بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 259

وإن وقعت الراء المكسورة آخر كلمة رققت للجميع في الوصل، سواء كان الكسر أصلا أو عارضا نحو: {مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} و {أَنْذِرِ النَّاسَ} .
فإن وقفت زالت كسرة الراء الموجبة لترقيقها فتفخم حينئذ، وفيه إشكال؛ فإن السكون عارض، وقد تقدم في باب الإمالة أن السكون العارض في الوقف لا يمنع الإمالة فيتجه مثل ذلك هنا، وقد أشار إليه مكي فقال: أكثر هذا الباب إنما هو قياس على الأصول وبعضه أخذ سماعا، ولو قال قائل: إنني أقف في جميع الباب كما أصل سواء سكنت أو رمت لكان لقوله وجه؛ لأن الوقف عارض والحركة حذفها عارض وفي كثير من أصول القراءات لا يعتدون بالعارض قال: فهذا وجه من القياس مستتب والأول أحسن. قلت: وقد ذكر الحصري الترقيق في قصيدته فقال:
وما أنت بالترقيق واصله فقف ... عليه به إذ لست فيه بمضطرِّ
ويمكن الفرق بين إمالة الألف وترقيق الراء بأن إمالة الألف أقوى وأقيس وأفشى في اللغة من ترقيق الراء؛ بدليل أن الألف تمال ولا كسر يجاورها كذوات الياء ويمال أيضا نحو: "خَاف"؛ لأن الخاء قد تكسر إذا قيل: خفت فاتسع في إمالة الألف كثيرًا فجاز أن يمنع الأضعف ما يمنع الأقوى لكن يضعف هذا الفرق نصهم على ترقيق الراء الأولى من: "شَرَرٍ" في الوقف، فهذا دليل على اعتبار الكسر فيها بعد ذهابه بسكون الوقف قالوا وترقيق الثانية لأجل إمالة الأولى، وهذا دليل على عدم اعتبار الكسر فيها وإلا لآثر في نفسها الترقيق، ولم يعتبر بإمالة ما قبلها، ووجه ذلك أن ترقيق الأولى أشبه إمالة الألف في نحو: "النَّارِ".
وكلاهما رقق لكسرة بعده فبقي الترقيق بعد زوال الكسرة في الوقف كما تقدم في الألف وقوله: وترقيقها مبتدأ وخبره قوله: عند وصلهم وأجمع أشملا: خبر قوله: وتفخيمها، وأشملا تمييز وهو جمع شمل والمعنى هو أجمع أشملا من ترقيقها إشارة إلى كثرة القائلين به، وقلة من نبه على جواز الترقيق فيه كما نبه عليه مكي والحصري، فإن قلت: ما تقول في قوله تعالى: {فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا} ؛ هل تمنع القاف من ترقيق الراء المكسورة؟ قلت: لا؛ لقوة مقتضى الترقيق وهو الكسر في نفس الراء، وإنما يمنع حرف الاستعلاء ترقيق غير المكسورة؛ لأن مقتضى ترقيقها في غيرها فضعف فقوي حرف الاستعلاء على منع مقتضاه، قال الداني: أما الراء المكسورة فلا خلاف في ترقيقها بأي حركة تحرك ما قبلها ولا يجوز غير ذلك والله أعلم.


صفحه 260

355-
وَلكِنَّهَا في وَقْفِهِمْ مَعْ غَيْرِهاَ ... تُرَقِّقُ بَعْدَ الكَسْرِ أَوْ مَا تَمَيَّلا
الضمير في "ولكنها" للمكسورة أي مع غيرها من الراءات المفتوحة والمضمومة والساكنة ترقق في الوقف إذا كان قبلها أحد أسباب ثلاثة ذكر منها في هذا البيت اثنين الكسر والإمالة، والثالث يأتي في البيت الآتي وهو الياء الساكنة.
فمثال ذلك بعد الكسر:
{فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} ، {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ} ، {إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ} ، {فَانْتَصِرْ} .
ومن ذلك ما كان بين الراء وبين الكسر فيه ساكن نحو: "الذِّكْرُ"، و"السِّحْرَ"، و"الشعر".
نص عليه الداني في كتاب الإمالة، فكأن الشاطبي أراد بعد الكسر المؤثر في مذهب ورش وقد علم ذلك من أول الباب ومثال ذلك بعد الإمالة: {عَذَابَ النَّارِ} في مذهب الدوري وأبي عمرو و: {بِشَرَرٍ} في مذهب ورش نص عليه الداني وغيره، وهو مشكل من وجه أن الراء الأولى إنما أميلت لكسرة الثانية فإذا اعتبرت الكسرة بعد سكون الوقف؛ لأجل إمالة الأولى فلم لا تعتبر لأجل ترقيقها في نفسها، ولا يقع هذا المثال إلا في المكسورة، وعلى مذهب بعض القراء بخلاف المثال بعد الكسر؛ فإنه وقع في أنواع الراء الأربعة وفي مذهب جميع القراء، وسبب الترقيق سكون الراء بعد الكسر أو ما يناسبه وهو الإمالة، وقد سبق قوله: ولا بد من ترقيقها بعد كسرة، وهذا الاستدراك المفهوم من قوله: ولكنها؛ لأجل قوله في البيت السابق: وتفخيمها في الوقف أجمع أشملا، فكأنه استثنى من هذا فقال: إلا أن تكون بعد كسر أو حرف تميل ثم ذكر الياء الساكنة فقال:
356-
أَوِ اليَاء تَأْتِي بِالسُّكُونِ وَرَوْمُهُمْ ... كَمَا وَصْلِهِمْ فَابْلُ الذَّكَاءَ مُصَقَّلا
لا تقع الراء الساكنة بعد الياء الساكنة وإنما تقع بعدها الراء المتحركة بالحركات الثلاث في قراءة جميع القراء نحو: {ذَلِكَ خَيْرٌ} ، {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ} ، {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} ، ولا يستقيم التمثيل بالمنصوب المنون، فإن الوقف لا يكون فيه على الراء بل على الألف المبدلة من التنوين فيبقى الترقيق فيه لورش وحده بشرطه هذا كله إذا وقفت على الراء بالسكون، فإن وقفت بالروم على ما سيأتي شرحه كان حكم الوقف حكم الوصل؛ لأنه قد نطق ببعض الحركة فترقق المكسورة للجميع وغيرها لورش بشرطه ويفخم الباقي للجميع، وما في قوله: كما زائدة أي رومهم كوصلهم، و"فابل" بمعنى اختبر ومصقلا نعت مصدر محذوف أي بلاء مصقلا أي مصقولا يشير إلى صحة الاختبار ونقائه مما يكدره ويشوبه من التخاليط، فبذلك يتم الغرض في تحرير هذه المسألة؛ لأنها مسائل متعددة عبر عنها بهذه العبارة الوجيزة، وبسط هذا أن نقول لا تخلو الياء إما أن تكون مكسورة أو غير مكسورة فإن كانت مكسورة رققت وصلا


صفحه 261

وروما، وفخمت إن وقفت بالسكون إلا في ثلاث صور؛ وهي أن يكون قبلها كسر أو ياء ساكنة فترقق لجميع القراء في هاتين الصورتين الصورة الثالثة أن يكون قبلها إمالة فترقق لأصحاب الإمالة دون غيرهم وإن كانت غير مكسورة فهي مفخمة لجميع القراء وقفا بالسكون إلا أن يكون قبلها أحد الثلاثة فالحكم ما تقدم في الوصل والروم مفخمة لغير ورش مرققة لورش بعد الكسر والياء الساكنة على ما في أول الباب، ولا يقع الروم في المنصوبة فاعتبر ذلك وقس عليه.
ثم أشار إلى أن الأصل التفخيم بقوله:
357-
وَفِيماَ عَدَا هذَا الَّذِي قَدْ وَصَفْتُهُ ... عَلَى الأَصْلِ بِالتَّفْخِيمِ كُنْ مُتَعَمِّلا
أي كن متعملا بالتفخيم على الأصل ومتعملا بمعنى عاملا، وفي الصحاح تعمل فلان لكذا، وقال غيره: سوف أتعمل في حاجتك أي أقضي، فيجوز في موضع بالتفخيم بالباء للتفخيم باللام على ما نقله الجوهري والله أعلم.

