألف لأنه قال بعده والإبدال يجتلا فتعين أن قراءة الدوري بالهمز وهو من ألت يألت، وقراءة الباقين من لات يليت، وهما لغتان بمعنى نقص، وإنما كان موضع ذكر هذا الحرف سورته وهناك ذكره صاحب التيسير، قال: قرأ أبو عمرو: "ولا يألتكم" بهمزة ساكنة بعد الياء، وإذا خفف أبدلها ألفا والباقون بغير همز ولا ألف.
224-
وَوَرْشٌ لِئَلَّا والنَّسِىءُ بِيَائِهِ ... وَأَدْغَمَ في يَاءِ النَّسِيءِ فَثَقَّلا
أي قرأ: "لئلا" حيث وقع بياء؛ لأن الهمزة مفتوحة بعد كسر فهو قياس تخفيفها، وأبدل أيضا من همزة النسيء في سورة التوبة ياء، وأدغم الياء التي قبلها فيها، وهذا أيضا قياس تخفيفها؛ لأن قبلها ياء ساكنة زائدة، وهكذا يفعل حمزة فيهما إذا وقف عليهما ورسما في المصحف بالياء فالهاء في بيانه للهمز الموجود في "لئلا" و"النسيء" أي بيائه التي رسم بها أو بياء هذا اللفظ التي رسم بها، أو أراد بياء الهمز المبدل؛ لأنه قد علم وألف.
أن الهمزة تبدل تارة ألفا، وتارة واوا، ياء باعتبار حركة ما قبلها على الأوضاع المعروفة في ذلك فقال ورش يقرأ: "لئلا"، و"النسيء" بياء الهمزة المعروف إبدالها منه.
وقوله: وأدغم في ياء -النسيء- أي أدغم في هذه الياء المبدلة من الهمزة ولم يذكر المدغم؛ لضيق النظم عنه، واكتفى بما يدل عليه؛ لأن المبدلة من الهمزة إذا كانت مدغما فيها علم أن المدغم ما كان قبلها وهو الياء التي بعد السين، وقوله: فثقِّلا أي فشدد؛ لأن الإدغام يحصل ذلك وقيل الهاء في بيائه لورش أضافها إليه؛ لأنه يبدلها من الهمزة.
[1]سورة الرحمن، آية: 22.
[2]سورة الحج، آية: 23 وسورة فاطر، آية 33.
ذكر صاحب التيسير "النسيء" في سورتها و"لئلا" في هذا الباب وأصلها "لأن لا" فأدغم.
225-
وَإِبْدَالُ أُخْرَى الهَمْزَتَيْنِ لِكُلِّهِمْ ... إِذَا سَكَنَتْ عَزْمٌ كَآدَمَ أُوهِلا
هذه المسألة موضعا باب الهمزتين من كلمة لا هذا الباب فإنه للهمز المفرد.
وأخرى بمعنى آخرة أي إذا اجتمع همزتان في كلمة والثانية ساكنة فإبدالها عزم أي واجب لا بد منه وفي الحديث فكانت عزمة والأصل ذو عزم أي إبدالها أمر معزوم عليه، وهو أن تبدل حرف مد من جنس حركة ما قبلها؛ لثقل الهمزة الساكنة ولا حركة لها، فتسهل بين بين فتعين البدل، ولا يكون ذلك إلا في كلمة واحدة، وقال أبو بكر الأنباري في كتاب الوقف والابتداء: وقد أجاز الكسائي أن يثبت الهمزتين في الابتداء فأجاز للمبتدئ أن يقول: "إئت بقرآن" بهمزتين، قال: وهذا قبيح؛ لأن العرب لا تجمع بين همزتين الثانية منهما ساكنة.
ثم قال: وأجاز الكسائي أن تبتدئ "أؤتمن" بهمزتين.
