بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 437

يريد: {هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ} .
فارفع على أن يوم خبر هذا؛ أي: هذا اليوم يوم ينفع الصادقين وهو يوم القيامة والنصب على الظرف؛ أي: قال الله تعالى ما تقدم ذكره في هذا اليوم، أو قال الله: هذا الذي قصصته عليكم ينفع ذلك اليوم وقال الفراء: يوم خبر المبتدأ على معنى قراءة الرفع وإنما بني على الفتح لإضافته إلى غير اسم يعني: إلى غير اسم متمكن، ومنع البصريون بناء ما يضاف إلى المضارع وخصوا ذلك بالمضاف إلى الماضي نحو: على حين عاتبت؛ لأن المضارع معرب، والماضي مبني فسرى البناء إلى ما أضيف إليه، ثم ذكر الناظم ياءات الإضافة وهي ست؛ منها ثلاث في لفظ إني، فهذا معنى قوله: وإني ثلاثها فالضمير في ثلاثها يعود إلى إني الأولى: "إني أخاف" فتحها الحرميان وأبو عمرو، والأخريان: "إِنِّيَ أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ"[1]، "فَإِنِّيَ أُعَذِّبُهُ عَذَابًا"[2]، فتحهما نافع وحده.
والثلاث الأخر:
"مَا يَكُونُ لِيَ أَنْ أَقُولَ"[3]، فتحها الحرميان وأبو عمرو.
{يَدِيَ إِلَيْكَ}[4]فتحها نافع وأبو عمرو وحفص.
{وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ}[5]فتحها هؤلاء وابن عامر.
وفيها زائدة واحدة: "وَاخْشَوْنِيَ وَلا تَشْتَرُوا" أثبتها في الوصل أبو عمرو وحده.
وقلتُ في ذلك:
فياءاتها ست وفيها زيادة ... وعبر عنها قوله اخشون مع ولا
[1]سورة المائدة، آية: 29.
[2]سورة المائدة، آية: 115.
[3]سورة المائدة، آية: 116.
[4]سورة المائدة، آية: 28.
[5]سورة المائدة، آية: 44.


صفحه 438

سورة الأنعام:
632-
وَ"صُحْبَةُ" يُصْرَفْ فَتْحُ ضَمٍّ وَرَاؤُهُ ... بِكَسْرٍ، وذكِّر لَمْ يَكُنْ شَاعَ وَانْجَلا
أي الذي صحب يصرف فتح يائه وكسر رائه كما تقول: صحبة زيد عمرو وبكر: وإنما قال: فتح ضم، ولم يقل فتح ياء لما ذكرناه في فتح ضم استحق يريد قوله تعالى: {مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ}[1]، قراءة صحبة على معنى من يصرف الله عنه العذاب، وقراءة الباقين على بناء الفعل للمفعول، وأما: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا}[2]، فقراءة حمزة والكسائي "يكن" بالياء، وهذا معنى التذكير الذي أشار إليه بقوله: وذكر؛ فإن الباقين قرءوا بالتاء على التأنيث، فاسم يكن على قراءتهما قوله: أن قالوا، وفتنتهم الخبر، وأما قراءة الباقين فمن نصب فتنتهم فهذا وجهها، ومن رفع فتنتهم جعلها الاسم والخبر: أن قالوا والله أعلم.
633-
وَفِتْنَتُهُمْ بالرَّفْعِ "عَـ"ـنْ "دِ"ين "كَـ"ـامِلٍ ... وَبَا رَبِّنا بِالنَّصْبِ "شَـ"ـرَّفَ وُصَّلا
من رفع الفتنة مع تأنيث يكن فقراءته ظاهرة ومن نصبها ففي قراءته إشكال؛ فإن الاسم إن قالوا وهو مذكر فما وجه التأنيث؟ وهي قراءة أبي عمرو ونافع وأبي بكر، فقال أبو علي: أنث أن قالوا: لما كان الفتنة في المعنى وفي التنزيل: {فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}[3].
وقال لبيد:
فمضى وقدَّمها وكانت عادة ... منه إذا هي عردت إقدامها
فأنث الإقدام لما كان العادة في المعنى قال: وقد جاء في الكلام: ما جاءت حاجتك فأنث ضمير ما حيث كان الحاجة في المعنى ونصب الحاجة مثل ذلك قولهم: من كانت أمك؟ فأنث ضمير من حيث كان، الأم، ومثله: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ}[4].
[1]سورة الأنعام، آية: 16.
[2]سورة الأنعام، آية: 23.
[3]سورة الأنعام، آية: 190.
[4]سورة الأحزاب، آية: 32.


