قلت: وقيل: المعنى: تفرق جمعكم وتشتت، وقيل اتسع في الظرف فأسند الفعل إليه مجازا كما أضيف إليه في قوله تعالى: {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ}[1]، و {مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا}[2]، و {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} .
وقال عنترة:
وَكَأَنَّما تَطِسُ الإِكامَ عَشِيَّةً ... بِقَريبِ بَينَ المَنسِمَينِ مُصَلَّمِ
وقول أبي عمرو: لقد تقطع وصلكم يعني: أن البين يطلق بمعنى الوصل فلا يكون الظرف متسعا فيه هذا وجه آخر وقراءة النصب على أنه ظرف على أصله والفاعل مضمر دل عليه سياق الكلام؛ أي: لقد تقطع الاتصال بينكم، وقيل: لقد تقطع الذي بينكم، فحذف الموصول، وقيل: تقطع الأمر بينكم، وقيل: بينكم صفة موصوف محذوف؛ أي: لقد تقطع وصل بينكم كقولهم: ما منهما مات، أي: أحد مات وقيل الفاعل: {مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} ؛ أي: لقد تقطع وصل ما زعمتم، كقولك: قام وقعد زيد فأحد الفعلين رافع للفاعل الموجود والآخر فاعله مضمر؛ لدلالة الموجود عليه، وأما قوله: تعالى: "وجاعل الليل سكنا"[3]، فهذه القراءة موافقة لقوله تعالى: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} 4؛ كلاهما اسم فاعل أضيف إلى مفعوله، وقرأه الكوفيون: {وَجَعَلَ اللَّيْلَ} جعلوه فعلا ماضيا ومفعولا به؛ لأن فالق بمعنى فلق، فعطفوا "وجعل" عليه أراد فتح الكسر في العين وفتح الرفع في اللام، ومعنى ثمل أصلح والله أعلم.
656-
وَعَنْهُمْ بِنَصْبِ اللَّيْلِ وَاكْسِرْ بِمُسْتَقَرْ ... رٌ القَافَ "حَـ"ـقًّا خَرَّقُوا ثِقْلُهُ "ا"نْجَلا
أي عن الكوفيين؛ لأنه صار مفعولا وفي قراءة الباقين هو مضاف إليه فكان مجرورًا، وقوله: سبحانه بعد ذلك: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} بالنصب يقوي قراءة الكوفيين؛ أي: وجعل ذلك حسبانا، وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ}[5]، هما بفتح القاف والدال موضع الاستقرار والاستيداع، فالتقدير: فلكم متقر وهو حيث يستقر الولد في الرحم
[1]سورة البقرة، آية: 180.
[2]سورة الكهف، آية: 61.
[3]و4 سورة الأنعام، آية: 96.
[5]سورة الأنعام، آية: 98.
ولكم مستودع وهو حيث أودع المني في صلب الرجل، وإذا كسرت القاف كان اسم فاعل؛ أي: فمنكم مستقر في الرحم؛ أي: قد صار إليها واستقر فيها، ومنكم من هو مستودع في صلب أبيه، فعلى هذه القراءة يكون مستودع اسم مفعول؛ لأن فعله متعدٍّ ولم يتجه في مستقر بفتح القاف أن يكون اسم مفعول؛ لأن فعله لازم فلهذا عدل إلى جعله اسم مكان، وعطف مستودع عليه لفظا ومعنى؛ لإمكان ذلك فيهما والتخفيف والتشديد في: {وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ} لغتان والتخفيف أكثر، وفي التشديد معنى التكثير ولهذا قال انجلا؛ أي: ظهر وجهه، وانكشف معناه، وهو التكثير؛ لأن المشركين قالوا: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وكل طائفة من هؤلاء عالم لا يحصى، ومعنى "وخرقوا"؛ أي: افتروا ذلك يقال خرق واختلق واخترق إذا افترى، والباء في بنصب زائدة أو التقدير، وثمل الفتح أيضا بنصب الليل عنهم.