قلت: ثم مثل الناظم بمثالين فيهما نظر أحدهما -آدم- وأصله على هذا الرأي أأدم كأنه مشتق من أديم الأرض أو من الأدمة، فوزنه أفعل وقيل: إنما وزنه فاعل؛ لأن التسمية بهذا الوزن غالبة في الأسماء القديمة التي هي عمود النسب بين إبراهيم ونوح صلوات الله عليهما، وذكره الزمخشري في باب تخفيف الهمز من مفصله، وقال في تفسيره: أقرب أمره أن يكون على فاعل كعازر وعابر وشالح وفالغ.
قلت: والوجهان محتملان أيضا في آزر وإنما تعين مثالا لذلك: آخر وآمن وآتى ونحوه.
المثال الثاني قوله: أوهلا لفظ ليس في القرآن وهو من قولهم: "أوهل فلان، لكذا أي جعل له أهلا هكذا في شرح الشيخ ويشهد له قول صاحب المحكم: آهله لذلك الأمر، وءأهله، ويجوز أن يكون من قولهم: آهلك لله في الجنة إيهالا أي أدخلكها وزوجك فيها، حكاه الجوهري عن أبي زيد، وقد استعمل الناظم اسم المفعول من هذا في باب ياءات الإضافة في قوله: وافق موهلا، واستعمل اسم الفاعل من ثلاثي هذا لازما في قوله: فاهمز آهلا متأهلا على ما سيأتي شرحه في موضعه إن شاء الله تعالى.
فقوله: أوهل مثاله في القرآن: {أُوتِيَ مُوسَى}[1]، {أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ}[2]، "أوتمن أمانته"[3].
إذا ابتدأت فهذه أمثلة قلبها ألفا وواوا ومثال قلبها ياء: {لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ}[4]، "إيت بقرآن"[5].
إذا ابتدأت به وهذا أمر مجمع عليه لغة ولا يختص بقراءة القرآن ولهذا صح تمثيله بأوهل، وهو بدل لازم لا يرتد تصغيرا ولا تكسيرا كأواخر وأويخر بخلاف قولهم: ميقات ومواقيت وموسر ومياسير ومويقت ومويسر فرد الجمع والتصغير ياء ميقات إلى أصلها وهو الواو؛ لأنه من الوقت وردا واو موسر
[1]سورة البقرة، آية: 136.
[2]سورة الأعراف، آية: 129.
[3]سورة البقرة، آية: 283.
[4]سورة قريش، آية: 1 و2.
[5]سورة يونس، آية: 15.
باب: نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها
...
باب: نقل حركة الهمز إلى الساكن قبلها
هذا نوع من أنواع تخفيف الهمز المفرد، وأدرج معه في الباب مذهب حمزة في السكت، وهو مذكور في كتاب التيسير بعد باب الوقف على مرسوم الخط في باب يخصه، وذكر في الباب أيضا مسألة: "آلَان، وعادا الُاولي" وهما في التيسير في سورتي يونس والنجم، وهكذا "ردءًا" ذكرها الداني في سورة القصص.
وبالله التوفيق.
226-
وَحَرِّكْ لِوَرْشٍ كُلَّ سَاكِنِ آخِرٍ ... صَحِيحٍ بِشَكْلِ الْهَمْزِ واحْذِفْهُ مُسْهِلا
وصف الساكن بوصفين: أحدهما أن يكون آخر الكلمة والهمز أول الكلمة التي بعدها؛ لأن الأطراف أنسب للتغيير من غيرها، والثاني أن يكون الساكن الآخر صحيحا أي ليس بحرف مد ولين نحو: {فِي أَنْفُسِهِمْ}[1]، و {قَالُوا آمَنَّا}[2]؛ لأن حرف المد لما فيه من المد بمنزلة المتحرك فلم ينقل إليه كما لم ينقل إلى المتحرك ويدخل في هذا ميم الجمع قبل الهمز؛ لأن ورشا يصلها بواو فلا ينقل حركة ذلك الهمز في نحو: "ومنهمو أميون"؛ لأن قبله حرف مد ولين وهو الواو التي هي صلة الميم فإن كان قبل الهمزة ياء أو واو ليسا بحرفي مد ولين وذلك بأن ينفتح ما قبلهما فإنه ينقل حركة الهمزة إليهما نحو: {ابْنَيْ آدَمَ}[3]، {ذَوَاتَيْ أُكُلٍ}[4]، {خَلَوْا إِلَى}[5]، {تَعَالَوْا أَتْل}[6]، {وَلَوْ أَنَّهُمْ}[7].
