بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 199

{كهيعص، ذِكْرُ} ، ولا خلاف في إظهارها من: {وَالْقُرْآنِ}[1]؛ فلهذا ميزها منها بقوله: صاد مريم وأظهروا الدال عند الثاء المثلثة من قوله: {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ}[2]؛ حيث وقع وأظهروا الثاء عند التاء من "لبثت" كيفما وقع فردا وجمعا فالفرد "لبثت" بضم التاء وفتحها نحو: {قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ}[3]، والجمع نحو قال: {إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا}[4]دون قوله: {لَبِثْنَا يَوْمًا}[5].
فهو وإن كان جمعا إلا أنه ليس فيه تاء والمدغم إنما هو الثاء عند التاء لأن المثال الذي ذكره كذلك وهو لبثت ثم قال الفرد والجمع يعني من هذا اللفظ دون غيره وقوله صاد مريم مفعول وصل في آخر البيت وكذا ما بعده ولهذا نصب نعت لبثت، وهو الفرد والجمع أي وصل هذا المجموع، ويجوز أن يكون ذلك مفعول فعل مضمر أي أظهر صاد مريم وما بعده؛ لأن الكلام في الإظهار ويقع في بعض النسخ للفرد والجمع بالضم.
قال الشيخ رحمه الله: هو مثل: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ}[6]في قراءة ابن عامر، ولا حاجة إلى العدول عن النصب عطفا على صاد مريم؛ لأن حكم الكل واحد فلا معنى لقطع بعضه عن بعض والله أعلم.
ثم قال: وصل أي وصل هذه الجملة إلينا بالإظهار والضمير في وصل عائد على لفظة حرمي نصر؛ لأنه مفرد دال على مثنى كما سبق تقريره في الرموز فهو كقوله في موضع آخر حرميه كلا ولا تكون الألف في وصلا ضمير تثنية؛ لأن القارئ ثلاثة لا إثنان فلم يبق إلا أن تكون الألف للإطلاق:
283-
وَطس عِنْدَ المِيم "فَـ"ـازَا اتَخَذْتُمْ ... أَخَذْتُمْ وَفِي الإِفْرَادِ "عَـ"ـاشَرَ "دَ"غْفَلا
أي ونون "طس" فاز بالإظهار عند الميم يعني "طسم" في أول الشعراء، والقصص احترازا من الذي في أول النمل فإن نونه مظهرة بلا خلاف والفاء رمز حمزة وأظهر حفص وابن كثير الذال من نحو:
[1]سورة ص، آية: 1.
[2]سورة آل عمران، آية: 145.
[3]سورة البقرة، آية: 259.
[4]سورة المؤمنون، آية: 114.
[5]سورة المؤمنون، آية: 113.
[6]سورة النساء، آية: 95، وسورة الحديد، آية: 10.


