يوجبوه، وما ذكرناه من أن حرف المد لا يدغم قد ادعى فيه أبو علي الأهوازي الإجماع، فقال في كتابه الكبير المسمى بالإيضاح: المثلان إذا اجتمعا وكانا واوين قبل الأولى منهما ضمة أو ياءين قبل الأولى منهما كسرة فإنهم أجمعوا على أنهما يمدان قليلا ويظهران بلا تشديد ولا إفراط في التليين؛ بل بالتجويد والتبيين مثل: {آمَنُوا وَكَانُوا}[1]، في يوسف: {فِي يَتَامَى النِّسَاءِ}[2].
قال: وعلى هذا وجدت أئمة القراءة في كل الأمصار، ولا يجوز غير ذلك فمن خالف هذا فقد غلط في الرواية وأخطأ في الدراية.
قال: فأما الواو إذا انفتح ما قبلها وأتى بعدها واو من كلمة أخرى فإن إدغامها حينئذ إجماع مثل: {عَفَوْا وَقَالُوا} ، {عَصَوْا وَكَانُوا} ، {آَوَوْا وَنَصَرُوا} ، {اتَّقَوْا وَآَمَنُوا} ... ونحو ذلك وذكر أن بعض شيوخه خالف في هذا والله سبحانه أعلم.
[1]سورة يوسف، آية: 57.
[2]سورة النساء، آية: 127.
باب: حروف قربت مخارجها
هذه العبارة من الناظم، وسبقه إليها غيره، وإنما ذكر صاحب التيسير ما في هذا الباب في فصل وكذا الباب الذي بعده في فصل آخر، وفي هذه العبارة بحث، وذلك أن جميع ما سبق هو إدغام حروف قربت محارجها، فما وجه اختصاص ما في هذا الباب بهذه العبارة؟، ولو كان زادها لفظ "أخر" فقال: "باب حروف أخر قربت مخارجها" لكان حسنا، ووجه ما ذكره أن الذي سبق هو كما نبهنا عليه في أول الباب: إدغام حرف عند حروف متعددة من كلمات، والذي في هذا الباب هو إدغام حرف في حرف، كالباء في الفاء، وعكسه في عكسه، واللام في الذال؛ والذال في التاء، والراء في اللام، والباء في الميم، أو في حرفين كالثاء في التاء، والذال نحو: "أورثتموها"، "لبثتم"، "يلهث ذلك".
والدال في الثاء والذال، نحو: "يرد ثواب"، "ص ذِكْر".
والنون في الواو والميم، نحو: "يس والقرآن"، "ن والقلم"، "طسم".
فكأنه نزل ما في هذا الباب منزلة فرش الحروف من أبواب الأصول، لقلة حروفه ودوره، أي باب حروف منشورة في مواضع مخصوصة، والله أعلم.
277-
وَإِدْغَامُ باءِ الجَزْمِ فِي الفَاءٍ "قَـ"ـدْ "ر"سَا ... "حَـ"ـمِيداً وَخَيِّرْ فِي يَتُبْ "قـ"ـاَصِداً وَلا
أضاف الباء إلى الجزم الداخل عليها أراد الباء المجزومة وهي في خمسة مواضع أما ثلاثة منها فالباء فيها مجزومة بلا خلاف عند النحويين: {أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ}[1]، {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ}[2]، {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ}[3].
والموضعان الآخران الباء فيهما مجزومة عند الكوفيين دون البصريين، وهما: {قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ} ، {اذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ} .
فلأجل الاختصار سمي الكل جزما، واختار قول الكوفيين والبصريون يسمون نحو هذا وقفا فلو عبر عن الكل بالوقف لكان خطأ؛ لأن أحدا لم يقل في الثلاثة الأول إنها موقوفة والاختصار منعه أن ينص على كل ضرب باسمه وصفته أي ادغم الباء الموصوفة في الفاء خلاد والكسائي وأبو عمرو ولخلاد خلاف في قوله تعالى في الحجرات: {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ} .
وعبر عن الخلاف بلفظ التخيير؛ إذ لا مزية لأحد الوجهين على الآخر فأنت فيها مخير؛ لأن الكل صحيح ومثله ما تقدم في سورة الفاتحة وقالون بتخييره جلا، وهذه عبارة صاحب التيسير هنا، فإنه قال: وخير خلاد في: {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ} .
