ابن مجاهد رحمه الله تعالى في أول كتاب السبعة له، ثم قال. والقراءة التي عليها الناس: بالمدينة. ومكة، والكوفة والبصرة، والشام هي القراءة التي تلقوها من أوليهم تلقيا، وقام بها في كل مصر من هذه الأمصار رجل ممن أخذ عن التابعين، اجتمعت الخاصة والعامة على قراءته، وسلكوا فيها طريقه. وتمسكوا بمذاهبه على ما روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه، وزيد بن ثابت. ثم عن محمد بن المنكدر، وعروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وعامر الشعبي -رضي الله عنهم، يعني أنهم قالوا: إن القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول، فاقرءوا كما علمتموه.
قال زيد بن ثابت: القراءة سنة. قال إسماعيل القاضي رحمه الله: أحسبه، يعني هذه القراءة التي جمعت في المصحف الكريم.
وذكر عن محمد بن سيرين قال: أنبئت أن القرآن كان يعرض على النبي -صلى الله عليه وسلم- كل عام مرة في شهر رمضان، فلما كان العام الذي توفي فيه عرض عليه مرتين. قال ابن سيرين: فيرون أو يرجون أن تكون قراءاتنا هذه أحدث القراءات عهدا بالعرضة الأخيرة.
وعنه عن عبيدة السلماني قال: القراءة التي عرضت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في العام الذي قبض فيه هي التي يقرؤها الناس اليوم.
قلت: وهذه السنة التي أشاروا إليها هي ما ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-نصا، أنه قرأه أو أذن فيه على ما صح عنه أن القرآن أنزل على سبعة أحرف. فلأجل ذلك كثر الاختلاف في القراءة في زمانه بعده إلى أن كتبت المصاحف باتفاق من الصحابة -رضي الله عنهم- بالمدينة. ونفذت إلى الأمصار. وأمروا باتباعها وترك ما عداها، فأخذ الناس بها وتركوا من تلك القراءات كل ما خالفا وبقوا ما يوافقها نصا أو احتمالا، وذلك لأن المصاحف كتبت على اللفظ الذي أنزل، وهو الذي استقر عليه في العرضة الأخيرة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-كما عرضها هو على جبريل عليهما الصلاة والسلام، وكل ذلك ثابت في الأحاديث الصحيحة مفرقا في أبوابه، قد وقف على ذلك من له بها عناية.
فمن ذلك ما في الصحيحين من رواية عائشة عن فاطمة عن أبيها صلى الله عليه وسلم: "أنه أسر إليها في مرض موته أن جبريل عليه السلام كان يعارضني بالقرآني في كل سنة مرة، وإنه عارضني به العام مرتين".
وفي صحيح البخاري من حديث أبي صالح عن أبي هريرة قال: "كان يعرض على النبي -صلى الله عليه وسلم- القرآن كل عام مرة فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه".
وذكر المحققون من أهل العلم بالقراءة ضابطا حسنا في تمييز ما يعتمد عليه من القراءات وما يطرح، فقالوا: كل قراءة ساعدها خط المصحف مع صحة النقل فيها، ومجيئها على الفصيح من لغة العرب فهي قراءة صحيحة معتبرة. فإن اختل أحد هذه الأركان الثلاثة أطلق على تلك القراءة أنها شاذة وضعيفة. أشار إلى ذلك كلام الأئمة المتقدمين، ونص عليه أبو محمد مكي -رحمه الله تعالى- في تصنيف له مرارا، وهو الحق الذي لا محيد عنه على تفصيل فيه، قد ذكرناه في موضع غير هذا.
وقد كثرت تصانيف الأئمة في القراءات المعتبرة والشاذة، ووقع اختيار أكثرهم على الاقتصار على ذكر قراء
سبعة من أئمة الأمصار، وهم الذين أجمع عليهم وإن كان الاختلاف أيضا واقعا فيما نسب إليهم. وأول من فعل ذلك الإمام أبو بكر بن مجاهد قبيل سنة ثلاثمائة أو في نحوها، وتابعه بعد ذلك من أتى بعده وإلى الآن، وكان من كبار أئمة هذا الشأن. وبعضهم صنف في قراءة أكثر من هذا العدد، وبعضهم في أنقص منه.
