في القراءة مكروه معيب، هذا قول أبي عمرو الداني في كتاب "الموضح" قال: والفتح المتوسط هو ما بين الفتح الشديد والإمالة المتوسطة، وهذا الذي يستعمله أصحاب الفتح من القراء، قال: والإمالة أيضا على ضربين: إمالة متوسطة، وإمالة شديدة، والقراء يستعملونهما معًا؛ فالإمالة المتوسطة حقها أن يؤتى بالحرف بين الفتح المتوسط وبين الإمالة الشديدة، والإمالة الشديدة حقها أن تقرب الفتحة من الكسرة، والألف من الياء، من غير قلب خالص، ولا إشباع مبالغ، قال: والإمالة والفتح لغتان مشهورتان فاشيتان على ألسنة الفصحاء من العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، فالفتح لغة أهل الحجاز، والإمالة لغة عامة أهل نجد، من تميم وقيس وأسد قال: وعلماؤنا مختلفون في أي هذه الأوجه الثلاثة أوجه وأولى، وأختار الإمالة الوسطى التي بين بين؛ لأن الغرض من الإمالة حاصل بها، وهو الإعلام بأن أصل الألف الياء أو التنبيه على انقلابها إلى الياء في موضع، أو مشاكلتها للكسر المجاور لها أو الياء، ثم أسند حديثا عن حذيفة بن اليمان أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اقرءوا القرآن بألحان العرب" وفي رواية: "بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكتابين".
قال: فالإمالة لا شك من الأحرف السبعة، ومن لحون العرب وأصواتها، وهي مذاهبها وطباعها. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا وكع حدثنا الأعمش عن إبراهيم، قال: كانوا يرون أن الألف والياء في القراءة سواء، قال: يعني بالألف والياء التفخيم والإمالة.
قلت: وصنف كل واحد من أبي الطيب ابن غلبون، وأبي عمرو الداني في هذا الباب مجلدة، قصراها على حكم الإمالة وما يتعلق بها، وكتاب الداني متأخر عن كتاب ابن غلبون، فلذلك فوائده أكثر، وذكر الشيخ رحمه الله في هذا الباب معظم ما تقع فيه الإمالة في القرآن من أصول مطردة، وحروف منفردة وأخر من ذلك قليلا فذكره في مواضعه من السور، تبعا لصاحب التيسير.
كـ: "التوراة"، و"ناداه" في آل عمران، و"ناه"، و"استهواه"، و"رأى" في الأنعام، و"را"، و"طا"، و"ها"، و"يا" من فواتح السور، و"أدري"، في أول سورة يونس، "وبشراى" في يوسف وغيره، ذكر ذلك في الباب أو بعضه، ويجوز في قوله وبين اللفظين: فتح النون من بين على الظرفية، أي والحالة هي بين اللفظين، أي بين لفظي الفتح والإمالة، ويجوز كسر النون عطفا على الفتح والإمالة، ولفظ بين تارة يجري بوجوه الإعراب، كقوله: {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ}[1]، وتارة ينصب على الظرف والإعراب يجري على ما هي تابعة له، وقرئ بالوجهين قوله سبحانه: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ}[2]بالرفع والنصب عاما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله تعالى والله أعلم.
[1]سورة الكهف، آية: 77.
[2]سورة الأنعام، آية: 94.
291-
وَحَمْزَةُ مِنْهُمْ وَالكِسَائِيُّ بَعْدَهُ ... أَمَالاَ ذَوَاتِ الْياَءِ حَيْثُ تأَصَّلا
منهم أي: من القراء كقولهم: أنت منهم الفارس الشجاع أي من بينهم والكسائي بعده؛ لأنه أخذ عنه أمالا ذوات الياء يعني الألفات التي انقلبت عن الياء احترازا عن ذوات الواو وهي الألفات التي انقلبت عن الواو، فاجتزأ بالصفة لشهرتها عن الموصوف والإمالة تقع في الألف والهاء والراء وهذا الباب جميعه في إمالة الألف والذي بعده في إمالة الهاء والثالث في إمالة الراء على ما سيأتي بيانه ثم الألف تكون أصلية ومنقلبة وتارة زائدة، واعلم أن كل ألف منقلبة عن ياء فجائز إمالتها وهي أن تكون عينا أو لاما فالعين نحو باع وسار؛ لأنهما من البيع والسير وهذا النوع جائز الإمالة لغة مطلقا وقراءة في بعض المواضع الآتية نحو:
"جاء"، و"شاء"، واللام نحو "هدى" و"رمى"[1].
فهذا هو الذي يمال مطلقا عند القراء لمن مذهبه الإمالة، وأطلق الناظم ذوات الياء، وهو لفظ يقع على الضربين ومراده الضرب الثاني، ولم يبين في نظمه الحرف الذي تقع فيه الإمالة، ولو أنه قال:
أمال الكسائي بعد حمزة إن تطـ ... ـرفت ألفاتٌ حيث ياء تأصلا
لذكر الحرف الممال وشرطيه وهما كونه عن ياء وكونه طرفا أي تكون لام الفعل وإنما خص لقراء الإمالة بذلك؛ لأنه طرف والأطراف محل التغيير غالبا والإمالة تغيير؛ فإنها إزالة الألف عن استقامتها وتحريف لها عن مخرجها إلى نحو مخرج الياء ولفظها، وأخذ لها هذا الاسم من أمالت الرمح ونحوه إذا عوجته عن استقامته أي أما لا ألفات الياء إن تطرفت احترازا من المتوسطة فقوله تعالى: {وَسَارَ بِأَهْلِهِ}[2]يمال وكذا: {فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ}[3]؛ لتوسط الألف فيها والألف في أثاب عن واو في الأصل، وإنما يجوز إمالتها لغة؛ لأن الفعل قد زادت حروفه فرجع إلى ذوات الياء على ما سيأتي في شرح قوله وكل ثلاثي يزيد فإنه ممال وقوله حيث تأصلا قال الشيخ: أي حيث كان الياء أصلا وهو أحد أسباب الإمالة وأكثر أنواعها استعمالا وإنما أميلت الألف؛ لتدل على الأصل.
قلت: فكأن قوله حيث تأصلا خرج مخرج التعليل؛ فإن "حيث" من ظروف المكان، وإذ من ظروف الزمان تأتي كل واحدة منهما وفيها معنى التعليل نحو قولك: حيث جاء زيد فلا بد من إكرامه، وإذ خرج فلا بد من التزامه أي لأجل أن الياء أصلها أميلت ولم يخرج ذلك مخرج الاشتراط فإن هذا شرط مستغنى عنه بقوله: ذوات الياء كما قال صاحب التيسير: كان حمزة والكسائي يميلان كل ما كان من الأسماء والأفعال من ذوات الياء، ولم يرد على ذلك لكنه ما أراد بذوات الياء إلا كل ألف تنقلب ياء في تثنية أو جمع أو عند رد الفعل إلى المتكلم أو غيره فيدخل في ذلك ما الياء فيه أصل وما ليست بأصل، ولهذا مثل:
"موسى" و"عيسى" و"إحدى" و"يتامى".
[1]سورة طه، الأنفال: 17.
[2]القصص آية: 27.
[3]سورة المائدة، آية: 85.
ونحوه ما ألفه للتأنيث ثم قال: وكذلك: "الهدى" و"العمى".
ونحوه مما الألف فيه منقلبة عن ياء فجمع بين النوعين فعبر عنهما بذوات الياء فيجوز أن يكون الناظم سلك هذا المسلك وقسم ذوات الياء إلى ما الألف فيه أصل وإلى ما الألف فيه للتأنيث وسيأتي كل ذلك ويجوز أن يكون المراد تأكيد ما تقدم أي أن الإمالة لا تقع في قراءتهما إلا حيث كانت الياء التي انقلبت عنها الألف أصلا وهذا وإن كان معلوما من قوله: ذوات الياء فإن ذلك لا يقال إلا لما كانت الياء فيه أصلا فإنه غير معلوم من اللفظ بل من قاعدة علم التصريف فنص عليه لفظا وغرضه إعلام أن الإمالة لهما لا تقع في الألفات الزوائد كألف نائم ولاعب، وإنما تقع في ألف منقلبة عن ياء هي لام الكلمة، ويجوز أن يكون المعنى حيث تأصلا الياء أي تمكنت تمكنا تاما بحيث رسمت الكلمة بها لا بالواو، فأميلت الألف موافقة للرسم فهذه ثلاثة أوجه في معنى هذا الكلام إن كان فاعل تأصلا ضميرا عائدا على الياء والألف فيه للإطلاق، ويجوز أن تكون الألف للتثنية وهي ضمير عائد على حمزة والكسائي، وله وجهان من المعاني: أحدهما في المواضع التي تأصلاها أي أنهما أصلا لها أصلا فكل ما دخل في ذلك الأصل والضابط أمالاه ثم بين الأصل والضابط بالبيت الآتي.