ودخل في الضابط أنه ينقل حركة الهمزة في: {أَحَسِبَ النَّاسُ} إلى الميم من ألف لام ميم في أول العنكبوت وينقل إلى تاء التأنيث نحو: {قَالَتْ أُولاهُمْ}[8].
وإلى التنوين نحو: "كفْؤا أحد"[9].
[1]سورة النساء، آية: 65.
[2]سورة البقرة، الآيتان: 14 و16.
[3]سورة المائدة، آية: 37.
[4]سورة سبأ، آية: 16.
[5]سورة البقرة، الآية: 14.
[6]سورة الأنعام، آية: 151.
[7]سورة النساء، آية: 64.
[8]سورة الأعراف، آية: 39.
[9]سورة الإخلاص آية: 4.
إلى أصلها وهو الياء؛ لأنه من اليسار وأما ما لا أصل له في الهمز، ويشبه في اللفظ ما هو مهموز، فيخفى على من لا خبرة له، فتعرض لبيانه بعض المتقدمين فقال: لا يجوز همز: "يوقنون" و"الموقنين"، و"يوفون" و"الموفون". و"تورون"، ولا همز، "يولي". و"يوقي". و"موهن"، مما لا أصل له في الهمز، قال الحصري:
ولا تهمزنْ ما كانت الواو أصله ... كقولك في الإنسان يوفون بالنذر
والله أعلم.
وإلى لام التعريف نحو: "الأرض"، و"الآخرة"؛ لأنها منفصلة مما بعدها فهي وهمزتها كلمة مستقلة نحو: قد وهل حرف دخل لمعنى، فكانت لذلك آخر كلمة وإن اتصلت خطا، والتنوين معدود حرفا؛ لأنه نون لفظا، وإن لم تثبت له صورة في الخط، وقد نص في التيسير على النقل إلى جميع ما ذكرناه من الأمثلة وليس هذان الشرطان بلازمين في اللغة فالنقل جائز في وسط الكلمة كما يجوز في آخرها، وهذا سيأتي في مذهب حمزة في الوقف ويجوز النقل إلى حرف المد غير الألف مثل: قاضو أبيك وابتغى أمره نص الزمخشري عليهما في المفصل، وفي كتاب سيبويه من ذلك أمثلة كثيرة، ولو كانت الألف تقبل الحركة لجاز النقل إليها وقيل: لا تنقل إلى الواو والياء حركة همزة مضمومة ولا مكسورة؛ لثقل ذلك، والغرض من النقل تخفيف اللفظ بتسهيل الهمز والنقل في ذلك أثقل من عدم النقل، فترك الهمز بحاله، وقد استعمل الناظم هنا قوله: ساكن صحيح باعتبار أنه ليس بحرف مد ولين، ولم يرد أنه ليس بحرف علة بدليل أنه ينقل بعد حرف اللين في نحو: "ابني آدم"، و"خلوا إلى" كما تقدم، وهذا بخلاف استعماله في باب المد والقصر حيث قال: أو بعد ساكن صحيح فإنه احترز بذلك عن حرف العلة مطلقا بدليل أنه لا يمد واو "الموؤودة" بعد الهمزة وقد تقدم بيان ذلك.
وقوله: بشكل الهمز أي حرك ذلك الساكن الآخر بحركة الهمز الذي بعده أي حركة كانت.
قوله: واحذفه يعني الهمز بعد نقل حركته؛ لأن بقاءه ساكنا أثقل منه متحركا وربما يكون بعده ساكن في مثل "قد أفلح" فيؤدي إلى الجمع بين الساكنين، ومسهلا حال أي راكبا للطريق الأسهل.
