بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 180

فقد ذكر أن مثل هذا تنقل إليه الحركة وتقدم أنهما لو كانا زائدين أبدل الهمز مثلهما وأدغما فيه فروي بعضهم عنه إجراء الأصلي مجرى الزائد في الإبدال والإدغام، وحكى جواز ذلك عن العرب يونس وسيبويه، وكان الأحسن أن يذكر هذا البيت عقيب قوله: ويدغم فيه الواو والياء مبدلا إذا زيدتا ويقول عقيبه: وإن ولو أصلي، بلفظ حرف إن الشرطية فهي أحسن هنا من لفظ "ما" وأقوم بالمعنى المراد ولو فعل ذلك لاتصل الكلام في الإدغام، واتصل هنا كلامه في الروم والإشمام فإن هذا البيت الآتي متعلق بقوله: وأشمم ورم على ما سنبينه، فوقع هذا البيت فاصلا في غير موضعه من وجهين وبعضهم صوب ما فعله الناظم، وقال: قصد أوَّلا أن يلخص من أحكام التسهيل حكما واحدا اشتهر ثم يذكر بعد ذلك أحكاما أخر كما فعل في: "مستهزؤن"[1]وغيره. والله أعلم.
252-
وَمَا قَبْلَهُ التَّحْرِيكُ أَوْ أَلِفٌ مُحَرْ ... ـرَكًا طَرَفاً فَالبَعْضُ بالرَّوْمِ سَهَّلا
المذكور في هذا البيت هو ما امتنع رومه وإشمامه لأجل البدل على ما تقدم بيانه، حكي فيه وجه آخر عن حمزة أنه كان يجعل الهمز في ذلك بين بين كأنه لما كان البدل يفضي إلى تعطيل جريان الروم المختار لجميع القراء على ما سيأتي في بابه لم يبدل، وخفف الهمز بالتسهيل كما لو كان الهمز متوسطا إلا أن الوقف لا يكون على متحرك بل على ساكن أو مروم فالوقف بالسكون لا تسهيل معه إلا بالبدل والوقف بالروم يتأتى التسهيل معه بلفظ بين بين فنزل النطق ببعض الحركة وهو الروم منزلة النطق بجميعها وكل ذلك حركة الهمزة فسهلها بين بين فهذا معنى قوله بالروم سهلا أي في حال الروم أي وقع التسهيل بحالة الروم.
وخفي هذا المعنى على قوم فقالوا: لا معنى لبين بين إلا روم الحركة فعبر عن الروم بكونه يجعلها بين بين، وهذا التأويل ليس بشيء؛ فإن النطق بالروم غير النطق بالتسهيل برهانه أن الروم عبارة عن النطق ببعض حركة الحرف فلا يلزم من ذلك تغيير ذلك الحرف كما إذا رام الدال من زيد والتسهيل بين بين بغير لفظ النطق بالهمزة، والروم نطق ببعض حركة الهمزة أو حركة ما جعل بدلا عنها، وهو كونها بين بين، وهذا أوضح ولله الحمد.
فحاصل ما في هذا البيت أن ما دخل في الضابط الذي ذكره وسنبينه فلحمزة فيه وجهان:
أحدهما: أن يقف بالسكون فيلزم إبدال الهمز حرف مد فلا روم إذا ولا إشمام كما سبق ذكره، وهذا الذي تقدم استثناؤه له.
والثاني: أنه يروم حركة الهمزة ويجعلها بين بين، ثم إذ قلنا بهذا الوجه فهل يجري في المفتوح جريانه في المضموم والمكسور، أو لا يجري فيه؛ إذ لا روم فيه عند القراء فيه اختلاف.
وقد ذكر هذا الوجه مكي في الكشف، وجعله المختار فيما يؤدي فيه الوقف بالسكون إلى مخالفة الخط نحو: "تَفْتَأُ"[2].
واختار الوقف بالسكون فيما يوافق الخط نحو: "يُبْدِئُ"[3].
[1]سورة البقرة، آية: 14.
[2]سورة يوسف، آية: 85.
[3]سورة البروج، آية: 13.


