{وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}[1].
فإنه بالخطاب من غير خلاف فإن قلت: هلا قال في الثالث فإن قبل هذين الموضعين ثالثا وهو: {إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}[2].
وهو أيضا بالخطاب بلا خلاف قلت: أراد الثاني بعد كلمة خالصة التي ذكر الخلاف فيها ولم يحتج إلى الاحتراز عما تقدم خالصة فإن ذلك يعلم أنه لا خلاف فيه؛ لأنه تعداه ولو كان فيه خلاف لذكره قبل خالصة، هذا غالب نظمه وإن كان في بعض المواضع يقدم حرفا على حرف على ما يواتيه النظم، ولكن الأصل ما ذكرناه، ونظير ما فعله هنا ما يأتي في سورة يونس من قوله: وذاك هو الثاني يعني: لفظ ننجي بعد نجعل وهو ثالث إن ضممت إليه آخر قبل نجعل على ما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى، والدليل على أنه يراعي ترتيب الحروف ولا يحتاج إلى أن يحترز عن السابق قوله في سورة المؤمنين: صلاتهم شاف أراد التي بعد أماناتهم، ولم يحترز عن قوله: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ}[3]؛ لأنها سبقت ذكر أماناتهم، وهذه مواضع حسنة لطيفة يحتاج من يروم فهم هذا النظم أن ينظر فيها واو أنه قال: وخالصة أصل وشعبة يعلمون بعد ولكن لا لما احتاج إلى ذكر ثانٍ ولا ثالث.
المسألة الثالثة: "لا يفتح لهم أبواب السماء"[4].
اختلف فيها في موضعين: أحدهما المذكور في هذا البيت وهو التذكير والتأنيث وكان إطلاق الناظم في قوله: ويفتح شمللا دليلا على أنه أراد التذكير لحمزة والكسائي ووجه القراءتين ظاهر؛ لأن تأنيث الأبواب ليس بحقيقي، وقد وقع الفصل بين الفعل وبينها ثم ذكر الموضع الثاني فقال:
685-
وَخَفِّفْ "شَـ"ـفَا "حُـ"ـكْمًا وَما الوَاوَ دَعْ "كَفى" ... وَحَيْثُ نَعَمْ بِالْكَسْرِ فِي العَيْنِ "رُ"تِّلا
أي وافق أبو عمرو وحمزة والكسائي على تخفيف "يفتح لهم"، ولم يوافقهما في التذكير فصار فيها ثلاث قراءات: التذكير مع التخفيف والتأنيث مع التخفيف وقراءة الباقين التأنيث مع التشديد فلتخفيف من فتح والتشديد من فتح وقد تقدم نظيرهما، وقوله: وما الواو دع، الواو بالنصب مفعول دع؛ أي: اترك الواو أسقطها من قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ}[5]، قرأها ابن عامر كذلك؛ لأن الواو لم ترسم في مصحف الشام وهو نظير قراءته في سورة البقرة:
[1]سورة الأعراف، آية: 33.
[2]سورة الأعراف، آية: 28.
[3]سورة المؤمنون، آية: 2.
[4]سورة الأعراف، آية: 40.
[5]سورة الأعراف، آية: 43.
{قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ}[1].
والباقون بالواو فيهما على ما رسم في مصاحفهم ووجه إثبات الواو فائدة العطف وسقوطها الاستئناف أو الاستغناء عنها وإليه الإشارة بقوله: كفى قال أبو علي: كأن الجملة ملتبسة بما قبلها، فأغنى القياس به عن حرف العطف قال، ومثل ذلك قوله تعالى: {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ}[2].
فاستغني عن الحرف العاطف بالتباس إحدى الجملتين بالأخرى ونعم: بفتح العين وكسرها لغتان وهو حرف مستعمل تارة عدة وتارة تصديقا، وقوله: وحيث نعم؛ أي: وحيث هذا اللفظ موجود في القرآن ففيه هذا الخلاف والله أعلم.
686-
وَأَنْ لَعْنَةُ التَّخْفِيفِ وَالرَّفْعُ "نَـ"ـصُّهُ ... "سَما" مَا خَلا البَزِّي وَفِي النُّورِ "أُ"وصِلا
يريد {أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}[3].
