بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 33

للعنبر وقد بينا جميع ذلك وحققناه في الشرح الكبير، والهاء في به عائدة على باقيهم فهو لفظ مفرد وإن كان مدلوله هنا جماعة، وأحاط أي أحدق وشمل والله أعلم.
42-
لَهُمْ طُرُقٌ يُهْدَى بِهَا كُلُّ طَارِقٍ ... وَلاَ طَارِقٌ يُخْشى بِهاَ مُتَمَحِّلاً
أي لهؤلاء القراء مذاهب منسوبة إليهم يهدى بها أي يهتدي بنفسه أو يرشد المستهدين بتلك الطرق كل طارق أي كل من يقصدها ويسلك سبيلها.
جعل تلك الطرق كالنجوم التي يهتدى بها كأنه قال: كل سالك ومارّ في هذا العلم فإنه يهتدي بهذه الطرق ويهدى بها، وقيل: المراد بكل طارق أي كل نجم وكنى بالنجم عن العالم؛ لاشتراكهما في الاهتداء بهما ثم قال: ولا طارق يخشى بها ... أي ولا مدلس من قولهم: طرق يطرق طروقا إذا جاء بليل والليل محل الآفات.
والمعنى أن تلك الطرق قد اتضحت واستنارت فلا يخشى عليها مضلل ولا مدلس، و"لا" بمعنى ليس وطارق اسمها ويخشى خبرها أو صفة لطارق وبها الخبر، ويجوز أن يكون بها متعلقا بمتمحلا، ومتمحلا خبر لا أو حال من الضمير في يخشى العائد على طارق يقال تمحل إذا احتال ومكر فهو متمحل.
43-
وَهنَّ الَّلوَاتِي لِلْمُوَاتِي نَصَبْتُهاَ ... مَنَاصِبَ فَانْصَبْ فِي نِصَابِكَ مُفْضِلاَ
وهن ضمير الطرق واللواتي من الأسماء الموصولة وهو جمع اللاتي جمع التي، والمواتي: الموافق وأصله الهمز، ونصبتها أي رفعتها وأبرزتها وأصلتها، مناصب: أي أصولا جمع منصب، وهو الأصل وكذلك النصاب؛ أي وتلك الطرق والمذاهب هي التي نظمت في هذه القصيدة لمن وافقني على ما اصطلحت فيها ونصبتها أصولا لمن يقرؤها أو أعلاماً لعز من علمها وشرفه ومناصب مفعول ثانٍ لنصبت على تضمين نصبت معنى جعلت وقيل: هو حال وقيل: تمييز ثم قال: فانصب أي اتعب وتجرد وشمر لتحصيلها ونصاب الشيء أصله أي اتعب في تحصيل بضاعة العلم الذي يصير أصلا لك تنسب إليه إذا انتسب الناس إلى آبائهم وقبائلهم، وقيل: المراد به النية أي اتعب في تخليص نيتك مما يفسدها في قراءة هذا العلم ومفضلا حال من الضمير في انصب يقال: أفضل الرجل إذا أتى بفاضل الأعمال كأحسن وأجمل إذا أتى بحسنها وجميلها أي مفضلا بإخلاص النية والله أعلم.
44-
وَمَا أَنَا[1]ذَا أَسْعى لَعَلَّ حُرُوفَهُمْ ... يَطُوعُ بِهَا نَظْمُ الْقَوَافِي مُسَهِّلاَ
ها حرف تنبيه وأنا ضمير المتكلم وذا اسم إشارة ونظير هذه العبارة قوله تعالى: {هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ}[2].
فإعرابه كإعرابه وأسعى: بمعنى أحرص وأجتهد: أي إني مجتهد في نظم تلك الطرق راجيا حصول ذلك وتسهيله والضمير في حروفهم للقراء والمراد بالحروف قراءاتهم المختلفة، وقال صاحب العين: كل كلمة
[1]أنا مبتدأ ثانٍ وأسعى خبره؛ أو تقول أنا مبتدأ وذا بدل منه، وأسعى خبره. أو ذا خبر أنا.
[2]سورة آل عمران، آية: 119.


صفحه 34

بيان الرموز التي يشير بها الناظم إلى القراء السبعة ورواتهم:
45-
جَعَلْتِ أَبَا جَادٍ عَلَى كُلِّ قَارِئٍ ... دَلِيلاً عَلَى المَنْظُومِ أَوَّلَ أَوَّلاَ
أي صيرت حروف أبي جاد فحذف المضاف للعلم به أي جعلته دليلا على كل قارئ ذكرته في هذا النظم فقوله: "على المنظوم" بدل من قوله: "على كل قارئ" بإعادة العامل أو يكون معمول عامل مقدر أي مرتبا على ما نظمته، وتقدير أول أولا أولا فأولا أو أولا لأول ثم حذف الحرف وركبت الكلمتان معا وبنيتا على الفتح أي الأول من حروف أبي جاد للأول من القراء والثاني للثاني وهكذا إلى أن ينتهي عدد القراء السبعة، والرواة الأربعة عشر وحروف أبي جاد هي حروف المعجم المعروفة جمعت في كلمات أولها أبجد وكان أصله أبو جاد فحذفت منه الواو والألف؛ لئلا تتكرر الصور؛ لأن أول أبجد ألف وفي هوز واو وقد بسطنا الكلام في ذلك في الشرح الكبير وصفا لنا من الحروف سبع كلمات كل كلمة لواحد من السبعة وراوييه على ترتيب نظمه الأول للشيخ والثاني لأول الروايين والثالث لثانيهما ولا يعد في القراء اليزيدي ولا سليم؛ لأنه إنما ذكرهما لبيان السند لمن قرأ عليهما لا لتنسب القراءة إليهما والكلمات هي أبج دهز حطي كلم نصع فصق رست وهي تجيء نصف بيت بتسكين الحرف الوسط من دهز كلم نصع وتحريكه من البواقي وتمام البيت دليل على المنظوم أول أولا فالألف لنافع والباء لقالون والجيم لورش والدال لابن كثير وهكذا إلى آخرهم فتكون الراء للكسائي والسين لأبي الحارث والتاء للدوري عنه[1]وله عن عن أبي عمرو الطاء من حطي هذا عقد هذا الاصطلاح.
وننبه بعد ذلك على فوائد تتعلق باستعماله لهذه احروف لم يتعرض لها وإنما فهمتها من تصرفه في نظمه، منها أن هذه الحروف لا يأتي بها مفردة بل في أوائل كلمات قد ضمن تلك الكلمات معاني صحيحة مفيدة فيما هو بصدده من ثناء على قراءة أو على قارئ أو تعليل أو نحو ذلك على ما سيأتي بيانه كقوله: وبسمل بين السورتين بسنة ومالك يوم الدين راويه ناصر سلاسل نون إذ رووا صرفه لنا وقد يأتي بها بعد الواو الفاصلة كقوله: ألا وعلا الحرمي إن لنا هنا وكم صحبة يا كاف دون عناد عم وحكم صحاب قصر همزة جاءنا فالحاء من حكم رمز لأبي عمرو فكأنه قال وأبو عمرو وفلان وفلان يقرءون كذا وكذلك الدال من ودون لابن كثير والكاف من وكم لابن عامر والعين من وعلى لحفص ولا يأتي ذلك إلا حيث يكون الواو زائدة على الكلمة فالعين من قوله وعى نفر ليست برمز وكذا قوله في سورة النحل معا يتوفاهم لحمزة وصلا سما كاملا يهدي الواو في وصلا فصل وهي أصلية فالصاد ليست برمز داخل مع سما كاملا،
[1]أي إذا كان راويا عن الكسائي: وللدوري أيضا إذا كان راويا عن أبي عمرو البصري الطائي.
تقرأ على وجوه من القرآن تسمى حرفا، ويجوز أن يكون المراد بالحروف الرموز؛ لأنها حروفهم الدالة عليهم ويدل عليه قوله بعد ذلك: جعلت أبا جادٍ كأن قائلا قال له: وما تلك الحروف التي ترجو طوع القوافي بها فقال ذلك، ويطوع بمعنى ينقاد فكأنه ضمنه معنى يسمح فعداه بالباء، والقوافي جمع قافية وهي كلمات أواخر الأبيات بضابط معروف في علمها، وقد نظمت فيها الأرجوزة الوافية بعلمي العروض والقافية ومسهلا حال من النظم ثم قال:


صفحه 35

وكذا لا يفعل ذلك إلا في ابتداء المسألة لا في أثناء الرمز، فقوله: حق وذو جلا، حق وذو ملا ليس الذال برمز وكذا ما أشبه ذلك ولو كان تجنب الرمز في الحشو مطلقا لكان أولى.
ومنها أن رمز نافع أول حروف أبجد؛ لأن نافعا أول القراء في نظمه وأول حروف أبجد همزة لفظا وألف خطًّا فاستعمل المجموع في رمز نافع فالهمزة يستعملها كثيرا نحو ورابرق افتح آمنا وقد يستعمل ألف الوصل نحو معي نفر العلا، له الرحب له الحلا وإن افتحوا الجلا كما انجلا وهو كثير ولو تجنبه لكان أحسن فإن ألف الوصل ساقطة لفظا منه فكلما كان الرمز بلفظ بين كان أولى منه بلفظ خفي ولزم منه إلباس في قوله: سورة الكهف: وأقبلا على حق السدين أن يكون الألف من واقبلا رمز نافع فيكون مع على حق في فتح السدين كما فعل ذلك في وعلا وكم ودون وحكم على ما تقدم.
ومنها أنه مهما اجتمع الراويان على قراءة فالرمز لإمامهما دونهما في غالب الأمر؛ لأنه الأخص إذ لا يحتاج إلا إلى كلمة واحدة، وقد جاء في بعض المواضع الرمز لهما بكلمتين لاحتياجه إلى ذلك في إقامة الوزن وتتمة البيت كقوله: ضوء سنا تلا، وفي الفرقان زاكيه هللا، وفي لوصل لكنا فمد له ملا.
ومنها أنه إذا اتصل شيء من هذه الحروف بضمير قراء تقدم ذكرهم لم يكن ذلك رمزا وكان الضمير كالمصرح به من أسمائهم، ومن حكمه أن المصرح به لا رمز معه وذلك نحو قوله: وصية ارفع صفو حرميه رضى ثم قال: ويبصط عنهم: أي أن من تقدم ذكرهم يقرءون يبصط بالصاد ولا نقول إن العين في عنهم رمز حفص ومثله: وضم الراء حق ولاغية لهم أي ضم نافع وابن كثير وأبو عمرو الياء من: لا تسمع فيها[1]ورفع: لاغية لهم أيضا ولا نقول إن اللام في لهم رمز هشام وهذا بخلاف ما إذا كان الضمير غير راجع إلى أحد من القراء الذين سبق ذكرهم فإن الحرف حينئذ يكون رمزا مثل: له الرحب له الحلا.
ومنها أنه قد جاء في مواضع ألفاظ تصلح أن تكون رمزا وليست برمز في مراده وذلك كما سنبينه في باب المد والإمالة والزوائد وفرش الحروف، وهو مشكل وفي باب البسملة موضع ذكر أنه رمز وعندي أنه ليس برمز كما سنذكره.
ومنها أنه إذا اجتمعت قراءتان لقارئ واحد فتارة يسمى لكل قراءة منهما كقوله: وفيه لم ينون لحفص كيد بالخفض عولا وتارة يسمى بعد الثانية فتكون التسمية لهما كقوله: وأنث ان تكون مع الأسرى الأسارى حلا حلا وفي قوله: سنكتب ياء ضم البيت رمز بعد ثلاث قراءات لحمزة بقوله فيكملا وتارة يسمى مع الأولى ويعطف الثانية عليها كقوله: ويغشى سما خفا البيت فقوله والنعاس ارفعوا يعني لحق المقدم ذكره؛ لأنه قد أتى بالواو الفاصلة في قوله: ولا فلو كان رفع النعاس لغير من تقدم ذكره لسماه قبل الواو فيعلم بمحئ الواو أن لا رمز لها سوى ما تقدم والله أعلم.
46-
وَمِنْ بَعْدِ ذِكْرِى الْحَرْفَ أُسْمِى رِجَالَهُ ... مَتَى تَنْقَضِي آتِيكَ بِالْوَاوِ فَيْصَلاَ
الحرف مفعول ذكرى المضاف إلى ياء المتكلم والمراد بالحرف ما وقع الاختلاف فيه بين القراء من الكلمات وأسمى وأسمى لغتان بمعنى واحد ويتعديان إلى مفعول واحد؛ لأنه واحد؛ لأنه بمعنى ذكرى الاسم، والهاء في رجاله تعود إلى الحرف والمراد برجاله قراؤه أي أذكرهم برموزهم التي أشرت إليها لا بصريح أسمائهم فإن ذلك يتقدم على الحرف ويتأخر كما سيأتي.
[1]سورة الغاشية، آية: 11.


صفحه 36

بين بهذا البيت كيفية استعماله الرمز بحروف أبجد فذكر أنه يذكر حرف القراءة[1]أولا ثم يرمز له سواء كان المختلف فيه كلمة أو أكثر فالكلمة نحو: وتقبل الاولى أنثوا دون حاجز والكلمتان نحو وكسر بيوت والبيوت يضم عن حماجلة والثلاث نحو: وقيل وغيض ثم جيء يشمها والربع نحو: وسكِّنْ يؤده معْ نولهْ ونصلِهِ ونؤته منهاوقد تكون قاعدة كلية يدخل تحتها كلم متعددة نحو: وضمك أولى الساكنين ... البيت والأغلب أن الرمز المذكور لا يأتي إلا بعد كمال تقييد القراءة إن احتاجت إلى تقييد كالأمثلة التي ذكرناها، وقد وقع قليلاً رمز قبل تمام التقييد كقوله: والعين في الكل ثقلا كما دار واقصر مع مضعفة فقوله: كما دار رمز متوسط بين كلمتي التقييد وهما ثقلا واقصر، ومثله: ومع مد كائن كسر همزته دلا ولا ياء مكسورا ... وأما قوله في سورة غافر: أو أن زد الهمز ثملا وسكن لهم فإن قوله: لهم قام مقام تكرار الرمز وقد يرمز قبل جملة التقييد كقوله: وإثم كبير شاع بالثا مثلثا، ومثله مع تسمية القارئ قوله وفي فأزل اللام خفف لحمزة وزد ألفا من قبله فتكملا والضمير في تنقضي للرجال، ويجوز أن يعود على المسألة برمتها من ذكر الحرف وقرائه لدلالة سياق الكلام على ذلك.
يريد أنه إذا انقضى ذكر الحرف ورمز من قرأه أتى بكلمة أولها واو تؤذن بانقضاء تلك المسألة واستئناف أخرى؛ لأن الواو لم يجعلها رمز القارئ بخلاف سائر الحروف ولو لم يفعل ذلك لاختلطت المسائل وظن ما ليس برمز رمزًا لا سيما إذا أتى بكلام بين المسألتين للحاجة إليه في تتميم وزن البيت كقوله: وجها على الأصل أقبلا وجها ليس إلا مبجلا حق وذو جلا فإن ما بعد الواو ليس رمزا في كل ذلك وقد يأتي بكلمة أولها واو في أثناء تقييد المسألة لضرورة القافية فلا تكون الواو فيها فصلا كقوله: من رجز أليم معا ولا على رفع خفض الميم دل عليه، وكقوله: والياسين بالكسر وصلا مع القصر مع إسكان كسر دنا غنى، فالواو في ولا ووصلا في هذين الموضعين ليسا بفصل كما أن ألفاظ التقييد لا تكون أوائلها إلا رمزا، وإنما الرمز ما يأتي بعد كمال التقييد غالبا كذلك الواو الفاصلة هي ما يأتي بعد كمال المسألة من التقييد والرمز والله أعلم.
وإثبات الياء في تنقضي وآتيك وهما فعلا شرط وجزاء على لغة من قال:
ألم يأتيك والأنباء تنمي
وحقها حذف الياء منها للجزم ولم يستقم له حذف الياء من تنقضي، أما من آتيك فكان حذفها جائزا له على ارتكاب زحاف جائز والناظم لم يفعله لنفور الطبع السليم منه وفيصلا حال وهو من الصفات التي جاءت على وزن فيعل كضيغم وبيئس وفيه معنى المبالغة والله أعلم.
47-
سِوَى أَحْرُفٍ لاَ رِيبَةٌ فِي اتِّصَالِهَا ... وَبالَّلفْظِ أَسْتَغْنِي عَنِ الْقَيْدِ إِنْ جَلاَ
نبه بهذا البيت على أنه إنما جعل الواو فاصلة؛ لترتفع الريبة واللبس من اختلاط الحروف وإنما خص الواو بالفصل لتأتِّيها له في النظم وتيسرها عليه من حيث هي في الأغلب عاطفة والقراءات تراجم ومسائل يعطف بعضها على بعض وربما فصل بغير العاطفة كقوله: دار وجها شاع وصلاه في عمد وعوا وهو قليل، وليس كل كلمة أولها واو يكون الواو فيها فصلا؛ فإن ذلك قد يقع في كلمات القرآن وفي ألفاظ التقييد،
[1]أي ما وقع في الاختلاف فيه بين القراء.