وأظهر ذلك الباقون وأثنى على الإدغام بأنه قد رسا حميدا أي ثبت محمودا خلافا لمن ضعفه هنا وقاصدا حال والولاء بالفتح النصر أي قاصدا بالتخيير نصر الوجهين المخير فيهما.
فإن قلت: لم قال وإدغام باء الجزم.
قلت: لأن الباء غير مجزومة لم تدغم إلا في رواية شاذة عن أبي عمرو في الإدغام الكبير؛ لأنه إدغام متحرك لا ريب فيه: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا} ، {مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ} .
278-
وَمَعْ جَزْمِهِ يَفْعَلْ بِذلِكَ "سَـ"ـلَّمُوا ... وَنَخْسِفْ بِهِمْ "رَ"اعَوْا وَشَذَّا تَثَقُّلا
الهاء في جزمه ليفعل؛ لأنه مؤخر في المعنى نحو: في بيته يؤتي الحكم، أي وإدغام لفظ يفعل مع جزمه أي حال كونه مجزوما وحرف العطف كما يجوز دخوله على الجملة يدخل أيضا على ما يتعلق بها نحو قوله تعالى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ}[4]؛ أي: وترى يوم، ومعناه أدغم أبو الحارث عن الكسائي اللام المجزومة من يفعل ذال "ذلك" وهو:
[1]سورة النساء: آية: 74.
[2]سورة، الرعد آية: 5.
[3]سورة الحجرات، آية: 11.
[4]سورة الزمر، آية: 60.
"ومن يفعل ذلك".
في ستة مواضع في القرآن في البقرة وآل عمران وفي النساء موضعان وفي سورة المنافقين والفرقان فإن لم يكن يفعل مجزوما لم يدغم نحو: {فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ}[1].
وقوله: سلموا أي سلموه من الطعن بما احتجوا له به: "ويخسف بهم" في سورة سبأ راعوا إدغامه أي راقبوه فقرءوا به ولم يلتفتوا إلى من رده أي أدغم الفاء المجزومة في الباء الكسائي وحده فإن تحركت لم تدغم نحو: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقّ}[2].
والألف في قوله: وشذا ضمير يفعل ويخسف: أي شذ إدغام هذين الحرفين عند أهل النحو فهم يضعفونه وتثقلا أي إدغاما وهو تمييز: أي وشذ إدغامهما أو حال على تقدير ذوي تثقل:
279-
وَعُذْتُ عَلَى إِدْغَامِهِ وَنَبَذْتُهَا ... شَوَاهِدُ "حَـ"ـمَّادٍ وَأَورِثْتُوُا "حَـ"ـلا
280-
"لَـ"ـهُ "شَـ"ـرْعُهُ وَالرَّاءُ جَزْماً يِلاَمِهَا ... كَـ: وَاصِبرْ لِحُكْمِ "طـ"ـالَ بُالْخُلْفُ "يَـ"ـذْبُلا
أي أدغم حمزة والكسائي وأبو عمرو الذال في التاء في كلمتين وهما: {وَإِنِّي عُذْتُ}[3]في غافر الذنب والدخان وفي طه: {فَنَبَذْتُهَا}[4].
وأدغم الثاء في التاء في: {أُورِثْتُمُوهَا}[5]في الأعراف والزخرف هؤلاء مع هشام ونبذتها عطف على الهاء في إدغامه أي على إدغام "عذت" وإدغام "نبذتها" شواهد حماد أو التقدير: ونبذتها كذلك، والضمير في "له" لحماد؛ أي شواهد قارئ كثير الحمد وشواهد حماد وحلا له شرعه كلام حسن ظاهرا وباطنا ومعنى شرعه طريقه، والراء جزما أي مجزومة أي ذات جزم ونصبه على الحال أي أدغمت في حال جزمها بلامها أي في اللام
المعهود إدغامها فيها كما سبق في الإدغام الكبير نحو: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ}[6]، {أَنِ اشْكُرْ لِي}[7]، {يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ}[8].
[1]سورة البقرة، آية: 85.
[2]سورة الأنبياء، آية: 18.
[3]سورة، آية: 27.
[4]سورة غافر، آية: 96.
[5]سورة الأعراف، آية: 43.
[6]سورة الطور، آية: 48.
[7]سورة لقمان، آية: 14.
[8]سورة نوح، آية: 4.