صفحه 200

{اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ}[1]، {وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي}[2].
فهذا ضمير الجمع ثم قال: وفي الإفراد يعني نحو: {فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}[3]، {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي}[4]، {لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا}[5]، {ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ}[6].
وتقدير الكلام: إظهار اتخذتم في الجميع وفي الإفراد عاشر دغفلا، ويقال عيش دغفل أي واسع وعام دغفل أي مخصب يشير إلى ظهور الإظهار وسعة الاحتجاج له، ولا مانع من توهم أن إظهار اتخذتم وأخذتم لفاز ثم قال وفي الإفراد حفص وابن كثير والواو فصل.
284-
وَفِي ارْكَب "هُـ"ـدى "بَـ"ـرٍ "قَـ"ـرِيبٍ بِخُلْفِهِمْ ... "كَـ"ـمَا "ضـ"ـاَعَ "جـ"ـاَ يَلْهَثْ "لَـ"ـهُ "دَ"ارِ "جُـ"ـهَّلا
أي والإظهار في اركب هدى قارئ ذي بر متواضع يعني قوله تعالى في سورة هود: {ارْكَبْ مَعَنَا} ، أظهر الباء البزي وقالون وخلاد بخلف عنهم، وأظهرها ابن عامر وخلف وورش بلا خلاف وأظهر الثاء من: {يَلْهَثْ ذَلِكَ}[7]هشام وابن كثير وورش ويلهث موضعان في الأعراف الخلاف في الثاني منهما والأول لا خلاف في إظهار ثائه فكان ينبغي أن يقيده كما قيد صاد مريم.
فإن قلت: الثاء لا تدغم في الهمزة فهلا اغتفر أمرها؟ قلت: والدال لا تدغم في الواو فهلا اغتفر أمرها والبر بفتح الباء ذو البر وضاع أي انتشر واشتهر من ضاع الطيب إذا فاحت رائحته، ودار فعل أمر من دارى يداري وجهلا جمع جاهل وما أطبع اقتران هذه الكلمة في الظاهر كما ضاع جا يلهث:
285-
وَقَالُونُ ذُو خُلْفٍ وَفِي الْبَقَرَهْ فَقُلْ ... يُعَذِّبْ "دَ"نَا بالْخُلْفِ "جَـ"ـوْدًا وَمُوبِلا
قد تقدم في شرح الخطبة أنه إنما سمى قالون هنا بعد الرمز؛ لأنه يذكر الخلف له كأنه مستأنف مسألة أخرى كقوله: وبصروهم أدري، ولهذا قال: ذو خلف بالرفع؛ لأنه خبر وقالون الذي هو مبتدأ، ولو عطف قالون على ما قبله لقال: ذا خلف نصبا على الحال يعني لقالون خلاف في الثاء من يلهث، وأما: {يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ}[8].
في آخر البقرة فابن عامر وعاصم يضمان الباء كما سيأتي في موضعه والباقون من القراء يسكنونها ثم
[1]سورة الجاثية، آية: 35.
[2]سورة آل عمران، آية: 81.
[3]سورة المؤمنون، آية: 5.
[4]سورة الشعراء، آية: 186.
[5]سورة الكهف، آية: 77.
[6]سورة الحج، آية: 18.
[7]سورة الأعراف، آية: 176.
[8]الآية: 281.


صفحه 201

ثم انقسموا فمنهم من أظهرها وهو ورش، وعن ابن كثير خلاف، وأدغم الباقون، وأسكن الناظم الهاء من البقرة ضرورة، وكذا ما يأتي مثله وهو جائز للشاعر في الضرورة، قال الراجز:
لما رأى أن لا دعه ولا شبع
والجود المطر الغزير ونصبه على الحال أي ذا جود وموبلا عطف عليه وهو اسم فاعل من أوبلا وقد استعمل فعله في سورة الأنعام فقال:
حمى صوبه بالخلف در وأوبلا
والمعروف: وبلت السماء فهي وابلة والوابل المطر الغزير، فيجوز أن يكون أوبلا مثل أغدوا جرب أي صار ذا وبل، وقيل: الموبل: الذي أتى بالوبل وهو المطر والله أعلم.