657-
وَضَمَّانِ مَعْ يَاسِينَ فِي ثَمَرٍ "شَـ"ـفَا ... وَدَارَسْتَ "حَقٌّ" مَدُّهُ وَلَقَدْ حَلا
أي: هنا ويس يريد: {انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ}[1]، {لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ}[2].
فالضمان في الثاء والميم، فيكون جمع ثمرة كخشب في جمع خشبة أو جمع ثمار ككتب في جمع كتاب أو جمع ثمر كأُسْد في جمع أسد وقيل: هو اسم مفرد لما يجنى كطنب وعنق وأما ثَمَر بفتح الثاء والميم فجمع ثمرة كبقر وشجر وخرز، واختلفوا أيضا في الذي في الكهف، كما يأتي إلا أن حمزة والكسائي جريا فيه على ضم الحرفين كما ضما هنا، وفي يس وعاصم وحده جرى على الفتحتين في الجميع ونافع وابن كثير وابن عامر ضموا في الكهف وحدها، وزاد أبو عمرو إسكان الميم فيها وكل ذلك لغات، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: "وليقولوا دارست"[3]على وزن فاعلت؛ أي: دارست غيرك هذا الذي جئتنا به، والباقون بلا ألف "درست"؛ أي: قرأت وهو في الرسم بغير ألف كما في: "جاعل الليل"؛ إلا أن الألفات كثير حذفها في أوساط الكلم من الرسم ثم ذر قراءة أخرى فقال:
658-
وَحَرِّكْ وَسَكنْ "كَـ"ـافِيًا وَاكْسِرِ انَّهَا ... "حِـ"ـمى "صَـ"ـوْبِهِ بِالخُلْفِ "دَ"رَّ وَأَوْبَلا
أي: حرك السين؛ أي: افتحها وسكن التاء فقل: درست على وزن خرجت فالتاء على هذه القراءة
[1]سورة الأنعام، آية: 99.
[2]سورة يس، آية: 35.
[3]سورة الأنعام، آية: 105.
هي تاء التأنيث الساكنة اللاحقة لأواخر الأفعال الماضية، والتاء في القراءتين السابقتين تاء الخطاب المفتوحة، ومعنى هذه القراءة أي: أمحيت هذه الآيات وعفت ومضت عليها دهور فكانت من أساطير الأولين فأحييتها أنت وجئتنا بها؟ وكافيا حال، ثم قال: واكسر أنها أراد: {أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ}[1]، فألقى حركة الهمزة في أنها على الراء الساكنة من اكسر، فيجوز كسر الراء وفتحها على بناء حركة الهمزة المنقولة، وفيها قراءتان: الكسر لأبي عمرو وابن كثير ولأبي بكر بخلاف عنه وهي ظاهرة؛ لأنها استئناف إخبار عنهم أنهم لا يؤمنون إذا جاءت الآية، ومعنى: "وما يشعركم"، "وما يدريكم"، "إيمانهم" إذا جاءت، فحذف المفعول وابتدأ بالإخبار بنفي وقوعه والقراءة الأخرى بالفتح يوهم ظاهرها أنه عذر للكفرة فقيل إن أنها بمعنى: لعلها وهي في قراءة: أبي "لعلها" ذكر ذلك أبو عبيد وغيره ولعل تأتي كثيرا في مثل هذا الموضع نحو: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ}[2]، {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى}[3].
وقيل: إنها وما بعده مفعول يشعركم، على أن لا زائدة نحو: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ}[4]، وهو قول الكسائي والفراء وقيل هو عذر للمؤمنين أنهم لا يعلمون ما سبق به القضاء على الكفار من أنهم لا يؤمنون إذا جاءت الآية على ما قاله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ}[5].