صفحه 439

قال الزجاج: ويجوز أن يكون تأويل أن قالوا إلا مقالتهم؛ أي: فيؤنث الفعل على هذا التقدير؛ لأن المقالة مؤنثة والنصب في: {وَاللَّهِ رَبِّنَا} .
على النداء أو بإضمار أعني، والخفض على النعت والثناء، وقوله: وصلا جمع واصل وهو مفعول شرف والفاعل ضمير يعود على الباء؛ أي: شرف هذا النداء الواصلين إلى الله لا هؤلاء الكفرة.
634-
نُكَذِّبُ نَصْبُ الرَّفْعِ "فَـ"ـازَ "عَـ"ـلِيمُهُ ... وَفِي وَنَكُونَ انْصِبْهُ "فِـ"ـي "كَـ"ـسْبِهِ "عُـ"ـلا
أي انصب الرفع، وكان يمكنه أن يقول: وفي ونكون النصب، ولكن كان يلزم من تلك العبارة أن يكون ضده الخفض، ولما قال: انصبه علم أن القراءة الأخرى الرفع والرفع في الفعلين على العطف على: "نُرَدُّ".
أي: يا ليتنا نرد ونوفق للإيمان والتصديق أو يكون على القطع؛ أي: ونحن لا نكذب ونكون من المؤمنين؛ أي: قد عاينا وشاهدنا ما لا نكذب معه أبدا، ومنه قولهم: دعني ولا أعود، ويجوز أن يكونا في موضع الحال؛ أي: يا ليتنا نرد غير مكذبين وكائنين من المؤمنين، والنصب فيهما على جواب التمني بالواو وابن عامر نصب "ونكون" على الجواب ورفع ولا نكذب على ما سبق من الوجوه الثلاثة، ويشكل على قراءة النصب وعلى قراءة الرفع أن جعلنا الجميع متمنٍ، أو قلنا الواو للحال، قوله سبحانه بعد ذلك: {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}[1].
والمتمني لا يوصف بصدق ولا كذب، فيحمل ذلك على أنه استئناف إخبار عنهم بصفة ذم من جملة صفاتهم كما لو قال: "وإنهم لظالمون".
635-
وَلَلدَّارُ حَذْفُ اللامِ الُاخْرَى ابْنُ عَامِرٍ ... وَالَاخِرَةُ المَرْفُوعُ بِالخِفْضِ وُكِّلا
يعني: حذف ابن عامر لام التعريف، وأبقى لام الابتداء، وأضاف الدار إلى الآخرة على تقدير: ولدار الساعة الآخرة أو لدار الحياة الآخرة، وكتبت في مصاحف الشام بلام واحدة وقراءة الجماعة بالتعريف وجعل الآخرة صفة للدار.
636-
وَ"عَمَّ عُـ"ـلًا لا يَعْقِلُونَ وَتَحْتَها ... خِطابًا وَقُلْ فَي يُوسُفِ "عَمَّ نَـ"ـيْطَلا
[1]سورة الأنعام، آية: 28.


صفحه 440

علا: تمييز أو حال؛ أي: عم علاه أو عاليا وفاعل عم لا يعقلون، وخطابا أيضا حال؛ أي: مخاطبا وذا خطاب، ويجوز أن يكون خطابا تمييز على قولنا: إن علا حال ونيطلا أيضا تمييز؛ أي: نصيبا، وقال الشيخ: هو مفعول من أجله؛ أي: عطاء؛ لأنه يستعمل في العطاء وأصله للدلو ثم استعير للنصب كما قال تعالى: {ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ}[1].
والغيبة والخطاب في ذلك ظاهران، ولفظه في السور الثلاث: {أَفَلا تَعْقِلُونَ} .
وبعده في الأنعام: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ}[2].
وفي الأعراف وهي المراد بقوله: وتحتها؛ أي: تحت هذه السورة بعده: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ}[3].
وبعده في يوسف: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ}[4].
الخطاب في الثلاث لعم علا، وتابعهم أبو بكر في يوسف والذي في يس لابن ذكوان ونافع وذلك قوله:
637-
وَيَاسِينَ "مِـ"ـنْ "أَ"صْلٍ وَلا يُكْذِبُونَكَ الْـ ... ـخَفِيفُ "أَ"تى "رُ"حْبًا وَطَابَ تأَوُّلا
يعني: الذي بعده: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ}[5]، وبقي موضع آخر في القصص ذكره في سورته: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ}[6].
الخطاب فيه لغير أبي عمرو وأما: "فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ"[7]فالتخفيف فيه والتشديد من باب واحد: أكذَبَ وكذَّبَ مثل: أنزل ونزل، وتأولا تمييز ورحبا حال من الضمير في أتي العائد على يكذبونك أو مفعول به؛ أي: صادف مكانا رحبا من صدور قرائه لقبولهم له،
[1]سورة الذاريات، آية: 59.
[2]سورة الأنعام، آية: 33.
[3]سورة الأعراف، آية: 170.
[4]سورة يوسف، آية: 110.
[5]سورة يس، آية: 69.
[6]آية: 60.
[7]سورة الأنعام، آية: 33.


صفحه 441

وتوجيههم لمعانيها إذ يحتمل أن يكون من أكذبته؛ أي: وجدته كاذبا وأكذبته أيضا إذا نسبته إلى الكذب كقول الكميت:
فطائفة قد أكفرتني بحبكم
أي نسبتني إلى الكفر.
638-
أَرَيْتَ فِي الِاسْتِفْهَامِ لا عَيْنَ "رَ"اجِعٌ ... وَعَنْ نَافِعٍ سَهِّلْ وَكَمْ مُبْدِلٍ جَلا
يعني: إذا جاء لفظ رأيت أو رأيتم بعد همزة الاستفهام فالكسائي وحده يسقط عين الكلمة وهي الهمزة؛ لأنها عين الفعل تخفيفا لاجتماعها مع همزة الاستفهام وهي لغة للعرب مشهورة كقوله:
أرَيت امرءا كنت لم أبله ... أتاني فقال اتخذني خليلا
وقد أجمع على إسقاطها في المضارع نحو "يرى" مع الاستفهام وغيره فلم ترجع في الماضي في هذا الموضع وهو الاستفهام فقوله: راجع صفة لعين؛ أي: باعتبار الموضع، ويحوز نصبه على هذا نحو: لا رجل ظريفًا فيها ولا رجل ظريفٌ فيها كلاهما لغة، وخبر لا محذوف،؛ أي: راجع فيه ولو جعلت راجع خبر لا لم يبق عائد إلى المبتدأ الذي هو رأيت فهذا كقولك: زيد لا غلام ظيف له أو في الدار، ويجوز أن يكون راجع خبر المبتدأ ولا عين على تقدير لا عين فيه جملة حالية،؛ أي: رأيت محذوف العين راجع في المعنى إلى الثابت العين؛ لأنهما لغتان بمعنى واحد، وهذا الوجه أولى؛ ليكون قد رمز بعد كمال التقييد، وعلى الوجه الأول يلزم أن يكون راجع من جملة التقييد وهو رمز، وليس ذلك من عادته، ولأن هذا الباب لو فتح للزم أن تكون كلمات التقييد رمزا وإلا فجعل البعض رمزا دون بعض فيه إلباس، وقد سبق التنبيه على أن لفظ فيه في قوله: وكسر لما فيه ملبس وأنه لو قال: فضم سكونا فيه لكان فيه محتملا للتقييد وهو رمز، وأما قوله: وفي ونكون انصبه فلو لم يكن ظاهرا كل الظهور أن لفظ النصب لا يأتي إلا بيانا للقراءة وتقييدا لها، وإلا لأوهم أنه رمز نافع، ولم تكن له حاجة بذلك البيان فإن الكلمة التي قبلها مثلها في القراءة، فكانت الثانية داخلة في قيدها وهذه عادته كقوله فيما يأتي: إذا فتحت شدد لشام وههنا، فتحنا ولم يحتج أن يعيد لفظ شدد، وكذا: وإن بفتح عم نصر أو بعدكم نما، وكذا: وينذر صندلا، ولم يحتج أن يقول بالغيب، وقال بعضهم تقدير البيت: اذكر رأيت كائنا في الاستفهام ثم قال: وعن نافع سهِّل؛ أي: جعل الهمزة التي أسقطها الكسائي بين بين على قياس تخفيف الهمز وأبدلها جماعة من مشايخ مشيخة المصريين لورش ألفا وهذا على ما تقدم له من الخلاف في "أنذرتهم" "وأنتم" والله أعلم.
639-
إِذَا فُتِحَتْ شَدِّدْ لِشَامٍ وَههُنَا ... فَتَحْنا وَفِي الأَعْرَافِ وَاقْتَرَبَتْ كَلا
يعني: {إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ}[1]، {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ}[2]، {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ}[3]، {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ}[4].
[1]سورة الأنبياء، آية: 96.
[2]سورة الأنعام، آية: 44.
[3]سور الأعراف، آية، 96.
[4]سورة القمر، آية: 11.


صفحه 442

والتخفيف والتشديد في كل ذلك لغتان ومن عادته أن يجمع النظائر مقدما لما في سورته مهما أمكن، وهنا لم يمكنه فقدم الذي في الأنبياء، ثم رجع إلى ما في سورة الأنعام وغيرها ومعنى كلا حفظ وهو مهموز كما قال تعالى: "قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ"[1]، ولكن وقف عليه، فأبدل من الهمزة ألفا؛ لسكونها والله أعلم.
640-
وَبِالغُدْوَةِ الشَّامِيُّ بِالضَّمِّ ههُنا ... وَعَنْ أَلِفٍ وَاوٌ وَفِي الكَهْفِ وَصَّلا
أي يقرأ ابن عامر بالغدوة والعشي بضم الغين وسكون الدال، وبالواو موضع الألف فتصير بالغدوة، ولم ينبه على كون الدال ساكنة استغناء باللفظ به، وكان له أن يستغني أيضا باللفظ عن ذكر الضم والواو، وإنما ذكرهما؛ لتعرف القراءة الأخرى فيه بالضم على الفتح، ونص على الألف بدلا عن الواو، وبقي فتح الدال استغنى عن التنبيه عليه؛ لأن الألف لا يكون قبلها إلا مفتوح أو تركه؛ لأنه قد لفظ بالدال في قراءة ابن عامر ساكنة فكأنه قال بسكون الدال، ولو قال ذلك لكان ضدا؛ لكون المطلق الحركة المطلقة وهي الفتح، ومعنى قوله: عن ألف واو؛ أي: وثبت له بدلا عن واو ثم قال: "وفي الكهف وصلا"؛ أي: اتبع الذي في الكهف الذي في الأنعام، فقرأ ذلك كما قرأ هذا أو وفي الكهف وصل هذه القراءة إلينا، ورسمت الغدوة بالواو في جميع المصاحف كالصلوة والزكوة والحيوة، قال الفراء في سورة الكهف من كتاب المعاني: قرأ أبو عبد الرحمن السلمي بالغدوة والعشي ولا أعلم أحدا قرأ بها غيره، والعرب لا تدخل الألف واللام في الغدوة؛ لأنها معرفة بغير ألف، ولام سمعت أبا الجراح يقول: ما رأيت كغدوة قط يعني: بردا أصابه، يريد: كغداة يومه ألا ترى أن العرب لا تضيفها فكذلك لا تدخلها الألف واللام إنما يقولون: أتيتك غداة الخميس ولا يقولون غدوة الخميس، فهذا دليل على أنها معرفة، وقال أبو عبيد: كان عبد الله بن عامر وأهل الشام أو كثير منهم يقرءونها بالغدوة على واو كذلك يروى عن أبي عبد الرحمن السلمي، وأما القراءة فعلى غير هذا قرءوا جميعا بالغداة قال: وكذلك هي عندنا، وإنما نرى ابن عامر والسلمي قرءا تلك القراءة اتباعا للخط، قال: والذي نقول به ليس في إثباتهم الواو في الكتاب دليل على القراءة بها؛ لأنهم قد كتبوا: الصلوة والزكوة بالواو، ولفظهما على تركها، وكذلك الغداة على هذا وجدنا ألفاظ العرب، قال ابن النحاس: قرأ أبو عبد الرحمن السلمي وعبد الله بن عامر ومالك بن دينار بالغدوة، قال: وباب غدوة أن يكون معرفة إلا أنه يجوز تنكيرها كما تنكر الأسماء الأعلام فإذا نكرت دخلتها الألف واللام للتعريف، وعشى وعشية نكرتان لا غير، قال أبو علي: وجه دخول لام المعرفة عليها أنه قد يجوز -وإن كان معرفة- أن ينكر كما حكاه زيد من أنهم يقولون: لقيته فينة والفينة بعد الفينة، ففينة مثل الغدوة في التعريف بدلالة امتناع الانصراف، وقد دخلت عليه لام التعريف، وذلك أن يقدر من أمة كلها له مثل هذا الاسم، فيدخل التنكير لذلك، وقول من قال: بالغداة أبين قال سيبويه: زعم الخليل أنه يجوز أن يقول: أتيتك اليوم غدوة وبكرة،
[1]سورة الأنبياء، آية: 42.


