الوصل، لأنه قد سبق أن المراد من قوله "وعن حمزة في الوقف خلف" وهو وقوفه على كلمة الهمز، فهو واقف باعتبار نقل الحركة واصل باعتبار السكت، بيانه أن القارئ إذا قرأ "قد أفلح" ووقف فهو مأمور بشيئين: أحدهما السكت على الدال لأنه وصلها بهمزة أفلح، والثاني نقل حركة الهمزة إليها لأنه قد وقف فيوسف القارئ أنه واقف واصل والحاقة واحدة.
قلت لا يعد في ذلك لأنهما باعتبارين فوضع الوصل غير موضع الوقف فإن الوقف على آخر الكلمة الثانية، والوصل وصل آخر الكلمة الأولى بأول الثانية، ثم يقال: لا يلزم من كونه يصل الساكن بالهمزة أن يقف على كلمة الهمز فقد يصلها بما بعدها، وإنما يتوجه الإشكال في بعض الصور، وذلك عند الوقف على كلمة الهمز، وجوابه ما تقدم، ومثاله: شخص له رحم يصل بعض أقاربه ويقطع بعضهم، فيصح أن يوسف ذلك الشخص بأنه واصل وأنه قاطع نظرًا إلى محل الوصل والقطع، والله أعلم.
ولا يمكن حمل قوله في الوصل على وصل كلمة الهمزة بما بعدها كما توهمه بعضهم؛ لأن ذلك لم يشترطه أحد فكيف يشترط الناظم ما لم يشترط، وكلام صاحب التيسير دال على ما قاله الناظم -رحمه الله؛ فإنه قال: كان يسكت سكتة لطيفة من غير قطع؛ بيانا للهمز، فقوله: من غير قطع هو قول الشاطبي في الوصل، أي من غير وقف، ثم قال: وقرأ الباقون بوصل الساكن مع الهمزة من غير سكت، وهذا نص فيما ذكرنا، والله أعلم.
228-
وَيَسْكُتُ في شَيْءٍ وَشَيْئًا وَبَعْضُهُمْ ... لَدَى الَّلامِ لِلتَّعْرِيفِ عَنْ حَمْزَةٍ تَلا
أي وسكت خلف أيضا على الساكن قبل الهمزة في هاتين الكلمتين وهو الياء وهما كلمة واحدة وإنما غاير بينهما باعتبار لفظ النصب وغيره لاختلاف ذلك في خط المصحف فالمنصوب بألف دون المرفوع والمجرور، وهذه عبارة المصنفين من القراء فسلك سبيلهم في ذلك؛ وإنما فعلوا ذلك مبالغة في البيان؛ لئلا يتوهم من الاقتصار على لفظ أحدهما عدم جريان الحكم في الآخر، ومثله قوله: وجزأ وجزء ضم الإسكان صف.
فإن قلت: لِم لم يفعل ذلك في "صراط"، و"بيوت" مع أنهما في القرآن بلفظ النصب وغيره نحو: {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا}[1]، {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا}[2].
قلت: كأنه لما ضبط ذلك؛ لخلوه عن لام التعريف استغنى عنه وإنما احتاج إلى ذكر شيء وشيئا؛ لأنهما لا يدخلان في الضابط السابق لورش؛ لأن ورشا لا ينقل فيهما الحركة لأن ساكنهما ليس بآخر كلمته فحاصله أن خلفا يسكت بين الكلمتين ولم يسكت في كلمة واحدة إلا في هاتين اللفظتين.
وحكى صاحب التيسير هذا السكت عن حمزة في الكلمة الواحدة مطلقا نحو: {قُرْآنٌ}[3]، و: {لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ}[4].
كما في شيء وهو متجه؛ لأن المعنى الذي لأجله فعل السكت موجود في الجميع، والذي قرأه الداني على أبي الفتح لخلف هو ما ذكره الناظم، وكان لا يرى لخلاد سكتا في موضع ما، وقرأ الداني على طاهر بن غلبون
[1]سورة الفتح، آية: 2.
[2]سورة النور، آية: 61.
[3]سورة يونس، آية: 15.
[4]سورة فصلت: آية: 39.
بالسكت لخلف وخلاد جميعا على لام التعريف وشيء وشيئا فقط وهو المراد بقوله، وبعضهم أي وبعض أهل الأداء تلا بالسكوت لحمزة عند لام التعريف كالأرض والآخرة وعنه سكوت شيء وشيئا وتمم ذلك بقوله:
229-
وَشَيْءٍ وَشَيْئًا لَمْ يَزِدْ وَلِنَافِعٍ ... لَدَى يُونُسٍ آلانَ بِالنَّقْلِ نُقِّلاَ
أي لم يزد بعضهم على ذلك شيئا بل اقتصر على السكت وقال الشيخ المراد لم يزد المذكور فقد صار لخلف وجهان أحدهما السكوت عند كل ساكن بالشرط المقدم وفي "شيء" و"شيئا"، والثاني يختص السكت بلام المعرفة وشيء وشيئا فسكوته على لام التعريف وشيء وشيئا بلا خلاف عن خلف؛ لأن الطريقتين اجتمعتا عليه وفي غير ذلك له خلاف، وصار لخلاد وجهان؛ أحدهما: السكوت على لام التعريف وشيء وشيئا فقط, والوجه الثاني لخلف والآخر لا سكوت لخلاد في موضع أصلا، وهذا الموضع من مشكلات القصيدة فافهمه فإن وقفت لحمزة على الكلمة من ذلك فإن كانت لفظ شيء وشيئا وقفت بتخفيف الهمزة وله وجهان على ما يأتي، وإن كانت غيره نحو "قد أفلح" والأرض، فإن قلنا: إن حمزة ينقل الحركة في الوقف نقلت؛ لأن تخفيف الهمزة في الوقف هو مذهبه، فيقدم على غيره كما قلنا في وقفه على شيء وشيئا وإن قلنا لا ينقل وقفت لخلف بالسكت في "الأرض" وبالسكت وعدمه في "قد أفلح" ووقفت لخلاد بعدم السكت في "قد أفلح" وبالسكت وعدمه في "الأرض" فلهما ثلاثة أوجه لخلف، ولخلاد وجهان، النقل وعدمه، وفي نحو "الأرض" بالعكس لخلاد ثلاثة أوجه ولخلف وجهان النقل والسكوت وهذا من عجيب ما اتفق، وأما ميم الجمع فإن قلنا يجوز النقل إليها فهي مثل "قد أفلح" وإلا ففيها لخلف وجهان السكوت وعدمه وصلا ووقفا، وخلاد كغيره وصلا ووقفا.
فصل:
لما فرغ الناظم من بيان مذهب السكت الذي وقع معترضا في هذا الباب، رجع إلى تتمة باب نقل الحركة، فذكر مسألة الآن -في يونس- موضعين: {آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ}[1]، {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ} 3.
وافق قالون ورشًا في نقل الحركة إلى اللام لنقل هذه الكلمة وقد بهمزتين، وكون اللام قبلها ساكن فقوله: "آلآن" مبتدأ وخبره نقلا، أي الآن الذي في يونس نقل لنافع بالنقل، أي نقل عنه على هذه الصفة وشدد نقلا مبالغة وتكثيرًا لنقله؛ لأنه نقله قوم بعد قوم حتى وصل إلينا.
230-
وَقُلْ عَادًا الاُوْلَى بِإِسْكَانِ لامِهِ ... وَتَنْوِينِهِ بِالْكَسْرِ "كَـ"ـاسِيهِ "ظَ"ـلّلا
يعني إسكان لام التعريف وكسر التنوين الذي في "عادًا"؛ لالتقاء الساكنين هو واللام، وهذه القراءة جاءت على الأصل كما تقول: رأيت زيدًا الطويل فلهذا أثنى عليها بقوله: كاسيه ظللا أي حجتها قوية بخلاف قراءة
[1]سورة يونس، آية: 51.
2 سورة يونس، آية: 91.
الباقين ففيها كلام، وكنى بكاسيه عن قارئه؛ لأنه كساه تنوينا فظلله بذلك أي ستره عن اعتراض معترض تعرض للقراءة الأخرى، وإن كان لا يؤثر اعتراضه والحمد لله.
وهذا الحرف في سورة النجم: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى}[1].
231-
وَأَدْغَمَ بَاقِيهِمْ وَبِالنَّقْلِ وَصْلُهُمْ ... وَبَدْؤُهُمْ وَالْبَدْءُ بِالأَصْلِ فُضِّلا
يعني بالباقي نافعا وأبا عمرو؛ لأن القراءة الأولى عليها الكوفيون وابن كثير وابن عامر ويعني بالإدغام إدغام تنوين "عادًا" في لام التعريف من الأولى بعد ما نقل إلى اللام حركة الهمزة تخفيفا واعتدادا بالحركة وإن كانت عارضة؛ لأنهما لما نقلا والتنوين ساكن أدغماه في اللام المتحركة بناء على قاعدة إدغام التنوين في اللام على ما سيأتي في باب أحكام النون الساكنة والتنوين.
وحكى أبو عمرو بن العلاء إدغام مثل ذلك في قولهم: رأيت زيادا لَعجم، في: "زيادا الأعجم" ووجه الاعتراض على هذه القراءة أن تحريك اللام عارض، فكأنها تعد ساكنة، ولا يصح في الساكن إدغام وجواب هذا أن الممتنع هو ما يدغم في ساكن حقيقي أما ما هو ساكن تقديراً فلا وليس كل عارض لا يعتد به ولا ذلك بمجمع عليه وقد تقدم له نظائر، فمن أدغم كان معتدا بالحركة كما يعتد بها من لغته لَحْمر، إذا ابتدأ بكلمة الأحمر بعد نقل الحركة على ما سيأتي، والهاء في وصلهم وبدؤهم تعود على مدلول باقيهم وجمع الضمير والباقي اثنان إما على مذهب من يرى أن أقل الجمع اثنان وإما باعتبار رواتهما أي أن النقل إلى اللام ثابت وصلا وبدأً ويعني بالوصل وصل الأولى بـ "عادا"، فالنقل لهما فيه لازم؛ لأجل أنهما أدغما التنوين فيها فإن وقفا على "عادًا" ابتدأ الأولى بالنقل أيضا؛ ليبقى اللفظ حاكيا بحالة الوصل وفي كيفيته وجهان يأتيان؛ فأما ورش فيتعين النقل له على أصله في النقل إلى لام التعريف، وأما قالون وأبو عمرو فالأولى لهما أن يبتدئا بالأصل كما يقرأ الكوفيون وابن كثير وابن عامر؛ لأنهما ليس من أصلهما النقل وما نقلا هنا إلا لأجل الإدغام؛ لتخفيف الكلمة وقد زال الإدغام بالوقف فيرجع إلى الأصل وهو لأبي عمرو أولى منه لقالون؛ لأن قالون في الجملة قد نقل الحركة في "آلآن" في موضعي يونس، ونقل أيضا في ردءا كما سيأتي.
ثم ذكر من فضل له البدء بالأصل، والبدء مصدر بدأ، فقال:
232-
لِقَالُونَ وَالْبَصْرِي وَتُهْمَزُ وَاوُهُ ... لِقَالُونَ حَالَ النَّقْلِ بَدْءًا وَمَوْصِلا
أي أن قالون يهمز واو الُاولى إذا بدأ بالنقل وفي الوصل مطلقا أي حيث قلنا لقالون بالنقل سواء ابتدأ الأولى أو وصلها بـ "عادا" فواو الُاولى مهموز بهمزة ساكنة وإن قلنا يبتدئ بالأصل فلا همز؛ لئلا يجتمع همزتان فهذا معنى قوله حال النقل ووجه الهمز ضمة اللام قبلها فهمزت لمجاورة الضم كما همزت إذا كانت مضمومة في أجوه وأدور، وهي لغة لبعض العرب كقوله:
أحب المؤقدين إليَّ موسى
وهذا توجيه أبي علي في الحجة، وقيل: الأصل في الواو الهمز، وأبدل لسكونه بعد همز مضموم واوًا كأولى فلما حذفت الهمزة الأولى بعد نقل حركتها إلى لام الأولى زال اجتماع الهمزتين فرجعت تلك الهمزة، ذكر ذلك مكي وغيره، والله أعلم.
[1]الآية: 50.
ومادة هذه الكلمة مختلف فيها وهي من المشكلات وسنتكلم عليها في شرح النظم إن شاء الله تعالى كلاما شافيا وبالله التوفيق.
وقوله "بدءا وموصلا" مصدران في موضع الحال أي بادءاً وواصلاً.
ثم ذكر كيفية البدء في حال النقل فقال:
233-
وَتَبْدَأْ بِهَمْزِ الْوَصْلِ في النَّقْلِ كُلِّهِ ... وَإِنْ كُنْتَ مُعْتَدًّا بِعَارِضِهِ فَلا
أبدل من همز وتبدأ ألفا بعد إسكانها ضرورة.
وقوله: بهمز الوصل يعني همزة الوصل التي تصحب لام التعريف تقول إذا ابتدأت كلمة دخل فيها لام التعريف على ما أوله همزة قطع نحو "الأرض" و"الآخرة" و"الإنسان" و"الإحسان" فنقلت حركة الهمزة إلى اللام ثم أردت الابتداء بتلك الكلمة بدأت بهمزة الوصل كما تبتدئ بها في صورة عدم النقل لأجل سكون اللام فاللام بعد النقل إليها كأنها بعد ساكنة؛ لأن حركة النقل عارضة فتبقى همزة الوصل على حالها لا تسقط إلا في الدرج، وهذا هو الوجه المختار لغة وقراءة على ما سيأتي تقريره، ثم ذكر وجها آخر وهو أن لا يحتاج إلى همزة لوصل؛ لأنها إنما اجتلبت لأجل سكون اللام وقد زال سكونها بحركة النقل العارضة فاستغنى عنها فهذا معنى قوله وإن كنت معتدا بعارضه أي منزلا لحركة النقل منزلة الحركة الأصلية فلا تبدأ بهمز الوصل؛ إذ لا حاجة إليه فتقول على الوجه الأول: ألَرض، ألِنسان، وعلى الثاني: لَرْض، لِنْسان، وعادة أهل النحو يمثلون في هذه المسألة بالأحمر فتقول على الوجه الأول الَحْمر وعلى الثاني لَحْمر.
وقوله: في النقل كله؛ ليشمل جميع ما ينقل إليه ورش من لام المعرفة، ويدخل في ذلك الُأولى من "عادا الُاولى"، فيكون الوجهان لورش في جميع القرآن، ويكونان لأبي عمرو وقالون في هذا الموضع إن قلنا إنهما يبدآن بالنقل كما في الوصل، وإن قلنا يبدآن بالأصل من غير نقل فلا بد من همزة الوصل، فقد صار لكل واحد منهما ثلاثة أوجه في صوره؛ الإبتدا بقوله تعالى "الُاولى" من "عادا الُاولى" ولورش وجها. كما له في سائر القرآن على ما ذكرنا، هكذا ذكر صاحب التيسير وغيره من المصنفين في القراءات وتبعهم الشيخ الشاطبي -رحمه الله- في نظمه هذا، وفيه إشكال وهو أن النحاة ذكروا وجهين في أن حركة النقل يعتد بها أولا، وأجروا على كل وجه ما يقتضي من الأحكام لم يخصوا بذلك دخول همزة الوصل وعدم دخولها بل قالوا: إن اعتدنا بالعارض فلا حاجة إلى تحريك النون في "من"؛ لأن "بل" تبقى على سكونها؛ إذ لم يلتق ساكنان، وإن لم نعتد بالعارض أبقينا فتحة النون على حالها قبل النقل فإذا اتضح ذلك وجب النظر في مواضع النقل في القرآن فما رأينا فيه أمارة الاعتداد بالعارض حذفنا همزة الوصل في الابتداء به، وما رأينا فيه أمارة عدم الاعتداد بالعارض أبقينا همزة الوصل فيه وما لا أمارة فيه على واحد منهما ففيه الوجهان وهذا تحقيق البحث في ذلك إن شاء الله تعالى، فنقول:
في مسألة "عادًا الُاولى" ظهرت أمارة الاعتداد بالعارض في قراءة أبي عمرو ونافع معا وذلك أنهما أدغما في الوصل التنوين في اللام فهذه أمارة الاعتداد بحركة اللام فإذا ابتدأ القارئ لهما بالنقل لم يحتج إلى همزة الوصل؛ لأنا قد علمنا أن الحركة معتد بها عندهما وصلا فابتنى الابتداء عليه، وقد نص أبو محمد مكي في كتاب الكشف على أن ورشا لا يمد، الأولى، وإن كان من مذهبه مد حرف المد بعد الهمز المغير؛ لأن هذا وإن كان همزا مغيرا إلا أنه قد اعتد بحركة اللام فكان لا همز في الكلمة فلا مد.
قلت: هكذا ينبغي في القياس أن لا تعود همزة الوصل في الابتداء، والله أعلم.
ونقول في جميع ما نقل فيه ورش الحركة إلى لام المعرفة في جميع القرآن غير "عادا الُاولى" هو على قسمين، أحدهما ما ظهرت فيه أمارة عدم الاعتداد بالعارض كقوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ}[1]، {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا[2]فِي الْآخِرَةِ} ، {وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ}[3]، {قَالُوا الْآنَ}[4]، {أَزِفَتِ الْآزِفَةُ}[5].
ونحو ذلك ألا ترى أنه بعد نقل الحركة في هذه المواضع لم تردّ حروف المد التي حذفت لأجل سكون اللام ولم تسكن تاء التأنيث التي كسرت لسكون "الآزفة"، فعلمنا أنه ما اعتد بالحركة في مثل هذه المواضع فينبغي إذا ابتدأ القارئ له فيها أن يأتي بهمزة الوصل؛ لأن اللام وإن تحركت فكأنها بعد ساكنة، القسم الثاني ما لم تظهر فيه أمارة نحو: {وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا}[6].
فإذا ابتدأ القارئ لورش هنا اتجه الوجهان المذكوران والله أعلم:
فصل:
هذا الذي فعله نافع وأبو عمرو في عادًا الُاولى من النقل والإدغام، ومثله جاء في قراءة شاذة في قوله تعالى في سورة المائدة: {إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ}[7].
لما نقل الحركة واعتد بها سكنت نون "من" فودب الإدغام، وكان يمكن في "عادا الُاولى" ثلاث قراءات صحيحات الوجوه غير ما تقدم، وهي: حذف التنوين من "عادا" سواء نقل الحركة في "الأولى" أو لم ينقل، ووجه حذفه التقاء الساكنين على لغة من قتل: ولا ذاكرة إلا قليلا، ويكون حذفه مع النقل على لغة من لم يعتد بالمعارض من نقل الحركة، والقراءة الثالثة على مذهب من نقل الحركة أن يكسر التنوين ولا يدغمه؛ لأن إدغام المتحرك ليس واجب، ولا يمكن القراءة بسكون التنوين مع الاعتداد بالحركة إلا بالإدغام، وهي قراءة نافع وأبي عمرو، وقد سهل الله سبحانه وتعالى في هذا الباب مباحث حسنة، ولله الحمد:
234-
وَنقْلُ رِدًا عَنْ نَافِعٍ وَكِتَابِيهْ ... بِالِاسْكانِ عَنْ وَرْشٍ أَصَحُّ تَقَبُّلا
لو أتى بهذا البيت قبل مسألة "عادا الُاولى" لكان أحسن؛ ليتصل مذهب نافع بكماله يتلو بعضه بعضا وليفرغ مما روي عن ورش الانفراد بنقله ثم يذكر من وافقه في شيء من مواضع النقل كما هي عادته غالبا في باقي الأبواب، وإنما أخر هذا البيت؛ لأن النقل في كتابيه ضعيف والنقل في ردا على خلاف أصل ورش
[1]سورة الكهف، آية: 7.
[2]سورة الرعد، آية: 26.
[3]سورة الإسراء، آية: 11.
[4]سورة البقرة، آية: 71.
[5]سورة النجم، آية: 57.
[6]سورة الزلزلة، آية: 3.
[7]آية: 106.
لأنه لا ينقل في كلمة وأراد قوله تعالى: {فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا}[1]؛ أي معينا، قراءة نافع بغير همز كما يقف عليه حمزة بنقل حركة الهمزة إلى الدال الساكنة وقيل هو من أردى على كذا أي زاد فلا همز فيه أي أرسله معي زيادة، وأما قوله تعالى في الحاقة: {كِتَابِيَهْ، إِنِّي ظَنَنْت}[2].
فروي عن ورش نقل حركة همزة إني إلى هاء كتابيه؛ لأنه ساكن آخر صحيح فدخل في الضابط المذكور أول الباب، وروي ترك النقل وهو الصحيح في العربية؛ لأن هذه الهاء هاء سكت وحكمها السكون لا تحرك إلا في ضرورة الشعر على قبح وأيضا فإنها لا تثبت إلا في الوقف فإذا خولف الأصل فأثبتت في الوصل إجراءً له مجرى الوقف؛ لأجل ثباتها في خط المصحف فلا ينبغي أن يخالف الأصل من وجه آخر وهو تحريكها فتجتمع في حرف واحد مخالفتان وهذه المسألة من الزيادات لم يذكرها الداني -رحمه الله- في التيسير وذكرها في غيره.
قال مكي: أخذ قوم بنقل الحركة في هذا وتركه أحسن وأقوى.
قلت: فلهذا قال الناظم: أصح تقبلا؛ أي "وكتابيهْ" بالإسكان أصح تقبلا منه بالتحريك، وذلك أن التحريك تقبله قوم وتقبل الإسكان قوم فالإسكان أصح تقبلا من حيث الدليل على ما سبق ونصبه على التمييز وبالإسكان حال أي وكتابيه ساكنا أصح تقبلا منه متحركا فهو مثل قولهم هذا بسرا أطيب منه رطبا والله أعلم.
[1]سورة القصص، آية: 34.
[2]الآية: 19 و20.
باب: وقف حمزة وهشام على الهمز
هذا الباب من أصعب الأبواب نظما ونثرا في تمهيد قواعده وفهم مقاصده، وقد أنقنه الناظم -رحمه الله- ولكثرة تشعبه أفرد له أبو بكر أحمد بن الحسين بن مهران المقرئ رحمه الله تصنيفا حسنا جامعا، وذكر أنه قرأ على غير واحد من الأئمة فوجد أكثرهم لا يقومون به حسب الواجب فيه، إلا في الحرف بعد الحرف:
235-
وَحَمْزَةُ عِنْدَ الْوَقْفِ سَهَّلَ هَمْزَهُ ... إِذَا كَانَ وَسْطًا أَوْ تَطَرَّفَ مَنْزِلا
سبق الكلام في مذهبه في الهمزة المبتدأة في شرح قوله في الباب السابق: وعن حمزة في الوقف خلف ... والكلام في هذا الباب في الهمزة المتوسطة والمتطرفة التي في آخر الكلمة، ويأتي فيهما إن شاء الله تعالى جميع أنواع تخفيف الهمز وهي إبداله وحذفه بعد إلقاء حركته على ساكن قبله وجعله بين بين.
ولفظ التسهيل يشمل الجميع وقد يخص القراء لفظ التسهيل بين بين كما سبق، وهذه الأنواع هي التي نقلها أهل العربية في ذلك، وعند القراء نوع آخر وهو تخفيف الهمز باعتبار خط المصحف وسيأتي الكلام عليه وعلى تفاريع هذه الأنواع على ما تقتضيه أصول العربية والقراءات.
والهاء في همزه تعود إلى حمزة أو إلى الوقف لملابسة كل واحد منهما هذا بفعله فيه وهذا بأنه محل الفعل والشيء يضاف إلى الشيء بأدنى ملابسة بينهما، ووسطا ظرف، وكان تامة أي إذا وقع في وسط الكلمة أي بين حروفها كما تقول: جلست وسط القوم، ويجوز أن يكون خبر كان الناقصة؛ لأن وسطا مصدر من قولهم: وسطت القوم أوسطهم وسطا وسطة أي توسطتهم ذكره الجوهري، فالمعنى ذا وسط أي إذا كان متوسطا أو تطرف آخرها ومنزلا تمييز أي تطرف منزله أي موضعه وإنما اختص تسهيل حمزة للهمزة بالوقف؛ لأنه محل استراحة القارئ والمتكلم مطلقا، ولذلك حذفت فيه الحركات والتنوين وأبدل فيه تنوين المنصوب ألفا، قال ابن مهران: وقال بعضهم هذا مذهب مشهور ولغة معروفة يحذف الهمز في السكت كما يحذف الإعراب فرقا بين الوصل والوقف وهو مذهب حسن.
قال: وقال بعضهم لغة أكثر العرب الذين هم أهل الجزالة والفصاحة ترك الهمزة الساكنة في الدرج والمتحركة عند السكت.
قلت: وفيه أيضا تآخي رءوس الآي في مثل: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}[1].
و"الخاطئة" في الحاقة، و"خاطئة" في سورة "اقرأ"، وأنا أستحب ترك الهمز في هذه المواضع في الوقف لذلك.
وأما الحديث الذي رواه موسى بن عبيدة عن نافع عن ابن عمر قال: "ما همز رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا أبو بكر ولا عمر ولا الخلفاء، وإنما الهمز بدعة ابتدعها من بعدهم". فهو حديث لا يحتج بمثله؛ لضعف إسناده فإن موسى بن عبيدة هو الزيدي وهو عند أئمة الحديث ضعيف.
ثم شرع الناظم في بيان ما يفعل حمزة بالهمز المتوسط والمتطرف فقال:
236-
فَأَبْدِلْهُ عَنْهُ حَرْفَ مَدِّ مُسَكَّنًا ... وَمِنْ قَبْلِهِ تَحْرِيكُهُ قَدْ تَنَزَّلاَ
أي فأبدل الهمز عن حمزة حرف مد من جنس حركة ما قبله بشرطين أحدهما أن يكون الهمز ساكنا والثاني أن يتحرك ما قبله سواء توسط أو تطرف نحو، "يؤمنون"، و"إن يشأ"، و"قال الملأ"، والهمزة في الملأ متحركة ولكن لما وقف عليها سكنت وهذا قياس تخفيف الهمزات السواكن؛ إذ لا حركة لها فتجعل بين بين أو تنقل.
وقال: مسكنا بالكسر وهو حال من الضمير المرفوع في "فأبدله"، ولم يقل مسكنا بالفتح ولو قاله لكان حالا من الهاء في "فأبدله"، وهي عائدة على الهمز؛ لئلا يوهم أنه نعت؛ لقوله حرف مد فعدل إلى ما لا إيهام فيه وحصل به تقييد الهمز بالسكون، ولأنه أفاد أن القارئ وإن سكن الهمز المتحرك في الوقف فحكمه هكذا أي أبدل الهمز في حال كونك مسكنا له سواء كان ساكنا قبل نطقك به أو سكنته أنت للوقف.
والواو في قوله: ومن قبله تحريكه ... للحال والجملة حال من الهمز أي فأبدله مسكنا محركا ما قبله، فتكون
[1]سورة الرحمن، آية: 20.
الحال الأولى من الفاعل والثانية من المفعول نحو لقيته مصعدا ومنحدرا، واشتراط تحرك ما قبل الهمز إنما يحتاج إليه في المتحرك الذي سكنه القارئ في الوقف نحو: {قَالَ الْمَلَأُ} .
ليحترز به من نحو: "يشاء" و"قروء" و"هنيئا" و"شيء" و"سوء".
وسيأتي أحكام ذلك كله.
وأما الهمزة الساكنة قبل الوقف فلا يكون ما قبلها إلا متحركا، وفي هذا القسم الذي تسكنه للوقف وتبدله حرف مد من جنس حركة ما قبله وجهان آخران سنذكرهما.
أحدهما: تسهيله على اعتبار مرسوم الخط، والآخر تسهيله بالروم.
فإن قلت: لم كانت الهمزة الساكنة تبدل حرفا من جنس حركة ما قبلها، ولم تكن من جنس حركة ما بعدها؟
قلت: لأن ما قبلها حركة بناء لازمة وما بعدها يجوز أن تكون حركة إعراب، وحركة الإعراب تنتقل وتتغير من ضم إلى فتح إلى كسر فأي حركة منها تعتبر ولا ترجيح لإحداهن على الأخريين، فينظر إلى ما لا يتغير وهو حركة ما قبلها.
فإن قلت: كان من الممكن أن تعتبر كل حركة في موضعها.
قلت: يلزم من ذلك أن ينقلب الهمز مع الضم واوا، ومع الفتح ألفا، ومع الكسر ياء، فتختل بنية الكلمة نحو رأس يصير عين الكلمة في الرفع واوا، وفي النصب ألفا، وفي الجر ياء، وفي ذلك اختلال الألفاظ واختلاط الأبنية وأيضا فاعتبار الحرف بما قبله أقرب إلى قياس اللغة من اعتباره بما بعده، ألا تراهم التزموا فتح ما قبل الألف دون ما بعدها نحو قالوا وقائل، ولأن اعتبار الأول أخف، ومما ينبه عليه في هذا الموضع أن كل همزة ساكنة للجزم أو للوقف إذا أبدلت حرف مد بقي ذلك الحرف بحاله لا يؤثر فيه الجازم نحو: {وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا}[1]، {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ}[2].
ونقل صاحب الروضة شيئا غريبا فقال: وتقف على: {نَبِّئْ عِبَادِي} 3 بغير همز: فإن طرحت الهمزة وأثرها قلت: نبا وإن طرحتها وأبقيت أثرها قلت نبي والله أعلم.
237-
وَحَرِّكْ بِهِ مَا قَبْلَهُ مَتَسَكِّنًا ... وَأَسْقِطْهُ حَتّى يَرْجِعَ اللَّفْظُ أَسْهَلا
به أي بالهمز يعني بحركته على حذف مضاف يعني إذا كان متحركا وقبله ساكن فألق حركته على
[1]سورة الكهف، آية: 16.
[2]و3 سورة الحجر، آية: 49 ,51.