وتخفيفه في نون أن والرفع في آخر "لعنة"؛ لأنه إذا خففت أن بطل عملها، وارتفع ما بعدها بالابتداء والخبر وأضمر بعد أن ضمير الشأن، وقرأ نافع وحده بمثل هذا في سورة النور في قوله سبحانه: {أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ}[4].
وكذلك يقرأ أيضا: {أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ} 5 على ما سيأتي في مكانه، وقراءة الباقين ظاهرة في المواضع الثلاثة بتشديد أن ونصب ما بعدها على أنه اسمها وأسكن ياء البزي وخففها ضرورة والله أعلم.
687-
وَيُغْشِي بِها وَالرَّعْد ثَقَّلَ "صُحْبَةٌ" ... وَوَالشَّمْسُ مَعْ عَطْفِ الثَّلاثَةِ كَمَّلا
يريد: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ}[6]بهذه السورة وبالرعد التخفيف فيها والتشديد لغتان، ويقال: أغشى وغشى، مثل: أنزل ونزل وأما: {وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ}[7]، فقرئت الأربعة بالرفع والنصب أما الرفع فعلى الابتداء والخبر مسخرات وأما النصب فعلى تقدير:
[1]سورة الكهف، آية: 4.
[2]سورة الكهف، آية: 22.
[3]سورة الأعراف، آية: 44.
[4]و5 سورة النور، آية: 7 و9.
[6]سورة الأعراف، آية: 7.
[7]سورة النحل، آية: 12.
وخلق الشمس والقمر والنجوم مسخرات، فيكون نصب مسخرات على الحال أو يكون على إضمار جعل فيكون مسخرات مفعولا به فقوله: "وَالشَّمْسَ" أدخلا واو العطف الفاصلة على واو التلاوة، وأطلق لفظ الشمس ولم يقيد حركتها؛ ليعلم أنها رفع، ثم قال: مع عطف الثلاثة يعني: بالثلاثة "وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَات"، وهذه الثلاثة منها اثنان معطوفان وثالث وهو "مُسَخَّرَات" ليس معطوفا، لكنه في حيز ما عطف، فأعطاه حكمه، فلهذا قال: مع عطف الثلاثة؛ أي: مع الثلاثة المتصفة بالعطف فهو من باب سحق عمامة؛ أي: عمامة موصوفة بأنها سحق؛ أي: ذات سحق بمعنى بالية فكذا هذه الثلاثة موصوفة بأنها ذات عطف؛ أي: معطوفة، وقوله: كمل الرفع في الأربعة، والفاعل هو القارئ أو هذا اللفظ؛ لأن التكميل فيه كما سبق في خاطب.
688-
وَفِي النَّحْلِ مَعْهُ فِي الأَخِيرَيْنِ حَفْصُهُمْ ... وَنُشْرًا سُكُونُ الضَّمِّ فِي الكُلِّ "ذَ"لِّلا
معه؛ أي: مع ابن عامر في رفع الأخيرين حفص؛ أي: وافقه على رفع: {النُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ} في سورة النحل، ولم يوافقه على رفع: {وَالشَّْسَ وَالْقَمَرَ} في النحل، ولا على رفع الأربعة هنا في عبارة الناظم نظر، وذلك أنها لا تخلو من تقديرين وكلاهما مشكل أحدهما أن يكون تقدير الكلام حفص وابن عامر على الرفع في الأخيرين في النحل فهذا صحيح، ولكن لا يبقى في نظمه دلالة على أن ابن عامر يرفع الأولين في النحل؛ لأن لفظه في البيت الأول لم يأتِ فيها مما يدل على الموضعين ولفظه في هذا البيت لم يتناول لا الأخيرين، والتقدير الثاني أن يكون في النحل متعلقا بالبيت الأول كأنه قال: برفع هذه الأربعة هنا، وفي النحل ثم ابتدأ، وقال: معه في الأخيرين حفص، وهذا وإن كان محصلا لعموم رفع الأربعة في الموضعين لابن عامر فلا يبقى في اللفظ دلالة على أن حفصا لم يوافقه لا على رفع الأخيرين في النحل فقط بل يبقى ظاهر الكلام أن حفصا موفقة على رفع الأخيرين في الموضعين، فلو