صفحه 181

وقوله محركا طرفا حالان من الهمز المعبر عنه بما في قوله وما قبله التحريك أو ألف أي والهمز المحرك الذي هو طرف إذا وقع قبله تحريك نحو: "قال الملأ" أو ألف نحو "يشاء".
فالبعض وقف بالروم وسهل، ويجوز أن يكون طرفا حالا من الضمير المستكن في محركا ويجوز أن يكون محركا حالا من مفعول سهل المحذوف تقديره فالبعض بالروم سهلة محركا طرفا، وفيه ضعف؛ لتقدمه على فاء الجزاء ولا يستقيم أن يكون طرفا تمييزا على معنى محركا طرفه؛ لأن المراد بالمحرك هو الطرف وهو الهمز، ولو كان المراد بالمحرك اللفظ لاستقام ذلك لكن لا يمكن أن يكون المراد به اللفظ لقوله: "وما قبله التحريك أو ألف"؛ لأن المراد أن الحركة أو الألف قبل الهمزة لا قبل اللفظ، ولا يكون في هذا النوع إشمام؛ لأن حالة الروم لا حاجة إلى الإشمام، وأن يبدل الهمز حرف مد فلا إشمام أيضا ولا روم على ما سبق فلو كان هذا البيت جاء عقيب قوله: "وأشمم ورم" لكان أوضح للمقصود وأبين.
وقلت أنا بيتين قربا معنى بيتيه على ما شرحناهما به:
وأشمم ورم في كل ما قبل ساكن ... سوى ألف وامنعهما المد مبدلا
أي في كل همزة قبلها ساكن غير الألف، وهما نوعان: النقل والإدغام كما سبق أو يقول:
وأشمم ورم تحريك نقل ومدغم ... كشيء دفٍ وامنعهما المد مبدلا
أي وامنع المد أي في حرف المد المبدل من الهمز من الروم والإشمام.
ثم بين ذلك الذي يمنعه منهما فقال:
وذلك فيما قبله ألف أو الـ ... ـذي حركوا والبعض بالروم سهلا
فانضبط في هذين البيتين على التفصيل كل ما يدخله الروم والإشمام وما يدخلانه والله أعلم.
253-
وَمَنْ لَمْ يَرُمْ وَاعَتدَّ مَحْضاً سُكُونَهُ ... وَألْحقَ مَفْتُوحاً فَقَدْ شَذَّ مُوغِلا
أي ومن الناس من لم يرم لحمزة في شيء من هذا الباب. أي ترك الروم في الموضع الذي ذكرنا أن الروم يدخله وهو كل ما قبله ساكن غير الألف فنفى الروم فيه وألحق المضموم والمكسور بالمفتوح في أن لا روم فيه فلم يرم: {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ}[1]، "كما لم يرم"، {يُخْرِجُ الْخَبْءَ}[2].
فقال الناظم: هذا قد شذ مذهبه موغلا في الشذوذ؛ لأنه قد استقر واشتهر أن مذهب حمزة الروم في الوقف إلا فيما ثبت استثناؤه، ويجوز أن يكون هذا القائل بنى مذهبه في ترك الروم على أن حمزة وقف على الرسم فأسقط الهمزة؛ إذ لا صورة لها في نحو: "سوء، وشيء، ودفء، وقروء".
[1]سورة النحل، آية: 5.
[2]سورة النمل، آية: 25.