والثاني أن المعنى حيث تأصلا هما؛ أي: كانا أصلا في باب الإمالة؛ لاستيعابهما منهما ما لم يستوعب غيرهما فكل من أمال شيئا فهو تابع لهما أو لأحدهما في الغالب أي فعمما جميع ذوات الياء؛ لأنهما ليس من مذهبهما تخصيص أفراد من الكلم بالإمالة بخلاف ما فعل غيرهما كما ستراه ثم لا فرق في إمالة هذه الألف المنقلبة عن الياء لهما بين ما هي مرسومة في المصحف بالياء وما هي مرسومة بالألف فإن من ذوات الياء ما رسم في المصحف بالألف كما ترسم ذوات الواو نحو: "طغا" و"تولاه" و"أقصا المدينة" و"الأقصا" و"العليا" و"الدنيا" ... وغير ذلك. وأما الحياة فلم تمل، وإن كانت ألفها منقلبة عن ياء عند قوم؛ لأن ألفها رسمت واوا في المصحف، ولأن الخلاف قد وقع في أصل ألفها فوقع الشك في سبب لإمالة فتركت وعدل إلى الفتح فإنه الأصل، وكل ما أميل ففتحه جائز، وليس كل ما فتح إمالته جائزة، ثم من ضرورة إمالة الألف حيث تمال أن ينحى بالحرف الذي قبلها نحو الكسرة ثم إن حمزة والكسائي يميلان الألف الموصوفة بالأوصاف المذكورة حيث وجدت إلا في مواضع خالف فيها بعضهم أصله وفي مواضع زاد معهم غيرهم ثم بين ذات الياء فقال:
292-
وَتَثْنِيَةُ الأسْماءِ تَكْشِفَها وَإِنْ ... رَدَدْتَ إِلَيْكَ الْفِعْلَ صَادَفْتَ مَنْهلا
الهاء في تكشفها لذوات الياء؛ أو الألف الممالة المفهومة من سياق الكلام أي تكشف لك أصلها إن كانت في اسم تثنية نحو: "قال لفتاه"؛ لأن هذا لو ثنى لانقلبت الألف ياء نحو:
{وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ}[1]وكذا {فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى}[2]، لو ثنيته لقلت: عميان وهذا بخلاف: "الصفا" و {شَفَا جُرُفٍ}[3]، و {سَنَا بَرْقِهِ} ، و {عَصَاهُ} ، و {عَصَايَ} ، و {أَبَا أَحَدٍ} .
فإن الألف في ذلك كله أصلها الواو، ويثني جميع ذلك بها، وأما الألف في الأفعال فيكشفها أن تنسب الفعل إلى نفسك وإلى مخاطبك فإن انقلبت فيه ياء أملتها نحو: "رمى" و"سعى"؛ لأنك تقول: رميت وسعيت بخلاف: دعا وعفا وخلا وبدا وعلا ونجا، فإنك تقول فيهما: دعوت وعفوت ... إلى آخرها، ويكشفها لك أيضا لفظ المضارع نحو يدعو ويعفو، ولحوق ضمير التثنية نحو: دعوا وعفوا، والاشتقاق يكشف الأمرين نحو الرمي والسعي والعفو والعلو، فإن قلت: من جملة الأسماء الممالة ما لا تظهر التثنية ياءه التي انقلبت الألف عنها نحو الحوايا جمع حاوية فالألف عن ياء كائنة في المفرد وفي تثنية المفرد ولكن اللفظ الممال في القرآن لا يثنى فلم يكشف هذا اللفظ تثنية فكيف قال: وتثنية الأسماء تكشفها؟ قلت: ذكر ذلك كالعلامة؛ والعلامة قد لا تعم ولكنها تضبط الأكثر والحد يشمل الجميع، وهو قوله: ذوات الياء والألف من آخر الحوايا من ذوت الياء وأصلها حواوي على حد ضوارب؛ لأنه جمع حاوية وهي المباعر، على أنك لو قدرت من هذا فعلا، ورددته إلى نفسك لظهرت الياء نحو حويت، وصاحب التيسير ذكر هذا الحرف مع يتامى وأيامى فجعل الجميع في باب فعالى الذي يأتي ذكره، وقوله: صادفت منهلا أي موردا للإمالة، وهذه استعارة حسنة؛ لأن طالب العلم يوصف بالعطش فحسن أن يعبر عن بغيته ومطلوبه بالمورد، كما يعبر عن كثرة تحصيله بالري فيقال هو ريان من العلم ثم مثل ذوات اليا من الأسماء والأفعال فقال:
293-
هَدى وَاشْتَرَاهُ وَالهَوى وَهُدَاهُمُ ... وَفِي أَلِفِ التَّأْنِيثِ فِي الكُلِّ مَيَّلا
لأنك تقول: هديت واشتريت وهويان وهديان فمثل بفعلين واسمين، ثم ذكر أن حمزة والكسائي ميلا أيضا ألف التأنيث في كل موضع وقعت فيه فقوله: وفي ألف متعلق بميلا أي أوقعا الإمالة فيها فهو من باب قوله: ذي الرمة يجرح في عراقيبها نصلي، وقوله: في الكل بدل من ألف التأنيث أي: وفي كل ما فيه ألف التأنيث أوقعا الإمالة، وخالف حمزة أصله في الرؤيا على ما يأتي، وليست ألف التأنيث منقلبة عن ياء وإلا لاستغني عنها بما تقدم وإنما هي مشبهة بالمنقلبة عن الياء لأجل أنها تصير ياء في التثنية والجمع تقول حبليان وحبليات.
فإن قلت: ظهرت فائدة قوله: فيما قبل حيث تأصلا فإن ألف التأنيث ليست أصلا فاحترز عنها.
قلت: ولماذا يحترز عنها وهي ممالة لهما كما أن الأصلية ممالة لهما فلا وجه للاحتراز إن كانت ألف التأنيث داخلة في مطلق قوله: ذوات الياء وهو ممنوع، وإذا لم تكن داخلة فلا احتراز، ولم يبق فيه إلا التأكيد أو المعاني التي تقدم ذكرها، ثم ذكر الأمثلة التي توجد فيها ألف التأنيث المقصورة وهي الممالة فقال:
[1]سورة يوسف، آية: 36.
[2]سورة فصلت، آية: 17.
[3]سورة التوبة، آية: 109.
294-
وَكَيْفَ جَرَتْ فَعْلى فَفيهَا وُجُودُهَا ... وَإِنْ ضُمَّ أَوْ يُفْتَحْ فُعَالى فَحَصِّلا
أي وجود ألف التأنيث في موزون فعلى كيف جرت بفتح الفاء أو بكسرها أو بضمها نحو "السلوى"" و"التقوى" و"الموتى" و"مرضى" و"إحدى" و"سيما" و"ذكرى" و"الدنيا" و"القربى" و"الأنثى" وكذلك في "فعالى" بضم الفاء وفتحها نحو كسالى ويتامى والتحق بهذا الباب موسى وعيسى ويحيى وهو مذهب القراء اعتمادا على أنها فعلى فعلى وفعلى والفاء في فحصلا ليس برمز لأن مراده بهذا البيت بيان محل ألف التأنيث ولأنه سيقول بعد هذا وعسى أيضا أمالا والضمير لحمزة والكسائي ولو كان فحصلا رمز اللزوم بعد ذلك إذا ذكر مسألة أن يرمز لها أو يصرح باسم القارئ ولا يأتي بضمير من تقدم إلا إذا كان الباب كله واحدا على أنه يشكل على هذا أنه سيذكر اختصاص الكسائي بإمالة مواضع ثم قال بعدها وأما ضحاها والضحى والربى مع القوى فأمالاها ويذكر أيضا ما تفرد به حفص عن الكسائي ثم قال: ومما أمالاه، وجوابه أنه صرح باسم الكسائي وحفص فلا إلباس، وأما بعد الرمز فلم يفعل مثل ذلك لما فيه من الإلباس وأراد فحصلا بالنون الخفيفة، ثم أبدل منها ألفا في الوقف ثم ذكر أنهما أمالا أشياء أخر لم تدخل في الضابط المتقدم من ذوات اليء الأصلية ولا في ضابط ألف التأنيث ولكنها من المرسومات بالياء فقال:
295-
وَفِي اسْمٍ فِي الِاستِفْهَامِ أَنَّى وَفِي مَتى ... مَعاً وَعَسى أَيْضاً أَمَالاَ وَقُلْ بَلى
أي وأوقع الإمالة في اسم استعمل في الاستفهام وهو أنى وإن كان قد استعمل غير استفهام وهو إذا وقع شرطا نحو: أنى تقم أقم معك إلا أنه في القرآن للاستفهام، ولهذا قال صاحب التيسير: أمالا "أنَّى" التي بمعنى كيف، نحو قوله تعالى: {أَنَّى شِئْتُمْ}[1]، {أَنَّى لَكِ هَذَا}[2].
قلت: وغرضهم من هذا القيد أن يفصلوها من أنا المركبة من أن واسمها نحو: {أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ}[3].
وهو احتراز بعيد؛ فإن أحدا لا يتوهم الإمالة في مثل ذلك، ثم قال: وفي "متى" أي وأوقعا الإمالة أيضا في "متى"، ومعا حال من حمزة والكسائي أي أوقعا معا الإمالة في ذلك أو حال من أتى ومتى، بمعنى أنهما اصطحبا في الإمالة والاستفهام.
وقال الشيخ: مراده أن ألف التأنيث أيضا في اسم استعمل في الاستفهام، وهو أنى ومتى فأما أنى فكان ابن مجاهد يختار أن يكون فعلى فقال الداني وزنها فعلى وهو كقولهم قوم تلى أي صرعى وليلة غمى إذا كان على السماء غيم وألف متى مجهول فأشبهت ألف التأنيث في ذلك فأميلت، ونص النحاة على أنه لو سمي بها وبيلى لثنيا بالياء وهذا صحيح، ولكن من أين يلزم إذا كانت ألفها مجهولة أن تكون للتأنيث، وإنما وزنها فعل، والألف لام الكلمة على أن الحروف وما تضمن معناها من الأسماء لا يتصرف فيها بوزن ولا ينظر في ألفاتها فـ"متى" كإلى وبلى في ذلك.
[1]سورة البقرة، آية: 223.
[2]سورة آل عمران، آية: 27.
[3]سورة النمل، آية: 51.
ثم قال: وأمالا عسى وبلى أما عسى ففعل تقول فيه: عسيت فالألف منقلبة عن ياء فهو داخل في ما تقدم فلم يكن له حاجة إلى إفراده بالذكر، ولكنه تبع صاحب التيسير في ذلك فإنه قال بعد أنى: وكذلك متى وبلى وعسى حيث وقع ولعله إنما أفرده بالذكر؛ لأنه لا يتصرف، وقيل إن بعض النحاة زعم أنها حرف كما أطلق الزجاجي على كان وأخواتها أنها حروف بمعنى أنها أدوات للمعاني التي اكتسبتها الجمل معها، ولما كفت بلى في الجواب ضارعت بذلك الاسم والفعل فأميلت ألفها وقيل إن ألف بلى أيضا بل للتأنيث وهو حرف لحقه ألف التأنيث كما لحقت تاء التأنيث ثم ورب، وأصلها بل فيجوز على هذا أن يقال ألف أنى كذلك وأصلها أن، ثم خرج هذان الحرفان عن معناهما المعروف بلحوق ألف التأنيث لهما إلى معنى آخر فصار أنى على وزن شتى ورسمت أنى ومتى وبلى بالياء وكذا عسى وعيسى ويحيى وموسى وإلحاق الألف في شيء من ذلك بألف التأنيث بعيد بل هي قسم برأسها، فكأنه قال أمالا ذوات الياء الأصلية وغير الأصلية مما رسمت ألفه ياء وغير الأصلية على ضربين ألف تأنيث وملحق بها، ولو قال عوض هذا البيت:
وموسى عسى عيسى ويحيى وفي متى ... وأنى للاستفهام تأتى وفي بلا
لكان أحسن وأجمع للغرض، وتبعناه في ذكر عسى، وإن كانت داخلة في قسم الياء الأصلية وخلصنا من جزرفة العبارة في قوله: وفي اسم في الاستفهام أنى، والضمير في "تأتى" للإمالة وما أبعد دعوى أن الألف في موسى وعيسى ويحيى للتأنيث فموسى وعيسى معربان ويحيى إن كان عربيا فوزنه يفعل والكلام في النبي المسمى بيحيى عليه السلام، وأما نحو قوله تعالى: {لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى}[1]، وقوله: {وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}[2]، فوزنه يفعل والله أعلم.
296-
وَمَا رَسَمُوا باليَاءِ غَيْرَ لَدى وَمَا ... زَكى وَإِلى مِنْ بَعْدُ حَتَّى وَقُلْ عَلَى
أي وأمالا كل ما رسم في المصحف بالياء من الألفات وإن لم تكن الياء أصلية إتباعا للرسم، ولأنها قد تعود إلى الياء في صورة وذلك ضحى في الأعراف وطه: "وضحاها"، "ودحيها" في والنازعات، وفي والشمس وضحيها: "وتلاها"، "وطحاها"، "والضحى"، "وسجى". فهذا جميع ما رسم من ذوات الواو بالياء على ما ذكره في قصيدته الرائية لكن: "تلاها" "وطحاها" "وسجى"، لم يملها إلا الكسائي وحده كما يأتي، وإمالتهما "ضحى" في الأعراف وطه تبنى على خلاف يأتي في آخر الباب وأما:
[1]سورة طه، آية: 74.
[2]سورة الأنفال، آية: 42.
"ويلتى" و"حسرتى" و"أسفى".
فألفاتها مع كونها مرسومة بالياء منقلبة عن ياء بالإضافة فقويت الإمالة فيها وهذا البيت لا يظهر له فائدة إلا في هذه الألفاظ الثلاثة فإن الياء التي انقلبت عنها الألف ليست بأصل في الكلمة فلم تدخل في قوله: "حيث تأصلا" ويظهر أيضا فائدته في إمالة "ضحى" في الأعراف على قول من يقول إنه إذا وقف عليه كان الوقف على ألفه الأصلية وأما باقي الكلمات التي ذكرت أنها رسمت بالياء وهي من ذوات الواو فكانت تعرف من ذكره إمالة رءوس الآى وأما نحو: "أدنى" و"أزكى" و"يدعى" و"تتلى".
فتعلم إمالته من البيت الآتي؛ فإنه من الثلاثي الزائد، ثم ذكر أنه استثنى مما رسم بالياء وليست الياء أصله خمس كلمات: فلم تمل وهي اسم وفعل وثلاثة أحرف فالاسم "لدى" لم يمل أنه رسم بالألف في يوسف وبالياء في غافر، وألفه مجهولة فلم يمل؛ ليجري مجرى واحدا والفعل: {مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا}[1].
هو من ذوات الواو فلم يمل تنبيها على ذلك، والحروف إلى وحتى وعلى لم تمل؛ لأن
فلا حظ لها في الإمالة بطريق الأصالة إنما هي للأفعال والأسماء فلم يؤثر فيها رسمها بالياء وكل ما أميل من الحروف بلى ويا في الندا ولا في أمالا لإغنائها عن الجمل فأشبهت الفعل والاسم وقول الناظم من بعد حتى الدال من بعد مجرورة وبعضهم اختار ضمها وقدر حذف واو العطف من قوله حتى، ومعنى الوجهين ظاهر، وإذا كسرنا الدال كان التقدير من بعد استثناء حتى، وكذا معنى قولي أنا فيما تقدم: أمال الكسائي بعد حمزة أي بعد إمالة حمزة:
297-
وَكُلُّ ثُلاَثِيٍّ يِزِيدُ فَإِنَّهُ ... مُمَالٌ كَزَكَّاهَا وَأنْجَى مَعَ ابْتَلى
أي كل لفظ ثلاثي ألفه عن واو إذا زيد في حروفه الأصول حرف فأكثر فصار كلمة أخرى أميل؛ لأن واوه تصير ياء إذا اعتبرتها بالعلامات المقدم ذكرها، وذلك كالزيادة في الفعل بحروف المضارعة وآلة التعدية وغيرها نحو: "ترضى"[2]، "وتدعى"3 "وتتلى"4 "ويدعى"[5]، "وتبلى"[6]، "ويزكى"[7]، "وتزكى"[8]، "وزكاها"[9]، "ونجانا الله منها"[10]، {فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ} 11، {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ}[12]، {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ}[13].
[1]سورة النور، آية: 21.
[2]سورة طه، آية: 130.
3 سورة سبأ، آية، 43.
4 سورة آل عمران، آية: 101.
[5]سورة الجاثية، آية: 28.
[6]سورة الطارق، آية: 9.
[7]سورة عبس، آية: 3.
[8]سورة الأعلى، آية: 14.
[9]سورة الشمس، آية: 9.
[10]سورة الأعراف، آية: 89.
11سورة العنكبوت، آية: 24.
[12]سورة البقرة، آية: 124.
[13]سورة الأعراف، آية: 143.
{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}[1]، {فَتَعَالَى اللَّهُ}[2]، {مَنِ اسْتَعْلَى}[3].
ومن ذلك أفعل في الأسماء نحو: "أدنى، وأرى، وأزكى، وأعلى"؛ لأن لفظ الماضي من ذلك كله تظهر فيه الياء إذا رددت الفعل إلى نفسك نحو: زكيت ورضيت وابتليت وأعليت، وأما فيما لم يسم فاعله نحو "تدعى" فلظهور الياء في دعيت ويدعيان، فقد بان أن الثلاثي المزيد يكون اسما نحو أدنى وفعلا ماضيا نحو أنجى وابتلى ومضارعا مبنيا للفاعل نحو يرضى وللمفعول نحو يدعى.
ولو قال الناظم رحمه الله تعالى:
وكل ثلاثيٍّ مزيد أمله مثـ ... ـل يرضى وتدعى ثم أدنى مع ابتلى
لجمع أنواع ذلك، وقد نص صاحب التيسير وغيره على أن ذلك يمال، وجعل سببه الزيادة فقال: الإمالة شائعة في "تدعى" و"تتلى" و"اعتدى" و"استعلى" و"أنجى" و"نجى" وشبهه؛ لانتقاله بالزيادة إلى ذوات الياء، قلت: الزيادة في أوله إذا كانت مفتوحة ظهرت الواو نحو يدعو ويتلو، فإذا ضمت قلبت الواو ألفا؛ لانفتاح ما قبلها فمن أين تجيء الياء؟ وأين الزيادة التي اقتضت ذلك؟ لا جائز أن تكون حرف المضارعة فإنها موجودة في حالة الضم وجودها في حالة الفتح، والضم والفتح حركتان متقابلتان فليس إمالة هذا لأجل الزيادة وإنما لأجل أن الياء ظهرت في الماضي في قولك: دعى، قلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها والمضارع فرع عن الماضي فلهذا اعتقد في ألف تدعى أنها ياء وأميلت مع أن رسم المصحف الكريم فيها بالياء، وقوله تعالى: {فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا}[4]وارد على ما ذكره في هذا البيت فإنه ثلاثي زاد ولا يمال؛ لأن ألفه ليست طرفا وهو لم يشترط الطرف فلهذا ورد والله أعلم.
298-
وَلَكِنَّ أَحْيَا عَنْهُمَا بَعْدَ وَاوِهِ ... وَفِيمَا سَوَاهُ لِلكِسَائِي مُيِّلا
أي إذا جاء أحيا أو يحيي بعد الواو فإنهما أمالاه، قال في التيسير: واتفقا يعني الكسائي مع حمزة على الإمالة في قوله: "ويحيى"، "ولا يحيى"، {أَمَاتَ وَأَحْيَا}[5]إذا كان منسوقا بالواو وتفرد الكسائي دون حمزة بإمالة: "أحياكم" و"فأحيا به" و"أحياها" حيث وقع، إذا نسق ذلك بالفاء أو لم ينسق لا غير، وإنما ذكر هذا البيت؛ ليبين ما انفرد به الكسائي، ولهذا أتى بحرف "لكن"
[1]سورة البقرة، آية: 194.
[2]سورة المؤمنون، آية: 116.
[3]سورة طه، آية: 64.
[4]سورة المائدة، آية: 85.
[5]سورة النجم، آية: 44.