باب: أحكام النون الساكنة والتنوين
التنوين: نون ساكنة أيضًا. وإنما جمع بينهما في الذكر؛ لأن التنوين اسمٌ لنون ساكنة مخصوصة، وهي التي تلحق الكلمة بعد كمال لفظها؛ لا للتأكيد، ولا ثبات لها في الوقف، ولا في الخط.
وأحكامها أربعة، وهي: الإظهار، والإدغام، والقلب، والإخفاء.
ثم الإدغام يكون بغنة في موضع؛ وبعدمها في موضع. ومختلف فيها في موضع، وسيأتي جميع ذلك.
ولأجل هذه الأحكام الزائدة على ما مضى أفرد لهما بابا، والله أعلم.
286-
وَكُلُّهُمُ التَّنْوينَ وَالنُّونَ ادْغَمُوا ... بِلاَ غُنَّةٍ فِي الّلاَمِ وَالرَّا لِيَجْمُلا
أي: كل القراء أدغموهما في اللام والراء للقلب، وأسقطوا غنة التنوين والنون منهما؛ لتنزلهما من اللام والراء منزلة المثل؛ لشدة القرب، والضمير في ليجملا للام والراء أو التنوين والنون، ولم يقيد النون في نظمه بالسكون؛ اجتزاء بذكر ذلك في ترجمة الباب ولو قال وقد أدغموا التنوين والنون ساكنا لحصل التقييد ولم يضر إسقاط لفظ كل؛ لأن الضمير في أدغموا يغني عنه.
287-
وَكُلٌّ بِـ: يَنْمُو أَدْغَمُوا مَعَ غُنَّةٍ ... وَفِي الوَاوِ وَاليَا دُونَهَا خَلَفٌ تَلا
جرت عادة المصنفين أن يقولوا النون الساكنة تدغم في حروف كلمة يرملون فلما قدم الناظم في البيت السابق ذكر اللام والراء جمع الباقي من حروف يرملون في كلمة ينمو أي كل القراء أدغموا النون الساكنة والتنوين في حروف ينمو وهي أربعة: الياء والنون والميم والواو ولم يذهبوا غنتهما معها؛ لأن حروف ينمو ليست في القرب إليها كقرب اللام والراء.
قال الشيخ رحمه الله: اعلم أن حقيقة ذلك في الواو والياء إخفاء لا إدغام وإنما يقولون له إدغام مجازا، وهو في الحقيقة إخفاء على مذهب من يبين الغنة؛ لأن ظهور الغنة يمنع تمحض الإدغام؛ لأنه لا بد من تشديد يسير فيهما وهو قول الأكابر، قالوا: الإخفاء ما بقيت معه الغنة، وأما عند النون والميم فهو إدغام محض؛ لأن في كل واحد من المدغم والمدغم فيه غنة وإذا ذهبت إحداهما بالإدغام بقيت الأخرى وخلف أدغمهما عند الواو والياء بلا غنة كما يفعل عند اللام والراء فهو إدغام محض على قراءته، وقوله: دونها أي دون الغنة


صفحه 202

وفي اللغة: حذف الغنة وإبقاؤها جائز عند الحروف الستة، ويستثنى مما نسبه في هذا البيت إلى الكل وإلى خلف ما سبق ذكره من نوني: "يس"، و"ن والقلم".
288-
وَعِنْدَهُمَا لِلكُلِ أَظْهِرْ بِكِلْمَةٍ ... مَخَافَةَ إِشْبَاهِ المُضَاعَفِ أَثْقَلا
أي وعند الواو والياء أظهر النون الساكنة إذا جاءت قبلهما في كلمة واحدة نحو صنوان وقنوان والدنيا وبنيانه؛ لأنك لو أدغمت لأشبه ما أصله التضعيف وهذا كاستثناء السوسي همزة:
{وَرِئْيًا}[1].
يبدلها خوفا من أن يشبه لفظه لفظ الري كما تقدم ولم تلتق النون الساكنة في كلمة بلام ولا راء ولا ميم في القرآن العزيز فلهذا لم يذكر من حروف يرملون غير الواو والياء وأما النون إذا لقيها فيجب الإدغام للمثلية وأما التنوين فلا مدخل له في وسط الكلمة ولا في أولها، وأثقلا حال من فاعل إشباه وهو الذي فيه الكلام وإشباه مصدر أشبه كإكرام مصدر أكرم وأضيف إلى المفعول وهو المضاعف أي مخافة إشباه هذا الذي ذكرناه وهو صنوان ونحوه في حال كونه ثقيلا أي مدغما المضاعف فالمضاعف هو المفعول أضيف إليه المصدر نحو عجبت من إكرام زيد أي من إكرام عمرو له، والمضاعف: هو الذي في جميع تصرفاته يكون أحد حروفه الأصول مكررا نحو حيان وحتان ورمان والله أعلم.
289-
وَعِنْدَ حُرُوفِ الْحَلْقِ لِلكُلِ أُظْهِرَا ... "أَ"لاَ "هـ"ـاَجَ "حُـ"ـكْمٌ "عَـ"ـمَّ "خـ"ـاَليهِ "غُـ"ـفَّلا
يعني أظهر التنوين والنون الساكنة لكل القراء إذا كان بعدهما أحد حروف الحلق؛ لبعدهما منها سواء كان ذلك في كلمة أو كلمتين ثم بين حروف الحلق بأوائل هذه الكلمات من ألا إلى آخر البيت وحروف الحلق سبعة ذكر منها ستة وبقي واحد وهو الألف وإنما لم يذكرها؛ لأنها لا تأتي أول كلمة ولا بعد ساكن أصلا؛ لأنها لا تكون إلا ساكنة فمثالهما عند الهمزة:
"كل آمن، وينأون، من أسلم".
ولا توجد نون ساكنة قبل همزة في القرآن في كلمة غير ينأون ومثالهما عند الهاء: "جرف هار، منها، من هاجر إليهم".
ومثالهما عند الحاء: "نار حامية"، "وانحر"، "من حاد الله"، و"عند العين" "حقيق على"، {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}[2]. "من عمل".
وعند الخاء، "يومئذ خاشعة"، و"المنخنقة" و"من خاف". و"إن خفتم" و"من خزي".
وعند الغين: "من ماء غير آسن"، "فسينغضون" "من غل".
وقوله: "خاليهِ" أي ماضيهِ، وغفلا جمع غافل، وكأنه أشار بهذا الكلام إلى الموت أو إلى البعث ومجازاة كل بعمله فهذا حكم عظيم عم الغافلين عنه كقوله:
[1]سورة مريم، آية: 74.
[2]سورة الفاتحة، آية: 6.


صفحه 203

{قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ، أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ}[1].
وفي مواعظ الحسن البصري -رحمه الله: أيها الناس إن هذا الموت قد فضح الدنيا فلم يبق لذي لب فرحا، وما أحسن قول بعضهم:
يا غفلة شاملة للقوم ... كأنما يرونها في النوم
ميت غد يحمل ميت اليوم
وقوله: "ألا": استفتاح كلام، و"هاج" بمعنى هيج الغافل هذا الحكم أي حركه فلم يدع له قرارا ولا هناء بعيش أيقظنا الله تعالى بفضله من هذه الغفلة:
290-
وَقَلْبُهُمَا مِيماً لَدَى الْيَا وَأَخْفِيا ... عَلَى غُنَّةٍ عِنْدَ الْبَوَاقِي لِيَكْمُلاَ
أي الموضع الذي تقلبان فيه ميما هو عند الباء يعني إذا التقت النون الساكنة مع الباء في كلمة نحو: "أنبئهم، أو في كلمتين نحو: "أن بورك". وإذا التقى التنوين مع الباء، ولا يكون ذلك إلا في كلمتين نحو:
{سَمِيعٌ بَصِيرٌ} ، قلبا ميما؛ ليخف النطق بهما؛ لأن الميم من مخرج الباء وفيها غنة كغنة النون فتوسطت بينهما، ولم يقع في القرآن ولا فيما دون من كلام العرب ميم ساكنة قبل ياء في كلمة واحدة فلم يخف إلباس في مثل عنبر ومنبر وعند باقي الحروف غير هذه الثلاثة عشر وغير الألف أخفي التنوين والنون مع بقاء غنتهما؛ لأنها لم يستحكم فيها البعد ولا القرب منهما فلما توسطت أعطيت حكما وسطا بين الإظهار والإدغام وهو الإخفاء، وسواء في ذلك ما كان في كلمة وما كان في كلمتين نحو: "أنتم، أنذر الناس، أنشأكم، أنفسكم، إن تتوبا، من جاء بالحسنة، إن كنتم، أن قالوا بخلق جديد، غفور شكور، على كل شيء قدير، أزواجا ثلاثة".
وقوله: ليكملا؛ أي: ليكملا بوجوههما وهي لام العاقبة أي لتؤل عاقبتهما إلى كمال أحكامهما؛ لأن هذه الوجوه هي التي لهما في اللغة وهي الإدغام في حروف "يرملون" الستة، والإظهار في حروف الحلق الستة أيضا، والقلب عند الباء والإخفاء في البواقي، ثم الإدغام بغنة وبغير غنة، فكمل ذكرها في النظم من هذه الوجوه والله أعلم.
[1]سورة ص، آية 67 و68.
باب: الفتح والإمالة وبين اللفظين
الفتح هنا ضد الإمالة؛ وهو منقسم إلى فتح شديد، وفتح متوسط؛ فالشديد هو نهاية فتح القارئ لفيه بلفظ الحرف الذي بعده ألف، ويسمى التفخيم، والقراء يعدلون عنه، ولا يستعملونه، وأكثر ما يوجد في ألفاظ أهل خراسان، ومن قرب منهم،؛ لأن طباعهم في العجمة جرت عليه، فاستعملوه كذلك في اللغة العربية، وهو


صفحه 204

في القراءة مكروه معيب، هذا قول أبي عمرو الداني في كتاب "الموضح" قال: والفتح المتوسط هو ما بين الفتح الشديد والإمالة المتوسطة، وهذا الذي يستعمله أصحاب الفتح من القراء، قال: والإمالة أيضا على ضربين: إمالة متوسطة، وإمالة شديدة، والقراء يستعملونهما معًا؛ فالإمالة المتوسطة حقها أن يؤتى بالحرف بين الفتح المتوسط وبين الإمالة الشديدة، والإمالة الشديدة حقها أن تقرب الفتحة من الكسرة، والألف من الياء، من غير قلب خالص، ولا إشباع مبالغ، قال: والإمالة والفتح لغتان مشهورتان فاشيتان على ألسنة الفصحاء من العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، فالفتح لغة أهل الحجاز، والإمالة لغة عامة أهل نجد، من تميم وقيس وأسد قال: وعلماؤنا مختلفون في أي هذه الأوجه الثلاثة أوجه وأولى، وأختار الإمالة الوسطى التي بين بين؛ لأن الغرض من الإمالة حاصل بها، وهو الإعلام بأن أصل الألف الياء أو التنبيه على انقلابها إلى الياء في موضع، أو مشاكلتها للكسر المجاور لها أو الياء، ثم أسند حديثا عن حذيفة بن اليمان أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اقرءوا القرآن بألحان العرب" وفي رواية: "بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكتابين".
قال: فالإمالة لا شك من الأحرف السبعة، ومن لحون العرب وأصواتها، وهي مذاهبها وطباعها. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا وكع حدثنا الأعمش عن إبراهيم، قال: كانوا يرون أن الألف والياء في القراءة سواء، قال: يعني بالألف والياء التفخيم والإمالة.
قلت: وصنف كل واحد من أبي الطيب ابن غلبون، وأبي عمرو الداني في هذا الباب مجلدة، قصراها على حكم الإمالة وما يتعلق بها، وكتاب الداني متأخر عن كتاب ابن غلبون، فلذلك فوائده أكثر، وذكر الشيخ رحمه الله في هذا الباب معظم ما تقع فيه الإمالة في القرآن من أصول مطردة، وحروف منفردة وأخر من ذلك قليلا فذكره في مواضعه من السور، تبعا لصاحب التيسير.
كـ: "التوراة"، و"ناداه" في آل عمران، و"ناه"، و"استهواه"، و"رأى" في الأنعام، و"را"، و"طا"، و"ها"، و"يا" من فواتح السور، و"أدري"، في أول سورة يونس، "وبشراى" في يوسف وغيره، ذكر ذلك في الباب أو بعضه، ويجوز في قوله وبين اللفظين: فتح النون من بين على الظرفية، أي والحالة هي بين اللفظين، أي بين لفظي الفتح والإمالة، ويجوز كسر النون عطفا على الفتح والإمالة، ولفظ بين تارة يجري بوجوه الإعراب، كقوله: {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ}[1]، وتارة ينصب على الظرف والإعراب يجري على ما هي تابعة له، وقرئ بالوجهين قوله سبحانه: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ}[2]بالرفع والنصب عاما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله تعالى والله أعلم.
[1]سورة الكهف، آية: 77.
[2]سورة الأنعام، آية: 94.


صفحه 205

291-
وَحَمْزَةُ مِنْهُمْ وَالكِسَائِيُّ بَعْدَهُ ... أَمَالاَ ذَوَاتِ الْياَءِ حَيْثُ تأَصَّلا
منهم أي: من القراء كقولهم: أنت منهم الفارس الشجاع أي من بينهم والكسائي بعده؛ لأنه أخذ عنه أمالا ذوات الياء يعني الألفات التي انقلبت عن الياء احترازا عن ذوات الواو وهي الألفات التي انقلبت عن الواو، فاجتزأ بالصفة لشهرتها عن الموصوف والإمالة تقع في الألف والهاء والراء وهذا الباب جميعه في إمالة الألف والذي بعده في إمالة الهاء والثالث في إمالة الراء على ما سيأتي بيانه ثم الألف تكون أصلية ومنقلبة وتارة زائدة، واعلم أن كل ألف منقلبة عن ياء فجائز إمالتها وهي أن تكون عينا أو لاما فالعين نحو باع وسار؛ لأنهما من البيع والسير وهذا النوع جائز الإمالة لغة مطلقا وقراءة في بعض المواضع الآتية نحو:
"جاء"، و"شاء"، واللام نحو "هدى" و"رمى"[1].
فهذا هو الذي يمال مطلقا عند القراء لمن مذهبه الإمالة، وأطلق الناظم ذوات الياء، وهو لفظ يقع على الضربين ومراده الضرب الثاني، ولم يبين في نظمه الحرف الذي تقع فيه الإمالة، ولو أنه قال:
أمال الكسائي بعد حمزة إن تطـ ... ـرفت ألفاتٌ حيث ياء تأصلا
لذكر الحرف الممال وشرطيه وهما كونه عن ياء وكونه طرفا أي تكون لام الفعل وإنما خص لقراء الإمالة بذلك؛ لأنه طرف والأطراف محل التغيير غالبا والإمالة تغيير؛ فإنها إزالة الألف عن استقامتها وتحريف لها عن مخرجها إلى نحو مخرج الياء ولفظها، وأخذ لها هذا الاسم من أمالت الرمح ونحوه إذا عوجته عن استقامته أي أما لا ألفات الياء إن تطرفت احترازا من المتوسطة فقوله تعالى: {وَسَارَ بِأَهْلِهِ}[2]يمال وكذا: {فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ}[3]؛ لتوسط الألف فيها والألف في أثاب عن واو في الأصل، وإنما يجوز إمالتها لغة؛ لأن الفعل قد زادت حروفه فرجع إلى ذوات الياء على ما سيأتي في شرح قوله وكل ثلاثي يزيد فإنه ممال وقوله حيث تأصلا قال الشيخ: أي حيث كان الياء أصلا وهو أحد أسباب الإمالة وأكثر أنواعها استعمالا وإنما أميلت الألف؛ لتدل على الأصل.
قلت: فكأن قوله حيث تأصلا خرج مخرج التعليل؛ فإن "حيث" من ظروف المكان، وإذ من ظروف الزمان تأتي كل واحدة منهما وفيها معنى التعليل نحو قولك: حيث جاء زيد فلا بد من إكرامه، وإذ خرج فلا بد من التزامه أي لأجل أن الياء أصلها أميلت ولم يخرج ذلك مخرج الاشتراط فإن هذا شرط مستغنى عنه بقوله: ذوات الياء كما قال صاحب التيسير: كان حمزة والكسائي يميلان كل ما كان من الأسماء والأفعال من ذوات الياء، ولم يرد على ذلك لكنه ما أراد بذوات الياء إلا كل ألف تنقلب ياء في تثنية أو جمع أو عند رد الفعل إلى المتكلم أو غيره فيدخل في ذلك ما الياء فيه أصل وما ليست بأصل، ولهذا مثل:
"موسى" و"عيسى" و"إحدى" و"يتامى".
[1]سورة طه، الأنفال: 17.
[2]القصص آية: 27.
[3]سورة المائدة، آية: 85.


صفحه 206

ونحوه ما ألفه للتأنيث ثم قال: وكذلك: "الهدى" و"العمى".
ونحوه مما الألف فيه منقلبة عن ياء فجمع بين النوعين فعبر عنهما بذوات الياء فيجوز أن يكون الناظم سلك هذا المسلك وقسم ذوات الياء إلى ما الألف فيه أصل وإلى ما الألف فيه للتأنيث وسيأتي كل ذلك ويجوز أن يكون المراد تأكيد ما تقدم أي أن الإمالة لا تقع في قراءتهما إلا حيث كانت الياء التي انقلبت عنها الألف أصلا وهذا وإن كان معلوما من قوله: ذوات الياء فإن ذلك لا يقال إلا لما كانت الياء فيه أصلا فإنه غير معلوم من اللفظ بل من قاعدة علم التصريف فنص عليه لفظا وغرضه إعلام أن الإمالة لهما لا تقع في الألفات الزوائد كألف نائم ولاعب، وإنما تقع في ألف منقلبة عن ياء هي لام الكلمة، ويجوز أن يكون المعنى حيث تأصلا الياء أي تمكنت تمكنا تاما بحيث رسمت الكلمة بها لا بالواو، فأميلت الألف موافقة للرسم فهذه ثلاثة أوجه في معنى هذا الكلام إن كان فاعل تأصلا ضميرا عائدا على الياء والألف فيه للإطلاق، ويجوز أن تكون الألف للتثنية وهي ضمير عائد على حمزة والكسائي، وله وجهان من المعاني: أحدهما في المواضع التي تأصلاها أي أنهما أصلا لها أصلا فكل ما دخل في ذلك الأصل والضابط أمالاه ثم بين الأصل والضابط بالبيت الآتي.
والثاني أن المعنى حيث تأصلا هما؛ أي: كانا أصلا في باب الإمالة؛ لاستيعابهما منهما ما لم يستوعب غيرهما فكل من أمال شيئا فهو تابع لهما أو لأحدهما في الغالب أي فعمما جميع ذوات الياء؛ لأنهما ليس من مذهبهما تخصيص أفراد من الكلم بالإمالة بخلاف ما فعل غيرهما كما ستراه ثم لا فرق في إمالة هذه الألف المنقلبة عن الياء لهما بين ما هي مرسومة في المصحف بالياء وما هي مرسومة بالألف فإن من ذوات الياء ما رسم في المصحف بالألف كما ترسم ذوات الواو نحو: "طغا" و"تولاه" و"أقصا المدينة" و"الأقصا" و"العليا" و"الدنيا" ... وغير ذلك. وأما الحياة فلم تمل، وإن كانت ألفها منقلبة عن ياء عند قوم؛ لأن ألفها رسمت واوا في المصحف، ولأن الخلاف قد وقع في أصل ألفها فوقع الشك في سبب لإمالة فتركت وعدل إلى الفتح فإنه الأصل، وكل ما أميل ففتحه جائز، وليس كل ما فتح إمالته جائزة، ثم من ضرورة إمالة الألف حيث تمال أن ينحى بالحرف الذي قبلها نحو الكسرة ثم إن حمزة والكسائي يميلان الألف الموصوفة بالأوصاف المذكورة حيث وجدت إلا في مواضع خالف فيها بعضهم أصله وفي مواضع زاد معهم غيرهم ثم بين ذات الياء فقال:
292-
وَتَثْنِيَةُ الأسْماءِ تَكْشِفَها وَإِنْ ... رَدَدْتَ إِلَيْكَ الْفِعْلَ صَادَفْتَ مَنْهلا
الهاء في تكشفها لذوات الياء؛ أو الألف الممالة المفهومة من سياق الكلام أي تكشف لك أصلها إن كانت في اسم تثنية نحو: "قال لفتاه"؛ لأن هذا لو ثنى لانقلبت الألف ياء نحو: