إذا كان سمينا، وكأنه يشير بالسمن إلى كثرة ذنوبه كما يوصف من كثر ماله بذلك، والسمن الحقيقي مكروه في ذاته لأهل الدين والعلم؛ لأنه يشعر غالبا بقلة اهتمامه بالآخرة، وبالبلادة أيضا والهم يذيب الجسم وينحفه ولهذا جاء في الحديث: "أما علمت أن الله يبغض الحبر السمين".
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذم قوم: "قليل فقه قلوبهم وكثير شحم بطونهم".
قال العلماء: فيه تنبيه على أن الفطنة قل ما تكون مع كثرة اللحم والاتصاف بالسمن والشحم وفي أخبار الإمام الشافعي -رضي الله عنه- أنه قال ما رأيت سمينا عاقلا قط إلا رجلا واحدا وفي رواية: ما رأيت سمينا أخف روحا من محمد بن الحسن -رضي الله عنه- ومثال ذلك: "النطيحة" و"الحاقة" و"قبضة" و"بالغة" و"حياة" و"بسطة" و"القارعة" و"خصاصة" و"الصاخة" و"موعظة"، وهذه الحروف العشرة سبعة منها هي حروف الاستعلاء تستعلى إلى الحنك الأعلى فتناسب الفتح، وهي تمنع إمالة الألف في الأسماء فكيف لا تمنع إمالة الهاء التي هي مشبهة بها فإن كان قبل حرف الاستعلاء كسرة فإن الإمالة جائزة في الألف نحو: {ضِعَافًا} ، ولم يقرأ الكسائي بها في هاء التأنيث نحو: {الْقَارِعَةِ} ، والبالغة طردا للباب، ولأن الإمالة في الهاء ضعيفة، فجاز أن يمنعها ما لا يمنع إمالة الألف فإن فصل بين حرف الاستعلاء وبين الهاء فاصل جازت الإمالة نحو: "رقبة" و"مسبغة" و"نحلة" و"بطشة" و"عصبة"، والأحرف الثلاثة الباقية هي من حروف الحلق الألف والحاء والعين أما الألف فلأنها ساكنة لا يمكن كسرها ولو كسر ما قبلها لكانت الإمالة للألف لا للهاء، وأما الحاء والعين، فلأنها أقرب حروف الحلق إلى حروف الاستعلاء، فأعطيا حكمها، ثم قال: "وأكهر" أي حروف أكهر، وهي أربعة: الهمزة والكاف والهاء والراء إذا وقعت قبل هاء التأنيث بعد ياء ساكنة أو كسرة أميلت، فذكر الباء في هذا البيت، والكسر في البيت الآتي، ويلزم من إمالة هذه الحروف إمالة الهاء بعدها، "والأكهر": الشديد العبوس، يقال كهره إذا استقبله بذلك، والكهر ارتفاع النهار مع شدة الحر، ويسكن في موضع الحال من الياء، والضمير في ميلا عائد على لفظ أكهر دون معناه، وهما مبتدأ وخبر وذكر ميلا معاملة للمضاف إليه بعد حذف المضاف لما أقيم مقامه فهو من باب قوله تعالى:
{وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا} ، وشبهه ولو عامل المضاف المحذوف لقال ميلت كما قال تعالى بعد ذلك: {أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} ، وإنما اختار الناظم ذلك لأجل القافية فمثال الهمزة بعد الياء الساكنة: "خطيئة" "هيئة" وبعد الكسر "خاطئة".
ومثال الكاف بعد الياء الساكنة: {الْأَيْكَةِ} وبعد الكسر {الْمَلائِكَةَ} .
ومثال الهاء بعد الكسر: {آلِهَةٌ} و {فَاكِهَةٌ} .
ولا مثال لها بعد الياء الساكنة في القرآن ومثال الراء بعد الياء: "الكبيرة" و"صغيرة" وبعد الكسر "تبصرة" "والآخرة".