وقيل التقدير؛ لأنها إذا جاءت؛ أي: منعنا من الإتيان بالآية أنهم لا يؤمنون إذا جاءت قال الزجاج: زعم سيبويه عن الخليل أن معناها: لعلها إذا جاءت لا يؤمنون، وهي قراءة أهل المدينة قال: وهذا الوجه أقوى وأجود في العربية، والذي ذكر أن لا لغو غالط؛ لأن ما كان لغوا لا يكون بمنزلة لغو، ومن قرأ بالكسر فالإجماع على أن لا غير لغو فليس يجوز أن يكون معنى لفظه مرة لنفي ومرة لإيجاب، وقد أجمعوا على أن معنى أن ههنا إذا فتحت معنى لعل، قلت: وقد تكلم أبو علي في الاصطلاح على هذا واقتصر لمن قال: أن لا لغو، واختار أن يكون التقدير: لأنها؛ أي: فلا نؤتيهموها لإصرارهم على كفرهم عند ورودها، فتكون هذه الآية كقوله تعالى: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ}[6].
أي بالآيات المقترحة وقول الناظم: "حمى صوبه" أضاف حمى إلى الصوب وهو نزول المطر
[1]سورة الأنعام، آية: 109.
[2]سورة الشورى، آية: 42.
[3]سورة عبس، آية: 3.
[4]سورة الأنبياء، آية: 95.
[5]يونس، الآيتان، 96 و97.
[6]سورة الإسراء، آية: 59.
والهاء في صوبه للكسر المفهوم من قوله: واكسر ودر؛ أي: تتابع صبه وسيلانه وأوبل؛ أي: صار ذا وبل وقد مضى الكلام فيه في قوله: جودا وموبلا في الإدغام الصغير، وأشار إلى ظهور حجة قراءة الكسر والله أعلم.
659-
وَخَاطَبَ فِيهَا يُؤْمِنُونَ "كَـ"ـمَا "فَـ"ـشَا ... وَصُحْبَةُ "كُفْؤٍ فِي الشَّرِيعَةِ وَصَّلا
فيها أي: في هذه الآية، وفاعل خاطب: تؤمنون جعله مخاطبا لما كان فيه خطاب، وقد تقدم نظيره، فمن قرأ بالخطاب كان: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} خطابا للكفار، ومن قرأ بالغيبة فالخطاب للمؤمنين، ويجوز أن يكون للكفار على قراءة الكسر وعلى تقدير لعل، والخطاب في الشريعة وصله صحبة كفؤ يعني في قوله تعالى: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ}[1]، الخطاب المرسل إليهم والغيبة ظاهرة والله أعلم.
660-
وَكَسْرٌ وَفَتْحٌ ضُمَّ فِي قِبَلًا "حَـ"ـمى ... ظَهِيرًا وَلِلْكُوفِيِّ فِي الكَهْفِ وُصِّلا
ضم؛ إما فعل ما لم يسم فاعله أو أمر فإن كان لم يسم فاعله فهو صفة لفتح، وحذف مثله بعد قوله: وكسر تخفيفا وأراد كسر ضم وفتح ضم؛ أي: القاف والباء من قبلا مضمومتان فهو كقوله تعالى: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ}[2]، وهذه الصفة المقدرة هي التي سوغت جواز الابتداء بقوله: وكسر وفي قبلا: خبره، وإن كان ضم فعل أمر: كان عدولا عن الوجه الأقوى في الإعراب مع إمكانه إلى الوجه الأضعف حين رفع وكسر وفتح وكان الوجه نصبهما؛ لأنهما مفعول ضم، والظاهر أنه قصد هذا الوجه وغفل عن ضعف الرفع في مثل هذا فقد تكرر منه هذا النظم في قوله: المتقدم والليسع الحرفان حرك، وفاعل حمى ضمير الضم المفهوم من قوله: ضم، وظهيرًا حال منه أو مفعول به؛ أي: حمى من كان له ظهيرًا؛ أي: سعينا يحتج له وينصره وإا كان حلا فمعناه أن قراءة الضم ظهرت على الأخرى بكثرة وجوهها والخلاف في قوله تعالى: {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا}[3]، وفي الكهف: {أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا}[4]، يقرآن بضم القاف والباء، وبكسر القاف وفتح الباء قيل القراءتان بمعنى واحد أي: عيانا وقيل: المضموم هنا جمع قبيل وهو الكفيل؛ أي: كفلاء بما وعدناهم، والقبيل أيضا: الجماعة؛ أي: جماعات تشهد
[1]سورة الجاثية، آية: 6.