227-
وَعَنْ حَمْزَةَ في الْوَقْفِ خُلْفٌ وَعِنْدَهُ ... رَوَى خَلَفٌ في الْوَقْفِ سَكْتًا مُقَلَّلا
يعني حكي عن حمزة في الوقف على الكلمة التي نقل همزها لورش مثل قراءة ورش ومثل قراءة الجماعة، وهذا مطرد فيما نقل إليه ورش، وفيما لم ينقل إليه، ولكنه داخل في الضابط المذكور في البيت الأول نحو: {يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ}[1].
فإن ورشا وصل الهاء بياء وفي ميم الجمع وجوه ستأتي، ولم يذكر صاحب التيسير النقل لحمزة في هذا كله، وذكره جماعة غيره، وسيأتي له في بابه أنه يخففه الهمز إذا كان وسطا أو آخرا، وهذا الباب الهمز أولا وسيأتي له في بابه خلاف في الهمز المتوسط بسبب دخول حروف زوائد عليه هل يخفيه أولا ثم ذكر صاحب التيسير من هذا نحو: "الأرض"، و"الآخرة"، دون: "قد أفلح" وشبهه.
فإن قلنا: لا يخفف ذاك فهذا أولى؛ لأن هذا مبتدأ حقيقة وذاك مبتدأ تقديرا.
وإن قلنا يخفف ذلك ففي هذا وجهان.
ثم لا ينبغي أن يختص الخلاف بالهمزة المنقولة إلى الساكن قبلها بل يعطى لجميع الهمزات المبتدآت حكم المتوسط فيما يستحقه من وجوه التخفيف، فإن كانت المبتدأة ساكنة، وذلك لا يتصور إلا فيما دخل عليها همزة وصل وحذفت لاتصال الكلمة التي قبلها بها نحو:
[1]سورة آل عمران، آية: 75.
{يَا صَالِحُ ائْتِنَا}[1].
فإذا وقف عليها أبدلها واوا وفي -لقاءنا ائت- يبدلها ألفا وفي: "الذي أؤتمن" يبدلها ياء، وصاحب التيسير ذكر ما كان من هذا القبيل في الهمز المتوسط، فقال: تفرد حمزة بتسهيل الهمزة المتوسطة نحو: "المؤمنون"، و"يأكلون"، و"الذئب".
قال: وكذلك: {الَّذِي اؤْتُمِنَ} "[2]، و: {لِقَاءَنَا ائْتِ}[3]و: {فِرْعَوْنُ ائْتُونِي}[4]وشبهه.
قلت: ووجهه أن دخول همزة الوصل قبلها في الابتداء صيرها متوسطة، فإذا أبدل هذا الهمز حرف مد وكان قبله من جنسه وكان يحذف؛ لأجل سكون الهمزة اتجه وجهان؛ أحدهما: عود الحرف المحذوف؛ لزوال ما اقتضى حذفه وهو الهمزة الساكنة، فإن الجمع بين حرفي مد من جنس واحد ممكن بتطويل المد، والوجه الثاني: حذفه لوجود الساكن وهذان الوجهان هما المذكوران في باب وقف حمزة وهشام على الهمز في قوله:
ويبدله مهما تطرف مثله ... ويقصر أو يمضي على المد أطولا
وينبني على الوجهين جواز الإمالة في قوله تعالى: {الْهُدَى ائْتِنَا} لحمزة ولورش أيضا، فإن أثبتنا الألف الأصلية أملنا، وإن حذفناها فلا، ويلزم من الإمالة إمالة الألف المبدلة فالاختيار المنع والله أعلم.
إن كانت همزة الابتداء متحركة وقبلها متحرك جعلت بين بين مطلقا نحو: {قَالَ إِبْرَاهِيمُ}[6]، {إِنَّ أَبَانَا}[7]، {وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً}[8]؛ إلا أن تقع مفتوحة بعد كسر أو ضم فتبدل ياء أو واوا نحو: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ}[9]، {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ}[10].