وقد ذكر الكسر قبل الأربعة في قوله:
340-
أَوِ الْكَسْرِ وَالإِسْكَانُ لَيْسَ بِحَاجِزٍ ... وَيَضْعُفُ بَعْدَ الْفَتْحِ وَالضَّمِّ أَرْجُلا
إذا وقع بين الكسر وبين الراء حرف ساكن لم يكن ذلك بحاجز أي بمانع للكسر من اقتضائه الإمالة، فكأنه قال: أو تقع هذه الحروف الأربعة بعد كسر يليها أو بعد ساكن يليه كسر، ولا مثال لهذا في الهمزة والكاف، وإنما مثاله في الهاء نحو وجهة، وفي الراء نحو: "عبرة" و"سدرة"، واختلف في "فطرة"؛ لأجل أن الساكن حرف الاستعلاء فقوى المانع وهذا وجه جيد ويقويه ما يأتي في الراءات فإنه اعتد به حاجزا، فمنع الترقيق فكذا يمنع الإمالة، ولكن هما بابان كل باب لقارئ فلا يلزم أحدهما مذهب الآخر، والكل جائز: الإمالة والترك في اللغة، ومثاله: ترك ورش ترقيق راء عمران للعجمة وابن ذكوان رققها تبعا لإمالة الألف بعدها ولم ينظر إلى العجمة ثم قال: ويضعف يعني أكهر ضعفت حروفه عن تحمل الإمالة إذا وقعت بعد الفتح والضم وأرجلا جمع رجل ونصبه على التمييز استعار ذلك لما كان يقال لكل مذهب ضعيف هذا لا يتمشى ونحوه لأن الرجل هي آلة المشي فمثال الهمزة بعد الفتح امرأة فإن فصل بين الفتح وبين الهمزة فاصل ساكن فإن كان ألفا منع أيضا نحو: {بَرَاءَةٌ} .
وإن كان غير ألف اختلف فيه نحو: {سَوْءَةَ} .
وكهيئة والنشأة قال الداني: والقياس الفتح كأنه أراد القياس على الألف أو لأن الإسكان لما لم يحجز الكسر عن اقتضاء الإمالة في نحو:
{عِبْرَةٌ} .
فكذا لا يحجز الفتح عن منع الإمالة في نحو: {سَوْءَةَ} .
مثال الكاف بعد الفتح نحو:
{مُبَارَكَةٍ} و {الشَّوْكَةِ} .
سواء في ذلك ما فيه فصل وما لا فصل فيه وبعد الضمة نحو: "التهلكة". ومثال الهاء بعد الفتح مع فصل الألف "سفاهة"، ولا يقع غير ذلك ومثال الراء بعد الفتح شجرة وثمرة وكذا مع فصل الألف وغيرها من الساكن نحو: "سيارة" و"نضرة"، وبعد الضم مع الحاجز نحو: "عسرة" و"محشورة"، ويجمع ذلك كله أن تقع حروف أكهر بعد فتح أو ضم بفصل ساكن وبغير فصل، فلهذا طلق قوله بعد الفتح والضم ووجه استثناء هذه الحروف الأربعة في بعض الصور أما الهمزة والهاء فمن حروف الحلق فألحقا بالألف والحاء والعين والخاء والغين وأما الكاف فقريبة من القاف فمنعت منعها وأما الراء فلما فيها من التكرير تشبه المستعلية فمنعت فأما إذا وقع قبل هذه الأحرف الأربعة كسرة أو ياء ساكنة؛ فإن أسباب الإمالة تقوى وتضعف المانع فتمال الهاء، ثم مثل ما قبله ساكن بعد كسر وما قبله كسر أو ياء ساكنة فقال:
341-
لَعِبْرَهْ مِائَهْ وِجْهَهْ وَلَيْكَهْ وَبَعْضُهُمْ ... سِوى أَلِفٍ عِنْدَ الكِسَائي مَيَّلا
أراد قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً} ؛ فهذا مثال ما قبله ساكن بعد كسر ومثله "ولكل وجهة" ومثال ما قبله كسر: {فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ}[1]. ومثال ما قبله ياء: {أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ}[2]. ووقع في نظم البيت: "ليكة" باللام وهذا وإن كان قرئ به في سورتي: الشعراء و"ص"[2]فليس صاحب الإمالة ممن قرأ هذه
[1]سورة الأنفال، آية: 66.
[2]سورة الحجر، آية: 78.
3 سورة الشعراء، آية: 176 وس، آية: 13.
القراءة، فالأولى أن يقع المثال بما هو قراءة له فيقال: وأيكة بهمزة قبل الياء ولا يضر حذف لام التعريف فإنها منفصلة من الكلمة تقديرًا، ووجه ثانٍ وهو أن الأيكة جاءت في القرآن في غير هاتين السورتين غير مقروءة باللام بإجماع على ما في التيسير ونظمه، فإذا وقع المثال بهمزة عم جميع المواضع مع موافقة القراءة بخلاف التمثيل بقراءة اللام ولعله أراد: "الأيكة" على قراءته وإنما نقل حركة الهمزة إلى اللام؛ لضرورة النظم كما يقرأ ورش، فالصواب كتابته على هذه الصورة في هذا البيت؛ ليشعر بذلك ولا يوهم أنه أراد تلك القراءة فهو كقوله في الأنعام: "وَالْآخِرَةِ" المرفوع بالخفض، و"كلا" والله أعلم.