[2]سورة التوبة، آية: 62.
[3]سورة الأنعام، آية: 111.
[4]سورة الكهف، آية: 55.
بصدقك قال الفراء في سورة الأنعام: قبلا: جمع قبيل، وهو: الكفيل، قال: وإنما اخترت ههنا أن يكون القبيل في معنى الكفالة لقولهم: {أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا}[1]، يضمون ذلك قال: وقد يكون قبلا من قبل وجوههم كما تقول: أتيتك قبلا، ولم أك دبرا وقد يكون القبيل: جمعا للقبيلة، كأنك قلت: أو تأتي بالله والملائكة قبيلة قبيلة وجماعة جماعة، وقال في الكهف: "قبلًا": عيانا، وقد يكون قبلا بهذا المعنى، وقد يكون قبلا كأنه طوائف من العذاب مثل قبيل وقبل، قال أبو علي: قال أبو زيد: يقال: لقيت فلانا قبلا ومقابلة وقبلا وقبلا وقبليا وقبيلا كله واحد، وهو المواجهة ثم أتبع ذلك بكلام طويل مفيد -رحمه الله:
661-
وَقُلْ كَلِماتٌ دُونَ مَا أَلِفٍ "ثَـ"ـوَى ... وَفي يُونُسٍ وَالطَّوْلِ "حَـ"ـامِيهِ "ظَـ"ـلَّلا
يعني: قرأ هؤلاء كلمة بالإفراد وهو يؤدي معنى الجمع كما تقدم في "رسالاته" في المائدة، ويأتي له نظائر، وأراد: {وَتَمَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا}[2]، "إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون"[3]، "وكذلك حقت كلمات ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار"[4]، أفرد الكوفيون الثلاثة، ووافقهم ابن كثير وأبو عمرو في يونس والطول، وما في قوله: "دون ما ألف" زائدة.
662-
وَشَدَّدَ حَفْصٌ مُنْزَلٌ وَابْنُ عَامِرٍ ... وَحُرِّمَ فَتْحُ الضَّمِّ وَالْكَسْرِ "إ"ذْ "عَـ"ـلا
أراد: {أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} 5،
التخفيف والتشديد لغتان، من أنزَل ونزَّل، وحَرَّم بفتح الحاء والراء على إسناد الفعل إلى الله وبضم الحاء وكسر الراء على بناء الفعل للمفعول، وكذا توجيه الخلاف في "فصل لكم" الذي قبله وهو قوله:
663-
وَفُصِّلَ "إِ"ذْ "ثَـ"ـنَّى يَضِلُّونَ ضَمَّ مَعْ ... يَضِلُّوا الذِي فِي يُونُسٍ "ثَـ"ـاِبتًا وَلا
فقراءة نافع وحفص بإسناد الفعلين إلى الفاعل، وقراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر بإسنادهما إلى المفعول
[1]سورة الإسراء، آية: 92.
[2]سورة الأنعام، آية: 115.
[3]سورة يونس، آية: 97.
[4]سورة غافر، آية: 6.
5 سورة الأنعام، آية: 114.