أدغمها السوسي؛؛ لأنه يدغمها متحركة فساكنة أولى وعن الدوري خلاف؛ لأن الساكن يدغم منه ما لا يدغم من المحرك على ما سبق في الياء واللام والفاء ولم يذكر صاحب التيسير هذا التفصيل بل ذكر الإدغام عن أبي عمرو نفسه وقال بخلاف بين أهل العراق في ذلك ويذبل اسم جبل أي طال الإدغام في شهرته عن أبي عمرو يذبل أي علاء خلافا لما قاله النحاة.
وإلى هنا تم كلام الناظم في الإدغام فيأخذ للباقين الإظهار في جميع ذلك، ثم عبر في المواضع الباقية من هذا الباب بالإظهار فيأخذ للمسكوت عنه الإدغام فقال:
281-
وَيس اظْهِرْ "عَـ"ـنْ "فَـ"ـتى "حَـ"ـقُهُ "بَـ"ـدَا ... وَنُون وَفيهِ الْخِلْفُ عَنْ وَرْشِهمْ خَلا
حرك النون من هيجاء ياسين و"ن" بالفتح، وحقها أن ينطق بها ساكنة على الحكاية، وإنما فعل ذلك لضرورة الشعر إذا الساكنان لا يلتقيان في حشو النظم وكذا نون من: "طس".
كما يأتي ودال صاد مريم واختار حركة الفتح على حد قوله في أول آل عمران:
"ألم الله".
فإنه لما وجب تحريك الميم للساكن بعدها فتحت فكذا في هذه المواضع ولا يجوز أن يكون إعرابها ففتحها؛ لأنه مفعول به كما تعرب المبنيات من الحروف عند قصد الألفاظ كما يأتي في شرح قوله وكم لو وليت؛ لأنه لو قصد ذلك لنون؛ إذ لا مانع من الصرف على هذا التقدير؛ لأنه لم يرد اسم السورة وإنما أراد هذا اللفظ والوزن مستقيم له في "يس"، و"ن" فيقول: وياسينا أظهر بنقل حركة همزة أظهر إلى التنوين، ثم يقول: ونونا ثم هو على حذف مضاف أي ونون ياسين أظهر، وكذا نون "نون"، ودال "صاد"، ونون "طس"، وكان ينبغي أن يذكر النون من هذه الحروف في باب أحكام النون الساكنة والتنوين؛ لأنه منه وفرع من فروعه؛ وإنما ذكره هنا لأجل صاد مريم؛ لئلا يتفرق عليه ذكر هذه الحروف، ولم يذكرها صاحب التيسير إلا في مواضعها من السور أي أظهر النون من: "يس" و"ن" حفص وحمزة وابن كثير وأبو عمرو وقالون، وأدغم الباقون، وعن ورش وجهان في نون: {نْ وَالْقَلَمِ} خاصة.
ومعنى خلا: مضى أي بق ذكر المتقدمين له ووجه الإدغام في ذلك ظاهر قياسا على كل نون ساكنة قبل واو على ما يأتي في الباب الآتي ووجه الإظهار: أن حروف الهجاء في فواتح السور وغيرها حقها أن يوقف عليها مبينا لفظها؛ لأنها ألفاظ مقطعة غير منتظمة ولا مركبة، ولذلك بنيت ولم تعرب:
282-
وَ"حِرْمِيُّ" "نَـ"ـصْرِ صَادَ مَرْيَمَ مَنْ يُرِدْ ... ثَوَابَ لَبِثْتَ الفَرْدَ وَالجَمْعُ وَصَّلا
أي أظهر نافع وابن كثير وعاصم جميع ما في هذا البيت وهو ثلاثة أحرف: الدال من هجاء صاد في:
{كهيعص، ذِكْرُ} ، ولا خلاف في إظهارها من: {وَالْقُرْآنِ}[1]؛ فلهذا ميزها منها بقوله: صاد مريم وأظهروا الدال عند الثاء المثلثة من قوله: {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ}[2]؛ حيث وقع وأظهروا الثاء عند التاء من "لبثت" كيفما وقع فردا وجمعا فالفرد "لبثت" بضم التاء وفتحها نحو: {قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ}[3]، والجمع نحو قال: {إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا}[4]دون قوله: {لَبِثْنَا يَوْمًا}[5].
