بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 458

وقراءة حمزة والكسائي وأبي بكر بإسناد فصل إلى الفاعل، وإسناد حرم إلى المفعول ولم يأتِ عكس هذا ومعنى إذ ثنى أي: أعاد الضمير في فصل إلى اسم الله تعالى قبله فهو مثنًّ بذكره، ويقال: ضل في نفسه وأضل غيره، وأراد: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ}[1]، {رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ}[2]في يونس، ولا خلاف في فتح التي في صاد: {إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}[3]، وسيأتي الخلاف في التي في إبراهيم وغيرها، وقوله: ثابتا حال من مفعول ضم، وولا تمييز؛ أي: نصرًا أو يكون حالا على تقدير: "ذا"، "ولا"، وساق الناظم -رحمه الله- هذه الأبيات الثلاثة على خلاف ترتيب التلاوة، ولكن على ما تهيأ له نظمه، وكان يمكنه أن يقول:
وشدد حفص منزل وابن عامر ... وفي كلمات القصر للكوف رتلا
وفي يونس والطول ظلل حاميا ... وفصل فتح الضم والكسر ثق ألا
وحرم إذ علا يضلون ضم مع ... يضلوا الذي في يونس ثابتا ولا
664-
رِسَالاتُ فَرْدًا وَافْتَحُوا دُونَ عِلَّةٍ ... وَضَيْقًا مَعَ الْفُرْقَانِ حَرِّكُ مُثْقِلا
يريد قوله تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}[4]، وجه الإفراد والجمع فيه كما سبق في: {فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}[5]في سورة المائدة، وتكلمنا، ثم على فتح التاء وخفضها، وقوله: وضيقا مع الفرقان، أراد: {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} ، {إِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا}[6]، شدد الياء وكسرها كل القراء سوى ابن كثير، والقراءتان كما سبق في الميْت والميِّت، ثم تمم الكلام فقال:
665-
بِكَسْرٍ سِوَى المَكِّي وَرَا حَرَجًا هُنَا ... عَلَى كَسْرِهَا "إ"لْف "صَـ"ـفَا وَتَوَسَّلا
بين التحريك أنه بالكسر ولو لم يبين لكان فتحا لإطلاقه، وقوله: سوى المكي مستثنى من محذوف
[1]سورة الأنعام، آية: 119.
[2]سورة يونس، آية: 88.
[3]سورة ص، آية: 26.
[4]سورة الأنعام، آية: 124.
[5]سورة المائدة، آية: 67.
[6]سورة الفرقان، آية: 13.


صفحه 459

أي: لكل سوى المكي، والرواية بكسر التنوين، وإلا لجاز أن يكون بكسر مضافا إلى سوى المكي، وقوله: ورا حرجا أراد: وراء حرجا بالمد، وإنما قصره ضرورة يريد: {ضَيِّقًا حَرَجًا}[1]، كسر راءه نافع وأبو بكر وفتحها الباقون، وهما بمعنى واحدا عند قوم، وقيل: هما كدنفٍ ودنفَ يحتاج الفتح إلى تقدير مضاف؛ أي: ذا حرج؛ لأنه مصدر والكسر اسم فاعل: كحذر وحذر، وقال الشيخ: وإذا تضايق الشجر والتف فلم تطق الماشية تخلله؛ لتضايقه سما حرجا وحرجة فشبه به قلب الكافر؛ لضيقه عن الحكمة، والإلف الأليف وصفا أخلص؛ يعني: على كسر هذه الراء قارئ أليف مخلص متوسل إلى الله تعالى؛ أي: متقرب إليه، وقوله: هنا زيادة في البيان والله أعلم.
666-
وَيَصْعَدُ خِفٌّ سَاكِنٌ "دُ"مْ وَمَدُّهُ ... "صَـ"ـحِيحٌ وَخِفُّ الْعَيْنِ "دَ"اوَمَ "صَـ"ـنْدَلا
أي: ذو خف؛ أي: ذو حرف خفيف ساكن وهو الصاد في قراءة ابن كثير، والباقون على تحريك الصاد بالفتح وتشديدها دم يعني: على القراءة به، ثم ذكر أن شعبة زاد مدا يعني: بعد الصاد، وأنه وابن كثير معا خففا العين، فقرأ ابن كثير: {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ}[2].
على وزن يذهب ويعلم وهو ظاهر؛ لأنه مضارع صعد كعلم، وقرأ شعبة يصاعد أصله يتصاعد، فأدغم التاء في الصاد، وقرأ الجماعة: "يَصَّعَدُ" بتشديد الصاد والعين أصله يتصعد فأدغم، ومفعول قوله: داوم محذوف أي: داوم خف الصاد في قراءة ابن كثير وداوم المد بعدها في قراءة أبي بكر وصندلا: حال؛ أي: عطرا مشبها صندلا.
667-
وتَحْشُرَ مَعْ ثَانٍ بِيُونُسَ وَهُوَ فِي ... سَبَأْ مَعْ نَقُولُ اليَا فِي الَارْبَعِ "عُـ"ـمِّلا
يعني: يحشر الذي بعد يصعد: وهو: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ}[3].
والثاني في يونس هو الذي بعده: {كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا}[4].
[1]سورة الأنعام، آية: 125.
[2]سورة الأنعام، آية: 125.
[3]سورة الأنعام، آية: 128.
[4]الآية: 45.