وقراءة حمزة والكسائي وأبي بكر بإسناد فصل إلى الفاعل، وإسناد حرم إلى المفعول ولم يأتِ عكس هذا ومعنى إذ ثنى أي: أعاد الضمير في فصل إلى اسم الله تعالى قبله فهو مثنًّ بذكره، ويقال: ضل في نفسه وأضل غيره، وأراد: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ}[1]، {رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ}[2]في يونس، ولا خلاف في فتح التي في صاد: {إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}[3]، وسيأتي الخلاف في التي في إبراهيم وغيرها، وقوله: ثابتا حال من مفعول ضم، وولا تمييز؛ أي: نصرًا أو يكون حالا على تقدير: "ذا"، "ولا"، وساق الناظم -رحمه الله- هذه الأبيات الثلاثة على خلاف ترتيب التلاوة، ولكن على ما تهيأ له نظمه، وكان يمكنه أن يقول:
وشدد حفص منزل وابن عامر ... وفي كلمات القصر للكوف رتلا
وفي يونس والطول ظلل حاميا ... وفصل فتح الضم والكسر ثق ألا
وحرم إذ علا يضلون ضم مع ... يضلوا الذي في يونس ثابتا ولا
664-
رِسَالاتُ فَرْدًا وَافْتَحُوا دُونَ عِلَّةٍ ... وَضَيْقًا مَعَ الْفُرْقَانِ حَرِّكُ مُثْقِلا
يريد قوله تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}[4]، وجه الإفراد والجمع فيه كما سبق في: {فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}[5]في سورة المائدة، وتكلمنا، ثم على فتح التاء وخفضها، وقوله: وضيقا مع الفرقان، أراد: {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} ، {إِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا}[6]، شدد الياء وكسرها كل القراء سوى ابن كثير، والقراءتان كما سبق في الميْت والميِّت، ثم تمم الكلام فقال:
665-
بِكَسْرٍ سِوَى المَكِّي وَرَا حَرَجًا هُنَا ... عَلَى كَسْرِهَا "إ"لْف "صَـ"ـفَا وَتَوَسَّلا
بين التحريك أنه بالكسر ولو لم يبين لكان فتحا لإطلاقه، وقوله: سوى المكي مستثنى من محذوف
[1]سورة الأنعام، آية: 119.
[2]سورة يونس، آية: 88.
[3]سورة ص، آية: 26.
[4]سورة الأنعام، آية: 124.
[5]سورة المائدة، آية: 67.
[6]سورة الفرقان، آية: 13.
أي: لكل سوى المكي، والرواية بكسر التنوين، وإلا لجاز أن يكون بكسر مضافا إلى سوى المكي، وقوله: ورا حرجا أراد: وراء حرجا بالمد، وإنما قصره ضرورة يريد: {ضَيِّقًا حَرَجًا}[1]، كسر راءه نافع وأبو بكر وفتحها الباقون، وهما بمعنى واحدا عند قوم، وقيل: هما كدنفٍ ودنفَ يحتاج الفتح إلى تقدير مضاف؛ أي: ذا حرج؛ لأنه مصدر والكسر اسم فاعل: كحذر وحذر، وقال الشيخ: وإذا تضايق الشجر والتف فلم تطق الماشية تخلله؛ لتضايقه سما حرجا وحرجة فشبه به قلب الكافر؛ لضيقه عن الحكمة، والإلف الأليف وصفا أخلص؛ يعني: على كسر هذه الراء قارئ أليف مخلص متوسل إلى الله تعالى؛ أي: متقرب إليه، وقوله: هنا زيادة في البيان والله أعلم.
666-
وَيَصْعَدُ خِفٌّ سَاكِنٌ "دُ"مْ وَمَدُّهُ ... "صَـ"ـحِيحٌ وَخِفُّ الْعَيْنِ "دَ"اوَمَ "صَـ"ـنْدَلا
أي: ذو خف؛ أي: ذو حرف خفيف ساكن وهو الصاد في قراءة ابن كثير، والباقون على تحريك الصاد بالفتح وتشديدها دم يعني: على القراءة به، ثم ذكر أن شعبة زاد مدا يعني: بعد الصاد، وأنه وابن كثير معا خففا العين، فقرأ ابن كثير: {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ}[2].
