{حَيْرَانَ} و {إِجْرَامِي} و {عَشِيرَتُكُمْ} في سورة براءة خاصة[1]. قلت: وعلل بعضهم تفخيم حيران بالألف والنون فيه في مقابلة ألف التأنيث في حيرى وإذا وقعت الراء قبل ألف حيرى رققت لأجل الألف الممالة لا لأجل الياء، فكما لم يكن للحاء حكم مع وجود الألف في حيرى لم يكن لها حكم مع وجود الألف والنون في حيران، قلت: وهذا كلام ضعيف لمن تأمله، ثم قال: ونظير ارتفاع حكم الياء مع الألف الممالة ارتفاع حكم الكسرة معها في نحو: {ذِكْرَى الدَّارِ} ؛ ألا ترى أنك إذا وقفت رققت، وإذا وصلت فخمت. قلت: وهذا ممنوع بل إذا وصل رقق لأجل الكسرة وإذا وقف أمال تبعا للألف، وقد سبق التنبيه على هذا في باب الإمالة والله أعلم.
347-
وَفي الرَّاءِ عَنْ وَرْشٍ سِوَى مَا ذَكَرْتُهُ ... مَذَاهِبُ شَذَّتْ فِي الأَدَاءِ تَوَقُّلا
توقلا: تمييز يقال: توقل في الجبل إذا صعد فيه أي شذ ارتفاعها في طرق الأداء، ولفظة الأداء كثيرة الاستعمال بين القراء، ويعنون بها تأدية القراء القراءة إلينا بالنقل عمن قبلهم، كأنه لما ذكر هذه المواضع المستثناة من الأصل المتقدم قال: وثم غير ذلك من المواضع المستثناة اشتمل عليها كتب المصنفين، فمن تلك المذاهب ما حكاه الداني عن شيخه أبي الحسن بن غلبون: أنه استثنى تفخيم كل راء بعدها ألف تثنية نحو: "طَهِّرَا"، و"سَاحِرَانِ". أو ألف بعدها همزة نحو: "افْتِرَاءً عَلَيْهِ".
أو بعدها عين نحو: "سِرَاعًا"، و"ذِرَاعًا"، و"ذِرَاعَيْهِ". وفخم قوم إذا كان بين الراء وبين الكسر ساكن نحو: "حِذْرَكُمْ"، و"ذِكْرُكُمْ"، "لَعِبْرَةً" مطلقا. ومنهم من اقتصر على تفخيم: "وَزَرَ" حيث وقع، ومنهم من اقتصر على: "وِزْرَكَ"، "ذِكْرَكَ".
ومنهم من فخم في موضعين وهما عشرون: "كِبْرَهُ"، و"مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ".
[1]الآية: 24.
348-
وَلاَ بُدَّ مِنْ تَرْقِيِقِهاَ بَعْدَ كَسْرَةٍ ... إِذَا سَكَنَتْ ياَ صَاحِ لِلسَّبْعَةِ المَلا
أي إذا سكنت الراء وقبلها كسرة رققت لجميع القراء نحو: "مِرْيَةٍ"، و"شِرْذِمَةٌ"، و"اصْبِرْ"، و"يَغْفِرُ"، و"فِرْعَوْنَ".
قالوا: لأن الحركة مقدرة بين يدي الحرف وكأن الراء هنا مكسورة ولو كانت مكسورة لوجب ترقيقها على ما يأتي ومن ثم امتنع ترقيق نحو: "مَرْجِعُ"؛ لأن الكسرة تبعد عنها إذا كانت بعدها، وتقرب منها إذا كانت قبلها بهذا الاعتبار. قال: ومن ثم همزت العرب نحو: مؤسى والسؤق لما كانت الضمة كأنها على الواو والواو المضمومة يجوز إبدالها همزة فأجروا الساكنة المضموم ما قبلها مجرى المضمومة لهذه العلة وكثر في نظم العرب ومن بعدهم قوله: يا صاح، ومعناه: يا صاحب، ثم رخم كما قرأ بعضهم: {يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} .
قال: إلا أن ترخيم صاحب من الشذوذ المستعمل؛ لأنه غير علم بخلاف مالك ونحوه، والملأ: الأشراف.
349-
وَمَا حَرْفُ الِاسْتِعْلاَءِ بَعْدُ فَراؤُهُ ... لِكُلِّهِمُ التَّفْخِيمُ فِيهاَ تَذَلَّلا
أي: واللفظ الذي وقع فيه حرف الاستعلاء بعد رائه فـ "راء" ذلك اللفظ تذلل التفخيم فيها لكلهم أي انقاد بسهولة؛ لأن التفخيم أليق بحروف الاستعلاء من الترقيق لما يلزم المرقق من الصعود بعد النزول، وذلك شاقٌّ مستثقلٌ، وحرف الاستعلاء إذا تأخر منع الإمالة مطلقا بخلافه إذا تقدم فإنه لا يمنع إلا إذا لم يكن مكسورًا أو ساكنا بعد مكسور، وهذا البيت مشكل النظم في موضعين أحدهما أن ما في أوله عبارة عن ماذا؟ والثاني الهاء في راؤه إلى ماذا تعود؟ والذي قدمته من المعنى هو الصواب إن شاء الله تعالى، وهو أن ما عبارة عن اللفظ الذي فيه الراء بعد كسر والهاء في راؤه تعود على ذلك اللفظ، وقال الشيخ في شرحه: يعني والذي بعده من الراءات حرف الاستعلاء فراؤه إن شئت رددت الضمير إلى "ما"، وإن شئت أعدته على حرف الاستعلاء. قلت: كلاهما مشكل فإن "ما" مبتدأ، وقد جعلها عبارة عن الراء فإذا عادت الهاء إلى ما يصير التقدير: فـ "راء الراء"، وذلك فاسد؛ لأنه من باب إضافة الشيء إلى نفسه وذلك لا يجوز، وإن عادت إلى حرف الاستعلاء بقي المبتدأ بلا عائد يعود إليه، ثم جمع حروف الاستعلاء فقال:
351-
وَيَجْمَعُهاَ قِظْ خُصَّ ضَغْطٍ وَخُلْفُهُمْ ... بِفِرْقٍ جَرى بَيْنَ المَشَايِخِ سَلْسَلا
أي يجمعها هذه الكلمات فهي سبعة أحرف وربما ظن السامع أن جميعها يأتي بعد الراء فيطلب أمثلة ذلك فلا يجد بعضه إنما أراد الناظم أي شيء وجد منها بعد الراء منع، والواقع منها في القرآن في هذا الغرض أربعة الصاد والضاد والطاء والقاف، ولم يقع الخاء والظاء والغين ولو أنه قال:
1 سورة الزخرف، آية: 77.
وما بعده صاد وضاد وطا وقا ... ففخِّم لكل خلف فرق تسلسلا
لبان أمر البيتين في بيت واحد، وخلصنا من إشكال العبارتين فيهما والله أعلم.
أما الصاد فوقعت بعد الراء الساكنة بعد كسر وهي المرققة لجميع القراء فمنعت الترقيق حيث وقعت نحو: "إِرْصَادًا"، و"لَبِالْمِرْصَادِ".
وأما الضاد فوقعت في مذهب ورش في نحو: "إِعْرَاضًا"، و"إِعْرَاضُهُمْ".
وأما الطاء والقاف فوقعا في الأمرين نحو: "قِرْطَاسٍ"، و"فِرْقَةٍ"، و"صِرَاطٍ"، و"فِرَاقُ".
وليس من شرط منع حرف الاستعلاء أن يلي الراء بل يمنع وإن فصل بينهما الألف ولا يقع في مذهب ورش إلا كذلك غالبا نحو: "صِرَاطٌ"، و"فِرَاقُ"، و"إِعْرَاض". حتى نص مكي في التبصرة على أن: {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} لا ترقق في الوصل لأجل صاد: "صُدُورِهِمْ". فإن رققت على: "حَصِرَتْ" رققت لزوال المانع. قلت": وتفخيم راء: "حَصِرَتْ" لأجل صاد: "صُدُورُهُمْ" بعيد؛ لقوة الفاصل وهو التاء بخلاف فصل الألف، ولأن حرف الاستعلاء منفصل من الكلمة التي فيها الراء فلا ينبغي أن يعتبر ذلك إلا في كلمة واحدة وعلى قياس ما ذكروه يجب التفخيم فيما إذا كانت الراء آخر كلمة وحرف الاستعلاء أول كلمة بعدها نحو: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا} ، {أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ} ، {وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ} ، {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا} . والتفخيم في هذا يكون أولى من التفخيم في: {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} ؛ لوجود الفاصل في حصرت دون ما ذكرناه ولا أثر للصاد في حصرت فإنها مكسورة فلا تمنع؛ لأنها مثل:
"تُبْصِرُونَ".
والأظهر الترقيق في الجميع قياسا للمانع على المقتضى، وسيأتي في البيت بعد هذا أن ما جاء بعد الكسر المفصل فلا ترقيق فيه فلم ينظر إلى المفصل ترقيقا فلا ينظر أيضا إلى المفصل تفخيما فيعطي كل كلمة حكمها والله أعلم.
ومعنى قوله: قظ خص ضغط أي أقم في القيظ في خص ذي ضغط أي خص ضيق أي اقنع من الدنيا بمثل ذلك وما قاربه واسلك طريقة السلف الصالح، فقد جاء عن أبي وائل شقيق بن سلمة -رحمة الله عليهما- وهو من المخضرمين وأكابر التابعين من أصحاب عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- ما نحو من ذلك، قال عبد الله بن عمير: كان لأبي وائل خص من قصب يكون فيه هو ودابته فإذا غزا نقضه، وإذا رجع بناه.
وأما قوله في الشعراء: {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ}[1]، فالراء فيه رقيقة؛ لوقوعها بين كسرتين وضعف منع حرف الاستعلاء بسبب كسره، ونقل الاتفاق على ترقيق هذا الحرف مكي وابن شريح وابن الفحام.
قال الشيخ رحمه الله: وفخمها بعضهم لمكان حرف الاستعلاء، قال الحافظ أبو عمرو: والوجهان جيدان. قال: وإلى هذا أشار بقوله: جرى بين المشايخ سلسلا. قلت: وقال الداني في كتاب الإمالة: كان شيخنا أبو الحسن يرى إمالة الراء في قوله: {وَالْإِشْرَاقِ} ؛ لكون حرف الاستعلاء فيه مكسورا قال فعارضته بقوله: {إِلَى صِرَاطٍ} ، وألزمته الإمالة فيه، قال: ولا أعلم خلافا بين أهل الأداء لقراءة ورش عن نافع من المصريين وغيرهم في إخلاص فتح الراء في ذلك، وإنما قال ذلك شيخنا -رحمه الله- فيما أحسبه قياسا دون أداء؛ لاجتماع الكل على خلاف ما قاله والله أعلم.
351-
وَمَا بَعْدَ كَسْرٍ عَارِضٍ أَوْ مُفَصَّلٍ ... فَفَخِّمْ فَهذاَ حُكْمُهُ مُتَبَذِّلا
أي والذي يوجد من الراءات بعد كسر عارض وهو كسر ما حقه السكون ككسر همزة الوصل نحو: {امْرَأَةٌ} ، و {ارْجِعُوا} ، إذا ابتدأت وكسرة التقاء الساكنين نحو: {وَإِنِ امْرَأَةٌ} {أَمِ ارْتَابُوا} {يَا بُنَيَّ ارْكَبْ} .
[1]آية: 63.
إذا وصلت، أو بعد كسر مفصل أي يكون الكسر في حرف مفصل من الكلمة التي فيها الراء لفظا أو تقديرا نحو ما سبق من كسرة التقاء الساكنين نحو: {لِحُكْمِ رَبِّكَ} ، {بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} ، و {بِرَسُولٍ} ، و {لَرَسُولُ} ؛ لأن حروف الجر في حكم المنفصل من الكلمة الداخلة هي عليها؛ لأن الجار مع مجروره كلمتان حرف واسم، فلعروض الكسرة في القسم الأول وتقدير انفصال الراء عن الكسرة في الثاني فخمها ورش في المتحركة وجميع القراء في الساكنة، قال ابن الفحام: لم يعتد أحد بالكسرة في قوله: {بِرَبِّهِمْ} ، ولا {بِرُوحِ الْقُدُسِ} ، ولا في {ارْجِعُوا} .
قال: وأما المبتدأة فلا خلاف في تفخيمها نحو: {أَرَأَيْتَ} .
قلت: فيعلم من هذا أن نحو قوله تعالى: {مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ} ، {الَّذِي رُزِقْنَا} لا ترقق وإن كان قبل الراء ياء ساكنة؛ لأنها منفصلة عنها ولم ينبه الناظم على الياء المنفصلة كما نبه على الكسر المنفصل، وقد نبه عليه غيره والله أعلم، وقوله: متبذلا حال يشير إلى أن التفخيم مشهور عند القراء مبذول بينهم.
352-
وَمَا بَعْدَهُ كَسْرٌ أَوِ اليَا فَمَا لَهُمْ ... بِتَرْقِيقِهِ نَصٌّ وَثِيقٌ فَيَمْثُلا
أي: وما وقع من الراءات بعده كسرة أو ياء على ضد ما سبق؛ لأن الذي تقدم الكلام فيه أن تكون الراء بعد كسر أو ياء، وليس هذا على عمومه؛ بل مراده أن ما حكوا ترقيقه مما بعده كسر أو ياء لا نص لهم فيه والذي حكوا ترقيقه من ذلك نحو: "مَرْيَمَ"، ولفظ "لمرء".
وعموم ما ذكره في هذا البيت يجيء في الراء الساكنة نحو: "مَرْيَمَ"، و"يَرْجِعُونَ".
ولا تكون الياء بعدها إلا متحركة نحو: "لِبَشَرَيْنِ"، و"الْبَحْرَيْنِ"، و"إِلَى رَبِّهِمْ".
وكان القياس يقتضي أن هذا كله يرقق كما لو تقدمت الياء أو الكسر؛ فإن الترقيق إمالة وأسباب إمالة الألف تكون تارة بعدها وهو الأكثر وتارة قبلها، فينبغي أن تكون الراء كذلك ولكن عدم النص في ترقيق مثل ذلك، ونقل مكي الترقيق في نحو: "مَرْيَمَ"، و"قَرْيَةٍ".
فقال: أما الراء الساكنة فلا اختلاف فيها أنها غير مغلظة إذا كان قبلها كسرة لازمة أو بعدها ياء نحو: "مَرْيَمَ"، و"فِرْعَوْنَ"، قال: ونقلت: {بَيْنَ الْمَرْءِ} بالتغليظ وتركه لورش وللجماعة بالتغليظ، قال الداني: على الترقيق عامة أهل الأداء من المصريين القدماء، قال: والقياس إخلاص فتحها لفتحة الميم قبلها، قوله: فيمثلا أي فيظهر ثم قال:
353-
وَمَا لِقِيَاسٍ فِي القِرَاءة مَدْخَلٌ ... فَدُونَكَ مَا فِيهِ الرِّضَا مُتَكَفِّلا
أي لو فتح قياس ما بعد الراء على ما قبلها لاتسع الأمر في ذلك فيقال: يلزم من إمالة: "مَرْيَمَ" إمالة نحو "يَرْتَعْ"، فلا فرق بين أن تكون الياء المفتوحة بعد الراء وقبلها بل مراعاة ما قبلها أولى بدليل أن الياء الساكنة اعتبرت قبل الراء ولم تعتبر بعدها نحو: {وَجَرَيْنَ بِهِمْ} .
وقد اعتذر قوم عن ذلك بما فيه تكلف ولو رققت الراء من: "يَرْتَعْ" لرققت لورش في نحو: "يَرَوْنَ".
فدونك ما فيه الرضى أي ما نقل ترقيقه، وارتضاه الأئمة متكفلا بتقديره وإظهاره للطلبة أي خذه والزمه متكفلا به ويجوز أن يكون "متكفلا" حالا من ما وهو المفعول أي خذ الذي تكفل بالرضى للقراء، والمعنى أنهم يرضون هذا المذهب دون غيره، وأما نفي أصل القياس في علم القراءة مطلقا فلا سبيل إليه، وقد أطلق ذلك أبو عمرو الداني في مواضع، وقد سبقت عبارته في: {بَيْنَ الْمَرْءِ} بأن القياس إخلاص فتحها وقال في آخر باب الراءات من كتاب الإمالة: فهذه أحكام الوقف على الراءات على ما أخذناه عن أهل الأداء وقسناه على الأصول؛ إذ عدمنا النص في أكثر ذلك، واستعمل ذلك أيضا في بيان إمالة ورش الألف بين اللفظين في مواضع كثيرة في كتاب الإمالة وغيره.
354-
وَتَرْقِيقُهاَ مَكْسُورَةً عِنْدَ وَصْلِهِمْ ... وَتَفْخِيمُهاَ في الوَقْفِ أَجْمَعُ أَشْمُلا
يعني إذا كانت الراء مكسورة فكلهم يرققها إذا وقعت وسطا مطلقا نحو: "قَادِرِينَ"، و"الصَّابِرِينَ".
أو أولا نحو: "رِيحٍ"، و"رِجَالٌ".
وإن وقعت الراء المكسورة آخر كلمة رققت للجميع في الوصل، سواء كان الكسر أصلا أو عارضا نحو: {مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} و {أَنْذِرِ النَّاسَ} .
فإن وقفت زالت كسرة الراء الموجبة لترقيقها فتفخم حينئذ، وفيه إشكال؛ فإن السكون عارض، وقد تقدم في باب الإمالة أن السكون العارض في الوقف لا يمنع الإمالة فيتجه مثل ذلك هنا، وقد أشار إليه مكي فقال: أكثر هذا الباب إنما هو قياس على الأصول وبعضه أخذ سماعا، ولو قال قائل: إنني أقف في جميع الباب كما أصل سواء سكنت أو رمت لكان لقوله وجه؛ لأن الوقف عارض والحركة حذفها عارض وفي كثير من أصول القراءات لا يعتدون بالعارض قال: فهذا وجه من القياس مستتب والأول أحسن. قلت: وقد ذكر الحصري الترقيق في قصيدته فقال:
وما أنت بالترقيق واصله فقف ... عليه به إذ لست فيه بمضطرِّ
ويمكن الفرق بين إمالة الألف وترقيق الراء بأن إمالة الألف أقوى وأقيس وأفشى في اللغة من ترقيق الراء؛ بدليل أن الألف تمال ولا كسر يجاورها كذوات الياء ويمال أيضا نحو: "خَاف"؛ لأن الخاء قد تكسر إذا قيل: خفت فاتسع في إمالة الألف كثيرًا فجاز أن يمنع الأضعف ما يمنع الأقوى لكن يضعف هذا الفرق نصهم على ترقيق الراء الأولى من: "شَرَرٍ" في الوقف، فهذا دليل على اعتبار الكسر فيها بعد ذهابه بسكون الوقف قالوا وترقيق الثانية لأجل إمالة الأولى، وهذا دليل على عدم اعتبار الكسر فيها وإلا لآثر في نفسها الترقيق، ولم يعتبر بإمالة ما قبلها، ووجه ذلك أن ترقيق الأولى أشبه إمالة الألف في نحو: "النَّارِ".
وكلاهما رقق لكسرة بعده فبقي الترقيق بعد زوال الكسرة في الوقف كما تقدم في الألف وقوله: وترقيقها مبتدأ وخبره قوله: عند وصلهم وأجمع أشملا: خبر قوله: وتفخيمها، وأشملا تمييز وهو جمع شمل والمعنى هو أجمع أشملا من ترقيقها إشارة إلى كثرة القائلين به، وقلة من نبه على جواز الترقيق فيه كما نبه عليه مكي والحصري، فإن قلت: ما تقول في قوله تعالى: {فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا} ؛ هل تمنع القاف من ترقيق الراء المكسورة؟ قلت: لا؛ لقوة مقتضى الترقيق وهو الكسر في نفس الراء، وإنما يمنع حرف الاستعلاء ترقيق غير المكسورة؛ لأن مقتضى ترقيقها في غيرها فضعف فقوي حرف الاستعلاء على منع مقتضاه، قال الداني: أما الراء المكسورة فلا خلاف في ترقيقها بأي حركة تحرك ما قبلها ولا يجوز غير ذلك والله أعلم.
355-
وَلكِنَّهَا في وَقْفِهِمْ مَعْ غَيْرِهاَ ... تُرَقِّقُ بَعْدَ الكَسْرِ أَوْ مَا تَمَيَّلا
الضمير في "ولكنها" للمكسورة أي مع غيرها من الراءات المفتوحة والمضمومة والساكنة ترقق في الوقف إذا كان قبلها أحد أسباب ثلاثة ذكر منها في هذا البيت اثنين الكسر والإمالة، والثالث يأتي في البيت الآتي وهو الياء الساكنة.
فمثال ذلك بعد الكسر:
{فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} ، {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ} ، {إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ} ، {فَانْتَصِرْ} .
ومن ذلك ما كان بين الراء وبين الكسر فيه ساكن نحو: "الذِّكْرُ"، و"السِّحْرَ"، و"الشعر".
نص عليه الداني في كتاب الإمالة، فكأن الشاطبي أراد بعد الكسر المؤثر في مذهب ورش وقد علم ذلك من أول الباب ومثال ذلك بعد الإمالة: {عَذَابَ النَّارِ} في مذهب الدوري وأبي عمرو و: {بِشَرَرٍ} في مذهب ورش نص عليه الداني وغيره، وهو مشكل من وجه أن الراء الأولى إنما أميلت لكسرة الثانية فإذا اعتبرت الكسرة بعد سكون الوقف؛ لأجل إمالة الأولى فلم لا تعتبر لأجل ترقيقها في نفسها، ولا يقع هذا المثال إلا في المكسورة، وعلى مذهب بعض القراء بخلاف المثال بعد الكسر؛ فإنه وقع في أنواع الراء الأربعة وفي مذهب جميع القراء، وسبب الترقيق سكون الراء بعد الكسر أو ما يناسبه وهو الإمالة، وقد سبق قوله: ولا بد من ترقيقها بعد كسرة، وهذا الاستدراك المفهوم من قوله: ولكنها؛ لأجل قوله في البيت السابق: وتفخيمها في الوقف أجمع أشملا، فكأنه استثنى من هذا فقال: إلا أن تكون بعد كسر أو حرف تميل ثم ذكر الياء الساكنة فقال:
356-
أَوِ اليَاء تَأْتِي بِالسُّكُونِ وَرَوْمُهُمْ ... كَمَا وَصْلِهِمْ فَابْلُ الذَّكَاءَ مُصَقَّلا
لا تقع الراء الساكنة بعد الياء الساكنة وإنما تقع بعدها الراء المتحركة بالحركات الثلاث في قراءة جميع القراء نحو: {ذَلِكَ خَيْرٌ} ، {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ} ، {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} ، ولا يستقيم التمثيل بالمنصوب المنون، فإن الوقف لا يكون فيه على الراء بل على الألف المبدلة من التنوين فيبقى الترقيق فيه لورش وحده بشرطه هذا كله إذا وقفت على الراء بالسكون، فإن وقفت بالروم على ما سيأتي شرحه كان حكم الوقف حكم الوصل؛ لأنه قد نطق ببعض الحركة فترقق المكسورة للجميع وغيرها لورش بشرطه ويفخم الباقي للجميع، وما في قوله: كما زائدة أي رومهم كوصلهم، و"فابل" بمعنى اختبر ومصقلا نعت مصدر محذوف أي بلاء مصقلا أي مصقولا يشير إلى صحة الاختبار ونقائه مما يكدره ويشوبه من التخاليط، فبذلك يتم الغرض في تحرير هذه المسألة؛ لأنها مسائل متعددة عبر عنها بهذه العبارة الوجيزة، وبسط هذا أن نقول لا تخلو الياء إما أن تكون مكسورة أو غير مكسورة فإن كانت مكسورة رققت وصلا