وإن كانت متحركة وقبلها ساكن صحيح أو حرف لين نقل الحركة إليه على ما يتبين في مذهب ورش، وإن كان حرف مد ولين امتنع النقل في الألف فتجعل الهمزة بين بين كما يفعل في المتوسطة وعلى قياس مذاهب القراء في الواو والياء يجوز قلب الهمزة والإدغام ويجوز النقل إلى الأصليتين نحو:
[1]سورة الأعراف، آية: 77.
[2]سورة البقرة، آية: 282.
[3]سورة يونس، آية: 15.
[4]سورة يونس، آية: 79.
5 سورة الأنعام، آية: 71.
[6]سورة البقرة، آية: 258.
[7]سورة يوسف، آية: 8.
[8]سورة القصص، آية: 23.
[9]سورة آل عمران، آية: 97.
[10]سورة آل عمران، آية: 7.
{يَدْعُو إِلَى}[1]، {تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ} .
والزائدتان هما نحو: {قَالُوا آمَنَّا}[2]، {نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ}[3].
ويجوز النقل إليهما لغة، وأما إذا كان الساكن قبل الهمزة ميم الجمع نحو: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}[4].
فقال الشيخ في شرحه: لا خلاف في تحقيق مثل هذا في الوقف عندنا. قلت: قد ذكر أبو بكر بن مهران في كتاب له قصره على معرفة مذهب حمزة في الهمز فيه مذاهب أحدها -وهو الأحسن: نقل حركة الهمزة إليها مطلقا فتضم تارة وتفتح تارة وتكسر تارة نحو: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ}[5]، {عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ}[6]، {ذَلِكُمْ إِصْرِي}[7].
الثاني: تضم مطلقا وإن كانت الهمزة مفتوحة أو مكسورة حذرا من تحرك الميم بغير حركتها الأصلية. الثالث: تنقل في الضم والكسر دون الفتح؛ لئلا يشبه لفظ التثنية، فإن كانت الهمزة قبلها همزة وهما متفقتان أو مختلفتان سهل الثانية بما تقتضيه؛ لأنها في الكلمة الموقوف عليها، وفي نحو: {أَأَنْذَرْتَهُمْ}[8].
تنقل الأولى وتسهل الثانية ويكون تخفيف الثانية مخرجا على الخلاف فيما هو متوسط بزائد دخل عليه؛ لأن همزة الاستفهام زائدة على كلمة أنذر، فإن تحققت هذه القواعد انبنى عليها مسألة حسنة وهي قوله تعالى: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ}[9].
فيها ثلاث همزات فنص ابن مهران فيها على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يخفف الثلاثة؛ الأولى تنقل حركتها إلى لام قل، والثانية والثالثة تجعلان بين الهمزة والواو؛ لأنهما مضمومتان بعد متحرك، أما تسهيل الثالثة فلا خلاف فيه؛ لأنها همزة متوسطة أو متطرفة إن لم يعتد بالضمير وفي ذلك بحث سيأتي في موضعه، وفي كيفية تخفيفها وجوه ستأتي، وأما الثانية فهي متوسطة بسبب الزائد ففي تخفيفها خلاف، وأما الأولى فمبتدأة ففي نقل حركتها الخلاف المذكور في هذا الباب.
الوجه الثاني: تخفيف الثالثة فقط وذلك رأي من لا يرى تخفيف المبتدأة ولا يعتد بالزائد.
الوجه الثالث: تخفيف الأخيرتين فقط إعتدادا بالزائد، وإعراضا عن المبتدأة، وكان يحتمل وجها رابعا وهو: أن يخفف الأولى والأخيرة دون الثانية لولا أن من خفف الأولى يلزمه تخفيف الثانية بطريق الأولى؛ لأنها متوسطة صورة فهي أحرى بذلك من المبتدأة، فهذا الكلام كله جره قوله: وعن حمزة في الوقف خلف ... فاحتجنا إلى استيعاب الكلام في وقفه على كل همزة مبتدأة، وفهمت كل ما ذكرته من كلام الأئمة مفرق في كتبهم حتى قال ابن مهران بتركها، وإن كانت في أول الكلمة، قال: وعلى هذا يدل كلام المتقدمين وبه كان يأخذ أبو بكر
[1]سورة يونس، آية 25.
[2]سورة البقرة، الآيتان، 14 و76.
[3]سورة يوسف، آية: 53.
[4]سورة المائدة، آية: 105.
[5]سورة البقرة، آية: 78.
[6]سورة المنافقين، آية: 6.
[7]سورة آل عمران: 81.
[8]سورة البقرة، آية: 6 ويس الآية: 10.
[9]سورة آل عمران، آية: 15.
ابن مقسم ويقول بتركها كيف ما وجد السبيل إليها إلا إذا ابتدأ بها؛ فإنه لا بد له منها ولا يجد السبيل إلى تركها، وقال مكي: ذكر ابن مجاهد أنه يسهل لحمزة في الوقف ما كان من كلمتين نحو: {يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ}[1].
قال: يلحقها بواو ونحو: {أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ}[2].
قال يجعلها بين الهمزة والواو أجرى الباب كله على أصل واحد.
فصل:
قوله: وعنده أي وعند الساكن المذكور قيل، وهو كل آخر صحيح، وروى خلف عن سليم عن حمزة أنه يسكت عليه قبل النطق بالهمز سكتا مقللا، أي قليلا لطيفا، وهذا حكم آخر غير نقل الهمزة، وع معترضا في هذا الباب لتعلقه به. وغيره من المصنفين يقرر له بابا؛ وذكره صاحب التيسير بين مرسوم الخط وياءات الإضافة، والغرض بهذا السكت الاستعانة على إخراج الهمز وتحقيقه بالاستراحة قبله، ولهذا يسبق لسان كثير من الناس إلى نقل الحركة، والسكت مطرد في كل ما نقل فيه ورش الحركة، حتى في الميم من قوله تعالى: "الم، أَحَسِبَ النَّاسُ"[3].
بقى عليه أن يسكت أيضا على ميم الجمع قبل الهمزة نحو: {عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ}[4].
وورش لا ينقل إليه الحركة، ولكنه ساكن آخر صحيح، فيدخل في عموم البيت، وإن كان مراده الخصوص في تبيين مذهب ورش. وإذا كان الساكن قبل الهمزة حرف مد استغنى بمده عن السكت.
وقال أبو القاسم الهذلي: قال سليم في رواية خلف وغيره. المد يجزئ عن السكت عند الزيات.
وقال في رواية غيره: الجمع بين المد والسكت أحسن.
والهاء في قوله "وعنده" تعود عن الساكن كما تقدم، ولا تعود على حمزة؛ لنبو اللفظ عن ذلك وركته، ولأنه يبقي موضع السكت غير مبين، وإذا عادت الهاء على الساكن الموصوف بان موضع القراءة، وخلص من قبح العبارة، وقوله: "في الوصل" يريد به إذا وصلت الكلمة التي آخرها ذلك الساكن بالكلمة التي أولها همزة؛ لأنك إذا وقفت على كلمة الساكن كنت ساكتا لجميع القراء، وإنما يظهر سكت خلف في الوصل، فنبه على ذلك.
فإن قلت بتقدير أن يقف القارئ على كلمة الهمز يكون الناظم قد استعمل لفظ الوقف حيث استعمل لفظ
[1]سورة محمد، آية: 30.
[2]سورة المطففين، آية: 4.
[3]سورة العنكبوت، آية: 1.
[4]سورة المائدة، آية: 26.