واختار ابن مجاهد فمن بعده هذا العدد موافقة لقوله عليه الصلاة والسلام:
"إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف".
فإن كان المراد بها غير ذلك على ما ذكرناه في كتاب مفرد لذلك، وتأسيا لمصحف الأئمة التي نفذها الصحابة إلى الأمصار؛ فإنها كانت سبعة على ما نطقت به الأخبار، ووقع اختيارهم من أئمة القراءة على كل مختار.
وتولى شرح كتاب ابن مجاهد في السبعة: أبو علي الفارسي النحوي في كتاب كبير يسمى "الحجة" وقد أوضح فيه المحجة. وكان قد شرع فيه قبله شيخه أبو بكر بن السراج، فسلك أبو علي بعده ذلك المنهاج وهما من كبار أئمة النحويين المحققين المتقنين. ثم شرح كتاب ابن مجاهد في القراءات الشواذ أبو الفتح بن جني صاحب الشيخ أبي علي في كتاب سماه بـ "المحتسب" وأتى فيه بكل عجب.
فصل في ذكر القراء السبعة:
في ذكر القراء السبعة الذين اختار ابن مجاهد قراءتهم، واشتهر ذكرهم في الآفاق:
ومعظم المصنفين في القراءات يذكرونهم في أوائل كتبهم، مع طرف من أخبارهم، مختلفين في ترتيبهم.
ونحن نذكرهم بطريق الاختصار على الترتيب الذي ألفناه بهذه الديار:
الأول الإمام أبو عبد الرحمن نافع بن أبي نعيم المدني رحمه الله، وبه بدأ ابن مجاهد؛ قرأ على سبعين من التابعين. وقال فيه مالك بن أنس الإمام، وصاحبه عبد الله بن وهب: قراءة نافع سنة. وقال الليث بن سعد إمام أهل مصر: حججت سنة ثلاث عشرة ومائة، وإمام الناس في القراءة يومئذ نافع بن أبي نعيم. وقال: أدركت أهل المدينة وهم يقولون: قراءة نافع سنة. وقال ابن أبي أويس: قال لي مالك: قرأت على نافع.
الثاني: أبو معبد عبد الله بن كثير المكي رحمه الله: قرأ على مجاهد وغيره من التابعين، وقيل إنه قرأ عبد الله بن السائب المخزومي، وله صحبة. وقرأ عليه جماعة من أئمة أهل البصرة مع جلالتهم: كأبي عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر، والخليل بن أحمد، وحماد، وحماد بن أبي سلمة، وابن زيد، وحديثه مخرج في الصحيحين. ونقل الإمام أبو عبد الله الشافعي قراءته، وأثنى عليها، وقرأ على صاحبه إسماعيل بن قسطنيطين قارئ أهل مكة، وقال: قراءتنا قراءة عبد الله بن كثير، وعليها وجدت أهل مكة، من أراد التمام فليقرأ لابن كثير:
الثالث: أبو عمرو بن العلاء البصري، رحمه الله تعالى. أغزرهم علما وأثقبهم فهما. قرأ على جماعة جلة من التابعين، من أهل الحجاز والعراق، كمجاهد، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ويحيى بن يعمر، وأبي العالية. واشتهرت قراءته في البلاد، وأخبر مثل سفيان بن عيينة قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المنام فقلت: يا رسول الله قد اختلفت علي القراءات، فبقراءة من تأمرني أن أقرأ؟ قال: "اقرأ بقراءة أبي عمرو
ابن العلاء". وقال أحمد بن حنبل في إحدى الروايات عنه: قراءة أبي عمرو أحب القراءات إلي، هي قراءة قريش، وقراءة الفصحاء.
الرابع: أبو عمران: عبد الله بن عامر الدمشقي رحمه الله تعالى، هو أسن القراء السبعة وأعلاهم إسنادا: قرأ على جماعة من الصحابة: حتى قيل إنه قرأ على عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأنه ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. وممن قرأ هو عليه من الصحابة: معاوية، وفضالة بن عبيد، وواثلة بن الأسقع، وأبو الدرداء -رضي الله عنهم. فلما مات أبو الدرداء خلفه ابن عامر وقام مقامه، واتخذه أهل الشام إماما، وحديثه مخرج في صحيح مسلم. ومن رواته الآخذين عن أصحاب أصحابه: هشام بن عمار أحد شيوخ أبي عبد الله البخاري رحمهم الله.
الخامس: أبو بكر عاصم بن أبي النجود الكوفي رحمه الله. قرأ على أبي عبد الرحمن السلمي، وزر بن حبيش، وكانا من أصحاب عثمان، وعلى، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت -رضي الله عنهم على تفصيل في ذلك.
وجلس عاصم للإقراء بعد وفاة أبي عبد الرحمن. وروى عنه الحديث والقرآن قبل سنة مائة. وكانت قراءته عندهم جليلة خطيرة مختارة. وقال صالح بن أحمد بن حنبل: سألت أبي: أي القراءات أحب إليك؟ قال: قراءة نافع. قلت: فإن لم توجد. قال: قراءة عاصم. وفي رواية أخرى قال: أهل الكوفة يختارون قراءته وأنا أختارها.
السادس: أبو عمارة حمزة بن حبيب الزيات رحمه الله، من رجال صحيح مسلم، وهو إمام أهل الكوفة بعد عاصم: قرأ عليه جماعة من أئمة أهل الكوفة وأثنوا عليه في زهده وورعه، منهم سفيان الثوري، وشريك بن عبد الله، وشعيب بن حرب، وعل بن صالح، وجرير بن عبد الحميد، ووكيع وغيرهم. ولم يوصف أحد من السبعة القراء بما وصف به حمزة من الزهد والتحرز عن أخذ الأجر على القرآن، حتى إن جرير بن عبد الحميد قال: مر بي حمزة الزيات في يوم شديد الحر، فعرضت عليه الماء؛ ليشرب فأبى؛ لأني كنت أقرأ عليه القرآن.
السابع: أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي إمام نحاة الكوفة عنه أخذ القراء وغيرهم، وانتهت إليه الرياسة في القراءة بعد حمزة، وبلغ عند هارون الرشيد منزلة عظيمة: وكان الناس يأخذون عنه ألفاظه بقراءته عليهم، وينقطون مصاحفهم بقراءته. وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: من أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي. وقال إسماعيل بن جعفر المدني، وهو من كبار أصحاب نافع: ما رأيت أقرأ لكتاب الله من الكسائي. ورؤي رحمه الله في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، وفي رواية: رحمني ربي بالقرآن، وفي رواية: إلى ماذا صرت؟ قال: إلى الجنة، قيل له: ما فعل حمزة الزيات، وسفيان الثوري؟ قال: فوقنا، ما نراهم إلا كالكوكب الدري. وفي أخرى قال: غفر لي وأكرمني، وجمع بيني وبين النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: ألست عليَّ بن حمزة الكسائي؟ فقلت: نعم[1]، فقال: اقرأ، فقرأت:
{وَالصَّافَّاتِ صَفًّا} حتى بلغت {شِهَابٌ ثَاقِبٌ}[2].
فقال لي: لأباهين بك الأمم يوم القيامة. فهؤلاء هم السبعة القراء الذي أطبق عليهم أهل الأداء.
[1]فقلت: نعم: الصواب أن يقال بلى.
[2]سورة الصافات، آية: 1، آية: 10 الصافات أيضا.
وقد كثرت التصانيف بعد ابن مجاهد في ذكر قراءتهم، وهي من بين مصنف وجيز، وكتاب مطول، يجمع طرفهم وأخبارهم ورواياتهم، وآل الأمر إلى أن صنف كتاب التيسير لأبي عمرو الداني -رحمه الله- فاعتمد عليه، وصرفت العناية إليه؛ لما فيه من التنقيح والاختيار والتحرير والاختصار.
ثم إن الله تعالى سهل هذا العلم على طالبيه بما نظمه الشيخ الإمام العالم الزاهد أبو القاسم الشاطبي رحمه الله من قصيدته المشهورة المنعوتة بحرز الأماني، التي نبغت في آخر الدهر أعجوبة لأهل العصر، فنبذ الناس سواها من مصنفات القراءات، وأقبلوا عليها لما حوت من ضبط المشكلات وتقييد المهملات، مع صغر الحجم وكثرة العلم، وإنما شهرها بين الناس شرحها؛ وبين معانيها وأوضحها، ونبه على قدر ناظمها، وعرف بحال عالمها، شيخنا الإمام العلامة علم الدين، بقية مشايخ المسلمين، أبو الحسن على بن محمد هذا الذي ختم به الله العلم مع علو المنزلة في الثقة والفهم، جزاه الله عنا أفضل الجزاء، وجمع بيننا وبينه في دار النعيم والبقاء. فلما تبين أمرها وظهر سرها تعاطى جماعة شرحها، ولم ينصفوا من أباحهم سرحها، ورقاهم صرحها، وهي أول مصنف وجيز حفظته بعد الكتاب العزيز، وذلك قبل بلوغ الحلم وجريان القلم، ولم أزل من ذلك الزمان إلى الآن طالبا إتقان باب، ومن معانيها ما لم يكن في حساب. وكنت سمعت شيخنا أبا الحسن علي بن محمد المذكور، يحكي عن ناظمها شيخه الشاطبي رحمها الله مرارا أنه قال كلاما ما معناه: لو كان في أصحابي خير أو بركة لاستنبطوا من هذه القصيدة معاني لم تخطر لي.
ثم إني رأيت الشيخ الشاطبي -رحمه الله- في المنام وقلت له: يا سيدي حكى لنا عنك الشيخ أبو الحسن السخاوي أنك قلت كيت وكيت، فقال: "صدق". وحكى لنا بعض أصحابنا أنه سمع بعض الشيوخ المعاصرين للشاطبي يقول: لمته في نظمه لها لقصور الأفهام عن دركها فقال لي: "يا سيدي هذه يقيض الله لها فتى يبينها" أو كما قال، قال: فلما رأيت السخاوي قد شرحها علمت أنه ذلك الفتى الذي أشار إليه.
قلت: ثم إن الله تعالى فتح على من مراجعته وبركات محاضرته معاني لم يودعها كتابه ولم يعرفها أصحابه، فأردت تدوينها مع استقصاء شرح للأبيات معنى ولفظا، وذكر ما يتعلق بها مما رأيت لها منه قسما وحظا، فابتدأت ذلك في كتاب كبير بلغت فيه "باب الهمزتين من كلمة" في نحو مجلدة بخطي محكمة، ثم إني فكرت في قصور الهمم، وتغيير الشيم وطولبت بتتميمه فاستقصرت العمر عن تلك الهمة مع ما أنا بصدده من تصانيف مهمة، فشرعت في اختصار ذلك الطويل واقتصرت مما فيه على القليل، فلا تهملوا أمره لكونه صغيرًا حجما، فإنه كما قيل: كنيف ملئ علما، وسميته:
مقدمة القصيدة
مدخل
...
مقدمة القصيدة:
"إبراز المعاني من حرز الأماني":
وقد أخبرني بهذه القصيدة عن ناظمها جماعة من أصحابه، وقرأتها على شيخنا أبي الحسن المذكور مرارا، وأخبرني أنه قرأها على ناظمها غير مرة، ومات -رحمه الله- سنة تسعين وخمسمائة في جمادى الآخرة، ومولده في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة فيكون عمره أقل من اثنتين وخمسين سنة.
قال -تغمده الله برحمته وجمع بيننا وبينه في جنته:
1-
بَدَأْتُ بِبِسْمِ اْللهُ فيِ النَّظْمِ أوَّلاَ ... تَبَارَكَ رَحْمَاناً رَحِيماً وَمَوْئِلاَ
أي: قدمت لفظ: بسم الله الرحمن الرحيم في أول نظمي هذا يقال بدأت بكذا إذا قدمته فالباء الأولى لتعدية الفعل والثانية هي التي في أول البسملة: أي بدأت بهذا اللفظ. والنظم الجمع ثم غلب على جمع الكلمات التي انتظمت شعرا فهو بمعنى منظوم أو مصدر بحاله؛ واللام في النظم للعهد المعلوم من جهة القرينة وهي قائمة مقام الإضافة كقوله تعالى:
{فِي أَدْنَى الْأَرْضِ}[1].
أي أدنى أرض العرب أي في نظمي نزله منزلة المعروف المشهور تفاؤلا له بذلك أو أراد في هذا النظم نزله منزلة الموجود الحاضر فأشار إليه كقوله تعالى:
{هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ}[2].
أو يكون المصدر في موضع الحال أي منظوما وأولا نعت مصدر محذوف أي في أن نظمت نظما أول أي أنه مبتكر لم يسبق إليه وهو نظم قصيدة على روي واحد في مذاهب القراء السبعة موجزة بسبب ما اشتملت عليه من الرموز وقد تشبه به قوم في زماننا، فمنهم من سلك مسلكه مختصرا لها ومنهم من غير الرموز بغيرها ومنهم من نظم في مذاهب القراء العشرة، زاد رواية أبي جعفر المدني ويعقوب الحضرمي وخلف البزار فيما اختار والفضل للمتقدم الذي هو أتقى وأعلم فالألف في قوله أولا على هذا الوجه للإطلاق؛ لأنه غير منصرف، ويجوز أن تكون الألف بدلا من التنوين على أن يكون أولا ظرف زمان عامله بدأت أو النظم أي بدأت في أول نظمي "بسم الله" أو بدأت بسم الله في نظمي الواقع أولا فهو كقول الشاعر:
فساغ لي الشراب وكنت قبلا3
والبركة كثرة الخير وزيادته واتساعه وشيء مبارك أي زائد نامٍ وما لا يتحقق فيه ذلك يقدر في لازمه وما يتعلق به كقوله تعالى:
{وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ}[4]، {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ}[5].
أي كثير خير ذلك وما يتعلق به من الأجر وتبارك تفاعل منه كتعاظم من العظمة وتعالى من العلو، وقيل إنه فعل لم يتصرف أصلا لا يقال يتبارك وغيره، ثم كمل لفظ البسملة بقوله رحمانا رحيما وزاد قوله وموئلا وهذا المعنى زاد دخول الواو فيها حسنا والموئل. المرجع والملجأ وهو وإن لم يكن لفظه ثابت الإطلاق على الله تعالى من حيث النقل فمعناه ثابت نحو:
{إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ}[6]، {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}[7].
[1]سورة الروم، آية: 3.
[2]سورة القصص، آية: 15.
3 البيت ليزيد بن الصعق لا كما نسب إلى عبد الله بن يعرب، وأتى الشارح بصدره مستشهدا به وتمامه:
أكاد أغص بالماء الفرات
والصواب: الحميم.
[4]الأنبياء، آية: 50.
[5]سورة الدخان آية: 3.
[6]سورة يونس، آية: 4.
[7]سورة فاطر، آية: 18.
وانتصاب الثلاثة على التمييز أو الحال: أي تبارك من رحمن رحيم أو في حال كونه كذلك أو يكنَّ منصوبات على المدح وتم الكلام على تبارك، وهذا نحو قولهم: الحمد لله الحميد ويتعلق بهذا البيت أبحاث كثيرة ذكرناها في الكبير واستوفينا ما يتعلق بشرح البسملة في كتاب مفرد وغيره والله أعلم:
2-
وَثَنَّيْتُ صَلَّى اللهُ رَبِّي عَلَى الِرَّضَا ... مُحَمَّدٍ الْمُهْدى إلَى النَّاسِ مُرْسَلاَ
أي ثنيت بصلى الله أي بهذا اللفظ كما قال بدأت ببسم الله أو على إضمار القول أي بقولي صلى الله أو ثنيت بالصلاة فقلت صلى الله فموضع صلى الله نصب على إسقاط الخافض في الوجه الأول وعلى أنه مفعول مطلق أو مفعول به إن قلنا إنه على إضمار القول وصلى الله لفظه خبر معناه دعاء والرضى بمعنى ذي الرضى أي الراضي من قوله تعالى:
{وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}[1].
أو المرضي أي الذي ارتضاه الله تعالى أو الذي يرضيه يوم القيامة أي يعطيه ما يرضيه من الشفاعة وغيرها فيرضى، وقرئ قوله تعالى في آخر طه:
"لعلك تَُرضى"[2].
بفتح التاء وضمها جمعا بين المعنيين وقوله محمد بدل أو عطف بيان والمهدَى اسم مفعول من أهديت الشيء فهو مهدَى؛ لأن الله تعالى أهداه إلى خلقه تحفة لهم فأنقذ به من أسعده من النار وأدخله الجنة مع الأبرار، وعن الأعمش عن أبي صالح قال: كان النبي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يناديهم:
"يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة".
أخرجه أبو محمد الدارمي في مسنده هكذا منقطعا، وروي موصولا بذكر أبي هريرة فيه وفي معناه قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}[3].
ومرسلا حال من الضمير في المهدَى، ويجوز أن يكون تمييزا كما سبق في تبارك رحمانا أي المهدى إرساله والله أعلم:
3-
وَعِتْرَتِهِ ثُمَ الصَّحَابَةِ ثُمّ مَنْ ... تَلاَهُمْ عَلَى اْلأِحْسَانِ بِالخَيْرِ وُبَّلاَ
سئل مالك بن أنس -رحمه الله- عن عترة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: هم أهله الأدنن وعشيرته الأقربون، وقال الجوهري: عترة الإنسان نسله ورهطه الأدنون.
قلت: وهو معنى قول الليث: عترة الرجل أولياؤه يعني الذين ينصرونه ويهتمون لأمره ويعنون بشأنه
[1]سورة الضحى، آية: 4.
[2]سورة طه، آية: 130.
[3]سورة الأنبياء، آية: 107.
وليس مراد الناظم بالعترة جمع من يقع عليه هذا الاسم من عشيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وإنما مراده المؤمنون منهم وهم الذين جاء فيهم الحديث: "وإني تارك فيكم ثقلين: كتاب الله وعترتي" وفي رواية موضع عترتي: "وأهل بيتي".
وكأن ذلك تفسير للعترة وأهل بيته: هم آله من أزواجه وأقاربه، وقد صح: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سئل عن كيفية الصلاة عليه فقال: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد" وفي رواية: "على محمد وعلى أزواجه وذريته".
فكأنه فسر الآل بما في الحديث الآخر، فلهذا لما صلى على النبي صلى على عترته ثم على الصحابة وإن كان بعضهم داخلا في العترة؛ ليعم الجميع ثم على التابعين لهم بإحسان، ومعنى "تلاهم" تبعهم وقوله: "على الإحسان" أي على طلب الإحسان أو على طريقة الإحسان أو على ما فيهم من الإحسان أو يكون على بمعنى الباء كما يأتي في قوله: "وليس على قرآنه متأكلا" وفي تلا ضمير مفرد مرفوع مستتر عائد على لفظ من، و"وبلا" جمع وابل وهو المطر الغزير وأصله الصفة ولذلك جمع على فعل كشاهد وشهد وهو منصوب على الحال من أحد الضميرين في تلاهم: إما المرفوع العائد على التابعين وإما المنصوب العائد على الصحابة أي مشبهين الوبل في كثرة خيرهم أو يكون حالا منهما معا كقوله: لقيته راكبين فإن كان حالا من المرفوع المفرد فوجه جمعه حمله على معنى من وبالخير متعلق بوبلا من حيث معناه أي جائدين بالخير، ويجوز أن يتعلق بتلا أي تبعوهم بالخير على ما فيهم من الإحسان وإن جعلنا على بمعنى الباء كان قوله بالخير على هذا التقدير كالتأكيد له والتفسير والله أعلم:
4-
وَثَلَّثْتُ أنَّ اْلَحَمْدَ لِلهِ دائِماً ... وَمَا لَيْسَ مَبْدُوءًا بِهِ أجْذَمُ الْعَلاَ
وثلثت مثل ثنيت في أنه فعل يتعدى بحرف الجر فيجوز في أن بعدها الفتح والكسر فالفتح على تقدير بأن الحمد والكسر على معنى فقلت: إن الحمد لله ودائما بمعنى ثابتا وهو حال من الحمد أو من اسم الله أو نعت مصدر محذوف أي حمدا مستمرا وما مبتدأ وهي موصولة وليس مبدوءا به صلتها واسم ليس ضمير مستتر يعود على ما ومبدوءا خبرها والهاء في به عائدة على الحمد أو على اسم الله تعالى على تقدير بذكره أو باسمه وبه منصوب المحل بمبدوء أو مرفوع مبدوء ضمير عائد على ما أي وكل كلام ليس ذلك الكلام مبدوءا بالحمد "أجذم العلا" أي مقطوع الأعلى أي ناقص الفضل فأجذم خبر المبتدأ الذي هو ما والجزم أصله القطع والعلاء بفتح العين يلزمه المد وهو الرفعة والشرف وأتي به في قافية البيت على لفظ المقصور وليس هو من باب قصر الممدود الذي لا يجوز إلا في ضرورة الشعر بل يمكن حمله على وجه آخر سائغ في كل كلام نثرا كان أو نظما وذلك أنه لما وقف أسكن الهمزة ثم إنه قلبها ألفا فاجتمع ألفان فحذف أحدهما كما يأتي في باب وقف حمزة وهشام على نحو السماء والدعاء وهكذا نقول في كل ما ورد في هذه القصيدة من هذا الباب في قوافيها كقوله: "فتى العلا" "أحاط به الولا" "فتنجو من البلا" "وإن افتحوا الجلا" "بعد على الولا" "عن جلا" ... أما ما يأتي في حشو الأبيات كقوله: وحق لوى باعد ومالي سما لوى ويا خمس أجرى ... فلا وجه لذلك إلا أنه من باب قصر الممدود ثم يجوز في موضع العلا أن يكون مرفوعا ومنصوبا ومجرورا؛ لأن أجذم العلا من باب حسن الوجه فهو كما في بيت النابغة:
أجب الظهر ليس له سنام1
يروى الظهر بالحركات الثلاث وأشار بما في عجز هذا البيت إلى حديث خرجه أبو داود في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم".
قال الخطابي: معناه المنقطع الأبتر الذي لا نظام له، قلت: وروي هذا الحديث مرسلا وروي: "أقطع" موضع: "أجذم" وروي: "لم يبدأ فيه بذكر الله ... ".
فتكون البسملة على هذا إذا اقتصر عليها مخرجة من عهدة العمل بهذا الحديث ولو أن الناظم -رحمه الله- قال: وثنيت أن الحمد وثلثت: صلى الله لكان أولى تقديما لذكر الله تعالى على ذكر رسوله الله -صلى الله عليه وسلم، ووجه ما ذكر أنه أراد أن يختم خطبته بالحمدلة فإن ذكر الله تعالى قد سبق بالبسملة فهو كقوله سبحانه في آخر سورة والصافات:
1 وقبله قوله:
وتمسك بعده بذئاب عيس
بعض ما جاء في ذكر القرآن العزيز وفصل قراءته
...
بعض ما جاء في ذكر القرآن العزيز وفضل قراءته:
{وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[1]والله أعلم.
5-
وَبَعْدُ فَحَبْلُ اللهِ فِينَا كِتَابُهُ ... فَجَاهِدْ بِهِ حِبْلَ الْعِدَا مُتَحَبِّلاَ
أي وبعد هذه الخطبة أذكر بعض ما جاء في فضائل القرآن العزيز وفضل قرائه "وحبل الله: مبتدأ، وفينا: متعلق به من حيث المعنى على ما نفسر به الحبل أو يكون صلة لموصول محذوف أي الذي فينا وكتابه خبر فحبل، ويجوز أن يكون فينا هو الخبر وكتابه خبر مبتدأ محذوف أي هو كتابه والفاء في فحبل رابطة للكلام بما قبله ومانعة من توهم إضافة بعد إلى حبل والعرب تستعير لفظ الحبل في العهد والوصلة والمودة وانقطاعه في نقيض ذلك، فلذلك استعير للقرآن العزيز لأنه؛ وصلة بين الله تعالى وبين خلقه من تمسك به وصل إلى دار كرامته، وجاء عن ابن مسعود -رضي الله عنه- وغيره في تفسير قوله عز وجل:
{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا}[2].
أنه القرآن، وفي كتاب الترمذي من حديث الحارث الأعور عن علي -رضي الله عنه- في حديث طويل في وصف القرآن قال: "هو حبل الله المتين".
وفي كتاب أبي بكر بن أبي شيبة في ثواب القرآن عن أبي سعيد الخدري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض".
[1]وقبله قوله:
وتمسك بعده بذئاب عيس
[2]سورة الصافات، آخر آية.
3 سورة آل عمران، آية: 103.