صفحه 37

كقوله: وراؤه بكسر بعد قوله: وصحبة يصرف فتح ضم، ومنه قوله: وبالضم واقصروا كسر التاء قاتلوا، وقد تقدم أنها تقع في أثناء كلمات التقييد وإن لم تكن تلك الكلمة تقييدا بل احتيج إليها؛ لتتميم القافية كقوله: وفك ارفعن ولا، فإن قوله: "ولا" وقع حشوا؛ لأجل القافية، وقوله: بعد ذلك وبعد اخفضن واكسر ومد الواو في الكلمات الثلاث داخلة على ما هو تقييد لا فصل في واحدة منها إلى قوله ومؤصدة فإنما الواو الفاصلة هي الآتية بعد كمال الرمز، ثم إن الكلمة التي أولها واو للفصل تارة ليس المراد منها إلا ذلك نحو وضم حليهم بكسر شفا وافٍ فكلمة وافٍ لم يأتِ بها إلا للفصل وإن تضمنت معنى صحيحًا فيما يرجع إلى الثناء على القراءة وتارة تأتي الكلمة ويكون ما بعد الواو مقصودًا لغير الفصل إما هو من الحروف المختلف فيها نحو: وموصدة فاهمز وحمالة المرفوع، وإما اسم لقارئ نحو وحمزة أسرى وورش؛ لئلا وبصر وأتبعنا أو تقييد للحرف المختلف فيه نحو: وخاطب حرفا تحسبن وبالضم صر أشاع وميم ابن أم اكسر وذكر لم يكن شاع وقد يكون ما بعد الواو رمزا وهو قليل وقد تقدم الكلام فيه نحو وعلى الحرمي ثم ذكر في هذا البيت أنه قد لا يأتي بالواو الفاصلة وذلك في أحرف من القراءات إذا اتصلت لم يلبس أمرها ولا يرتاب الناظر فيها؛ لأنها من كلم القرآن وذلك كقوله وينبت نون صح يدعون عاصم ويدعون خاطب إذ لوى ورابرق افتح آمنا البيتين ففي كل بيت منهما ثلاثة أحرف ولا واو بينها وقد يقع ااتصال من تقييد قراءة ورمز أخرى كقوله: يظلمون غيب شهددنا ثم قال: إدغام بيت في حلا وقوله: واكسر الضم اثقلا نعم عم في الشورى.
فالحاصل أنه يلتزم الواو في مواضع الريبة وفيما عداها قد يأتي بالواو طردا للباب وقد لا يأتي بها للاستغناء عنها وأكثر المواضع التي أتى فيها بالواو لا لبس فيها كقوله: وعند سراط والسراط ورضوان اضمم زكا وقواريرا، وقد ترك الواو سهوا في موضع واحد ملبس في سورة القصص وقل قال موسى واحذف الواو دخللا نما نفر بالضم ثم ذكر حكما آخر فيما يتعلق بتقييد الحرف المختلف فيه فقال: وباللفظ استغنى عن القيد ولم يكن هنا موضع ذكره ولو أخره إلى ما بعد انقضاء الرموز لكان أولى وذلك عند قوله: وما كان ذا ضد ... إلى قوله: وفي الرفع والتذكير والغيب فهاتيك الأبيات كلها فيما يتعلق بتقييد القراءات، وهذه الأبيات من قوله: جعلت أبا جاد ... إلى قوله: وما كان ذا ضد كلها في الرمز وما يتعلق به ويتفرع عنه فاعترض بهذا الحكم في أثناء ذلك فذكر أنه قد لا يحتاج إلى تقييد الحرف بهيئة قراءته إذا كان التلفظ به كاشفا عن ذلك القيد، ولهذا قال: إن جلا أي إن كشف اللفظ عن المقصود وبينه يقال جلوت الأمر إذا كشفته، وهذا قد أتى في القصيدة على ثلاثة أقسام إما أن يلفظ بالقراءتين معا كقوله: وحمزة أسرى في أسارى وفي طائر طيرا سكارى معا سكرى وعالم قل علام، وإما أن يلفظ بإحداهما ويقيد الأخرى كقوله: وبالتاء آتينا، والثالث أن يلفظ بإحداهما ولا يقيد الأخرى كقوله: و {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}[1].
كأنه قال بالمد ففهم من ذلك القراءة الأخرى من جهة الضد، وقد يلفظ بالقراءتين معا ويذكر بعد بعض
[1]سورة الفاتحة، آية: 4.


صفحه 38

قيود إحداهما كقوله: تمارونه تمرونه وافتحوا شذا وطأ وطاء فاكسروه وكل موضع لفظ بحرف مختلف فيه ولم يستغن باللفظ به عن القيد ثم قيده بما فهم منه الخلاف باعتبار الأضداد على ما سيأتي ذكرها، فإن لم يكن أن يلفظ بذلك اللفظ إلا على إحدى القراءتين تعين، وهو في القصيدة على نوعين:
أحدهما أن يكون القيد لما لفظ به كقوله: وما يخدعون الفتح من قبل ساكن وبعد ذكا وخفف كوف يكذبون وعدنا جميعا دون ما ألف وكفلها الكوفي ثقيلا البيت وحامية بالمد صحبته كلا وفي حاذرون المد.
والثاني أن يكون القيد لما لم يلفظ به وهذا أحسن لأخذ كل من القراءتين حظا إما لفظا وإما تقييدا كقوله: وفي تكملوا قل شعبة الميم ثقلا وقصر قياما عم مع القصر شدد ياء قاسية شفا ووحد للمكي آيات الولا فإن أمكن أن يلفظ بذلك اللفظ على كل واحدة من القراءتين فالأولى أن يلفظ بما لم يقيده كقوله: عليهم إليهم حمزة بكسر الهاء وصحبة يصرف بضم الياء وذكر لم تكن بالتاء الدالة على التأنيث وقد جاء في سورة طه موضع استغنى فيه باللفظ عن القيد ولم يحصل الاستغناء به لأنه لم يجل القراءة الأخرى ولم يكشفها وهو قوله: وأنجيتكم واعدتكم ما رزقتكم شفا وسيأتي ما يمكن الاعتذار به في موضعه إن شاء الله تعالى.
48-
وَرُبَّ مَكاَنٍ كَرَّرَ الْحَرْفَ قَبْلَهَا ... لِمَا عَارِضٍ وَالْأَمْرُ لَيْسَ مُهَوِّلاَ
الحرف: مفعول كرر وفاعله ضمير راجع إلى مكان على طريقة المجاز جعل المكان مكرر لما كان التكرار واقعا فيه كقولهم ليل نائم أو يرجع إلى الناظم على طريقة الالتفات من استغنى إلى كرر كقوله تعالى:
{لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ}[1].
أي كرر فيه الناظم الحرف قبلها أي قبل الواو الفاصلة ومراده بالحرف هنا حرف الرمز الدال على القارئ لا الكلمة المختلف فيها المعبر عنها بقوله: ومن بعد ذكرى الحرف ولو قال: ورب مكان كرر الرمز لكان أظهر لغرضه وأبين ورب حرف تقليل وعامله محذوف مقدر بعده أي وجد أو عثر عليه أشار إلى أن ذلك يوجد قليلا وهو تكرار الرمز تأكيدا وزيادة بيان، وهو في ذلك على نوعين:
أحدهما: أن يكون الرمز لمفرد فيكرره بعينه كقوله: اعتاد فضلا، وحلا حلاء، وعلا علا.
والثاني: أن يكون الرمز لجماعة لم يرمز لواحد من تلك الجماعة كقوله: سما العلا، ذا أسوة تلا.
وقد يتقدم المفرد كقوله: إذ سما كيف عولا، وقوله: قبلها يعني قبل الواو الفاصلة المنطوق بها أو قبل موضعها وإن لم توجد فإن حلا حلا وعلا علا ليس بعدهما واو فاصلة، وقوله: لما عارض تعليل للتكرير وما نكرة موصوفة أي لأمر عارض أو زائدة كزيادتها في قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ}[2].
[1]سورة الإسراء، آية: 1.
[2]سورة آل عمران، آية: 159.


صفحه 39

أي لأجل عارض اقتضى ذلك من تحسين لفظ أو تتميم قافية ثم سهل هذا الأمر على الطالب وهونه بقوله والأمر ليس مهولا: أي ليس مفزعا أي لا يجر لبسا ولا يؤدي إلى إشكال.
واعلم أنه كما يكرر الرمز لعارض فقد تكرر الواو الفاصلة أيضا لذلك كقوله قاصداً ولا ومع جزمه، ولم يخشوا هناك مضللا وأن يقبلا التذكير، ولم ينبه على ذلك وهو واضح والله أعلم.
49-
وَمِنْهُنَّ لِلْكُوفِيِّ ثَاءٌ مُثَلَّتٌ ... وَسِتَّتُهُمْ بِالْخَاءِ لَيْسَ بِأَغْفَلاَ
الضمير في منهن للحروف للعلم بها ووصف الثاء بأنه مثلث بالنقط ليميزه من الباء والتاء وكذلك قوله: في الخاء ليس بأغفلا: أي أنه منقوط ليميزه من الحاء.
لما اصطلح الناظم -رحمه الله- على رموز للقراء منفردين اصطلح أيضا على رموز لهم مجتمعين إلا أنه ليس لكل اجتماع بل لما يكثر دوره ووقوعه.
واعلم أن لكل واحد من القراء شيئا ينفرد به وقد جمعت ذلك في مصنف بترتيب حسن ولكل واحد منهم اجتماع مع كل واحد منهم هذا مطرد ويتفق اجتماع ثلاثة على قراءة ولا يطرد في الجميع وكذا يتفق اجتماع أربعة وخمسة وستة وكان قد بقي ستة أحرف فجعل كل حرف منها رمزا لما يذكره فذكر في هذا البيت حرفين الثاء والخاء فالثاء رمز للقراء الكوفيين وهم ثلاثة كما سبق وقوله للكوفي أي للقارئ الكوفي من السبعة: أي لهذا الجنس منهم والحروف كلها تذكر وتؤنث واختار التذكير في وصف هذه الحروف هنا لما كانت عبارة عن ذكور فقال مثلث وليس بأغفلا وكذا الأربعة البواقي على ما يأتي فالضمير في وستتهم للقراء: أي يعبر عنهم بالخاء ثم بين الستة منهم فقال:
50-
عَنَيْتُ الْأُلَى أَثْبَتُّهُمْ بَعْدَ نَافِعٍ ... وَكُوفٍ وَشَامٍ ذَا لُهُمْ لَيْسَ مُغْفَلاَ
الألى بمعنى الذين: أي عنيت بالستة الذين ذكرتهم بعد ذكر نافع وهم باقي السبعة. وعبر عن الكوفيين وابن عامر وهو الشامي بالذال وقال ليس مغفلا ليميزه عن الدال ووجه قوله وكوف وشام وكذا ما يأتي بعده مثل وبصر ومك أنه حذف إحدى ياءي النسب تخفيفا كما يخفف المشدد لضرورة الشعر وكأن المحذوف المتحركة فبقيت الساكنة مع التنوين فحذفت لالتقاء الساكنين فصار كقاض والألف واللام مقدرة أو الإضافة ولهذا صح الابتداء به أي والكوفي والشامي أو وكوفيهم وشاميهم ذالهم التي هي عبارة عنهم منقوطة ثم قال:
51-
وَكُوفٍ مَعَ المَكِّيِّ بِالظَّاءِ مُعْجَماً ... وَكُوفٍ وَبَصْرٍ غَيْنُهُمْ لَيْسَ مُهْمَلاَ
المعجم من الحروف ما نقط من قولهم: أعجمت الكتاب: أي أزلت عجمته والمهمل ما لم ينقط ولسنا بخائضين في بيان مناسبة كل حرف لمن جعله له من جهة مخارج الحروف وصفاتها فإنه لو عكس ما ذكره لأمكن توجيهه أيضا والله أعلم.
52-
وَذُو النَّقْطِ شِينٌ لِلْكِسَائِي وَحَمْزَةٍ ... وَقُلْ فِيهِمَا مَعْ شُعْبَةٍ صُحْبَةٌ تَلاَ
شين بدل من وذو النقط وتمت حروف أبجد واحتاج إلى الاصطلاح في التعبير عن جماعات يكثر اتفاقهم


صفحه 40

على القراءة فوضع ثماني كلمات لمن يأتي ذكرهم وهي صحبة صحاب عم سما حق نفر حرمي حصن، منها ما هو دل على اثنين وهو عم حق حرمي والبواقي مدلولها جماعة فجعل لحمزة والكسائي إذا اتفق معهما أبو بكر عن عاصم لفظ صحبة كقوله رمى صحبة وصحبة يصرف، وتارة رمز لهم بالحروف كقوله: وموص ثقله صح شلشلا وتلا بمعنى تبع أي تبع ما قبله في أنه رمز وليس بصفة لصحبة وإلا تقيدت وأشعر اللفظ بأنه المجموع هو الرمز وكذا ما يأتي في قوله: نفر حلا.
53-
صِحَابٌ هَمَا مَعْ حَفْصِهِمْ عَمَّ نَافِعٌ ... وَشَامٍ سَمَا فِي نَافِعٍ وَفَتَى الْعَلاَ
هما: يعني حمزة والكسائي مع حفص عن عاصم يعبر عنهم بصحاب ولفظ عم دليل نافع وشام وسما مستقر في التعبير به عن نافع، وفتى العلا وهو أبو عمرو بن العلا وفي ابن كثير وهو المراد بقوله ومك في البيت الآتي:
54-
وَمَكٍّ وَحَقٌّ فِيهِ وَابْنِ الْعَلاَءِ قُلْ ... وَقُلْ فِيهِمَا وَالْيَحْصُبِي نَفَرٌ حَلاَ
فيه أي في المكي وهو ابن كثير أي استقر لفظ حق فيه، وفي ابن العلاء فحذف حرف الجر من المعطوف على الضمير المجرور وهو جائز في الشعر مختلف فيه في غيره ولفظ نفر قل فيهما أي في ابن كثير وأبي عمرو وفي اليحصبي وهو ابن عامر فحذف حرف الجر أيضا.
55-
وَحِرْمِيٌّ الْمَكِّيُّ فِيهِ وَنَافِعٍ ... وَحِصْنٌ عَنِ الْكُوفِي وَنَافِعِهِمْ عَلاَ
أي ولفظ حرمي اشترك فيه ابن كثير ونافع وهو نسبة إلى الحرم والحرم والحرم واحد.
فإن قلت: هذه نسبة صحيحة فتكون كالعبارة الصريحة فقوله: حرمي كقوله: مكي وبصري وشامي وكوفي؛ لأن كل واحد من ابن كثير ونافع منسوب إلى الحرم هذا من حرم مكة وذا من حرم المدينة.
قلت: موضع الرمز كون اللفظ مفردا أراد به مثنى ولم يستعمل المفرد لإلباسه؛ إذ لا يعلم أي الحرميين أراد والتصريح بنسبتهما أن يقول الحرميان كما يقوله صاحب العنوان وغيره ولكونه جعل هذا اللفظ رمزا لم يتصرف فيه بحذف ياء النسبة ولا تخفيفها بخلاف قوله: ومن تحتها المكي سوى الشام ضموا إشعارا بأنه رمز لا نسبة، ثم قال: وحصن جعلته عبارة عن الكوفيين ونافع وقوله: علا أي الحصن أو المذكور أي ظهر المراد وانكشف وهذه الألفاظ الثمانية تارة يأتي بها بصورتها وتارة يضيف بعضها إلى ضمير القراء كقوله ونذر أصحابهم حموه كما قال: وكوفيهم تساءلون، شاميهم تلا وتارة يضيفه إلى الهاء والكاف نحو: وحامية بالمد صحبته كلا وقل مرفقا فتح مع الكسر عمه حقه بتنبت وحقك يوم لا ثم قال:
56-
وَمَهْماَ أَتَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ بَعْدُ كِلْمَةٌ ... فَكُنْ عِنْدَ شَرْطِي وَاقْضِ بِالْوَاوِ فَيْصَلاَ
أي هذه الكلمات الثماني التي وضعتها رمزا تارة أستعملها مجردة عن الرمز الحرفي الذي تقدم ذكره وتارة يجتمعان، فإذا اجتمعا لم ألتزم ترتيبا بينهما فتارة يتقدم الحرف على الكلمة وتارة تتقدم الكلمة على الحرف كقوله: وعم فتى نعم عم صحبة كهف كفء صحبة وتارة تتوسط الكلمة بين حرفين كقوله: صفو