قال: وفي النحل حفص معه ثم في الأخيرين نشرا إلى آخر البيت لاتضح المعنى بقوله: ثم؛ لدلالته على تخصيص موافقة حفص مما في النحل فقط، والذي في النحل هو: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ}[1]، فرفع الأربعة ظاهر على ما سبق، ورفع الأخيرين على الابتداء والخبر والشمس والقمر نصبهما على ما توجه به نصب الأربعة وذلك بفعل مضمر وهو: وخلق الشمس أو وفعل الشمس وما بعدهما، فيكون "مسخرات" حالا أو مفعولا به كما مضى أو يقدر هذا الفعل قبل والنجوم، ويكون الشمس والقمر معطوفين على الليل والنهار، وإنما لم نقل ذلك في: "والنجوم مسخرات"؛ لأن الفعل الناصب هو: وسخر، فيصير المعنى: وسخر النجوم مسخرات وهذا غير مستقيم، ويجوز أن يكون المعنى: ونتعلم هذه الأشياء في حال كونها مسخرات لما خلقن له، أو يكون مسخرات بمعنى تسخيرات فيكون مصدرا؛ أي: سخرها أنواعا من التسخير كقوله: سرحه مسرحا، ووقع في تفسير الواحدي خلل في نقل قراءة حفص في النحل، فقال: وقرأ حفص مسخرات بالرفع وحدها، وجعلها خبر مبتدأ محذوف كأنه قال: هي مسخرات، وأما نشرا من قوله تعالى:
[1]سورة النحل، آية: 12.
"وهو الذي يرسل الرياح نُشرًا"[1].
وحيث شاء فأسكن شينا مدلول ذللا، ومعنى ذلك: سهل وقرب، وقوله: وسكون الضم مبتدأ ثانٍ، وقامت الألف واللام في الكلمة مقام الضمير العائد على المبتدأ الأول؛ أي: في كله؛ أي: في جميع مواضعه ثم قال:
689-
وَفي النُّونِ فَتْحُ الضمِّ "شَـ"ـافٍ وَعَاصِمٌ ... رَوى نُونَهُ بِالبَاءِ نُقْطَةٌ اسْفَلا
قرأ حمزة والكسائي بفتح النون وسكون الشين على أنها مصدر في موضع الحال أو مؤكدا؛ أي: ذات نشر أو نشرها؛ أي: نحييها فنشرت نشرا؛ أي: حييت من أنشر الله الموتى فنشرها، وأقام قوله: يرسل الريح مقام ينشرها، قال أبو زيد: أنشر الله الريح إنشارا إذا بعثها، وقراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو نشرا بضم النون والشين جمع نشور أو نشر وهي الريح الحية، وقراءة ابن عامر على تخفيف هذه القراءة بضم النون وإسكان الشين، وقراءة عاصم: "بُشْرًا" بباء مضمومة وإسكان الشين جمع بشير من قوله تعالى: {يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ}[2]؛ أي تبشر بالمطر والرحمة، وقد مضى إعراب لفظ: لقطة أسفلا في سورة البقرة؛ أي: لها لقطة أسفلها قيدها بذلك خوفا من التصحيف والله أعلم.
690-
وَرَا مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ خَفْضُ رَفْعِهِ ... بِكُلٍّ "رَ"سَا وَالخِفُّ أُبْلِغُكُمْ "حَـ"ـلا
مجموع قوله: "من إله غيره" في موضع خفض بإضافة راء إليه؛ أي: وراء هذا اللفظ حيث ياء خفض رفعها رسا؛ أي: ثبت، ووجه الخفض أنه صفة إلى لفظا والرفع صفة له معنى؛ لأن التقدير ما لكم إله غيره ومن زائد، وأبلغ وبلغ لغتان كأغشى وغشى والقراءة بهما هنا في موضعين وفي الأحقاف، فقول الناظم: والخف مبتدأ وخبر حلا وأبلغكم منصوب بالمبتدأ؛ لأنه مصدر كأنه قال: وتخفيف أبلغكم حلا، فأقام الخف مقام التخفيف، فلما أدخل عليه لام التعريف نصب المضاف إليه مفعولا به، وكان التخفيف مضافا إلى المفعول كما تقول: ضرب زيد حسن، ثم تقول: الضرب زيد أحسن، ومنه قول الشاعر:
كررت فلم أنكل عن الضرب مسمعا
والأصل عن ضرب مسمع، والله أعلم.
691-
مَعَ احْقَافِها وَالوَاوُ زِدْ بَعْدَ مُفْسِدِيـ ... ـنَ "كُـ"ـفْؤًا وَبِالإِخْبَارِ إِنَّكُمُو "عَـ"ـلا
أي مع كلمة أحقافها وهي:
[1]سورة الأعراف، الآية: 57.
[2]سورة الروم الآية: 46.
{وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي}[1].
والهاء عائدة على سور القرآن؛ ليعلم بها ثم قال: زد واوا بعد قوله: مفسدين يريد قوله تعالى في قصة صالح: "وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، وقَالَ الْمَلَأُ"[2]، رسمت الواو في مصحف الشام دون غيره، فقرأها ابن عامر كذلك، وحذفها الباقون كما أنه حذف واو: {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ} .
وأثبتها الباقون وكفرا: حال من فاعل زد أو من الواو؛ أي: إثباتها مكافيء لحذفها إذ المعنى فيهما واحد قوله: وبالإخبار متعلق بعلا؛ أي: أئنكم علا وارتفع بقراءته على الخبر؛ أي: بهمزة واحدة في قوله: "أئنكم لتأتون الفاحشة"[3].
أخبر أنهم بما كانوا عليه توبيخا لهم وقرأه الباقون بزيادة همزة الاستفهام الذي بمعنى الإنكار، وهم على أصولهم في تحقيق الثانية وتسهيلها، والمد بين الهمزتين وترك المد والذي قرأ بالإخبار حفص ونافع، وقد رمز له في أول البيت الآتي.
فإن قلت: من أين يتعين أن الاستفهام ضد الإخبار حتى تعلم منه قراءة الباقين وإنما هما قسمان من أقسام الكلام والأمر والنهي والتمني والترجي كذلك.
قلت: قد نطق بلفظ الاستفهام في قوله: أئنكم علا، فأغنى عن أحد الضدين: الإخبار وكأن قال: يقرأ هذا اللفظ على الخبر، فيعلم أن قراءة الباقين بهذا اللفظ، ويجوز أن يندرج ذلك تحت الإثبات والحذف فالإخبار حذف لهمزة الاستفهام، وضد إثباتها والله أعلم.
692-
"أَ"لا و"عَـ"ـلَى الـ"ـحِرْمِيُّ" إنَّ لَنَا هُنَا ... وَأَوْ أَمِنَ الإسْكَانَ "حَرْمِيُّـ"ـه "كَـ"ـلا
"ألا" من تتمة رمز ما سبق وعلى في قوله: وعلى الحرمي: فعل ماض ارتفع به الحرمي وألا: حرف تنبيه أخبر بعد بأن قراءة الحرمين: {إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا}[4].
بالإخبار قد علمت ولو كان على حرف جر لكان له معنى مستقيم أيضا؛ أي: على الحرميين قراءة "إن لنا" بالإخبار والواو في وعلى للفصل والعين رمز حفص؛ لأن الواو زائدة على الكلمة فكأنه قال: وحفص بخلاف العين في قوله: وعى نفر فإنها متوسطة، وسيأتي لهذا نظائر: وكم صحبة يا كاف ودون
[1]سورة الأحقاف، الآية: 23.
[2]سورة الأعراف، الآية: 74.
[3]سورة العنكبوت، الآية: 28.
[4]سورة الأعراف، الآية: 113.
عناد عم، وحكم صحاب قصر همزة جاءنا، وقد سبق في شرح الخطبة الكلام على هذا، وقوله: "هنا" احترازًا من الذي في الشعراء؛ فإنه بالاستفهام اتفاقا كقراءة الباقين هنا، وأما: {أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى}[1]، ففي واوه الإسكان والفتح؛ فالإسكان على أنها حرف أو؛ أي: أفأمنوا هذا أو هذا، وقراءة الجماعة على أنها واو العطف دخلت عليها همزة الاستفهام وهو استفهام بمعنى النفي، وقوله: الإسكان: مبتدأ ثانٍ والعائد إلى الأول محذوف؛ أي: الإسكان فيه ومعنى كلا: حفظ وحرس والله أعلم.
