أراد في طه: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي، اذْهَبْ} ، {وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي، اذْهَبَا}[1]، فتحهما مدلول سما، وكرر لهما الرمز من غير حاجة إلى تكريره سوى ضرورة النظم، وخرج منهم قنبل في فتح: {إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا} في الفرقان[2]وزاد مع سما أبو بكر ففتحوا: {مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} ، والولاء بكسر الواو والمد: المتابعة ونصبه على التمييز: أي سمت متابعة صفوة.
412-
وَمَعَ غَيْرِ هَمْزٍ فِي ثَلاَثيِنَ خُلْفُهُمْ ... وَمَحْياَيَ "جِـ"ـي بالْخُلْفِ وَالْفَتْحُ "خُـ"ـوِّلا
وهذا النوع السادس الذي ليس بعده همز أصلا لا همز قطع ولا همز وصل، ثم شرع يذكرها واحدة بعد واحدة فبدأ بقوله تعالى: "وَمَحْيَايَ" في آخر الأنعام فالواو من جملة التلاوة لا عاطفة، فذكر أن قالون أسكنها، ولورش فيها خلاف، وفتحها الباقون وهو لأقيس في العربية فلذا قال: خولا أي ملك وإنما ضعف الإسكان لما فيه من الجمع بين الساكنين ولا يليق بفصاحة القرآن إلا ذلك، ألا ترى كيف أجمعوا على الفتح: "مَثْوَايَ"، و"هُدَايَ"، وكلاهما مثل: "مَحْيَايَ".
وشنع بعض أهل العربية على نافع -رحمه الله- متعجبا منه: كيف أسكن: "مَحْيَايَ"، وفتح بعدها: "مَمَاتِي"، وكان الوجه عكس ذلك أو فتحهما معا، والظن به أنه فتحهما معا، وهو أحد الوجهين عن ورش عنه، وهي الرواية الصحيحة فقد أسندها أبو بكر بن مجاهد في كتاب الياءات عن أحمد بن صالح عن ورش عن نافع: الياء في: "مَحْيَايَ وَمَمَاتِي" مفتوحتان، وفي أخرى عن ورش قال: كان نافع يقرأ أولا محياي ساكنة الياء، ثم رجع إلى تحريكها بالنصب. قلتُ: فهذه الرواية تقضي على جميع الروايات؛ فإنها أخبرت بالأمرين، ومعها زيادة علم بالرجوع عن الإسكان إلى التحريك فلا تعارضها رواية الإسكان؛ فإن الأولى معترف بها، ومخبر بالرجوع عنها، وكيف وإن رواية إسماعيل بن جعفر وهو أجل رواة نافع: موافقة لما هو المختار، قال ابن مجاهد: أخبرني محمد
[1]الآيتان: 41 و42.
[2]آية: 30.
ابن الجهم عن الهاشم عن إسماعيل بن جعفر عن أبي جعفر وشيبة ونافع أنهم ينصبون الياء في: {مَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ} .
قلتُ: وهذه الآية مشتملة على أربع ياءات: {إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي} .
فالأولتان ساكنتان بلا خلاف في هذه الطرق المشهورة، فكأن نافعا أسكن اثنتين وفتح اثنتين، ولا ينبغي لذي لب إذا نقل له عن إمام روايتان أحداها أصوب وجها من الأخرى أن يعتقد في ذلك الإمام إلا أنه رجع عن الضعيف إلى الأقوى، ولا يغتر بما ذكره الداني في كتاب الإيجاز من اختياره الإسكان، وذكر وجهه من جهة العربية؛ فإن غاية ما استشهد به قول بعض العرب التقت حلقتا البطان وله ثلثا المال بإثبات الألف فيهما، وهذا ضعيف شاذ لم يقرأ بمثله؛ ألا ترى أن الإجماع على أن الألف محذوفة من نحو هذا مثل: {ادْخُلا النَّارَ} ، {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ} .
وأما استشهاده بقراءة أبي عمرو: "والَّلاى" بإسكان الياء فسيأتي الكلام عليه في سورة الأحزاب وحكمه حكم: "مَحْيَاي".