ثم قال: وبعضهم أي وبعض المشايخ من أهل الأداء ميل:
للكسائي جميع الحروف قبل هاء التأنيث مطلقا من غير استثناء شيء إلا الألف، قال صاحب التيسير والنص عن الكسائي في استثناء ذلك معدوم، وبإطلاق القياس في ذلك قرأت على أبي الفتح عن قراءته، ثم قال: والأول أختار إلا ما كان قبل الهاء فيه ألف فلا تجوز الإمالة فيه، وقال في كتاب الإمالة: لم يستثن خلف عن الكسائي شيئا، وكذلك بلغني عن أبي مزاحم الخاقاني، وكان من أضبط الناس لحرف الكسائي وإليه ذهب أبو بكر بن الأنباري وجماعة من أهل الأداء والتحقيق، وبه قرأت على شيخنا أبي الفتح عن قراءته على أصحابه، قال: وكان أبو بكر بن مجاهد وأبو الحسين بن المنادى وأبو طاهر بن أبي هاشم وجميع أصحابهم يخصون من ذلك بالفتح ما كان فيه قبل هاء التأنيث أحد عشرة أحرف فذكرها، ثم قال: جعلوا للهمزة والراء والكاف إذا وقعت قبل هاء التأنيث أحوالا، فأمالوا بعضا وفتحوا بعضا، ثم شرح ذلك على نحو ما تقدم فأما الألف قبل هاء التأنيث فأتت في عشر كلم: "الصلاة"، و"الزكاة"، و"الحياة"، و"النجاة"، و"مناة"، و"هيهات هيهات"، و"ذات"، و"لات"، و"اللات"؛ لأن الكسائي يقف على هذه الكلم الخمس بالهاء، وهو وغيره يقفون على ما عداها كذلك فلا تمال الهاء في هذه الكلم العشر؛ لأنه يلزم من ذلك إمالة الألفات وهي لا تقبل الإمالة؛ لأنها من ذوات الواو في بعضها، ومجهولة في بعضها، ولا حظ للجميع في الإمالة فلو وقعت إمالة لظن أنها للألف لا للهاء؛ لأن الألف هي الأصل في الإمالة والهاء فرع لها ومشبهة بها ألا ترى أن: "تقاة"، و"مرضات"، و"مزجاة"، و"التوراة"، و"كمشكاة" معدودة في باب إمالة الأف لا في باب إمالة الهاء، وذكر مكي في "مناة" خلافا مبنيا على أصل الألف، واختار عدم الإمالة، وذكر الداني في ألف الحياة خلافا أنها منقلبة عن واو وعن ياء، وإنما لم تمل على هذا القول؛ لكونها مرسومة في المصحف بالواو والله أعلم.
باب: الراءات
...
باب: مذاهبهم في الراءات
أي باب حكم الراءات أو باب الإمالة الواقعة في الراءات، وقد سبق إمالة الألفات والهاءات، وقد عبر في هذا الباب عن الإمالة بالترقيق؛ تنبيها على أنها إمالة بين اللفظين، وقد عبر عنه الداني في التيسير بالإمالة، والترقيق من أسماء الإمالة، فلهذا قال الشاطبي: "وقد فخموا التنوين وقفا ورققوا"، وقد تقدم ذكر إمالة ورش لذوات الراء بين بين، وهذا الباب تتمة لمذهبه في إمالة الراء، حيث لا يميلها غيره، وهو إذا لم يكن بعدها ألف، أو كان، ولكنها ألف غير طرف أو ألف تثنية نحو: "فراش" و"ساحران".
فقوله: "وما بعد راء شاع حكما" لا يدخل فيه هذان النوعان؛ لأن الإمالة المذكورة في ذلك البيت للألف لا الراء، وجاءت إمالة الراء تبعا لها، والمذكور في هذا الباب إمالة الراء لا الألف، فلم يضر وقوع ألف التثنية بعدها ولا غيرها، وإن كان قد خالف في بعض هذا مخالف، على ما سنذكره إن شاء الله سبحانه، والله أعلم.
342-
وَرَقَّقَ وَرْشٌ كُلَّ رَاءٍ وَقَبْلَهَا ... مُسَكَّنَةً يَاءٌ أَوِ الْكَسْرِ مُوصَلا
رقق: أي أمال بين بين قال في التيسير: اعلم أن ورشا كان يميل فتحة الراء قليلا بين اللفظين، وكذا قال في باب الإمالة وقال مكي: كان ورش يرقق الراء، فيعلم من هذا الإطلاق أن الترقيق في هذا الباب عبارة عن إمالة بين بين ويستخرج من هذا أن إمالة الألفات بين بين على لفظ الترقيق في هذا الباب على ما ينطق به قراء هذا الزمان، وقد نبهنا على ذلك في شرح قوله: وذو الراء ورش بين بين فالمراد من ترقيق الراء تقريب فتحها من الكسرة، وقوله: كل راء يعني ساكنة كانت أو متحركة بأي حركة تحركت على الشروط المذكورة إلا ما يأتي استثناؤه، وقوله: مسكنة حال مقدمة لو تأخرت لكانت صفة للياء والواو في وقبلها للحال أي رققها في حال كون الياء السكنة قبلها نحو:
"غير"، و"الخير"، و"لا ضير"، و"ميراث"، و"فقيرا"، و"المغيرات"، ولا يكون قبل الياء الساكنة إلا مفتوح أو مكسور وقد مثلنا بالنوعين ثم قال: أو الكسر أي أو أن يكون قبل الراء كسر نحو:
"الآخرة" و"باسرة" و"المدبرات".
ولا فرق في المكسور بين أن يكون حرف استعلاء أولا، وتقع حروف الاستعلاء قبلها إلا الغين نحو: {نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ، {قَاصِرَاتُ} ، {قَطِرَانٍ} ، ونحوه فهذه ستة ودخل ذلك كله تحت قوله: كل راء أي سواء توسطت أو تطرفت لحقها تنوين أو لم يلحقها كان المكسور قبلها حرف استعلاء أو غير حرف استعلاء فالراء مرققة محالة بين اللفظين لورش سواء وصل الكلمة أو وقف عليها وقوله: موصلا حال من الكسر أي يكون الكسر موصلا بالراء في كلمة واحدة احترازا مما يأتي ذكره وهو: الكسر العارض، والمفصل والغرض من الإمالة والترقيق مطلقا
اعتدال اللفظ، وتقريب بعضه من بعض بأسباب مخصوصة وأسباب ترقيق الراء هنا لورش: أن يكون قبلها ياء ساكنة أو كسرة لازمة متصلة لفظا أو تقديرا والله أعلم.
343-
وَلَمْ يَرَ فَصْلاً سَاكِنًا بَعْدَ كَسْرَةٍ ... سِوى حَرْفِ الاِسْتِعْلاَ سِوَى الخَا فَكَمَّلا
أي لم يعتد بالحرف الساكن الذي وقع فصلا بين الكسرة اللازمة والراء فأعمل الكسرة ما تقتضيه من الترقيق كأنها قد وليت الراء وذلك نحو:
"إكراه" و"إكرام" و"سدرة"، فرقق؛ لضعف الفاصل بسكونه؛ فإن كان الفاصل الساكن حرف استعلاء قوي المانع فإنه لقوته في منع الإمالة لا يضعف بكونه ساكنا كما يضعف غيره، ولا يقع كذلك من حروف الاستعلاء إلا الصاد والطاء والقاف نحو: "إصرا" و"قطرا" و"وقرا".
واستثنى من حروف الاستعلاء الخاء فلم يعتد بها فاصلا نحو إخراجا؛ لأنها ضعفت عن أخواتها بالهمس والصاد وإن كانت مهموسة إلا أنها مطبقة ذات صفير فقويت فمنعت فإن قلت قوله: ولم ير من رؤية القلب فأين مفعولاه؟ قلت: فصلا هو المفعول الثاني وساكنا هو الأول أي لم ير الساكن فصلا وقوله: ساكنا نكرة في سياق النفي فهي للعموم فاستثنى من ذلك العموم حروف الاستعلاء فقوله: حرف بمعنى حروف اكتفى بالمفرد عن الجمع للدلالة على الجنس، ثم استثنى الخاء من هذا الجنس فهو استثناء من استثناء والاستثناء مغاير في الحكم للمستثنى منه؛ فحروف الاستعلاء فاصلة والخاء ليست فاصلة فهو كقولك: خرج القوم إلا العبيد إلا سالما فيكون سالم قد خرج، وقصر الناظم لفظي الاستعلاء والخاء ضرورة، والضمير في: ولم ير، وفي: فكملا لورش؛ أي كمل حسن اختياره بصحة نظره حين اختزل الخاء من حروف الاستعلاء فرقق بعدها:
344-
وَفَخَّمَهَا في الأَعْجَمِيِّ وَفِي إِرَمْ ... وَتَكْرِيرِهَا حَتَّى يُرى مُتَعَدِّلاَ
ذكر في هذا البيت ما خالف فيه ورش أصله فلم يرققه مما كان يلزم ترقيقه على قياس ما تقدم والتفخيم ضد الترقيق أي وفخم ورش الراء في الاسم الأعجمي أي الذي أصله العجمة وتكلمت العرب به ومنعته الصرف بسببه والذي منه في القرآن ثلاثة: "إبراهيم"، و"إسرائيل"، و"عمران"، كان يلزمه ترقيق رائها؛ لأن قبلها ساكنا بعد كسرة وليس الساكن حرف استعلاء، ثم قال وفي إرم أي وفخم الراء في: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ}[1].
[1]سورة الفجر، آية: 7.
وكان يلزمه ترقيقها؛ لأنها بعد كسرة وإرم أيضا اسم أعجمي وقيل عربي فلأجل الخلاف فيه أفرده بالذكر، ووجه تفخيم ذلك كله التنبيه على العجمة، ورقق أبو الحسن بن غلبون: {إِرَمَ} ؛ لأن الكسرة وليت الراء بخلاف البواقي وأما: {عَزِيزٌ} ، فلم يتعرضوا له وهو أعجمي وقيل عربي على ما يبين في سورته فيتجه فيه خلاف مبني على ذلك ثم قال: وتكريرها أي، وفخم الراء أيضا في حال تكريرها، أو في ذي تكريرها أي في الكلمة التي تكررت الراء فيها يعني إذا كان في الكلمة راءان نحو: "فرارا" و"ضرارا" و"لن ينفعكم الفرار" و"إسرارا" و"مدرارا"، لم ترقق الأولى وإن كان قبلها كسرة؛ لأجل الراء التي بعدها فالراء المفتوحة والمضمومة تمنع الإمالة في الألف كما تمنع حروف الاستعلاء فكذا تمنع ترقيق الراء وقوله: حتى يرى متعدلا يعني اللفظ، وذلك أن الراء الثانية مفخمة؛ إذ لا موجب لترقيقها، فإذا فخمت الأولى اعتدل اللفظ، وانتقل اللسان من تفخيم إلى تفخيم فهو أسهل والله أعلم.
345-
وَتَفْخِيمُهُ ذِكْرًا وَسِتْرًا وَبَابَهُ ... لَدى جِلَّةِ الأَصْحَابِ أَعْمَرُ أَرْحُلا
ذكر في هذا البيت ما اختلف فيه مما فصل فيه بين الكسر والراء ساكن غير حرف استعلاء فذكر مثالين على وزن واحد وهما: "ذكرا" و"سترا"، ثم قال: وبابه أي وما أشبه ذلك، قال الشيخ: وبابه يعني به كل راء مفتوحة لحقها التنوين، وقبلها ساكن قبله كسرة نحو: "حجرا" و"صهرا" و"شيئا إمرا" و"وزرا".
فالتفخيم في هذا هو مذهب الأكثر، ثم علل ذلك بأن الراء قد اكتنفها الساكن والتنوين فقويت أسباب التفخيم، قلت: ولا يظهر لي فرق بين كون الراء في ذلك مفتوحة أو مضمومة بل المضمومة أولى بالتفخيم؛ لأن التنوين حاصل مع ثقل الضم، وذلك قوله تعالى: {هَذَا ذِكْرُ}[1]، فإن كان الساكن الذي قبل الراء قد أدغم فيها فالترقيق بلا خلاف نحو: "سرا" و"مستقرا".
[1]سورة س، آية: 49.
من سورة الروم إلى سورة سبأ
...
تكلم فيها، أما وخاتم النبيين فوجه الفتح فيه أن الذي يختم به يقال بفتح التاء وكسرها فكأنه -صلى الله عليه وسلم- جُعل كخاتم لما ختم به الأنبياء، قال أبو عبيد: وبالكسر نقرأ؛ لأن التأويل أنه -صلى الله عليه وسلم- ختمهم فهو خاتمهم، وكذلك رويت الآثار عنه في صفة نفسه أنه قال: "أنا خاتم النبيين" لم نسمع واحدا من فقهائنا يروي هذا الحرف في حديثه إلا بكسر التاء قال الزجاج: من كسر فمعناه ختم النبيين ومن فتح فمعناه آخر النبيين لا نبي بعده، والواو في قول الناظم: وقرن وخاتم ليست فاصلة بل هي من نفس الكلمة في القرآن كالياء في يكون ويحل، أما الواو في "وكلا" فليست فاصلة أيضا ولا معنى لها هنا فلو أتى بكلمة أولها نون رمزا لقراء الفتح لكان أولى فيقول نولا أو نحو ذلك، ويستغنى عن الرمز بعد قوله: في البيت الآتي ويأتي بالواو الفاصلة ثم يقول وخاتم نزلا بفتح وقل ساداتنا اجمع إلى آخره.
فإن قلتَ: لو قال كذلك لكان قد رمز قبل تقييد القراءة، وهو قد قال: ومن بعد ذكرى الحرف أسمى رجاله، قلت: الذي التزمه أن لا يتقدم الرمز على الحرف المختلف فيه أما تقدمه على التقييد فلا كقوله: سما العلا شذا الجزم.
974-
بِفَتْحٍ "نَـ"ـمَا سَادَاتِنَا اجْمَعْ بِكَسْرَةٍ ... "كَـ"ـفَى وَكَثِيرًا نُقْطَةٌ تَحْتُ "نُـ"ـفِّلا
يريد: {إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا} هو جمع سيد وسادات جمع هذا الجمع وكسر تائه علامة النصب؛ لأنه جمع سلامة وفتح تاء سادة علامة نصبه؛ لأنه جمع تكسير ومثله كتبة وفجرة، أما: {وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} فقراءة عاصم وحده بالباء الموحدة والقراءتان وجههما كما سبق في البقرة في: {إِثْمٌ كَبِيرٌ} قال أبو علي: الكير مثل العظم والكثرة أشبه بالمعنى؛ لأنهم يلعنون مرة بعد مرة وقوله: نفل معناه أعطى نقطة من تحته والتنفيل الإعطاء فقوله: نقطة بالنصب ثاني مفعول نفلا وجعل النقطة نفلا؛ لأنها دون الثلاث التي للثاء فتلك بمنزلة النفل في قسم الغنيمة؛ لأنها دون سهم الغانم والله أعلم.
لأن الكسرة كأنها وليت الراء من جهة أن المدغم فيه كالحرف الواحد فالمدغم كالذاهب، ورقق أبو الحسن ابن غلبون جميع الباب إلا: "مِصْرًا"، و"إِصْرًا"، و"قِطْرًا"؛ من أجل حرف الاستعلاء فألزمه الداني: "وَقْرًا".
ومنهم من لم يرقق إلا "صهرا"؛ لخفاء الهاء وفخم أبو طاهر بن أبي هاشم وعبد المنعم بن غلبون وغيرهما أيضا من المنون نحو: "خَبِيرًا"، و"بَصِيرًا"، و"مُدْبِرًا"، و"شاكرا"، مما قبل الراء فيه ياء ساكنة أو كسرة فكأنه قياس على: "ذِكْرًا"، و"سِتْرًا".
قال الداني: وكان عامة أهل الأداء من المصريين يميلونها في حال الوقف؛ لوجود الجالب؛ لإمالتها في الحالين، وهو الياء والكسرة وهو الصواب وبه قرأت وبه آخذ، وقال في: "ذِكْرًا" و"سِتْرًا". أقرأني ذلك غير أبي الحسن بن غلبون بالفتح وعليه عامة أهل الأداء من المصريين وغيرهم، وذلك على مراد الجمع بين اللغتين. قلت: فحصل من هذا أن المنصوب المنون الذي قبل رائه ما يسوغ ترقيقها على ثلاثة أقسام:
ما يرقق بلا خلاف، وهو نحو: "سرا" و"مستقرا".
وما يرقق عند الأكثرين وهو نحو: "خَبِيرًا"، و"شَاكِرًا".
وما يفخم عند الأكثر وهو نحو: "ذِكْرًا"، و"سِتْرًا".
وقلت في ذلك بيتا جمع الأنواع الثلاثة على هذا الترتيب وهو:
وسرا رقيق قل خبيرا وشاكرا
للَاكثر ذكرا فخم الجلة العلا
وكأنهم اختاروا تفخيم هذا النوع؛ لأنه على وزن ما لا يمال نحو: