وتلخيص اللفظ على الأوجه الثلاثة أن نقول التقدير وأغنى مغنٍ والمغني الكافي ولا يتغير معناه عن ذلك في الوجوه كلها وإنما المعاني الثلاثة في لفظ أغنى ولولا تقدير المضاف المحذوف للزم نصب غناء؛ لأن أفعل لا يضاف إلا إلى ما أفعل بعضه والقرآن ليس بعض الكفاية فيجب النصب كقولك هو أفره عبدا بالنصب إذا كانت الرفاهية في العبد وهو ليس بعبد وواهيا ومتفضلا حالان من الضمير في أغنى العائد على كتاب الله تعالى، وقيل النصب على التمييز كقولك هو أغناهم أبا وقيل إن قلنا إن أغنى بمعنى أثرى فالنصب على التمييز وإن قلنا بالوجهين الآخرين فالنصب على الحال، وقد بينا فساد هذين القولين[1]في الكتاب الكبير والله أعلم.
11-
وَخَيْرُ جَلِيسٍ لاَ يُمَلُّ حَدِيثُهُ ... وَتَرْدَادُهُ يَزْدَادُ فِيهِ تَجَمُّلاً
"وخير" مثل قوله: وأغنى كلاهما معطوف على أوثق، ولا يمل حديثه صفة خير أو جليس أو هو خبر بعد خبر؛ لأن كل قول مكرر مملول إلا القرآن العزيز؛ فإنه كلما كرر حلا واقتبس من فوائده ما لا يدخل تحت الحصر وأجر على تلاوته بكل حرف عشر حسنات فهو خير جليس وكيف يمل حديثه وهو أحسن الحديث كما قال سبحانه: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ}[2].
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم: "مثل صاحب القرآن مثل جراب مملوء مسكًا يفوح به كل مكان".
فأي جليس أفضل منه؟ والترداد بفتح التاء: مصدر ردده ترديدا وتردادا والهاء المتصلة به تعود على القارئ أو على القرآن العزيز؛ لأن المصدر يجوز إضافته إلى افاعل وإلى المفعول فهو كما سبق في قوله بتحريه والضمير المستكن في يزداد يحتمل الأمرين، والهاء في فيه عائدة على الترداد وفيه بمعنى به أي يزداد القرآن بالترداد تجملا لما يظهر من تلاوته ونوره وحلاوته وفصاحته أو يزداد القارئ بالترداد تجملا لما يقتبس من فوائده وآدابه وجزيل ثوابه، ويجوز أن يكون الضمير في يزداد للترداد وفي فيه للقارئ وتكون فيه على ظاهرها لا بمعنى به وتجمل الترداد يئول إلى جمال حاصل في القارئ وزينة له والله أعلم.
12-
وَحَيْثُ الْفَتى يَرْتَاعُ فيِ ظُلُمَاتِهِ ... مِنَ اْلقَبرِ يَلْقَاهُ سَناً مُتَهَلِّلاً
كنى عن القارئ بالفتى وصفًا له بالفتوة وهي خلق جميل يجمع أنواعا من مكارم الأخلاق ويرتاع: أي يفزع والهاء في ظلماته للفتى: أي في ظلماته الناشئة من القبر ووحشته وإنما أضافها إليه لملابستها له،
[1]لا يظهر وجه فساد القولين، غير أن يقال: إذا جعل واهبا ومنفضلا تمييزان، يصير معناه أغنى ذوي غناء هبة وتفضلا فيكون نسبة أغنى في الحقيقة إلى الهبة والتفضل، وهذا ليس بلائح الوجه إلا على طريقة المجاز، هذا غاية ما يمكن في توجيه الفساد، وفيه ما فيه.
[2]سورة الحاقة، آية: 28.
3 سورة الزمر، آية: 23.
وكونه فيها، فقوله من القبر على هذا في موضع الحال من الظلمات أي صادرة من القبر، ويجوز أن يكون كنى بالظلمات عن أعماله السيئة فيكون من القبر على هذا متصلا بيلقاه أي يلقاه القرآن من القبر أي يأتيه من تلك الجهة، ويجوز أن يكون التقدير يرتاع من القبر كائنا في ظلماته، ويجوز أن يكون قوله في ظلماته من القبر واردا على طريقة القلب لأمن الإلباس أي يرتاع في القبر من ظلماته والهاء في يلقاه للفتى أو للقرآن العزيز؛ لأن كل واحد منهما يلقى الآخر، والسنا بالقصر الضوء، والسناء بالمد الرفعة والمتهلل الباش المسرور وكلاهما حال من القرآن أي يلقى القرآن الفتى في حال إضاءته وبشاشته أي ذا سنا أي مستنيرا، ويجوز أن يكون متهللا صفة لسنا، وفي جامع الترمذي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال:
"ضرب بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر فإذا هو قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأعلمه فقال النبي -صلى الله عليه وسلم": "هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر".
وفي كتاب ابن أبي شيبة وأول كتاب الوقف والابتدا لابن الأنباري آثار في فضل قارئ القرآن العامل به ذكرنا بعضها في الكتاب الكبير والله أعلم.
13-
هُنَالِكَ يَهْنِيهِ مَقِيلاً وَرَوْضَةً ... وَمِنْ أَجْلِهِ فِي ذِرْوَةِ الْعِزِّ يُجتلَى
هنالك من تتمة قوله يلقاه أي يلقاه في ذلك المكان ثم استأنف قوله: يهنيه أو يكون يهنيه حالا، ويجوز أن يكون هنالك ظرفا ليهنيه وهنالك يستعمل ظرف زمان وظرف مكان وكلاهما محمل هنا والظرف هو هنا والكاف خطاب واللام زائدة للدلالة على البعد والعرب تنزل الميت أبعد منزلة وذلك لبعد الملتقى كقول الشاعر:
من كان بينك في التراب وبينه ... شبران فهو بغاية البعد
والهاء في يهنيه للقارئ وضمير الفاعل مستتر عائد على القرآن أو على القبر فإن عاد على القرآن كان مقيلا مفعولا ثانيا ليهنيه من قولهم: هنأت الرجل أهنؤه وأهنئه إذا أعطيته ثم ترك الهمز ضرورة على لغة كسر النون ولو استعمل لغة الفتح لقال يهناه، وإن عاد الضمير على القبر كان مقيلا تمييزا من قولهم هنأ لي الطعام أي لذ لي طعمه وطاب، وروضة عطف على مقيلا بالاعتبارين، والمقيل موضع القائلة وهي الاستراحة في وسط النهار، ولا يشترط فيها نوم أي يصير له القبر كالمقيل وكالروضة بثواب قراءة القرآن والعمل به عبر بذلك عن الراحة الحاصلة له حينئذ، وفي الحديث: "القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار".
والهاء في: ومن أجله للقرآن ومرفوع يجتلى للقارئ ويتعلق بيجتلى ما قبله من المجرورات وذروة كل شيء أعلاه تضم ذاله وتكسر ويجتلى معناه ينظر إليه بارزا من قولهم اجتليت العروس وعبر بذلك عن عظم أمره فهو سالم من كل آفة والله أعلم.
14-
يُنَاشِدُه في إرْضَائِهِ لحبِيبِهِ ... وَأَجْدِرْ بِهِ سُؤْلاً إلَيْهِ مُوَصَّلاَ
يناشد أي يسأل ربه وقيل معناه يكثر المسألة ملجًّا فيها وعدى بفي؛ لأن في المناشدة معنى الرغبة وفاعل يناشد ضمير عائد على القرآن العزيز وهو جملة واقعة خبرا لقوله: وإن كتاب الله أوثق شافع، بعد أخبار سلفت أي هو أوثق شافع وخير جليس ويلقى قارئه حيث يرتاع ويناشد في إرضائه والهاء في لحبيبه تعود على القرآن العزيز وحبيبه قارئه العامل بما فيه والهاء في إرضائه يعود إلى الله تعالى، وقد تقدم ذكره في قوله وإن كتاب الله كقولك: غلام زيد يطلب منه كذا أي من زيد أي يناشد الله تعالى في أن يرضي حبيبه أي يعطيه من الأجر والثواب ما تقر به عينه فالإرضاء مضاف إلى الفاعل وعدي الإرضاء بلام الجر؛ لأنه مصدر نحو عجبت من ضرب لزيد، ويجوز أن يكون التقدير يناشد لحبيبه في إرضائه: أي يسأل الله تعالى في أن يرضى حبيبه ففي الكلام تقديم وتأخير فتكون الهاء في إرضائه للحبيب والإرضاء حينئذ مضاف للمفعول وقيل الهاء في إرضائه للقرآن العزيز: أي يسأل ربه أن يعطي القارئ ما يرضى به القرآن وتكون اللام في لحبيبه بمعنى لأجل حبيبه.
وفي كتاب الترمذي من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
"يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حله فيلبس تاج الكرامة فيقول: يا رب زده حلة الكرامة ثم يقول: يا رب ارض عنه فيرضى عنه، فيقال: اقرأ وارق ويزداد بكل آية حسنة".
قال: هذا حديث حسن، وروي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- غير مرفوع، وفي ذا المعنى أحاديث كثيرة ذكرناها في الشرح الكبير، وقوله: وأجدر به تعجب كأخلق به أي ما أجدره بذلك وأحقه به والسؤل المسئول وهو المطلوب ونصبه على التمييز وموصلا نعته وإليه متعلق بموصلا والهاء عائدة على القرآن العزيز أو على القارئ والضمير في له للإرضاء أي ما أحق سؤله أن يوصل إليه وقيل يجوز أن يكون الهاء في إليه للرضى الدال عليه الإرضاء أو للإلحاح الدال عليه يناشد، وموصلا حال من القرآن العزيز وقيل غير ذلك على ما بينا وجه فساده في الشرح الكبير والله أعلم.
15-
فَيَا أَيُّهَا الْقَارِى بِهِ مُتَمَسِّكاً ... مُجِلاًّ لَهُ فِي كُلِّ حَالٍ مُبَجِّلا
نادى قارئ القرآن المتصف بالصفات المذكورة في هذا البيت وبشره بما ذكره في البيت الآتي وبعده[1]والقارئ مهموز وإنما أبدل الهمزة ياء ضرورة والهاء في به للقرآن وهو متعلق بمتمسكا مقدم عليه أي متمسكا به يعني عاملا بما فيه ملتجئا إليه في نوازله كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ}[2].
[1]أي الآتي بعده وبعده فحذف الأول للقرينة اهـ من هامش الأصل.
[2]سورة الأعراف، آية: 170.
وفي الحديث الصحيح: "كتاب الله فيه الهدى والنور فتمسكوا بكتاب الله وخذوا به"، وفي رواية: "من استمسك وأخذ به كان على الهدى ومن أخطأه ضل".
وفي به وجوه أخر بعيدة ذكرناها في الكبير، وإجلال القرآن العزيز تعظيمه وتبجيله توقيره وهما متقاربان في المعنى ونصب متمسكا وما بعده على الحال من ضمير القارئ؛ لأن المعنى يا أيها الذي قرأ القرآن ومن إجلال القرآن حسن الاستماع له والإنصات لتلاوته وتوقير حملته وصيانة القارئ نفسه مما يشين دينه جعلنا الله كذلك والله أعلم.
16-
هَنِيئاً مَرِيئاً وَالِدَاكَ عَلَيْهِما ... مَلاَبِسُ أَنْوَارٍ مِنَ التَّاجِ وَالحُلاْ
الهنيء: الذي لا آفة فيه، الطيب المستلذ، الخالي من المنغصات، الحاصل من غير تعب، والمريء: المأمون الغائلة المحمود العاقبة، المستساغ في الحلق، وهما من أوصاف الطعام والشراب في الأصل، ثم تجوز بهما في التهنئة بكل أمر سار، وهما هنا منصوبان على الحال أي ثبت لك ثواب تمسكك بالقرآن العزيز وإجلالك له هنيئا مريئا، ويجوز أن ينصبا بفعل مضمر أي صادفت أمرا هنيئا مريئا، وأن يكونا نعتي مصدر محذوف أي كاللبس وجمعه لاختلاف الملبوس، أو تكون جمع ملبس بكسر الميم وفتح الباء وهو الشيء الذي يلبس ويسمى أيضا لباسا ومثله ميزر وإزار وملحف ولحاف وملابس فاعل عليهما وعليهما خبر والداك أو يكون ملابس مبتدأ ثانيًا خبره عليهما المقدم عليه والجملة خبر والداك وأنوار جمع نور والنور الضياء وأضاف الملابس إلى الأنوار؛ لملابستها إياها والتاج الإكليل والحلي جمع حلية وهي الهيئة من التحلي الذي هو لبس الحلي، ويجوز أن تكون الحلي جمع حلة وأراد الحلل لكنه أبدل من ثاني حرفي التضعيف حرف علة نحو أمليت وهذا وإن لم يكن مسموعا فهو جائز في الضرورة نص عليه الرماني في آخر شرح الأصول والمنظوم في هذا البيت حدي أخرجه أبو داود وغيره من حديث سهل بن معاذ الجهني عن أبيه -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس والداه تاجا يوم القيامة ضوؤه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت فيكم فما ظنكم بالذي عمل بهذا".
فقوله: "من قرأ القرآن وعمل بما فيه" نظمه في البيت السابق وقوله: "فما ظنكم بالذي عمل بهذا" منظوم في البيت الآتي والباقي منظوم في هذا البيت، وفي مسند بقي بن مخلد عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يكسى والداه حلة لا تقوم لها الدنيا وما فيها".
ففي هذا ذكر الحلة وفي الذي قبله ذكر التاج فصح تفسيرنا لقوله: الحلي بالحلل ويكون نظم ما تفرق في الحديثين، وقوله في الحديث: "تاجا وحلة" أي كل واحد منها والله أعلم.
17-
فَما ظَنُّكُمْ بالنَّجْلِ عِنْدَ جَزَائِهِ ... أُولئِكَ أَهْلُ اللهِ والصَّفَوَةُ المَلاَ
هذا استفهام تفخيم للأمر وتعظيم لشأنه كقوله تعالى: {فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ}[1].
وقوله: فما ظنكم مبتدأ وخبر وفيه معنى الأمر؛ أي ظنوا ما شئتم من الجزاء لهذا الولد الذي يكرم والداه من أجله، والخطاب للسامعين مطلقا، فيكون التفاتا من خطاب القارئ إليهم، ويجوز أن يكون خطابا إليهم مع القراء؛ لأن قوله: "فيا أيها القارئ" للجنس؛ أي فما ظنكم بأنفسكم، "والنجل" النسل كالولد يقع على المفرد والجمع فحمل على اللفظ قوله: عند جزائه، ثم حمل على المعنى قوله: أولئك ومفعولا الظن محذوفان؛ أي ما تظنونه واقعا بالنجل، وقوله: "عند جزائه" ظرف للمحذوف ولا يجوز أن يكون ظرفا للظن وقوله: أولئك أهل الله إشارة إلى حديث آخر أخرجه أبو عبيد والبزار وابن ماجه عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن لله أهلين من الناس قيل من هم يا رسول الله قال أهل القرآن هم أهل الله وخاصته".
والإشارة بالأهلية إلى قرب المنزلة من رحمته وكرامته والأهل اسم جمع كالرهط والركب وقد جمع في الحديث جمع السلامة ومثله في القرآن العزيز: {شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا} إلى: {أَهْلِيهِمْ أَبَدًا}[2].
فيجوز أن يكون في بيت الشاطبي -رحمه الله- تعالى أيضا مجموعا وسقطت النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين واللفظ بالمفرد والجمع في مثل هذا واحد وإنما يفترقان في الخط، فتزاد واو في الجمع والمصنف لم يكتب ما نظمه؛ لأنه كان ضريرا وإنما أملاه ولا يظهر في اللفظ جمع فكتبه السامع مفردا ويطرد ذلك في قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في آخرها هذا الحديث: أهل الله وخاصته يجوز أن يكون جمعا وهو الأظهر اعتبارا بما في أول الحديث، ويجوز أن يكون استعمله جمعا ومفردا في حديث واحد كما قال سبحانه: {أَهْلَ الْبَيْتِ}[3]، {وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا}[4]، {إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ}[5].
وقال -صلى الله عليه وسلم- في حديث آخر: "هؤلاء أهل بيتي".
والصفوة: الخالص من كل شيء بكسر الصاد وفتحها وروي ضمها. وأشار بالصفوة إلى الخاصة المذكورة في الحديث. وأدخل واو العطف في قوله: "والصفوة" ليأتي على صورة لفظ الحديث في قوله -صلى الله عليه وسلم:
[1]سورة الصافات، آية: 87.
[2]سورة الفتح، آية 11 و12.
[3]سورة الأحزاب، آية: 33.
[4]سورة الفتح، آية: 26.
[5]سورة المطففين، آية: 31.
"أهل الله وخاصته".
والملأ: الأشراف والرؤساء وهو موافق لما روي من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أشراف أمتي حملة القرآن وأصحاب الليل"، وفي رواية: "قراء القرآن وقوام الليل"، ومن حديث علي بن أبي طالب وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري -رضي الله عنهم- رفعوه: "حملة القرآن عرفاء أهل الجنة". أخرجهما الحافظ أبو العلا الهمذاني والملأ مهموز أبدل من همزة ألفا للوقف والله أعلم.
18-
أُولُو الْبِرِّ وَالإِحْسَانِ وَالصَّبْرِ وَالتُّقَى ... حُلاَهُم بِهَا جَاءَ الْقُرَانُ مُفَصَّلاَ
"أولو" مثل ذوو: بمعنى أصحاب وهو خبر بعد أخبار لقوله: أولئك أي هم المتصفون بهذه الصفات الجليلة من البر وما بعده وحلاهم مبتدأ ومعناه صفاتهم جمع حلية وهي الصفة وخبره الجملة التي بعده وبها متعلق بجاء، ويجوز أن تكون حلاهم صفة البر والإحسان والصبر والتقى فيكون مجرور المحل، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذه حلاهم ثم قال: بها جاء القرآن والقرآن بلا همز وبالهمز لغتان وهما للقراء قراءتان ومفصلا حال من القرآن ومعناه مبينا ومنه قوله تعالى:
{كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ}[1].
ويجوز أن يكون مفصلا من باب تفصيل القلائد بالفرائد كقول امرئ القيس2:
فأدبرن كالجزع المفصل بينه
وقوله:
تعرُّضَ أثناءِ الوشاح المفصل3
وقيل هذا المعنى أيضا في تفسير قوله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ}[3].
أي فصلت بدلائل التوحيد والأحكام والمواعظ والقصص فكذا أراد الناظم أن القرآن مشتمل على ذكر الأبرار وأخبار الكفار فصفات الأبرار فيه كالفرائد التي تفصل بها العقود وهي الجواهر التي تزينها وتعظم وقعها وهذا بالنسبة إلى المذكور وأما النسبة إلى الذاكر فكلتاهما سواء؛ لأن كلا كلام الله -عز وجل: والله وأعلم.
19-
عَلَيْكَ بِهَا مَا عِشْتَ فِيهَا مُنَافِساً ... وَبِعْ نَفْسَكَ الدُّنْيَا بِأَنْفَاسِهَا الْعُلاَ
"عليك بها" إغراء وحث: أي الزم هذه الصفات، والصق بها وبادر إليها مدة حياتك منافسا فيها غيرك
[1]سورة فصلت آية: 3.
2 آخره:
بجيد معم في العشيرة مخول
[3]أوله:
إذا ما الثريا في السماء تعرضت
4 سورة هود، آية: 1.
بيان القراء السبعة ورواتهم وأخبارهم:
ثم أثنى على علماء القراءة فقال:
20-
جَزَى اللهُ بِالْخَيْرَاتِ عَنَّا أَئِمَّةً ... لَنَا نَقَلُوا القُرْآنَ عَذْباً وَسَلْسَلاَ
هذا دعاء بلفظ الخبر كما تقدم في: صلى الله، وجزى: بمعنى قضى ويتعدى إلى مفعولين نحو قوله تعالى: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا}[1].
وأدخل الشاطبي -رحمه الله- تعالى على المفعول الثاني وهو قوله: "بالخيرات" باء الجر زيادة، والمعنى جزى الله أئمة القراءة خيرا والخيرات: جمع خيرة وهي الفاضلة من كل شيء قال الله تعالى:
{وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ}[2].
"ولنا" يجوز أن يكون صفة لأئمة، ويجوز أن يكون معمول نقلوا، ونقلوا صفة الأئمة على الوجهين، وعذبا نعت مصدر محذوف: أي نقلا عذبا لم يزيدوا فيه ولم ينقصوا منه ولا حرفوا ولا بدلوا، ويجوز أن يكون حالا أي نقلوه وهو كذلك على هذه الحال لم يتغير عنها ويجوز أن يريد بالقرآن القراءة؛ لأنه مصدر مثلها من قوله تعالى:
{فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ}[3].
وعذوبتها أنهم نقلوها غير مختلطة بشيء من الرأي بل مستندهم فيها النقل الصحيح مع موافقته خط المصحف الكريم واتضاح ذلك على الوجه الفصيح في لغة العرب وسلسلا عطف على عذبا والعذب الماء الطيب والسلسل السهل الدخول في الحلق والله أعلم.
21-
فَمِنْهُمْ بُدُورٌ سَبْعَةٌ قَدْ تَوَسَّطَتْ ... سَمَاءَ الْعُلَى واَلْعَدْلِ زُهْراً وَكُمَّلاَ
أي فمن تلك الأئمة الناقلين للقرآن على الوجه المرضي سبعة من صفتهم كيت وكيت جعلهم كالبدو في علو
[1]سورة الدهر، آية: 13.
[2]سورة التوبة، آية: 88.
[3]سورة القيامة، آية: 18.
والمنافسة: المزاحمة في الشيء رغبة فيه ومنافسا حال من الضمير في الإغراء، وقيل من التاء في "عشت" وهو وهم ولك أن تجعل فيها من صلة عشت والضمير للدنيا وإن لم يجر لها ذكر؛ لأن لفظ عشت يدل عليها والدنيا التي وصف بها النفس تأنيث الأدنى الذي هو الحقير الخسيس وإنما وصفها بذلك؛ لاتضاعها مبدأ ومآلا كما قال:
ما بال من أوله نطفة ... وجيفة آخره يفخرُ
لا فخر إلا فخر أهل التقى ... غدا إذا ضمهم المحشرُ
والأنفاس جمع نفس بفتح الفاء: أي بأرواح طيبها التي هي علا في المبدأ والمآل والهاء في أنفاسها تعود إلى حلاهم، "والعلا" بضم العين والقصر له معنيان؛ أحدهما أن يكون جمع عليا تأنيث أعلى فيطابق موصوفه لفظا ومعنى، والثاني أن يكون مفردا بمعنى العلاء بالفتح والمد فيكون وصف الأنفاس بالعلاء على هذا من باب رجل عدل والتقدير ذوات العلا فالوجه الأول أولى وهذا البيت بديع اللفظ جليل المعنى يشم من رائحته أن ناظمه كان من أولياء الله -رحمه الله- تعالى
منزلتهم عند الناس واتساع علمهم وكثرة الانتفاع بهم وشهرتهم، وقد تقدم ذكرهم وذكر طائفة من الأئمة في خطبة هذا الكتاب وستأتي أبيات في نظم البدور السبعة وأصحابهم وفي السبعة يقول أبو مزاحم الخاقاني:
وإن لنا أخذ القراءة سنة ... عن الأولين المقرنين ذوي الستر
فللسبعة القراء حق على الورى ... لإقرائهم قرآن ربهم الوتر
فبالحرمين ابن الكثير ونافع ... وبالبصرة ابن للعلاء أبو عمرو
وبالشام عبد الله وهو ابن عامر ... وعاصم الكوفي وهو أبو بكر
وحمزة أيضا والكسائي بعده ... أخو الحذق بالقرآن والنحو والشعر
"والعلا" بمعنى العلاء الممدود وهو الرفعة والشرف أو يكون جمع عليا فتكون على حذف الموصوف أي سماء المناقب العلا استعار للعلى والعدل سماء وجعل هذه البدور متوسطة لتلك السماء في حال كونها زاهرة أي مضيئة كاملة من غير نقص مبالغة في وصفهم؛ لأن القمر إذا توسط السماء في حال كماله وتمامه وقوة نوره سالما مما يستر ضوءه كان ذلك أشرف أحواله وأعظم لانتفاع الخلق به فهم أتم نورا وأعم ضوءا، وزُهرا: جمع أزهر أو زاهر كأحمر وحمر وبازل وبزل يقال: زهر إذا أضاء فهو زاهر وأزهر على المبالغة، ولذلك قيل للقمر أزهر وللرجل المشرق الوجه أيضا، وهو منصوب على الحال من فاعل توسطت، وكُملا عطف وهو جمع كامل.
فإن قلت: لفظ البدر يشعر بالكمال فما معنى هذه الحال. قلت: أراد كمال أمره من سلامته مما يشينه من خسوف وغيره لا كمال جرمه، وقال فيهم أبو عمر والداني:
فهؤلاء السبعة الأئمة ... هم الذين نصحوا للأمّه
ونقلوا إليهم الحروفا ... ودونوا الصحيح والمعروفا
وميزوا الخطأ والتصحيفا ... واطَّرحوا الواهيَ والضعيفا
ونبذوا القياس والآراء ... وسلكوا المحجة البيضاء
بالاقتداء بالسادة الأخيار[1]... والبحث والتفتيش للآثار
اهـ والله أعلم.
22-
لَهَا شُهُبٌ عَنْهَا اُسْتَنَارَتْ فَنَوَّرَتْ ... سَوَادَ الدُّجَى حَتَّى تَفَرَّق وَانْجَلاَ
كنى بالشهب عن الأصحاب الذين أخذوا العلم عن البدور السبعة ولما كانوا دونهم في العلم والشهرة كنى عنهم بما إنارته دون إنارة البدر ويقال نار واستنار إذا أضاء وضمن استنارت معنى أخذت فلذلك عداه بـ"عن"، والدجى الظلم جمع دجية وهي هنا كناية عن الجهل، وانجلا: أي انكشف. والشهب جمع شهاب.
[1]نسخة: بالنقل والإسناد والأخبار.