صفحه 460

وقوله: وهو يعني: يحشر في سبأ مصاحب لقوله: يقول؛ يعني: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ}[1]، الياء في الأربع يعني: في يقول مع يحشر في السور الثلاث لحفص والباقون بالنون، ووجه القراءتين ظاهر، ولا خلاف في الأول بيونس والأول بالأنعام أنهما بالنون، وقوله: ونحشر مع ما بعده مبتدأ والياء مبتدأ ثانٍ وخبره عملا؛ أي: اعمل فيها، وقوله: في الأربع من باب إقامة الظاهر مقام المضمر وفيه زيادة فائدة العددية التي اندرج بسببها لفظ يقول فيما فيه الخلاف؛ لأن العدة لا تتم إلا بيقول وعمل وأعمل واحد كأنزل ونزَّل وقصر لفظ الياء ونقل حركة الهمزة في الأربع وأبدل همزة سبا ألفا بعد أن أسكنها بنية الوقف على قراءة قنبل كما يأتي، وكل ذلك سبق له نظائر والله أعلم.
668-
وَخَاطَبَ شَامٍ تَعْلَمُونَ وَمَنْ تَكُو ... نُ فِيهَا وَتَحْتَ النَّمْلِ ذَكِّرْهُ "شُـ"ـلْشُلا
يعني: {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ، وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ}[2]وجه الخطاب أن بعده: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} ، وما بعده إلى آخر الآية، والغيب: رد على ما قبله من قوله: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا}[3]وأما: "من يكون له عاقبة الدار"[4]هنا وفي القصص فتذكيره وتأنيثه على ما سبق في: "ولا تقبل منها شفاعة"[5]؛ لأن تأنيث العاقبة غير حقيقي وشلشلا أي: خفيفا.
669-
مَكَانَاتِ مَدَّ النُّونَ فِي الكُلِّ شعْبَةٌ ... بِزَعْمِهِمُ الحَرْفَانِ بِالضَّمِّ رُتِّلا
مكانات جمع مكانة، وقد تقدم الكلام في نظير ذلك من الجمع والإفراد من "كلمات" و"رسالات"، وغيرهما، وقوله: مد النون؛ لأنه إذا أشبع فتحها صارت ألفا فكان المد فيها، وهو كما سبق في سورة المائدة، وفي العين فامدد، وقوله: في الكل يعني: حيث جاء، والزعم بفتح الزاي وضمها لغتان، وقوله: بزعمهم الحرفان مبتدأ نحو السمن منوان بدرهم؛ أي: الموضعان منه رتلا بالضم، وليس مثل ما تقدم من قوله: واليسع الحفان فقد سبق أنه لو قال: ثم الحرفين بالنصب لكان أجود، وأما هنا فالرفع لا غير:
[1]سورة سبأ، آية: 40.
[2]سورة الأنعام، آية: 133.
[3]سورة الأنعام، آية: 132.
[4]سورة الأنعام، آية: 135 والقصص، آية: 27.
[5]سورة البقرة، آية: 48.