صفحه 443

فجعلهما بمنزلة ضحوة، قال أبو العباس المهدوي: حكى سيبويه والخليل أن بعضهم ينكره، فيقول: رأيته غدوة بالتنوين، وبذلك قرأ ابن عامر نكرة، فأدخل عليها الألف واللام والله أعلم.
641-
وَأَنَّ بِفَتْحٍ "عَمَّ نَـ"ـصْرًا وَبَعْدُ"كَـ"ـمْ ... "نَـ"ـما يَسْتَبِينَ "صُحْبَةٌ" ذَكَّرُوا وِلا
نصرًا تمييز أو حال كما تقدم في وعم علا، ونما أي: ورد من قولهم: نما الحديث قال: من حديث نمى إلي عجيب؛ أي: كم مرة نمى؛ أي: نقل أراد أنه: {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ}[1]والذي بعده: {فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، قرأهما ابن عامر وعاصم بالفتح ونافع فتح الأول وكسر الثاني، والباقون بكسرهما فكسرهما معا ظاهر، أما الأول فوقع مستأنفا على وجه التفسير والثانية واقعة بعد فاء الجزاء، فكانت مكسورة كقوله سبحانه: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ}[2]، أجمعوا على كسرها وهذا وجه كسر نافع لها، وأما فتح الأول فعلى البدل من الرحمة أو على تقدير لأنه، وفتحت الثانية وإن كانت بعد فاء الجزاء على حذف مبتدأ؛ أي: فأمره "أنه غفور رحيم" أو على تقدير حذف الخبر، فالغفران حاصل له، وقد أجمع على الفتح في: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ}[3]، {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ}[4].
ومنهم من جعل الثانية تكريرا للأولى لأجل طول الكلام على حد قوله: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ}[5].
ودخلت الفاء في: {فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} على حد دخولها في: {فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ} .
[1]سورة الأنعام، آية: 54.
[2]سورة العين، آية: 23.
[3]سورة التوبة، آية: 63.
[4]سورة الحج، آية: 4.
[5]سورة المؤمنون، آية: 35.


صفحه 444

على قول من جعله توكيدا لقوله: {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ} إلا أن هذا ليس مثل: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ} ؛ لأن هذه لا شرط فيها، وتلك فيها شرط فيبقى بغير جواب فقيل: الجواب محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره: غفور له، ومنهم من جعل الثانية معطوفة على الأولى بالفاء، وكل هذا تكلف، والوجه ما قدمناه، وأجاز الزجاج كسر الأولى مع فتح الثانية وإن لم يقرأ به، وأما: {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ} ، فذكره صحبة متابعة للرواية؛ أي: قرءوه بالياء؛ لأن لفظ السبيل مذكر في قوله تعالى: {وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا}[1]، ومن قرأه بالتاء أنثوه كما جاء: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي}[2]، {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا}[3].
وكل هذا على قراءة من رفع سبيل على أنه فاعل تستبين وهم كل القراء غير نافع على ما سيأتي في أول البيت الآتي وأما قراءة نافع بنصب سبيل فعلى أنها مفعول تستبين والتاء للخطاب لا للتأنيث؛ أي: ولتستبين "أنت" سبيل المجرمين،؛ أي: تتبينها وتعرفها، فقول الناظم: "صحبة ذكّروا" يريد أن غيرهم أنثوا ونافع لم يؤنث، وإنما جاء بتاء المخاطبة، ولكن العبارة ضاقت عليه فلم يمكنه التنبيه عليه واغتفر أمره؛ لأن قراءته كقراءة الجماعة لفظا بالتاء إلا أنهما يفترقان في المعنى، وذلك لا يقدح في التعريف بصورة القراءة، وقوله: ولا؛ أي: متابعة، وهو في موضع نصب على الحال أو هو مفعول من أجله والله أعلم.
642-
سَبِيلَ بِرَفْعٍ "خُـ"ـذْ وَيَقْضِ بِضَمِّ سَا ... كِنٍ مَعَ ضَمِّ الكَسْرِ شَدِّدْ وَأَهْمِلا
مضى الكلام في رفع سبيل ونصبه وأما يقضي الحق، فقرئ بضم الساكن وهو القاف وبضم الكسر في الصاد مع تشديد الصاد وإهمالها، وهو أن تجعلها غير منقوطة فتعود صادا، فتصير الكلمة يقص من القصص من قوله تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ}[4].
وبمعنى الإتباع من قوله سبحانه:
[1]سورة الأعراف، آية: 146.
[2]سورة يوسف، آية: 108.
[3]سورة الأعراف، آية: 85.
[4]سورة الكهف، آية: 13.