693-
عَلَيَّ عَلَى "خَـ"ـصُّوا وَفي سَاحِرٍ بِهَا ... وَيُونُسَ سَحَّار "شَـ"ـفَا وتَسَلْسَلا
أي خصوا علي موضع على في قوله تعالى: {حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ}[2].
فقراءة نافع واضحة؛ أي: واجب على قول الحق وأن لا أقول على الله غيره، وعلى فى قراءة الجماعة متعلقة برسول وحقيق صفته؛ أي: أني رسول على هذه الصفة، وهي أني لا أقول إلا الحق وحقيق بمعنى حق؛ أي: أنا رسول حقيقة، ورسالتي موصوفة بقول الحق، قال ابن مقسم: حقيق من نعت الرسول؛ أي: رسول حقيق من رب العالمين أرسلت على أن لا أقول على الله إلا الحق، وهذا معنى صحيح واضح، وغفل أكثر المفسرين من أرباب اللغة عن تعلق حرف على برسول، ولم يخطر لهم تعلقه إلا بقوله: حقيق، فقال الأخفش والفراء: على بمعنى الباء؛ أي: حقيق بأن لا أقول إلا الحق كما جاءت الباء بمعنى على في: {وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ}[3]، وتبعهما الأكثرون على ذلك، وذكر الزمخشري أربعة أوجه أخر.
أحدها: أن يكون من المقلوب لا من الإلباس كقوله:
وتشقي الرماح بالضياطرة الحمر
ومعناه: وتشقي الضياطرة بالرماح؛ يعني: فتكون بمعنى قراءة نافع؛ أي: قول الحق حقيق علي، فقلب اللفظ، فصار أنا حقيق على قول الحق، قال: والثاني: أن ما لزمك فقد لزمته فلما كان قول الحق حقيقا عليه، كان هو حقيقا على قول الحق؛ أي: لازما له.
والثالث: أن تضمن حقيق معنى حريص كما ضمن هيجني معى ذكرني في بيت الكتاب: يعني قوله:
إذا تغنى الحمام الورق هيجني ... ولو تغربت عنها: أم عمار
[1]سورة الأعراف، الآية: 98.
[2]سورة الأعراف، الآية: 105.
[3]سورة الأعراف، الآية: 86.
نصب أم عمار بـ: "هيجني"؛ لأنه استعمله بمعنى ذكرني.
قال: والرابع: أن يغرق موسى عليه السلام في وصف نفسه بالصدق؛ أي: أنا حقيق على قول الحق؛ أي: واجب علي أن أكون أنا قائله والقائم به، وكل هذه وجوه متعسفة، وليس المعنى إلا على ما ذكرته أولا، وقراءة حمزة والكسائي: "يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ"[1]، والباقون: "بكل ساحر"، وكذا في يونس: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ}[2]، ولا خلاف في الذي في الشعراء أنه "سحَّار" بألف بعد الحاء كما قرأ حمزة والكسائي في الأعراف ويونس وساحر وسحار مثل عالم وعلام وفي التشديد مبالغة، وتقدير نظم البيت وسحار شفا في موضع ساحر في الأعراف ويونس، والمتسلسل الماء الذي يجري في الحلق سائغا سهل الدخول فيه، يشير إلى الميل إليه لموافقته لفظ ما أجمع عليه في الشعراء.
694-
وَفِي الكُلِّ تَلْقَفْ خِفُّ حَفْصٍ وَضُمَّ فِي ... سَنَقْتُلُ وَاكْسِرْ ضَمَّهُ مُتَثَقِّلا
لفظ في هذا البيت بقراءة حفص، ولفظ بقراءة الجماعة في البقرة عند ذكر تاءات البزي، ويروى: ثلاثا في تلقف والتخفيف، والتشديد في القاف ويلزم التخفيف سكون اللام والتشديد فتحها ولم ينبه عليه للعلم به من لفظه، وقد سبق له نظائر، وقوله: وفي الكل يعني: هنا تلقف وفي طه والشعراء، فقراءة حفص من لقف يلقف كعلم يعلم وقراءة الباقين أصلها تتلقف فحذفت التاء الثانية تخفيفا كقوله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا}[3].
وتقدير النظم: وتلقف مخفف حفص في الكل وأما: {سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ}[3]؛ فالضم في النون وكسر الضم مع التشديد في التاء ومتثقلا: حال من المكسور وهو الضم الذي بمعنى المضموم ثم تمم الكلام في ذلك فقال:
695-
وَحَرِّكْ "ذَ"كَا "حُـ"ـسْنٍ وَفِي يَقْتُلُونَ "خُـ"ـذْ ... مَعًا يَعْرِشُونَ الكَسْرُ ضُمَّ "كَـ"ـذِي "صِـ"ـلا
أي حرك القاف بالفتح، فيصير مستقبل قتَّل بتشديد التاء، والقراءة الأخرى مستقبل قتل بتخفيف
[1]سورة الأعراف، الآية: 112.
[2]سورة يونس، الآية: 79.
[3]سورة القدر، الآية: 5.
التاء، وهما ظاهرتان وفي التشديد معنى التكثير وذكا بضم الذال والمد اسم الشمس، وقصره ضرورة؛ أي: هي ذكا حسن يعني: القراءة؛ أي: حرك مشبها شمس حسن ثم قال: وفي يقتلون خذ؛ أي: فيه بما قيد به في سنقتل يعني: {يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ}[1]، لم يخففه غير نافع وأما سنقتل فخففه نافع وابن كثير ثم قال: معًا يعرشون يعني: هنا وفي النحل ضم الراء وكسرها لغتان، وقوله: كذي صلا؛ أي: كصاحب صلا، والصلاء بالمد ذكا النار بالقصر واستعارها، وذلك يستعار؛ للتعبير به عن الذكاء الممدود وهو الفطنة؛ أي: ضم الكسر فيه مشبها ذلك والله أعلم.
696-
وَفي يَعْكُفُونَ الضَّمُّ يُكْسَرُ "شَـ"ـافِيًا ... وَأَنْجى بِحَذْفِ اليَاءِ وَالنُّونِ "كُـ"ـفِّلا
ضم الكاف وكسرها لغتان، وقرأ ابن عامر: "إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ"[2]، والباقون "أَنْجَيْنَاكُمْ" وكلاهما ظاهر.
697-
وَدَكَّاءَ لا تَنْوِينَ وَامْدُدْهُ هَامِزًا ... "شَـ"ـفَا وَعَنِ الْكُوفِيِّ فِي الكَهْفِ وُصِّلا
الدكاء بالمد: الرابية الناشرة من الأرض كالدكة؛ أي: جعله كذلك يعني: الجبل ههنا والسد في الكهف أو جعله أرضا مستوية، ومنه ناقة دكاء للمستوية السنام، ودكا بالقصر والتنوين في قراءة الجماعة مصدر بمعنى مدكوكا أو مندكا؛ أي: مندقا، والمعنى دكه دكا: مثل قعد جلوسًا، ومرفوع وصلا ضمير عائد على دكا الممدود غير النون؛ أي: وصل إلينا نقله عن الكوفيين في حرف الكهف والله أعلم.
698-
وَجَمْعُ رسَالاتِي "حَـ"ـمَتْهُ "ذُ"كُورُهُ ... وَفي الرُّشْدِ حَرِّكْ وَافْتَحِ الضَّمَّ "شُـ"ـلْشُلا
يريد قوله تعالى: {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي}[3].
وقد سبق الكلام في إفراد رسالة وجمعها في سورة المائدة والأنعام، وذكوره بمعنى سيوفه يشير بذلك إلى حجج القراءة وعدالة من نقلها، والرُّشْد والرَّشَد لغتان كالبُخْل والبَخَل وقيل الرشد بالضم الصلاح وبالفتح الدين، ولهذا أجمع على ضم: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا} ، وعلى فتح: {فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا} ؛ أي: حرك الشين بالفتح وافتح ضم الراء في حال خفته.
[1]سورة الأعراف، الآية: 141.
[2]سورة الأعراف، الآية: 141.
[3]سورة الأعراف، الآية: 144.