على وزن يذهب ويعلم وهو ظاهر؛ لأنه مضارع صعد كعلم، وقرأ شعبة يصاعد أصله يتصاعد، فأدغم التاء في الصاد، وقرأ الجماعة: "يَصَّعَدُ" بتشديد الصاد والعين أصله يتصعد فأدغم، ومفعول قوله: داوم محذوف أي: داوم خف الصاد في قراءة ابن كثير وداوم المد بعدها في قراءة أبي بكر وصندلا: حال؛ أي: عطرا مشبها صندلا.
667-
وتَحْشُرَ مَعْ ثَانٍ بِيُونُسَ وَهُوَ فِي ... سَبَأْ مَعْ نَقُولُ اليَا فِي الَارْبَعِ "عُـ"ـمِّلا
يعني: يحشر الذي بعد يصعد: وهو: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ}[3].
والثاني في يونس هو الذي بعده: {كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا}[4].
[1]سورة الأنعام، آية: 125.
[2]سورة الأنعام، آية: 125.
[3]سورة الأنعام، آية: 128.
[4]الآية: 45.
وقوله: وهو يعني: يحشر في سبأ مصاحب لقوله: يقول؛ يعني: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ}[1]، الياء في الأربع يعني: في يقول مع يحشر في السور الثلاث لحفص والباقون بالنون، ووجه القراءتين ظاهر، ولا خلاف في الأول بيونس والأول بالأنعام أنهما بالنون، وقوله: ونحشر مع ما بعده مبتدأ والياء مبتدأ ثانٍ وخبره عملا؛ أي: اعمل فيها، وقوله: في الأربع من باب إقامة الظاهر مقام المضمر وفيه زيادة فائدة العددية التي اندرج بسببها لفظ يقول فيما فيه الخلاف؛ لأن العدة لا تتم إلا بيقول وعمل وأعمل واحد كأنزل ونزَّل وقصر لفظ الياء ونقل حركة الهمزة في الأربع وأبدل همزة سبا ألفا بعد أن أسكنها بنية الوقف على قراءة قنبل كما يأتي، وكل ذلك سبق له نظائر والله أعلم.
668-
وَخَاطَبَ شَامٍ تَعْلَمُونَ وَمَنْ تَكُو ... نُ فِيهَا وَتَحْتَ النَّمْلِ ذَكِّرْهُ "شُـ"ـلْشُلا
يعني: {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ، وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ}[2]وجه الخطاب أن بعده: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} ، وما بعده إلى آخر الآية، والغيب: رد على ما قبله من قوله: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا}[3]وأما: "من يكون له عاقبة الدار"[4]هنا وفي القصص فتذكيره وتأنيثه على ما سبق في: "ولا تقبل منها شفاعة"[5]؛ لأن تأنيث العاقبة غير حقيقي وشلشلا أي: خفيفا.
669-
مَكَانَاتِ مَدَّ النُّونَ فِي الكُلِّ شعْبَةٌ ... بِزَعْمِهِمُ الحَرْفَانِ بِالضَّمِّ رُتِّلا
مكانات جمع مكانة، وقد تقدم الكلام في نظير ذلك من الجمع والإفراد من "كلمات" و"رسالات"، وغيرهما، وقوله: مد النون؛ لأنه إذا أشبع فتحها صارت ألفا فكان المد فيها، وهو كما سبق في سورة المائدة، وفي العين فامدد، وقوله: في الكل يعني: حيث جاء، والزعم بفتح الزاي وضمها لغتان، وقوله: بزعمهم الحرفان مبتدأ نحو السمن منوان بدرهم؛ أي: الموضعان منه رتلا بالضم، وليس مثل ما تقدم من قوله: واليسع الحفان فقد سبق أنه لو قال: ثم الحرفين بالنصب لكان أجود، وأما هنا فالرفع لا غير:
[1]سورة سبأ، آية: 40.
[2]سورة الأنعام، آية: 133.
[3]سورة الأنعام، آية: 132.
[4]سورة الأنعام، آية: 135 والقصص، آية: 27.
[5]سورة البقرة، آية: 48.