الوصل، لأنه قد سبق أن المراد من قوله "وعن حمزة في الوقف خلف" وهو وقوفه على كلمة الهمز، فهو واقف باعتبار نقل الحركة واصل باعتبار السكت، بيانه أن القارئ إذا قرأ "قد أفلح" ووقف فهو مأمور بشيئين: أحدهما السكت على الدال لأنه وصلها بهمزة أفلح، والثاني نقل حركة الهمزة إليها لأنه قد وقف فيوسف القارئ أنه واقف واصل والحاقة واحدة.
قلت لا يعد في ذلك لأنهما باعتبارين فوضع الوصل غير موضع الوقف فإن الوقف على آخر الكلمة الثانية، والوصل وصل آخر الكلمة الأولى بأول الثانية، ثم يقال: لا يلزم من كونه يصل الساكن بالهمزة أن يقف على كلمة الهمز فقد يصلها بما بعدها، وإنما يتوجه الإشكال في بعض الصور، وذلك عند الوقف على كلمة الهمز، وجوابه ما تقدم، ومثاله: شخص له رحم يصل بعض أقاربه ويقطع بعضهم، فيصح أن يوسف ذلك الشخص بأنه واصل وأنه قاطع نظرًا إلى محل الوصل والقطع، والله أعلم.
ولا يمكن حمل قوله في الوصل على وصل كلمة الهمزة بما بعدها كما توهمه بعضهم؛ لأن ذلك لم يشترطه أحد فكيف يشترط الناظم ما لم يشترط، وكلام صاحب التيسير دال على ما قاله الناظم -رحمه الله؛ فإنه قال: كان يسكت سكتة لطيفة من غير قطع؛ بيانا للهمز، فقوله: من غير قطع هو قول الشاطبي في الوصل، أي من غير وقف، ثم قال: وقرأ الباقون بوصل الساكن مع الهمزة من غير سكت، وهذا نص فيما ذكرنا، والله أعلم.
228-
وَيَسْكُتُ في شَيْءٍ وَشَيْئًا وَبَعْضُهُمْ ... لَدَى الَّلامِ لِلتَّعْرِيفِ عَنْ حَمْزَةٍ تَلا
أي وسكت خلف أيضا على الساكن قبل الهمزة في هاتين الكلمتين وهو الياء وهما كلمة واحدة وإنما غاير بينهما باعتبار لفظ النصب وغيره لاختلاف ذلك في خط المصحف فالمنصوب بألف دون المرفوع والمجرور، وهذه عبارة المصنفين من القراء فسلك سبيلهم في ذلك؛ وإنما فعلوا ذلك مبالغة في البيان؛ لئلا يتوهم من الاقتصار على لفظ أحدهما عدم جريان الحكم في الآخر، ومثله قوله: وجزأ وجزء ضم الإسكان صف.
فإن قلت: لِم لم يفعل ذلك في "صراط"، و"بيوت" مع أنهما في القرآن بلفظ النصب وغيره نحو: {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا}[1]، {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا}[2].
قلت: كأنه لما ضبط ذلك؛ لخلوه عن لام التعريف استغنى عنه وإنما احتاج إلى ذكر شيء وشيئا؛ لأنهما لا يدخلان في الضابط السابق لورش؛ لأن ورشا لا ينقل فيهما الحركة لأن ساكنهما ليس بآخر كلمته فحاصله أن خلفا يسكت بين الكلمتين ولم يسكت في كلمة واحدة إلا في هاتين اللفظتين.
وحكى صاحب التيسير هذا السكت عن حمزة في الكلمة الواحدة مطلقا نحو: {قُرْآنٌ}[3]، و: {لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ}[4].
كما في شيء وهو متجه؛ لأن المعنى الذي لأجله فعل السكت موجود في الجميع، والذي قرأه الداني على أبي الفتح لخلف هو ما ذكره الناظم، وكان لا يرى لخلاد سكتا في موضع ما، وقرأ الداني على طاهر بن غلبون
[1]سورة الفتح، آية: 2.
[2]سورة النور، آية: 61.
[3]سورة يونس، آية: 15.
[4]سورة فصلت: آية: 39.