صفحه 461

670-
وَزَيَّنَ فِي ضَمٍّ وَكَسْرٍ وَرَفْعُ قَتْـ ... ـلَ أَوْلادِهِمْ بِالنَّصْبِ شَامِيُّهُمْ تَلا
671-
وَيُخْفَضُ عَنْهُ الرَّفْعُ فِي شُرَكَاؤُهُمْ ... وَفِي مُصْحَفِ الشَّامِينَ بِاليَاءِ مُثِّلا
يعني: قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ}[1]قراءة الجماعة على أن شركاؤهم فاعل زين والمفعول قتل المضاف إلى أولادهم وقراءة ابن عامر على أن زين فعل لم يسم فاعله، وقتل بالرفع على أنه أقيم مقام الفاعل، وأولادهم بالنصب مفعول قتل؛ لأنه مصدر وشركائهم بالجر على إضافة قتل إليه؛ أي: قتل شركائهم أولادهم كقولك عرف ضرب زيد عمرًا أضيف المصدر إلى الفاعل فانجر وبقي المفعول منصوبا، لكن في قراءة ابن عامر زيادة على هذا، وهو تقديم المفعول على الفاعل المجرور بالإضافة، وسيأتي توجيه ذلك فقوله: وزين مبتدأ، وفي ضم وكسر في موضع الحال؛ أي: كائنا في ضم الزاي وكسر الياء، ورفع قتل عطف على: وزين أولادهم كذلك على حذف حرف العطف وبالنصب في موضع الحال؛ أي: منصوبا وشاميهم تلا جملة من مبتدأ ثان وخبر هي خبر وزين وما بعده؛ أي: تلا على هذه الصورة أو يكون وزين وما بعده مفعولا لقوله: تلا مقدما عليه؛ أي: ابن عامر تلا ذلك وكان التعبير على هذا التقدير يقتضي أن يقول: وقتل بالرفع فلم يزن له فقلب اللفظ لأمن الإلباس؛ لأن من تلا قتل بالرفع فقد تلا الرفع، وقيل: ورفع قتل مبتدأ خبره محذوف؛ أي: وله رفع قتل، وله أولادهم بالنصب، وقوله: وفي مصحف الشامين حذف منه ياء النسبة المشددة، وهذا سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى في باب التكبير في قوله: وفيه عن المكين أراد أن مصحف أهل الشام الذي أرسله عثمان -رضي الله عنه- إليهم رسم فيه "شركائهم" بالياء، فدل ذلك على أنه مخفوض فهو شاهد لقراءته كذلك، ولكن لا دلالة فيه على نصب أولادهم، فهو الذي استنكر من قراءته، فيحتمل أن يكون أولادهم مجرورا بإضافة المصدر إلى مفعوله وشركائهم صفة له، قال أبو عمرو الداني: في مصاحف أهل الشام: "أولادهم شركائهم" بالياء، وفي سائر المصاحف: "شركاؤهم" بالواو، قال أبو البرهسم في سورة الأنعام: في إمام أهل الشام وأهل الحجاز: أولادهم شركائهم، وفي إمام أهل العراق: "شركاؤهم"، قلت: ولم ترسم كذلك إلا باعتبار قراءتين فالمضموم عليه قراءة معظم القراء، ويحتمل أيضا قراءة أبي عبد الرحمن السلمي على إسناد زين إلى القتل كما فعل ابن عامر، ولكنه خفض الأولاد بالإضافة، ورفع شركاؤهم على إضمار فعل كأنه قيل من زينه فقال: شركاؤهم فهو مثل ما يأتي في سورة النور: "يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا" بفتح الياء ثم قال رجال؛ أي: يسبحه رجال، وهي قراءة ابن عامر وأبي بكر، وأما خفض شركائهم فيحتمل قراءة ابن عامر ويحتمل أن يكون نعتا للأولاد،
[1]سورة الأنعام، آية: 137.