باب: اللامات أي تغليظها:
وهذا باب لم يذكره أكثر المصنفين في القراءات، إنما اعتنى به المغاربة والمصريون، دون البغداديين والشاميين، ولا شك أنه إن ثبت لغة فهو لغة ضعيفة مستثقلة؛ فإن العرب عرف من فصيح لغتها الفرار من الأثقل إلى الأخف، والتغليظ عكس ذلك، ثم هو على مخالفة المعروف من قراءة ورش، فإنها مشتملة على ترقيق الراءات وإمالة بين بين، وتخفيف الهمز نقلا وتسهيلاً وإبدالا، ولهذا أكثر الروايات عن ورش: ترك التغليظ، كقراء الجماعة، هذه رواية يونس بن عبد الأعلى وداود بن أبي طيبة وغيرهما.
وقال مكي: اعلم أن هذا الباب قد اضطرب النقل فيه عن ورش، وقليل ما يوجد فيه النص عنه:
358-
وَغَلَّظَ وَرْشٌ فَتْحَ لاَمٍ لِصَادِهَا ... أَوِ الطَّاءِ أَوْ لِلظَّاءِ قَبْلُ تَنَزُّلا
التغليظ في هذا الباب زيادة عمل في اللام إلى جهة الارتفاع، وضده ترك ذلك، ومنهم من يعبر عن تركه بالترقيق، وعن التغليظ بالتفخيم، ثم التغليظ إشباع الفتحة في اللام، فلهذا لم يجئ في المكسورة ولا المضمومة ولا الساكنة نحو: {يُصَلِّي عَلَيْكُمْ} ، {تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ} ، {وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ} .
وبعضهم غلظ اللام من: "صَلْصَالٍ"؛ لوقوعها بين حرفين مستعليين فالتغليظ عند الأكثر لا يقع إلا في اللام المفتوحة، ولا فرق بين أن تكون مخففة أو مشددة نحو: "أَوْ يُصَلَّبُوا"، "وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ".


صفحه 262

وحكى مكي عن شيخه أبي الطيب ابن غلبون أنه رقق المشددة بعد الظاء دون الصاد، وقوله: لصادها أي لأجل الصاد الواقعة قبلها أو أضافها إليها؛ لاتصالها بها، أي إذا تنزل أحد هذه الأحرف الثلاثة قبل اللام المفتوحة غلظت اللام، ولم يعتبر أبو الطيب ابن غلبون الطاء المهملة، واعتبر قوم الضاد المعجمة أيضا نحو: {أَضْلَلْتُمْ} و {ضَلَلْنَا} .
ومنهم من اعتبر أيضا كل لام مفتوحة بين حرفين مستعليين مطلقا نحو: "خَلَطُوا"، و"أَخْلَصُوا"، و"غَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ"، "فَاسْتَغْلَظَ"، "مَاذَا خَلَقُوا"، وكل هذا قياس على رواية ضعيفة نقلا ولغة والله أعلم.
359-
إِذَا فُتِحَتْ أَوْ سُكِّنَتْ كَصَلاتِهِمْ ... وَمَطْلَعِ أَيْضًا ثمَّ ظَلَّ وَيُوصَلا
أي شرط تأثير هذه الحروف الثلاثة وهي: الصاد والطاء والظاء في التغليظ في اللام المفتوحة أن تكون مفتوحة أو ساكنة فإن حرف الاستعلاء إذا فتح أو سكن عظم استعلاؤه بخلافة إذا انكسر أو انضم نحو:
"فُصِّلَتْ"، و"عُطِّلَتْ"، و"ظِلالٍ"، و"فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ".
فمثال الصاد المفتوحة: "الصَّلاةِ".
ومثال الساكنة: "فَيُصْلَبُ" والطاء نحو "طَلَّقْتُمُ"، و"مَطْلَعِ"، والظاء نحو: "ظَلَمُوا"، و"إِذَا أَظْلَمَ".
ومثل الشاطبي -رحمه الله- بقوله تعالى: {ظَلَّ وَجْهُهُ} ، و {يَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} .
وهذان وما أشبههما نحو: "بَطَلَ"، و"فَصْلَ"، وقعت اللام فيها طرفا؛ فالمتوسطة نحو: "صَلاتِهِمْ" و"مَطْلَعِ"مغلظة وصلا ووقفا، والمتطرفة مغلظة وصلا، وأما في الوقف فقال أبو عمرو الداني: يحتمل وجهين؛ الترقيق والتفخيم؛ فالترقيق نظرا إلى السكون العارض بالوقف والتفخيم نظرا إلى الأصل، قال: وهو أوجه:
360-
وَفي طَالَ خُلْفٌ مَعْ فِصَالًا وَعِنْدَماَ ... يُسَكَّنُ وَقْفًا وَالمُفَخَّمُ فُضِّلا
أراد قوله تعالى:


صفحه 263

{أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ}[1]، {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ}[2]، {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا}[3]، وكذلك: "يصالحا" وشبهه مما بين اللام فيه وبين حرف الاستعلاء ألف فاصل وظاهر النظم يوهم اقتصار الخلاف على: "طَالَ"، و"فِصَالًا".
ولو قال:
وفي طال خلف مع فصالا ونحوه ... وساكن وقف والمفخم فضلا
لزال الإيهام.
قال الداني: في اللام وجهان: التفخيم؛ اعتدادا بقوة الحرف المستعلي، والترقيق؛ للفاصل الذي فصل بينهما. قال: والأوجه التفخيم؛ لأن ذلك الفاصل ألف والفتح منه.
قلت: وأما اللام المشددة نحو: "ظل"، و"يُصَلَّبُوا"، فلا يقال فيها إنه فصَل بينها وبين حرف الاستعلاء فاصل، فينبغي أن يجري الوجهان؛ لأن ذلك الفاصل أيضا لام أدغمت في مثلها فصارا حرفا واحدا فلم تخرج اللام عن أن حرف الاستعلاء وليها وأما الذي سكن للوقف فنحو: "أَنْ يُوصَلَ" إذا وقفت عليه ففيه وجهان سبق ذكرهما أي وعند الذي يسكن في الوقف وقوله: وقفا مصدر في موضع الحال أي ذا وقف أي موقوفا عليه، وقوله: والمفخم فضلا يعني في المسألتين المذكورتين كما نقلناه من كلام الداني.
فإن قلت: لم كان التفخيم أفضل فيما سكن للوقف؟ ولقائل أن يقول: ينبغي أن لا يجوز التفخيم أصلا كما سبق في الراء المكسورة أنها تفخم وقفا، ولا ترقق لذهاب الموجب للترقيق وهو الكسر وههنا قد ذهب الفتح الذي هو شرط في تغليظ اللام وكلا الذهابين عارض.
قلت: سبب التغليظ هنا قائم وهو: وجود حرف الاستعلاء وإنما فتح اللام شرط فلم يؤثر فيه سكون الوقف لعروضه وقوة السبب، فعمل السبب عمله؛ لضعف المعارض وفي باب الوقف على الراء المكسورة زال السبب بالوقف وهو الكسر فافترقا.
361-
وَحُكْمُ ذَوَاتِ الياَءِ مِنْهاَ كَهذِهِ ... وَعِنْدَ رُءُوسِ الآيِ تَرْقِيقُهَا اعْتَلا
منها أي من هذه الألفاظ التي فيها اللام المستحقة للتفخيم، ويعني الكلمات المقصورة التي آخرها ألف منقلبة عن ياء، ولا يقع ذلك في القرآن إلا مع الصاد وحدها في خمسة مواضع في سبحان:
[1]سورة طه، آية: 86.
[2]سورة الحديد، آية: 16.
[3]سورة البقرة، آية: 233.


صفحه 264

"يَصْلاهَا مَذْمُومًا"[1]، وفي الانشقاق: "وَيَصْلَى سَعِيرًا"[2]، وفي الغاشية: "تَصْلَى نَارًا"[3]، وفي الليل: "لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى"[4]، وفي تبَّتْ: "سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ"[5]، وكذا: "وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً"[6].
في الوقف ففي تفخيم اللام وجهان كالوجهين فيما سكن في الوقف وذلك أنه قد تقدم أن له في إمالة ذوات الياء وجهين فإن أمال فلا تغليظ وإن لم يمل فالتغليظ فهما ذانك الوجهان، ويجوز أن يقال إن الخلاف على قول من يميل ذوات الياء؛ لأن اللام جاورها ما يقتضي تغليظها وما يقتضي ترقيقها لكن التغليظ يكون ههنا أولى من الإمالة؛ لأنه شبه الخلاف الذي هنا بالخلاف الذي فيما سكن للوقف، وقد ذكر أن المفخم ثَم: فضل، فكذا ينبغي أن يكون هنا، وقد نص عليه الداني في كتاب الإمالة فقال: والأوجَه هنا التفخيم، ولم يذكر مرجحا، وإنما فرق بين هذا وبين رءوس الآي على ما سنذكره.
وأقول: سبب ترجيح التفخيم وجود سببه سابقا وتقدم اللام المغلظة على الألف الممالة فعمل السبب عمله قبل وجود ما تدخله الإمالة، ثم قال: وعند رءوس الآي أي إذا وجد مثل ذلك وهو ما يقتضي التغليظ والإمالة في كلمة هي رأس آية من السور الإحدى عشرة المتقدم ذكرها غلبت الإمالة التغليظ؛ لأن ورشا يميل رءوس الآي بلا خلاف؛ لمؤاخاة رءوس الآي، والتغليظ يخالف بينها، وقد روي التغليظ، قال الداني: كلا الوجهين حسن جميل غير أن الترقيق أقيس وأوجه.
قلت: فلهذا قال: ترقيقها اعتلا أي اعتلى على التغليظ واستعمل الترقيق هنا بمعنى الإمالة وجملة ما وقع من ذلك في رءوس الآي ثلاثة مواضع في سورة القيامة: {وَلا صَلَّى}[7]، وفي سبح: {فَصَلَّى}[8]، وفي اقرأ: {إِذَا صَلَّى}[9]، وأما: "مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً" ففيه التغليظ في الوصل؛ لأنه منون، وفي الوقف الوجهان السابقان، ولا تترجح الإمالة وإن كان رأس آية؛ إذ لا مؤاخاة لآي قبلها ولا بعدها، قوله: كهذه أي كهذه المواضع المذكورات في البيت السابق وهي ما في باب طال والمسكن وقفا.
362-
وَكُلُّ لَدَى اسْمِ اللهِ مِنْ بَعْدِ كَسْرَةٍ ... يُرَقِّقُهَا حَتَّى يَرُوقَ مُرَتَّلا
أي: وكل القراء وغيرهم أيضا اجتمعوا على أن اللام من اسم الله تعالى إذا كان قبلها حرف مكسور أنهم يرققونها والترقيق هنا ضد التغليظ، وليس المراد به الإمالة بخلاف قوله: وترقيقها اعتلا على ما سبق
[1]الآية: 18.
[2]الآية: 12.
[3]الآية: 4.
[4]الآية: 15.
[5]الآية: 4.
[6]سورة البقرة، الآية: 125.
[7]الآية: 31.
[8]الآية: 15.
[9]الآية: 10.


صفحه 265

واسم الله تعالى التزم فيه التغليظ؛ تفخيما له وتعظيما اختص بذلك اسمه سبحانه من غير وجود حرف استعلاء فيه، فإذا وقع بعد كسرة رققت اللام؛ تحسينا للفظ به، فهذا معنى قوله: حتى يروق مرتلا أي يروق في اللفظ به حال ترتيله؛ وذلك لكراهة التصعد بعد التسفل، وأما سائر اللامات فمرققة مطلقا كالليل واللبن واللحم.
363-
كَمَا فَخَّمُوهُ بَعْدَ فَتْحٍ وَضَمَّةٍ ... فَتَمَّ نِظَامُ الشَّمْلِ وَصْلاً وَفَيْصَلا
الهاء في فخموه لاسم الله تعالى ولو قال: فخموها يعني اللام كما قال: ترقيقها لكان جيدًا وقوله: وصلا وفيصلا حالان من الهاء أي ذات وصل، و"فيصل" أي سواء كانت الحركات المذكورة على حروف متصلة بالاسم العظيم أو على حروف منفصلة منه في كلمة أخرى فلا يتغير الحكم بشيء من ذلك في الترقيق والتفخيم فمثال المتصل: "بِاللَّهِ" و"لِلَّهِ" ومثال المنفصل: {بِسْمِ اللَّهِ} {قَالَ اللَّهُ} {رُسُلُ اللَّهِ} .
وكذا يرقق بعد الكسر العارض نحو:
{قُلِ اللَّهُ} ، وهذا بخلاف ما سبق في ترقيق الراء؛ فإنهم قالوا: لا يؤثر في ترقيقها كسرة مفصولة ولا عارضة، والفرق أن المراد من ترقيق الراء إمالتها، وذلك يستدعي سببا قويا للإمالة، وأما ترقيق اللام فهو الإتيان بها على ماهيتها وسجيتها من غير زيادة شيء فيها، وإنما التغليظ هو الزيادة فيها، ولا تكون الحركة قبل لام اسم الله تعالى إلا مفصولة لفظا أو تقديرا، وأما الحركة قبل الراء فتكون مفصولة وموصولة فأمكن اعتبار ذلك فيها بخلاف اللام هذا كله فيما إذا وصلت اسم الله تعالى بما قبله فإن ابتدأت به فخمته؛ لأن الهمزة قبل اللام مفتوحة فهذه حركة متصلة وذلك كأول آية الكرسي ونحوه والراء المرققة غير المكسورة كغير المرققة يجب بعدها التفخيم؛ لأن الترقيق لم يغير فتحها ولا ضمها، وأما إذا وقع اسم الله تعالى بعد إمالة نحو قراءة السوسي: "ترى الله".
ففيه وجهان: التفخيم كالذي بعد الراء المرققة الغير المكسورة والترقيق؛ لأن في الراء بالإمالة شيئا من الكسر، وقال شيخنا أبو الحسن: التفخيم أولى، وحكاه عن شيخه الشاطبي، وقال لي الشيخ أبو عمرو: الترقيق أولى لأمرين؛ أحدهما: أن أصل هذه اللام الترقيق، وإنما فخمت للفتح والضم ولا فتح ولا ضم هنا فعدنا إلى الأصل، والثاني: اعتبار ذلك بترقيق الراء في الوقف بعد الإمالة على ما سبق في باب الراءات، وقوله تعالى: {رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ} .
الاسم الأول: مفخم، والثاني: مرقق، وقوله تعالى في أول إبراهيم: {إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهِ} .
هو مرقق في الوصل ومفخم إذا ابتدئ به سواء قرئ برفع الهاء أو بجرها والله أعلم.


صفحه 266

باب: الوقف على أواخر الكلم
...
باب: الوقف على أوخر الكلم
هذه ترجمة كان ينبغي أن يذكر في بابها جميع ما يتعلق في تلاوة القرآن، فإن قوله: أواخر الكلم يشمل آخر كل كلمة، ومن جملة الكلم المنصوب المنون يقف القراء عليه بألف مبدلة من التنوين والمرفوع المنون، والمجرور المنون يوقف عليها بالسكون من غير أن يبدل من تنوينهما واوًا أو ياءً، وهذه هي اللغة الفصيحة، ومن العرب من يبدل في الجميع، ومنهم من لا يبدل في الجميع، فترك بيان هذا وهو مهم، ولم يذكر في الباب إلا الكلام في الروم والإشمام، وهما أيضا وجهان للعرب في الوقف، فهذه خمس لغات، وفي الوقف أيضا لغتان: النقل والتضعيف، ولم يقرأ بهما أحد إلا قليلا.
وحكى مجاهد عن أبي عمرو: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} .
يشمّ الباء شيئًا من الجر، ولا يشبعه، قال: وهذا لا يجوز إلا في الوقف؛ لأنه ينقل كسرة الراء إلى الباء، وحكى الأهوازي عن الضبي عن حمزة: "دِفْءٌ"، و"جُزْء"، و"مِلْء" بالتشديد من غير همز في حال الوقف.
قلت: وفي الطرق المشهورة أن القراءة إنما جاءت باللغة الأولى: الفصحى، وبالروم والإشمام، وهما أيضًا فصيحتان، فكان ينبغي أن تكون ترجمة هذا الباب: "باب الروم والإشمام"، ولكن تبع الناظم في هذا عبارة التيسير، والله أعلم.
364-
وَالِاسْكَانُ أَصْلُ الوَقْفِ وَهْوَ اشْتِقَاقُهُ ... مِنَ الوَقْفِ عَنْ تَحْرِيكِ حَرْفٍ تَعَزَّلا
أي اشتقاق الوقف من قولك: وقفت عن كذا إذا لم تلابسه فلما كان هذا وقفا عن الإتيان بالحركة سمي وقفا؛ لأن لغة العرب أن لا يوقف على متحرك؛ فالأصل أن يكون الوقف بالإسكان؛ لهذا ولأنه أخف، والوقف موضع تخفيف وقوله: تعزلا يعني أن الحرف صار بمعزل عن الحركة يقال: اعتزله وتعزله، ومنه الأعزل الذي لا سلاح معه فيجوز أن يكون تعزلا صفة لحرف، وقد ذكرنا معناه، ويجوز أن يكون صفة لتحريك حرف أي لتحريك انعزل عن محله.
فإن قلت في قوله: وهو اشتقاقه إشكال لأن المعنى يؤول إلى تقدير: والوقف اشتقاقه من الوقف، ولا يكون اللفظ مشتقا من نفسه، ووجه الكلام إنما يسمى وقفا من قولهم: وقفت عن كذا؛ لأنه وقف عن الحركة.