صفحه 182

فما قبل الهمز في ذلك كله حرف ساكن لا حظ له في الحركة فلا روم وهذا مأخذ حسن والله الحمد، ويجوز أن يكون نظر إلى أن حركة النقل والمدغم من جنس الحركة العارضة وتلك لا يدخلها روم ولا إشمام فقاس هذه عليها.
ويقال في نظم هذا.
ومن لم يرمه أو يشم وقاسه ... بعارض شكل كان في الرأي محملا
ولو أتى بهذا البيت بعد قوله وأشمم ورم كان أحسن؛ لأنه متعلق به وليس هو من توابع قوله: "فالبعض بالروم سهلا"، والهاء في سكونه عائدة على "من" في قوله: "ومن لم يرم"، أو على الحرف الذي لا يرام؛ لأن سياق الكلام دال عليه ولا تعود على صاحب القراءة؛ لأنهما اثنان؛ حمزة وهشام إلا أن يريد حمزة وحده أو القارئ من حيث هو قارئ ويقطع النظر عن تعدده.
فإن قلت: لم لم تعد على ما في قوله: وما قبله التحريك والتقدير فالبعض سهله بالروم ومن لم يرمه واعتد محضا سكونه فقد شذ، ويكون هذا البيت من تبع البيت الذي قبله لا من أتباع قوله: "وأشمم ورم"؛ أي ومن لم يرم في هذا المتحرك الطرف الذي قبله متحرك أو ألف ولم ير الوقوف عليه إلا بالسكون فقد شذ؟
قلت: يمنع من ذلك أنه قد منع الروم والإشمام في موضع يبدل فيه الهمز حرف مد، والموضع الذي يبدل فيه الهمز حرف مد هو المحرك الطرف الذي قبله محرك أو ألف، فإذا كان هذا مختارا فيه ترك الروم كيف يعود يقول: ومن لم يرم فقد شذَّ؟ وإنما أشار بهذا إلى الموضع الذي نص على جواز رومه.
فإن قلت: إن كان هذا هو المراد فهلا قال: ومن لم يرم ولم يشم، ولم اقتصر على ذكر الروم دون الإشمام؟
قلت: يجوز أن يكون هذا الفريق الذي نفى الروم جوز الإشمام ولم ينفه؛ لأنه إشارة بالعضو لا نطق معه فهو أخف من الروم والباب باب تخفيف، فناسب ذلك ذلك، ويجوز أن يكون أيضا نفى الإشمام واقتصر الناظم على ذكر الروم اجتزاء به عن الإشمام؛ لأن الكلام فيه من القوة والوضوح ما يدل على ذلك فهو من باب قوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرّ}[1]، ولم يقل تعالى: والبرد؛ لأنه معلوم والله أعلم.
على أن من الناس من جعل هذا البيت متعلقا بما قبله، وقال: من الناس من أنكر الروم في هذا النوع فتعذر التسهيل وأخذ في ذلك بالبدل لا غير فهذا قد أتى بقول شاذ: لكونه أنكر هذا الوجه وهو مروي عن حمزة قال: ومنهم من أجرى التسهيل بالروم بالمفتوح أيضا وهذا أتى أيضا بقول شاذ مخالف لما عليه اختيار القراء فأشار الناظم في هذا البيت إلى إبطال هذين القولين: أي ومن لم يأخذ بالتسهيل في ذلك وأخذ به في الحركات كلها فقد شذ، وإنما ينبغي الأخذ به في المضموم والمكسور؛ لأنهما محل الروم عند القراء.
[1]سورة النحل، آية: 81.


صفحه 183

باب: الإظهار والإدغام
مدخل
...
باب: الإظهار والإدغام
هذه عبارة مكي وغيره في هذا الباب، وزاد صاحب التيسير للحروف السواكن، وهذه زيادة حسنة فيها تمييز هذا الباب من الإدغام الكبير، فإنه إدغام للحروف المتحركة، ومن المصنفين من يسمى هذا: الإدغام الصغير لذلك، ولأنه يختص ببعض الحروف بخلاف الكبير.
وضابط هذا الباب أنه إدغام حرف ساكن في مقاربة المتحرك، وهو ينقسم ثلاثة أقسام:
الأول: إدغام حرف من كلمة عند حروف متعددة من كلمات، وذلك حيث وقع، وهو المذكور في فصول: إذ، وقد تاء التأنيث، وبل، وهل.

وقوله: محضا؛ أي ليس فيه للتحريك شائبة ما؛ لأن الروم بخلاف ذلك، وهو منصوب على أنه مفعول ثانٍ لقوله: اعتد؛ لأنه بمعنى حسب وظن واعتقد ونحو ذلك ومفتوحا ثاني مفعولي ألحق على حذف حرف الجر والمفعول الأول محذوف أي ألحق مضموم هذا البيت ومكسوره بالمفتوح الذي أجمعوا على ترك رومه والإيغال: السير السريع والإمعان فيه.
254-
وَفِي الْهَمْزِ أَنْحَاءٌ وَعِنْدَ نُحَاتِهِ ... يُضِيءُ سَنَاهُ كُلَّمَا اسْوَدَّ أَلْيَلا
أي: وروي في تخفيف الهمز وجوه كثيرة وطرائق متعددة اشتمل عليها كتب القراءات الكبار والأنحاء المقاصد والطرائق واحدها نحو وهو القصد والطريقة، وقد ذكر الناظم -رحمه الله- تعالى من تلك الطرائق أشهرها وأقواها لغة ونقلا، وذكر شيئا من الأوجه الضعيفة ونبه على كثرة ذلك في كتب غيره والهاء في نحاته وسناه للهمز أي يضيء ضوءه عند النحاة؛ لمعرفتهم به وقيامهم بشرحه كلما اسود عند غيرهم؛ لأن الشيء الذي يجهل كالمظلم عند جاهله، والنحويون هم المتصدون لكشف ما أشكل من هذا ونحوه مما يتعلق باللسان العربي.
هذا إن كان "كلما" مفعولا؛ ليضيء وتكون ما نكرة موصوفة أي كل شيء أسود، ويجوز أن يكون ظرفا لازما؛ لأن "ما" يجوز أن تكون ظرفية، ولفظ كل إذا أضيف إلى الظرف صار ظرفا كقوله تعالى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}[1].
فمعناه على هذا كلما اسود الهمز عند غير النحاة أضاء عندهم سناه أي كثر ضوؤه فيكون يضيء بلا مفعول؛ لأن أضاء يستعمل لازما ومتعديا؛ قال الله تعالى: {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ}[2]، وقال: {فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَه} ، فعبر الناظم بالإضاءة عن وضوحه عند العلماء به، وبالسواد عن إشكاله عند الجاهلين له، وأليلا حال أي مشبها ليلا أليل في شدة سواده، يقال ليل أليل ولائل أي شديد الظلمة كقولهم: شعر شاعر للتأكيد والمبالغة والله تعالى أعلم.
[1]سورة الرحمن، آية: 29.
[2]سورة البقرة، آية: 20.


صفحه 184

الثاني: إدغام حرف في حرف من كلمة أو كلمتين، أو حيث وقع، وهو الذي عبر عنه بحروف قربت مخارجها، ويتعلق به بحث سنذكره في أول بابه إن شاء الله تعالى.
الثالث: الكلام في أحكام النون الساكنة والتنوين على الخصوص، لأنه يتعلق به أحكام أخر غير الإدغام والإظهار من الإخفاء والقلب، كما سيأتي والله أعلم.
255-
سأَذْكُرُ أَلْفَاظًا تَلِيهَا حُرُوفُهَا ... بالإظْهَارِ وَالإدْغَامِ تُرْوىَ وَتُجْتَلا
أراد بالألفاظ كلمات تدغم أواخرها السواكن وهي لفظ "إذ" و"قد" و"بل" و"هل" ونفس تاء التأنيث، وقوله تليها حروفها أي يتبع كل لفظ منها ذكر الحروف التي تدغم أواخر هذه الألفاظ فيها وتظهر على اختلاف القراء في ذلك، وإنما يذكر تلك الحروف في أوائل كلمات على حد ما مضى في شفا لم تضق وللدال كلم ترب سهل ونحو ذلك، والله أعلم.
256-
فَدُونَكَ إِذْ فِي بَيْتهَا وَحُرُوفُهَا ... وَمَا بَعْدُ بالتَقْييدِ قُدْهُ مُذَلَّلاَ
إذ منصوب المحل على الإغراء كقوله ودونك الإدغام أي خذ من تلك الألفاظ كلمة إذ فهي السابقة في الذكر في بيتها أي تفرد لذكرها بيت مستقل تذكر فيه هي والحروف التي تدغم الذال منها فيها فقوله وروفها بالنصب عطف على إذ وما بعد معطوف أيضا أي وخذ ما أذكره بعد ذلك، وسنبينه في البيت الآتي، ويجوز أن يكون مبتدأ وما بعده خبره أي، وما يأتي بعد ذلك قده مذللا أي خذه سهلا بسبب التقييد الذي أبينه به أي لا أدع فيه إلباسا، وهو من قولهم: بعير مذلل إذا كان سهل القياد وهو الذي خزم أنفه ليطاوع قائده ثم بين ذلك فقال:
257-
سَأُسْمِي وَبَعْدَ الْوَاوِ تَسْمُو حُرُوفُ مَنْ ... تَسمَّى عَلَى سِيمَا تَرُوقُ مُقَبَّلا
يعني أسمي القراء إما بأسمائهم أو بالرمز الدال عليهم ثم آتي بواو فاصلة بعد الرمز وآتي بعد الواو الفاصلة بحروف من سميت من القراء يعني الذي يظهر ذلك القارئ ذال إذ عندها أو يدغم، وهذا في غير القراء الذين اطرد أصلهم في إظهار واحدة من الألفاظ المذكورة عند جميع حروفها وإدغامها فإنه يقول في هذا أظهرها فلان وأدغمها فلان، ثم يذكر من انقسم مذهبه إلى إظهار وإدغام فيقول وأظهر فلان كذا وأدغم فلان كذا.
وحكمة الواو الفاصلة أن لا تختلط الحروف الدالة على القراء بالحروف المدغم فيها ولهذا إذا صرح باسم القارئ لا يأتي بالواو كقوله وأدغم ورش ضر -ظمآن- وأدغم ورش ظافرا وإن رمز أتى بالواو كقوله: وأظهر -ريا- قوله واصف جلا فالواو في واصف فاصلة بين رمز القراء والحرف المدغم فيه ولولا الواو لم تعرف كلمة رمز القراء من كلمة رمز الحروف ومثله وأدغم مرو واكف ضير وأدغم كهف وافر سيب لولا الواو لكانت الضاد من ضير والسين من سيب محتملة أن تكون رمز القارئ ورمز الحرف المدغم فيه، وإذا صرح بالاسم لم يكن إلباس لأنه قد تمهد من معرفة اصطلاحه أنه لا يجمع بين رمز ومصرح باسمه والسمو الارتفاع والعلو كنى به عن ذكر الحروف على وجه ظاهر لا إلباس فيه بسبب أنه قد فصل بالواو بينها وبين رمز القارئ.


صفحه 185

والسيما: العلامة، وراق الشيء: صفا؛ أي أذكر ذلك على طريقة واضحة مستحسنة، والمقبل: التقبيل أو نفس الثغر وهو منصوب على التمييز أو عبر به عن نفس الفم؛ لأن الفم منه يخرج الكلام فأشار إلى ما يحصل بالإثبات من العلم، كأنها خاطبتك به فيحصل منها ما يشفيك ويروقك أي يقوم بما تريده منها، وكل هذه الألفاظ استعارات حسنة المعنى متجانسة الألفاظ نبه بها على حسن ذكره لاختلاف القراء في هذا الباب؛ لأنه احتاج فيه إلى زيادة لم يكن محتاجها في غيره، ثم ذكر أن هذا الصنيع يصنعه أيضا في غيرِ إذ، من باقي الألفاظ، فقال:
258-
وَفِي دَالِ قَدْ أَيْضًا وَتَاءٍ مُؤَنَثِ ... وَفِي هَلْ وَبَلْ فَاحْتَلْ بِذِهْنِكَ أَحْيَلا
أي أذكر ذلك أيضا في باقي الألفاظ، وقوله: احتل من الحوالة أو من الحيلة وأحيلا من الحيلة يقال: هو أحيل منك وأحول منك أي أكبر حيلة، وهو منصوب على الحال، والذهن الفطنة والحفظ أي احتل بذهنك على ما وعدتك به أو احتل في استخراجه.
وهذه الأبيات الأربعة غير وافية بالتعريف بما صنعه في هذه الأبواب على ما ستراه، وتهيأ لي مكانها أربعة أبيات لعلها تفي بأكثر الغرض فقلت:
سأذكر ألفاظا أخيرا حروفها أي الحرف الأخير من كل لفظ منها هو الذي يروى بالإظهار والإدغام فهو أولى من نسبة ذلك إلى اللفظ بكماله ثم ذكرت الألفاظ، فقلت:
فدونك إذ قد بل وهل تا مؤنث ... لدي أحرف من قبل واو تحصلا
أي أذكر كل واحد منها وحروفها التي عندها يختلف في إظهارها وإدغامها فإذا تمت الحروف جاءت كلمة أولها واو دليلا على انفصالها.
وقراءها المستوعبين وبعدهم ... أُسَمِّي الذي في أحرف اللفظ فصلا
أي: ودونك القراء الذين استوعبوا الإظهار عند الحروف والإدغام، أي أول ما أبدأ أن أقول: أظهر هذا الحرف عند جميع الحروف أو أدغم فلان وفلان، وبعد ذلك أذكر من فصل فأدغم في بعض وأظهر في بعض فإذا فرغ ذكر من فصل علمت أن باقي القراء استوعبوا الإدغام في الجميع إن كان الأولون أظهروا والإظهار إن كان المستوعبون الأولون أدغموا، ثم ذكرت كيفية نظمه لمن استوعب أو فصل من القراء فقلت:
ويرمز مع واو وبعد حروفهأوائل كلم بعدها الواو فيصلا ...
أي بعد الفراغ من الرمز للقراء تأتي الواو الفاصلة فهي بعد المستوعبين فاصلة بين المسائل على ما جرت به العادة في سائل المسائل ففصل بها هنا بين المستوعبين والمفصلين كقوله فإظهارها أجرى دوام نسيمها وأظهر قالوا: وفي أظهر مثال ما ذكرناه والواو الآتية بعد رمز المفصلين فاصلة بين القراء وحروفهم التي أدغموا عندها أو أظهروا فإذا تمت حروف ذلك الرمز جاءت واو أخرى فاصلة بين المسائل وهي التي تجري في سائر المواضع.
فحاصل الأمر أنه احتاج في هذا الباب إذا ذكر القارئ المفصل بالرمز إلى واوين فاصلتين.


صفحه 186

الأولى: بين القارئ والحروف والثانية بين المسائل، وتأتي أمثلة ذلك في استعماله وقوله: أوائل كلم بيان لكيفية ذكر الحروف ثم ذكر ذال إذ فقال:

"ذكر ذال إذ":
259- نعم "إ"ذ "تـ"مشت "ز"ينب "صـ"ـال "د"لُّهَا
"سـ"مِيَّ "جـ"مال واصلا من توصلا
كأنه قدر أن مستدعيا طلب منه الوفاء بما وعد في قوله سأذكر فقال مجيبا نعم وهو على عادته في تضمين الكلمات المأخوذ حروف أوائلها إما تغزل كما تقدم في شفا لم تضق وإما بثناء على صالح كقوله: ترب سهل وحيث تغزل عني واحدة من نساء أهل الجنة على ما هو لائق بحاله رضي الله عنه.
وصال بمعنى استطال ووثب والدل الدلال وسمي جمال وإصلاحا؛ لأن من الدل والسمي الرفيع ومعنى واصلا من توصلا أي يصل من توصلا إليه أي الحروف التي تدغم فيها ذال إذ هي هذه الستة من التاء إلى الجيم وواو واصلا فاصلة وأمثلة ذلك: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ}[1]، {وَإِذْ زَيَّنَ}[2]، {وَإِذْ صَرَفْنَا}[3]، {إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ}[4]، {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ}[5]، {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُم}[6].
ثم ذكر من أظهرها في الكل فقال:
260-
فإِظْهَارُهَا "أ"جْرى "د"وَامَ "نـ"سيمِهَا ... وَأَظْهَرَ "ر"يا "قـ"وْلِهِ وَاصِفٌ جَلاَ
أي أظهر ذال إذ عند جميع حروفها الستة نافع وابن كثير وعاصم وتابعهم الكسائي وخلاد عند الجيم فقط وأدغما عند البواقي والإظهار في جميع هذه الأبواب هو الأصل ووجه الإدغام التخفيف؛ لقرب المخارج ومن فرق جمع بين اللغتين وقيل: ليست الجيم كالبواقي في القرب من الذال، والواو في "وأظهر" وفي "واصف" للفصل.
والنسيم الريح الطيبة والريا بالقصر: الرائحة الطيبة والهاء في قوله: لواصف، وريا مفعول أظهر أي أظهر واصفها طيب رائحة قوله أي لما وصفها واصف وجلا وصفها أي كشفه.
أظهر بقوه: ثناء عطرًا وما أظهرته من الجمال والزينة أجرى دوام نسيمها ثم ذكر باقي المفصلين الذين أدغموا في بعض وأظهروا في بعض فقال:
261-
وَأَدْغَمَ "ضَـ"ـنْكاً وَاصِلٌ تُومَ "دُ"رّه ... وَأَدْغَمْ "مُـ"ـوْلَى وُجْدُهُ "د"ائمٌ وَلا
أي أدغم خلف عند التاء والدال وأظهر عند الأربعة الباقية، وأدغم ابن ذكوان عند الدال وحدها وأظهر عند الخمسة الباقية، وباقي القراء وهم: أبو عمرو وهشام فقط على الإدغام عند الستة، والواو في وأدغم في الموضعين وفي ولا للفصل بين المسائل والواو في واصل وفي وجده للفصل بين الرمز والحرف،
[1]سورة البقرة، آية: 66.
[2]سورة الأنفال، آية: 48.
[3]سورة الأحقاف، آية: 29.
[4]سورة الحجر، آية: 52.
[5]سورة النور، الآية: 12.
[6]سورة الأحزاب، آية: 10.


صفحه 187

"ذكر دال قد":
262-
وَقَدْ "سَـ"ـحَبَتْ "ذ"يْلاً "ضَـ"ـفَا "ظ"ـلَّ "زَ"رْنَبٌ ... "جـ"ـلَتْهُ "صـ"ـبَاهُ "شـ"ـاَئِقاً وَمُعَلِّلا
أي والحروف التي تدغم فيها دال "قد"، وتظهر في هذه الثمانية من السين إلى الشين أمثلتها: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ}[1]، {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا}[2]، {قَدْ ضَلُّوا}[3]، {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}[4]، {وَلَقَدْ زَيَّنَّا}[5]، {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ}[6]، {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا}[7]، {قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا}[8].
والواو في "ومعللا" فاصلة، والضمير في "سحبت" لزينب المقدم ذكرها، وضفا طال، والزرنب ضرب من النبات طيب الرائحة، جلته صباه أي كشفته ريحه، وشائقا خبر ظل أي يشوق من وجد ريحه ومعللا عطف عليه أي مرويا لظمائه إليه مرة بعد مرة أو ملهيا له عن كل شيء، يقال: علله بالشيء أي ألهاه به والهاء في جلته لزرنب وفي صباه للذيل يعني أن طيب ريح ذيلها كشف عن طيب الزرنب، وأبان محله كأنه إذا شم الزرنب تذكر به ريح ذيلها فيظل الزرنب شائقا ومعللا.
وللشعراء في هذا المعنى وما يقاربه نظوم كثيرة والله أعلم:
263-
فَأَظْهَرَهَا "نَـ"ـجَمٌ "بـ"ـدَا "دَ"ـلَّ وَاضِحاً ... وَأَدْغَمَ وَرْشٌ "ضَـ"ـرَّ "ظ"ـمْآنَ وَامْتَلا
أي فأظهر دال "قد" عند جميع حروفها عاصم وقالون وابن كثير وأدغمها ورش عند الضاد والظاء فقط وأظهرها عند باقي الحروف فهو في هذا الباب والذي بعده مفصل وكان من المستوعبين الإظهار في ذال إذ، والواو في واضحا وامتلأ للفصل، وقد تكررت في الموضعين بواو وأدغم بعدهما، والنجم يكنى به عن العالم.
264-
وَأدْغَمَ "مُـ"ـرْوٍ وَاكِفٌ "ضـ"يْرَ "ذ"ابِلٍ ... "ز"وى "ظ"ـلَّهُ وَغْرٌ تَسَدَّاهُ كَلْكلا
أي وفصل ابن ذكوان أيضا فأدغم عند الضاد والذال والزاي والظاء وأظهر عند الأربعة الباقية.
والواو في "واكف" وفي "وغر" فاصلة، ومُرْو واسم فاعل من أروى يروي، ويقال: وكف البيت
[1]سورة المجادلة، آية: 1.
[2]سورة الأعراف، آية: 179.
[3]سورة الأنعام، آية: 140.
[4]سورة البقرة، آية: 231.
[5]سورة الملك، آية: 5.
[6]سورة النحل، آية: 113.
[7]سورة الكهف، آية: 54.
[8]سورة يوسف، آية: 30.
والضنك: الضيق، والتوم جمع تومة وهي: الحبة تعمل من الفضة كالدر أي أدغم الضيق رجل وصل توم دره، والمولى هنا هو الولي المحب والوجد بضم الواو الغني ومولى فاعل أدغم.
وقوله: وجده دائم: جملة ابتدائية في موضع الصفة لمولى أي غناه بها دائم ستر أمره وكتم ضره والولا بالكسر المتابعة ويكون صفة لمولى أيضا على تقدير ذو ولا، أو يكون محله نصبا على التمييز أي متابعة دائمة ولو كان ولا بالفتح بمعنى الموالاة لكان حسنا وكان مفعول أدغم الثاني أي أدغم المولى ولاه ومحبته ويكون موافقا لأدغم الأول فإن ضنكا مفعوله والله أعلم.