وقول الناظم: جئ بالخلف أي ائت به، وانظر في اختلاف الروايات يَبِنْ لك الصواب إن شاء الله تعالى.
413-
وَ"عَمَّ عُلا" وَجْهِي وَبَيْتِي بِنُوحِ "عَـ"ـنْ ... "لِـ"ـوًى وَسِوَاهُ "عُـ"ـدْ "أَ"صْلًا "لِـ"ـيُحْفَلا
يريد: {وَجْهِيَ لِلَّهِ} في آل عمران[1]، {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ}[2]في الأنعام، {بَيْتِيَ مُؤْمِنًا}[3]وسواه يعني سوى الذي في نوح وهو:
[1]آية: 20.
[2]آية: 79.
[3]آية: 125.
{بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} في البقرة والحج[1]، وتقدير البيت: وعم فتح وجهي علا، وفتح بيتي وارد لواء؛ أي: عن ذي لواء وشهرة قصروه ضرورة كما قال:
لو كنت من هاشم أو من بني أسد ... أو عبد شمس أو أصحاب اللوى الصيدِ
يريد بأصحاب اللواء بني عبد الدار بن قصي. وقوله: عد أصلا أي عده أصلا لفتح الذي بنوح؛ ليتضح عذر من عمم الفتح للجميع يقال: حفلته أي جلوته، وحفلت كذا أي باليت به، وفلان محافل على حسبه إذا صانه.
414-
وَمَعْ شُرَكَاءِي مِنْ وَرَاءِي "دَ"وَّنُوا ... وَليِ دِينِ "عَـ"ـنْ "هَـ"ـادٍ بِخُلْفٍ "لَـ"ـهُ "ا"لحَلا
يريد: {أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا} ، {مِنْ وَرَائي وَكَانَتِ} ، {وَلِيَ دِينِ} آخر سورة الكافرين، له أي للخلف، والحلا جمع حلية.
415-
مَمَاتِي "أَ"تَى أَرْضِي صِرَاطِي ابْنُ عَامِرٍ ... وَفِي النَّمْلِ مَالِي "دُ"مْ "لِـ"ـمَنْ "رَ"ـاقَ "نَـ"ـوْفَلا
لو أتى بهذا البيت بعد محياي كان أولى؛ لأنه يتصل الكلام في: {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي} ، وأراد {إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} ، {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا} ، {مَا لِيَ لَا أَرَى} .
وراق الشيء صفا، والنوفل: السيد المعطي وهذا الكلام مليح: أي دم نوفلا لمن راق، وصفا باطنه وظاهره.
416-
وَلِي نَعْجَةُ مَا كَانَ لِي اثْنَيْنِ مَعْ مَعِي ... ثَمَانٍ "عُـ"ـلًا وَالظُّلَّةُ الثَّانِ "عَـ"ـنْ "جِـ"ـلا
أي وفتح هذه المواضع علا واثنين حال من قوله ما كان لي يريد: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ} في إبراهيم[2]، {مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ} في ص[3]، ومعي في ثمانية مواضع:
{مَعِيَ بَنِي إِسْرائيلَ} في الأعراف[4].
[1]البقرة: 125 والحج، آية: 26.
[2]آية: 22.
[3]آية: 69.
[4]آية: 105.
{مَعِيَ عَدُوًّا} في التوبة[1].
{مَعِيَ صَبْرًا} ثلاثة في الكهف[2].
{ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ} في الأنبياء[3].
{إِنَّ مَعِيَ رَبِّي} في الشعراء[4].
{مَعِيَ رِدْءًا} في القصص[5].
فَتَحَ الجميعَ حفصٌ وتابعه ورش على الثاني في سورة الظلة، وهي سورة الشعراء؛ لأن فيها: {عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ} يريد قوله تعالى في قصة نوح: {وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}[6]؛ أي وحرف الظلة الثاني فتحه، عن جلا أي كشف وجلوت الشيء: كشفته.
417-
وَمَعْ تُؤْمِنُوا لِي يُؤْمِنُوا بِي "جَـ"ـاوَيَا ... عِبَادِيَ "صِـ"ـفْ وَالحَذْفُ "عَـ"ـنْ "شَـ"ـاكِرٍ "دَ"لا
يريد: {وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي} في الدخان[7]، {وَلْيُؤْمِنُوا بِي} في البقرة[8]فتحهما ورش، {يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ} في الزخرف[9]، فتحها أبو بكر وحذفها عن شاكر دلا أي أخرج دلوه ملأى يشير إلى قوة مذهبهم
[1]آية: 83.
[2]الكهف آيات: 67 و72 و75.
[3]آية: 24.
[4]آية: 62.
[5]آية: 34.
[6]آية: 118.
[7]آية: 21.
[8]آية: 68.
[9]آية: 68.
لأن الياء حذفت في بعض المصاحف وحذفها في باب الندا أفصح من إثباتها وأسكنها الباقون، وقوله في الزمر: {يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ}[1]ياؤها محذوفة في جميع المصاحف، وانضاف إلى ذلك أن حذفها في النداء أفصح لغة، فلهذا لم يأت فيها خلاف في حذفها من هذه الطرق المشهورة، وإن كان قد حكي إثباتها وفتحها في طرق أخرى.
418-
وَفَتْحُ وَلِي فِيهَا لِوَرْشٍ وَحَفْصِهِمْ ... وَمَا لِي فِي: يس سَكِّنْ "فَـ"ـتَكْمُلا
يريد: {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} ، {وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ} ؛ أسكنها حمزة وحده ونصب فتكملا على جواب الأمر بالفاء أي فتكمل معرفة مواضع الخلاف في هذا الباب والله أعلم.
[1]آية: 16.
باب: مذاهبهم في الزوائد
أي في الياءات الزوائد على الرسم، وهي ياءات أواخر الكلم، يقع ذلك في الأسماء الأفعال، نحو: "الْوَادِ"، و"الْمُنَادِ"، و"التَّنَادِ"، و"يأت"، و"نبغ"، و"نرتع"، فهي في هذا ونحوه لام الكلمة، وقد تكون ياء إضافة في موضع الجر والنصب، نحو: "دعاءي" و"أخرتني"، وتنقسم إلى ما هو رأس آية نحو: "المتعالي"، وإلى غير ذلك، نحو: {وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ} .
فما كان من هذه الياءات ثابتا رسما فلا خلاف في إثباته، وما كان منها محذوفا رسما؛ فمنه ما اتفق على حذفه وهو الأكثر، ومنه ما اختلف فيه، وهو ما يأتي ذكره في هذا الباب، وفي بعض السور، وضابط ما يذكر في هذا الباب أن تكون الياء مختلفا في إثباتها وحذفها في الوصل، أو في الوصل والوقف معا، وضابط في السور أن تكون الياء مختلفا في إثباتها وحذفها الوقف فقط، ومجمعا على حذفها في الوصل، وذلك نحو ما ذكره في: سورة الرعد، وسورة: ق: "مِنْ هَادٍ"، و"وَالٍ"، و"واف"، و"باق"، و"الْمُنَادِ".
وقد سبق التنبيه على:
{وَادِ النَّمْلِ} أنه كان ينبغي أن يكون من هذا، ثم بين ياءات الزوائد فقال:
419-
وَدُونَكَ يَاءَاتٍ تُسَمّى زَوَائِدًا ... لأَنْ كُنَّ عَنْ خَطِّ المَصَاحِفِ مَعْزِلا
أي: إنما سميت زوائد؛ لأنها زادت على رسم المصحف عند من أثبتها، والمعزل ههنا مصدر بمعنى العزل كالمرجع أي لأن كن ذوات عزل أي إنهن عزلن عن الرسم فلم تكتب لهن صورة، ثم بين حكمها فقال:
420-
وَتَثْبُتُ في الحَالَيْنَ "دُ"رًّا "لَـ"ـوَامِعًا ... بِخُلْفٍ وَأُولَى النَّمْلِ حَمْزَةُ كَمَّلا
أي إن القراء مختلفون في هذه الياءات الموصوفة بأنها زوائد، فمنهم من أثبتها في حالي الوصل والوقف، وهم المذكورون في هذا البيت ومنهم من أثبتها في الوصل دون الوقف، وهم المذكورون في البيت الآتي وليس الأمران على العموم؛ هؤلاء أثبتوا الجميع في الحالين وأولئك في الوصل، بل معنى هذا الكلام أن كل من أذكر عنه أنه أثبت شيئا ولم أقيده فانظر فيه؛ فإن كان من المذكورين في هذا البيت فاعلم أنه يثبته في الحالين وإن كان من المذكورين في البيت الآتي، فاعلم أنه يثبته في الوصل فقط، فحصل من هذا أن ابن كثير من طريقيه أو من أحدهما، وهشاما يثبتان الياء في الحالين في المواضع التي يأتي ذكرها لهما لكن ابن كثير له مواضع كثيرة، وأما هشام فليس له إلا موضع واحد في الأعراف سيأتي ذكره وفيه خلاف عنه وقفا ووصلا، وأثبت حمزة في الحالين موضعا واحدا وهو: "أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ" وهو يقرؤه بتشديد النون على ما سيأتي في سورته، وهذا الموضع هو أول النمل؛ لأن فيها ياءين زائدتين على رأي الناظم، وكلتاهما في آية واحدة وهذه الياء هي الأولى وبعدها: "فما آتان الله"، فاحترز بقوله: وأولى النمل عن ياء "آتاني"، وقوله: كملا ليس برمز؛ لأن الرمز لا يجتمع مع المصرح به، وإنما معناه أن حمزة كمل عدة المثبتين في الحالين، ودرا لوامعا حالان من ضمير الياءات في وتثبت أي مشبهة ذلك؛ لأن هذه القراءة موافقة للأصل؛ لأن الياء إما لام الكلمة أو كناية عن المتكلم وأيًّا ما كان فالأصل إثباتها، وأما حذفها والاجتزاء بالكسرة عنها ففرع عن ذلك الأصل، وحكى ابن قتيبة أن إثباتها لغة أهل الحجاز ثم الإثبات في نحو: "الداعي" و"الجواري" مما الياء فيه لام الفعل وفيه الألف واللام أحسن عند أهل العربية من الحذف إلا في الفواصل والقوافي فالحذف أحسن، وكذا الياء التي هي لام الفعل نحو: "نَبْغِي"، و"يَأْتِيَ" إثباتها أحسن من حذفها، فإن قلتَ: بقي على الناظم ذكر جماعة لهم خلاف في الإثبات في الحالين في ثانية النمل:
{فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ} ، وهم قالون وأبو عمرو وحفص كما يأتي وكذا قنبل: له خلاف في الوقف على: "بِالْوَادِ" في سورة الفجر[1]. قلتُ: هذا كله يجيء مفصلا مبينا، وإنما ذكر في هذا البيت ما يأتي مجملا مطلقا، فتعلم من إجماله وإطلاقه أن الإثبات في الحالين للمذكورين، وأما المبين فمتضح في نفسه فلا يحتاج إلى هذه المقدمة، ثم ذكر المثبتين في الأصل فقط في المواضع التي تذكر لهم فقال:
421-
وَفِي الوَصْلِ "حَـ"ـمَّادٌ "شَـ"ـكُورٌ "إِ"مَامُهُ ... وَجُمْلَتُهاَ سِتُونَ وَاثْنَانِ فَاعْقِلا
أي إمامه حماد شكور؛ لأن هؤلاء جمعوا في قراءتهم بين الأصل وموافقة الرسم، وخصوا الوقف بالحذف؛ لأنه الأليق بالتخفيف على ما مضى في تخفيف الهمز في الوقف فالمثبتون في الوصل وحده هم أبو عمرو وحمزة والكسائي ونافع على ما رمز لهم في البيت، فأما الكسائي وورش، فاطرد لهما ذلك، فلم يثبتا في الوقف شيئا، وأما حمزة فقد تقدم أنه أثبت في الوقف والوصل: "أَتُمِدُّونَنِ" في النمل وحدها، وما[2]عدها مما سيذكر له أنه يثبته يختص بوصله دون وقفه وذلك موضع واحد: "وتقبل دعائي" في سورة إبراهيم[3]، وأما أبو عمرو وقالون فلهما خلاف في الوقف على: "آتَانِيَ اللَّهُ" في النمل[4]، كما يأتي، والباقون على حذف الجميع في الحالين اتباعا للرسم وهم عاصم وابن عامر فقط لكن لهشام خلاف في الموضع الواحد المقدم ذكره، وكذا لحفص موضع واحد وهو: {آتَانِيَ اللَّهُ} في النمل على ما يأتي، فما يصفو من أهل الحذف على الإطلاق أحد غير أبي بكر وابن ذكوان، والحذف لغة هذيل، قال أبو عمرو: وأنشد الفراء:
كفاك كف ما تليق درهما ... وجود أخرى تعطِ بالسيف الدما
لقد تخف بشارتي قدر يوم ... ولقد تخف شيمتي إعساري
وقال آخر:
وأخو الغوانِ متى يشأن صرمنه
[1]آية: 9.
[2]آية: 36.
[3]آية: 4.
[4]آية: 36.
وأنشد سيبويه:
محمد تفدِ نفسَك كُلُّ نفسٍ ... إذا ما خفت من شيء تباني
وحمله هو والنحاة على حذف لام الأمر، وجعلوه لذلك شاذًّا والأولى جعله من هذا الباب ثم ذكر الناظم عدد الياءات التي اختلف القراء في إثباتها وحذفها وهي محذوفة في الرسم فقال: جملتها اثنان وستون ياء، وعدها صاحب التيسير إحدى وستين؛ لأنه أسقط: {فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ} في النمل، "فبشر عبادي" في الزمر[1]، وعدّهما في باب ياءات الإضافة.
فإن قلت: فينبغي أن يبقى ستون فما هي الواحدة الزائدة.
قلتُ هي: {يَا عِبَادِيَ} التي في الزخرف[2]، ذكرها في البابين، وقد تقدم التنبيه على ذلك، وذكر الناظم في هذا الباب لفظ العدد، فقال: اثنان وأنثه في باب ياءات الإضافة في قوله: وعشر وتسعها وثنتان وأربع عشرة وسبع وأربع وثمان والكل في البابين عبارة عن الياءات وكلا اللفظين من التذكير والتأنيث سائغ في العبارة عن الياء؛ لأنها من حروف المعظم، وكلها يجوز فيها الأمران على ما قد ذكرناه مرارا، ثم شرع يذكر الزوائد مفصلة فقال:
422-
فَيَسْرِي إِلى الدَّاعِ الجَوَارِ المُنَادِيَهْ ... دِيَنْ يُؤْتِينَ مَعْ أَنْ تُعَلِّمَنِي وِلا
وأراد: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} ، {مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ} ، {وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ} في سورة الشورى[3]، دون اللتين في سورة الرحمن وكورت، ودلنا على ذلك أنهما لا يمكن إثبات الياء في الوصل لأجل الساكن بعدهما فتعينت التي في الشورى وهذا بخلاف إمالة الدوري للجواري فإنها في المواضع الثلاثة كما سبق: "والمنادي" في سورة ق[4]{يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ} ، والثلاثة الباقية في الكهف: {وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي} ، {فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ} ، {عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ} .
والولاء[5]المتابعة: يعني أن هذه الثلاثة تتابعت في سورة واحدة على هذا النسق ودلنا على أن مراده يهدين التي في الكهف أن التي في القصص مثبتة بإجماع وسيأتي ذلك وليس غيرهما فتعينت التي في الكهف والله أعلم.
[1]آية: 18.
[2]آية: 68.
[3]آية: 32.
[4]آية: 41.
[5]الآيات: 24 و40 و66.