فهو وإن كان جمعا إلا أنه ليس فيه تاء والمدغم إنما هو الثاء عند التاء لأن المثال الذي ذكره كذلك وهو لبثت ثم قال الفرد والجمع يعني من هذا اللفظ دون غيره وقوله صاد مريم مفعول وصل في آخر البيت وكذا ما بعده ولهذا نصب نعت لبثت، وهو الفرد والجمع أي وصل هذا المجموع، ويجوز أن يكون ذلك مفعول فعل مضمر أي أظهر صاد مريم وما بعده؛ لأن الكلام في الإظهار ويقع في بعض النسخ للفرد والجمع بالضم.
قال الشيخ رحمه الله: هو مثل: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ}[6]في قراءة ابن عامر، ولا حاجة إلى العدول عن النصب عطفا على صاد مريم؛ لأن حكم الكل واحد فلا معنى لقطع بعضه عن بعض والله أعلم.
ثم قال: وصل أي وصل هذه الجملة إلينا بالإظهار والضمير في وصل عائد على لفظة حرمي نصر؛ لأنه مفرد دال على مثنى كما سبق تقريره في الرموز فهو كقوله في موضع آخر حرميه كلا ولا تكون الألف في وصلا ضمير تثنية؛ لأن القارئ ثلاثة لا إثنان فلم يبق إلا أن تكون الألف للإطلاق:
283-
وَطس عِنْدَ المِيم "فَـ"ـازَا اتَخَذْتُمْ ... أَخَذْتُمْ وَفِي الإِفْرَادِ "عَـ"ـاشَرَ "دَ"غْفَلا
أي ونون "طس" فاز بالإظهار عند الميم يعني "طسم" في أول الشعراء، والقصص احترازا من الذي في أول النمل فإن نونه مظهرة بلا خلاف والفاء رمز حمزة وأظهر حفص وابن كثير الذال من نحو:
[1]سورة ص، آية: 1.
[2]سورة آل عمران، آية: 145.
[3]سورة البقرة، آية: 259.
[4]سورة المؤمنون، آية: 114.
[5]سورة المؤمنون، آية: 113.
[6]سورة النساء، آية: 95، وسورة الحديد، آية: 10.
{اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ}[1]، {وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي}[2].
فهذا ضمير الجمع ثم قال: وفي الإفراد يعني نحو: {فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}[3]، {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي}[4]، {لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا}[5]، {ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ}[6].
وتقدير الكلام: إظهار اتخذتم في الجميع وفي الإفراد عاشر دغفلا، ويقال عيش دغفل أي واسع وعام دغفل أي مخصب يشير إلى ظهور الإظهار وسعة الاحتجاج له، ولا مانع من توهم أن إظهار اتخذتم وأخذتم لفاز ثم قال وفي الإفراد حفص وابن كثير والواو فصل.
284-
وَفِي ارْكَب "هُـ"ـدى "بَـ"ـرٍ "قَـ"ـرِيبٍ بِخُلْفِهِمْ ... "كَـ"ـمَا "ضـ"ـاَعَ "جـ"ـاَ يَلْهَثْ "لَـ"ـهُ "دَ"ارِ "جُـ"ـهَّلا
أي والإظهار في اركب هدى قارئ ذي بر متواضع يعني قوله تعالى في سورة هود: {ارْكَبْ مَعَنَا} ، أظهر الباء البزي وقالون وخلاد بخلف عنهم، وأظهرها ابن عامر وخلف وورش بلا خلاف وأظهر الثاء من: {يَلْهَثْ ذَلِكَ}[7]هشام وابن كثير وورش ويلهث موضعان في الأعراف الخلاف في الثاني منهما والأول لا خلاف في إظهار ثائه فكان ينبغي أن يقيده كما قيد صاد مريم.
فإن قلت: الثاء لا تدغم في الهمزة فهلا اغتفر أمرها؟ قلت: والدال لا تدغم في الواو فهلا اغتفر أمرها والبر بفتح الباء ذو البر وضاع أي انتشر واشتهر من ضاع الطيب إذا فاحت رائحته، ودار فعل أمر من دارى يداري وجهلا جمع جاهل وما أطبع اقتران هذه الكلمة في الظاهر كما ضاع جا يلهث:
285-
وَقَالُونُ ذُو خُلْفٍ وَفِي الْبَقَرَهْ فَقُلْ ... يُعَذِّبْ "دَ"نَا بالْخُلْفِ "جَـ"ـوْدًا وَمُوبِلا
قد تقدم في شرح الخطبة أنه إنما سمى قالون هنا بعد الرمز؛ لأنه يذكر الخلف له كأنه مستأنف مسألة أخرى كقوله: وبصروهم أدري، ولهذا قال: ذو خلف بالرفع؛ لأنه خبر وقالون الذي هو مبتدأ، ولو عطف قالون على ما قبله لقال: ذا خلف نصبا على الحال يعني لقالون خلاف في الثاء من يلهث، وأما: {يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ}[8].
في آخر البقرة فابن عامر وعاصم يضمان الباء كما سيأتي في موضعه والباقون من القراء يسكنونها ثم
[1]سورة الجاثية، آية: 35.
[2]سورة آل عمران، آية: 81.
[3]سورة المؤمنون، آية: 5.
[4]سورة الشعراء، آية: 186.
[5]سورة الكهف، آية: 77.
[6]سورة الحج، آية: 18.
[7]سورة الأعراف، آية: 176.
[8]الآية: 281.
ثم انقسموا فمنهم من أظهرها وهو ورش، وعن ابن كثير خلاف، وأدغم الباقون، وأسكن الناظم الهاء من البقرة ضرورة، وكذا ما يأتي مثله وهو جائز للشاعر في الضرورة، قال الراجز:
لما رأى أن لا دعه ولا شبع
والجود المطر الغزير ونصبه على الحال أي ذا جود وموبلا عطف عليه وهو اسم فاعل من أوبلا وقد استعمل فعله في سورة الأنعام فقال:
حمى صوبه بالخلف در وأوبلا
والمعروف: وبلت السماء فهي وابلة والوابل المطر الغزير، فيجوز أن يكون أوبلا مثل أغدوا جرب أي صار ذا وبل، وقيل: الموبل: الذي أتى بالوبل وهو المطر والله أعلم.
باب: أحكام النون الساكنة والتنوين
التنوين: نون ساكنة أيضًا. وإنما جمع بينهما في الذكر؛ لأن التنوين اسمٌ لنون ساكنة مخصوصة، وهي التي تلحق الكلمة بعد كمال لفظها؛ لا للتأكيد، ولا ثبات لها في الوقف، ولا في الخط.
وأحكامها أربعة، وهي: الإظهار، والإدغام، والقلب، والإخفاء.
ثم الإدغام يكون بغنة في موضع؛ وبعدمها في موضع. ومختلف فيها في موضع، وسيأتي جميع ذلك.
ولأجل هذه الأحكام الزائدة على ما مضى أفرد لهما بابا، والله أعلم.
286-
وَكُلُّهُمُ التَّنْوينَ وَالنُّونَ ادْغَمُوا ... بِلاَ غُنَّةٍ فِي الّلاَمِ وَالرَّا لِيَجْمُلا
أي: كل القراء أدغموهما في اللام والراء للقلب، وأسقطوا غنة التنوين والنون منهما؛ لتنزلهما من اللام والراء منزلة المثل؛ لشدة القرب، والضمير في ليجملا للام والراء أو التنوين والنون، ولم يقيد النون في نظمه بالسكون؛ اجتزاء بذكر ذلك في ترجمة الباب ولو قال وقد أدغموا التنوين والنون ساكنا لحصل التقييد ولم يضر إسقاط لفظ كل؛ لأن الضمير في أدغموا يغني عنه.
287-
وَكُلٌّ بِـ: يَنْمُو أَدْغَمُوا مَعَ غُنَّةٍ ... وَفِي الوَاوِ وَاليَا دُونَهَا خَلَفٌ تَلا
جرت عادة المصنفين أن يقولوا النون الساكنة تدغم في حروف كلمة يرملون فلما قدم الناظم في البيت السابق ذكر اللام والراء جمع الباقي من حروف يرملون في كلمة ينمو أي كل القراء أدغموا النون الساكنة والتنوين في حروف ينمو وهي أربعة: الياء والنون والميم والواو ولم يذهبوا غنتهما معها؛ لأن حروف ينمو ليست في القرب إليها كقرب اللام والراء.
قال الشيخ رحمه الله: اعلم أن حقيقة ذلك في الواو والياء إخفاء لا إدغام وإنما يقولون له إدغام مجازا، وهو في الحقيقة إخفاء على مذهب من يبين الغنة؛ لأن ظهور الغنة يمنع تمحض الإدغام؛ لأنه لا بد من تشديد يسير فيهما وهو قول الأكابر، قالوا: الإخفاء ما بقيت معه الغنة، وأما عند النون والميم فهو إدغام محض؛ لأن في كل واحد من المدغم والمدغم فيه غنة وإذا ذهبت إحداهما بالإدغام بقيت الأخرى وخلف أدغمهما عند الواو والياء بلا غنة كما يفعل عند اللام والراء فهو إدغام محض على قراءته، وقوله: دونها أي دون الغنة
وفي اللغة: حذف الغنة وإبقاؤها جائز عند الحروف الستة، ويستثنى مما نسبه في هذا البيت إلى الكل وإلى خلف ما سبق ذكره من نوني: "يس"، و"ن والقلم".
288-
وَعِنْدَهُمَا لِلكُلِ أَظْهِرْ بِكِلْمَةٍ ... مَخَافَةَ إِشْبَاهِ المُضَاعَفِ أَثْقَلا
أي وعند الواو والياء أظهر النون الساكنة إذا جاءت قبلهما في كلمة واحدة نحو صنوان وقنوان والدنيا وبنيانه؛ لأنك لو أدغمت لأشبه ما أصله التضعيف وهذا كاستثناء السوسي همزة:
{وَرِئْيًا}[1].
يبدلها خوفا من أن يشبه لفظه لفظ الري كما تقدم ولم تلتق النون الساكنة في كلمة بلام ولا راء ولا ميم في القرآن العزيز فلهذا لم يذكر من حروف يرملون غير الواو والياء وأما النون إذا لقيها فيجب الإدغام للمثلية وأما التنوين فلا مدخل له في وسط الكلمة ولا في أولها، وأثقلا حال من فاعل إشباه وهو الذي فيه الكلام وإشباه مصدر أشبه كإكرام مصدر أكرم وأضيف إلى المفعول وهو المضاعف أي مخافة إشباه هذا الذي ذكرناه وهو صنوان ونحوه في حال كونه ثقيلا أي مدغما المضاعف فالمضاعف هو المفعول أضيف إليه المصدر نحو عجبت من إكرام زيد أي من إكرام عمرو له، والمضاعف: هو الذي في جميع تصرفاته يكون أحد حروفه الأصول مكررا نحو حيان وحتان ورمان والله أعلم.
289-
وَعِنْدَ حُرُوفِ الْحَلْقِ لِلكُلِ أُظْهِرَا ... "أَ"لاَ "هـ"ـاَجَ "حُـ"ـكْمٌ "عَـ"ـمَّ "خـ"ـاَليهِ "غُـ"ـفَّلا
يعني أظهر التنوين والنون الساكنة لكل القراء إذا كان بعدهما أحد حروف الحلق؛ لبعدهما منها سواء كان ذلك في كلمة أو كلمتين ثم بين حروف الحلق بأوائل هذه الكلمات من ألا إلى آخر البيت وحروف الحلق سبعة ذكر منها ستة وبقي واحد وهو الألف وإنما لم يذكرها؛ لأنها لا تأتي أول كلمة ولا بعد ساكن أصلا؛ لأنها لا تكون إلا ساكنة فمثالهما عند الهمزة:
"كل آمن، وينأون، من أسلم".
ولا توجد نون ساكنة قبل همزة في القرآن في كلمة غير ينأون ومثالهما عند الهاء: "جرف هار، منها، من هاجر إليهم".
ومثالهما عند الحاء: "نار حامية"، "وانحر"، "من حاد الله"، و"عند العين" "حقيق على"، {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}[2]. "من عمل".
وعند الخاء، "يومئذ خاشعة"، و"المنخنقة" و"من خاف". و"إن خفتم" و"من خزي".
وعند الغين: "من ماء غير آسن"، "فسينغضون" "من غل".
وقوله: "خاليهِ" أي ماضيهِ، وغفلا جمع غافل، وكأنه أشار بهذا الكلام إلى الموت أو إلى البعث ومجازاة كل بعمله فهذا حكم عظيم عم الغافلين عنه كقوله:
[1]سورة مريم، آية: 74.
[2]سورة الفاتحة، آية: 6.