صفحه 462

وعلى قراءة أبي عبد الرحمن السلمي السابقة وهذا أوجه من القراءة لا استبعاد فيه لفظا ولا معنى، قال الزجاج: وقد رويت شركائهم بالياء في بعض المصاحف، ولكن لا يجوز إلا على أن يكون شركاؤهم من نعت أولادهم؛ لأن نعت أولادهم شركاؤهم في أموالهم، وقال ابن النحاس: فيها أربع قراءات فذكر ما ذكرناه، ونسب قراءة السلمي إلى الحسن أيضا، ونسب القراءة الرابعة إلى أهل الشام، فقال: وحكى غير أبي عبيد عن أهل الشام أنهم قرءوا "زين" بالضم، "قتل" بالرفع، وخفض "أولادهم" "شركائهم" بالخفض أيضا على أن يبدل شركائهم من أولادهم؛ لأنهم شركاؤهم في النسب والميراث، وذكر الفراء القراءتين الأوليين برفع شركائهم ثم قال: وفي بعض مصاحف أهل الشام شركائهم بالياء فإن تكن مثبتة عن الأولين، فينبغي أن يقرأ زين ويكون الشركاء هم الأولاد؛ لأنهم منهم في النسب والميراث، فإن كانوا يقرءون زين بفتح الزاي فلست أعرف جهتها إلا أن يكونوا فيها آخذين بلغة قوم يقولون: أتيتها عشايا، ويقولون في تثنية حمراء: حمرايان فهذا وجه أن يكونوا أرادوا: "زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم"؛ يعني: بياء مضمومة؛ لأن شركائهم فاعل زين كما هو في القراءة العامة، قال: وإن شئت جعلت زين فعلا إذا فتحته لا يلبس ثم يخفض الشركاء باتباع الأولاد قلت: يعني: تقدير الكلام زين مزين فقد اتجه شركائهم بالجر أن يكون نعتا للأولاد سواء قريء زين بالفتح أو بالضم وتفسير الشركاء على قراءة الجماعة هم خدم الأصنام أو الشياطين زينوا للكفرة أن يقتلوا أولادهم بالوأد وبالنحر للآلهة، وعلى قراءة ابن عامر يكون الشركاء هم القاتلين؛ لأنهم لما زينوا للمشركين قتل أولادهم صاروا كأنهم كانوا هم القاتلين في المعنى والله أعلم.
672-
وَمَفْعُولُهُ بَيْنَ المُضَافَيْنِ فَاصِل ... وَلَمْ يُلْفَ غَيْرُ الظَرْفِ فِي الشِّعْرِ فَيْصَلا
يعني: أن المفعول في قراءة ابن عامر وهو "أولادهم" الذي هو مفعول القتل وقع فاصلا بين المضاف والمضاف إليه؛ لأن قتل مضاف إلى شركائهم، وأكثر النحاة على أن الفصل بين المضافين لا يجوز إلا بالظرف في الشعر خاصة: فهذا معنى قوله: ولم يلف؛ أي: لم يوجد غير الظرف فيصلا بين المضاف والمضاف إليه وأما في كلام غير الشعر فلم يوجد الفصل بالظرف فكيف بغيره ذكر الناظم -رحمه الله- ما اعترض به على قراءة ابن عامر ثم مثل بالظرف فقال:
673-
كَلِلَّهِ دَرُّ اليَوْمَ مَنْ لامَهَا فَلا ... تَلُمْ مِنْ سُلِيمِي النَّحْوِ إِلا مُجَهِّلا
أراد: بيتا أنشده سيبويه وغيره وهو لعمرو بن قميئة:
لما رأت ساتيذ ما استعبرت ... لله در -اليوم- من لامها
يريد: لله در من لامها اليوم، أنشد سيبويه أيضا لأبي حية النميري:
كما خط الكتاب بكف يوما ... يهودي ... ..... ......
أي بكف يهودي يوما، وأنشد لدرنا بنت عتبة:


صفحه 463

هما أخوا في الحرب من لا أخا له
أي أخوا من لا أخا له في الحرب قال: وقال ذو الرمة:
كأن أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريخ
أي كأن أصوات أواخر الميس، وكل هذه الأبيات فصل فيها بالظرف الصريح وبالجار والمجرور بين المضاف والمضاف إليه، ولا يجوز ذلك في غير الشعر، قال سيبويه في قوله:
يا سارق -الليلة- أهل الدار
بخفض الليلة على التجوز ونصب أهل على المفعولية ولا يجوز يا سارق الليلة أهل الدار إلا في شعر؛ كراهية أن يفصلوا بين الجار والمجرور ثم وقال مما جاء في الشعر قد فصل بينه وبين المجرور قول عمرو بن قميئة فذكر الأبيات المتقدمة وغيرها ثم قال وهذا قبيح ويجوز في الشعر على هذا مررت بخير وأفضل من ثم قال أبو الفتح ابن جني: الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف، وحرف الجر كثير، لكنه من ضرورة الشاعر، وقوله: مليم هو اسم فاعل من ألام الرجل إذا أتى بما يلام عليه؛ أي: من مليم أهل النحو وهو اسم جنس هكذا وقع في روايتنا بلفظ المفرد، ولو كان بلفظ الجمع كان أحسن؛ أي: من مليمي النحو ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين وتقع كذلك في بعض النسخ وهو الأجود وحذفها إنما جاء من الكاتب؛ لأن الناظم أملى، فخفيت الياء على الكاتب؛ لأنها ساقطة في اللفظ؛ أي: الذين تعرضوا لإنكار قراءة ابن عامر هذه من النحاة على قسمين؛ منهم من ضعفها ومنهم من جهل قارئها، وكلهم قد أتى بما يلام عليه؛ لأنه أنكر قراءة قد صحت عن إمام من أئمة المسلمين، لكن من نفى ذلك ولم يجه فأمره أقرب؛ إذ لم يبلغ علة أكثر من ذلك، ومن جهل فقد تعدى طوره فبين أمره ولمه وجهله بما قد خفي عنه؛ فإن هذه القراءة قد نقلها ابن عامر عمن قرأها عليه، ولم يقرأها من تلقاء نفسه، وسيأتي توجيهها، قال أبو عبيد: وكان عبد الله بن عامر وأهل الشام يقرءونها "زين" بضم الزاي، "قُتِلَ"، بالرفع، "أولادهم" بالنصب، "شُرَكَائِهِمْ" بالخفض ويتأولونه "قتل شركائهم أولادهم"، فيفرقون بين الفعل وفاعله، قال أبو عبيد: ولا أحب هذه القراءة؛ لما فيها من الاستكراه، والقراءة عندنا هي الأولى؛ لصحتها في العربية مع إجماع أهل الحرمين والبصرتين بالعراق عليها، وقال أبو علي: فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول والمفعول به مفعول المصدر، وهذا قبيح قليل في الاستعمال، ولو عدل عنها إلى غيرها كان أولى؛ ألا ترى أنه إذا لم يفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف في الكلام وحال السعة مع اتساعهم في الظروف حتى أوقعوها مواقع لا يقع فيها غيرها نحو: {إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ}[1].
[1]سور المائدة، آية: 22.


صفحه 464

تلقون للهجر حولا كميلا:
ولا تلحني فيها فإني لحبها ... أخاك مصاب القلب جم بلابله
ألا ترى أنه قد فصل بين أن واسمها بما يتعلق بخبرها ولو كان بغير الظرف لم يجز ذلك فإذا لم يجيزوا الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف في الكلام مع اتساعهم في الظرف في الكلام، وإنما جاء في الشعر فأن لا يجوز في المفعول به الذي لم يتسع فيه بالفصل به أجدر، وقال الزمخشري: وأما قراءة ابن عامر بالفصل بينهما بغير الظرف فشيء لو كان في مكان الضرورات وهو الشعر لكان سمجا مردودا، فكيف به في الكلام المنثور، فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته.
قال: والذي حمله على ذلك أنه رأى في بعض المصاحف "شركائهم" مكتوبا بالياء ولو قريء بجر الأولاد والشركاء؛ لأن الأولاد شركاؤهم في أموالهم لوجد في ذلك مندوحة عن هذا الارتكاب.
قلت: فإلى هذا الكلام وشبهه أشار الناظم يلوم قائله، ثم ذكر وجه هذه القراءة فقال:
674-
وَمَعْ رَسْمِهِ زَجَّ القَلُوصَ أَبِي مَزَا ... دَةَ الأَخْفَشُ النَّحْوِيُّ أَنْشَدَ مُجْمِلا
أي ومع كون الرسم شاهدا لقراءة ابن عامر وهو جر "شركائهم"، وأما نصب الأولاد فليس فيه إلا النقل المحض؛ لأن الرسم كما يحتمل نصب الأولاد يحتمل أيضا جرها كما سبق، وهو الذي رجحه أهل النحو على القول باتباع هذا الرسم؛ أي: مع شهادة هذا البيت الذي ورد أيضا بالفصل بين المضافين بالمفعول به، وهو ما أنشده الأخفش، ولعله أبو الحسن سعد بن مسعدة النحوي صاحب الخليل وسيبويه:
فزججتها بمزجة ... زج القلوص أبي مزادة
أي زج أبي مزادة القلوص فالقلوص مفعول، ويروى: فزججتها متمكنا، ويروى: فتدافعت، قال الفراء في كتاب المعاني بعد إنشاده لهذا البيت: وهذا مما كان يقوله: نحويُّو أهل الحجاز، ولم نجد مثله في العربية، وقال في موضع آخر: ونحويُّو أهل المدينة ينشدون هذا البيت والصواب: زج القلوص بالخفض، وقال أبو العلاء أحمد بن سليم المعري "في كتاب شرح الجمل": واختار قوم أن يفصلوا بين المضاف والمضاف إليه بالمصدر كما يفصل بينهما بالظرف، قال: وليس ذلك ببعيد، وقد حكي أن بعض القراء قرأ: "فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ" على تقدير مخلف رسله وعده، قال: وزعموا أن عيسى ابن عمر أنشد هذا البيت:
فزججته متعرضا ... زج القلوص أبي مزاح
قال: هكذا الرواية عنه، وقد روي أبي مزادة، قال أبو علي الفارسي: وجه ذلك على ضعفه وقلة الاستعمال له: أنه قد جاء في الشعر الفصل على حد ما قرأ، قال الطرماح:
يطفن بحوزي المراتع لم ترع ... بواديه من قرع القسي الكنائن
قال: وزعموا أن أبا الحسن أنشد: "زج القلوص أبي مزادة"، فهذان البيتان مثل قراءة ابن عامر، قال ابن جني في بيت الطرماح: لم نجد فيه بدا من الفصل؛ لأن القوافي مجرورة، قال: في زج القلوص فصل بينهما بالمفعول


صفحه 465

به هذا مع قدرته على أن يقول: زج القلوص أبو مزادة، كقولك سرني أكل الخبز زيد قال: وفي هذا البيت عندي دليل على قوة إضافة المصدر إلى الفاعل عندهم، وأنه في نفوسهم أقوى من إضافته إلى المفعول؛ ألا تراه ارتكب هنا الضرورة مع تمكنه من ترك ارتكابها؟؛ لا لشيء غير الرغبة في إضافة المصدر إلى الفاعل دون المفعول، قال أبو الحسن الحوفي: احتج ابن الأنباري لهذه القراءة فقال: قد جاء عن العرب: هو غلام إن شاء الله أخيك ففرق بـ: "إن شاء الله"، ويروى أن عبد الله بن ذكوان قال: سألني الكسائي عن هذا الحرف وما بلغه من قرائتنا فرأيته كأنه أعجبه، ونزع بهذا البيت:
تنفى يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدراهم تنقاد الصياريف
فنصب الدراهم ورواه غيره بخفض الدراهم، ورفع تنقاد على الصحة قلت: وإنما أعجب الكسائي؛ لأنه وافق عنده ما بلغه من جوازه لغة، ومثله ما أنشده غيره:
فداسهم دوس الحصاد الدائس
أي دوس الدائس الحصاد، وفي شعر أبي الطيب:
سقاها الحجى سقي الرياض السحائب
أي سقي السحائب الرياض، قال أبو الحسن بن خروف: يجوز الفصل بين المصدر والمضاف إليه بالمفعول؛ لكونه في غير محله فهو في نية التأخير، ولا يجوز بالفاعل؛ لكونه في محله، وعليه قراءة ابن عامر.
قلت: وقد أنشد الشيخ أبو العلاء المعري في شرحه بيتا فيه الفصل بالفاعل وبالجار والمجرور معا وهو:
تمرّ على ما تستمرّ وقد شفت ... غلائل عبد القيس منها صدورها
أي شفت عبد القيس غلائل صدورها منها.
وجاء الفصل أيضا بالمنادى المضاف أنشد ابن جني في كتاب الخصائص:
كأن برذون أبا عصام ... زيد حمار دق باللجام
قال؛ أي: كأن برذون زيد يا أبا عصام حمار دق باللجام.
قلت: ووجدت في شعر أسند إلى الفرس معاوية يخاطب به عمرو بن العاص رحمهما الله تعالى:
نجوت وقد بل المرادي سيفه ... من ابن أبي شيخ الأباطح طالب
أي من ابن أبي طالب شيخ الأباطح، ففصل بين مضاف ومضاف إليه وهو صفة لذلك المضاف والمضاف إليه، وابن أبي طالب هو: علي -رضي الله عنه- ولا يعد فيما استبعده أهل النحو من جهة المعنى، وذلك أنه قد عهد تقدم المفعول على الفاعل المرفوع لفظا، فاستمرت له هذه المرتبة مع الفاعل المرفوع تقديرا، فإن المصدر لو كان منونا لجاز تقدم المفعول على فاعله نحو أعجبني ضرب عمرا زيد، فكذا في الإضافة، وقد ثبت جواز الفصل بين حرف الجر ومجروره مع شدة الاتصال بينهما أكثر من شدته بين المضاف والمضاف إليه في نحو قوله تعالى: