خلت الديار فسدت غير مدافع ... ومن الشقاء تفردي بالسؤدد
قلت: ونظير السكوت على "لما" دون فعلها سكوت النابغة على قد دون فعلها في قوله:
أزف الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قدِ
أي: وكأن قد زالت قال الشيخ أبو عمرو، أما قراءة أبي بكر فلها وجهان أحدهما الوجوه المذكورة في قراءة ابن عامر وغيره فتكون أن مخففة من الثقيلة في قراءتهم والوجه الثاني: أن تكون أن نافية ويكون كلا منصوبا بفعل مضمر تقديره، وإن أرى كلا أو إن أعلم ونحوه ولما بمعنى "إلا" نحو: "إن كل نفس لما عليها حافظ" ومن ههنا كانت أقل إشكالا من قراءة ابن عامر؛ لقبولها هذا الوجه الذي هو غير مستبعد ذلك الاستبعاد وإن كان في نصب الاسم الواقع بعد حرف المنفي استبعاد ولذلك اختلف في مثل قوله: إلا رجلا جزاه الله خيرًا هل هو منصوب بفعل مقدر ونون ضرورة فاختار الخليل إضمار الفعل واختار يونس التنوين للضرورة قلت: فهذا ما يتعلق بتوجيه القرارات في تشديدان ولما في تخفيفها في هذه السورة وهو من المواضع المشكلة غاية الإشكال وقد اتضحت والحمد لله وإن كان قد طال الكلام فيها فلا بد في المواضع المشكلة من التطويل زيادة في البيان ولو كان الشرح الكبير بلغ هذا الموضع لم يحتج إلى هذا التطويل في هذا المختصر والله الموفق.
والذي في يس: {إِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ}[1].
وفي الطارق: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}[2].
إن في الموضعين للنفي؛ لأن كل مرفوع بعدها فلم يحتج أن تجعلها المخففة من الثقيلة على قراءة من شدد لما ولما بمعنى إلا وم خففها فهي لام الابتدا وما زائدة وإن هي المخففة من الثقيلة ولم تعمل والله أعلم.
768-
وَفي زُخْرُفٍ "فِـ"ـي "نَـ"ـصِّ "لُـ"ـسْنٍ بِخُلْفِهِ ... وَيَرْجِعُ فِيه الضَّمُّ وَالفَتْحُ "إِ"ذّ "عَـ"ـلا
يريد: {وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الكلام فيه كالكلام في الذي في يس والطارق، ولسن جمع لسن بكسر السين وهو الفصيح؛ لأن اللسن بفتح السين: الفصاحة، يقال: لسن الكسر فهو لسن ولسن وقوم لسن، لم يوافق ابن ذكوان على تشديد التي في الزخرف وعن هشام فيها خلاف وتقدير البيت: والتشديد في حرف الزخرف مستقر في نص قوم فصحاء نقلوه، أما: {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ} فالخلاف فيه ظاهر سبق له نظائر وهو إسناد الفعل إلى المفعول أو الفاعل.
[1]آية: 30.
[2]آية: 4.
769-
وَخَاطَبَ عَمَّا يَعْمَلُونَ بِها وآ ... خِرَ النَّمْلِ "عِـ"ـلْمًا "عَمَّ" وَارْتَادَ مَنْزِلا
عما تعملون فاعل خاطب جعله مخاطبا لما كان الخطاب فيه، وعلما مفعول خاطب؛ أي: خاطب ذوي علم وفهم وهم بنو آدم، وقال الشيخ: هو مصدر أي: اعلم ذلك علما وآخر النمل يروي بجر الراء ونصبها فالجر عطفا على الضمير في بها مثل قراءة: {بِهِ وَالْأَرْحَامَ} ، والنصب عطفا على موضع الجار والمجرور كأنه قال: هنا وآخر النمل وكلا الموضعين في آخر السورة: {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}[1]، فالخطاب هنا للنبي -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين والغيبة رد على قوله: {وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ}[2].
والخطاب في آخر النمل رد على قوله: {سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} ، والغيبة إخبار عنهم وارتاد معناه: طلب والضمير في عم وارتاد للعلم؛ أي: علما عم العقلاء من بني آدم المخاطبين واختار موضعا لنزوله وحلوله فيهم والله أعلم، ثم ذكر ياءات الإضافة فقال:
770-
وَيَاءاتها عَنِّي وَإِنِّي ثَمَانِيا ... وَضَيْفِي وَلكِنِّي وَنُصْحِيَ فَاقْبَلا
أراد: "عَنِّيَ إِنه لفرح" فتحها نافع وأبو عمرو.
و"إني" في ثمانية مواضع: "إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ"، "إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ" في قصتي نوح وشعيب: "إِنِّيَ أَعِظُكَ"، "إِنِّيَ أَعُوذُ بِكَ"؛
"إنيَ أعوذ بك" فتح الخمس الحرميان وأبو عمرو.
"إِنِّيَ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ"[3]، فتحها نافع وأبو عمرو والبزي.
"إِنِّيَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ"[4]، فتحها نافع وأبو عمرو.
"إِنِّيَ أُشْهِدُ اللَّهَ"[5]، فتحها نافع، وقد ضبطت هذه الثمانية في بيت فقلت:
أراكم أعوذ أشهد الوعظ معْ إذا ... أخاف ثلاثا بعد أنّ تكملا
[1]سورة النمل: 93.
[2]سورة هود، آية: 122.
[3]سورة هود، آية: 84.
[4]سورة هود، آية: 31.
[5]سورة هود، آية: 54
أي: هذه الألفاظ بعد "إني" ونبهت بالوعظ على أعظكم.
و"ضَيْفِيَ أَلَيْسَ"، فتحها نافع وأبو عمرو.
"وَلَكِنِّيَ أَرَاكُمْ"، فتحها البزي ونافع وأبو عمرو.
"ولا ينفعكم نصحيَ إن أردت"، فتحها نافع وأبو عمرو، فهذه اثنتا عشرة ياء، وقوله: ثمانيًا نصب على الحال من إني؛ أي: خذها ثمانيا أو فاقبلها ثمانيا، وثمانيا مصروف، قال الجوهري: لأنه ليس بجمع فيجري مجرى جوارٍ وسوارٍ في ترك الصرف، وما جاء في الشعر غير مصروف فهو على توهم أنه جمع، وأراد: "فاقبلن"، فأبدل من نون التأكيد ألفا وياءاتها مبتدأ، ويجوز نصبه بكسر التاء مفعولا لقوله: فاقبلا، وعنى وما بعده بدل منه وما أحلى ما اتفق له من اتصال هاتين اللفظتين ونصحيَ فاقبلا والله أعلم.
771-
شِقَاقِي وَتَوْفِيقِي وَرَهْطِيَ عُدَّها ... وَمَعْ فَطَرَنْ أَجْرِي مَعًا تُحْصِ مُكْمِلا
أراد: "شِقَاقِيَ أَنْ يُصِيبَكُمْ"، فتحها الحرميان وأبو عمرو.
"وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلَّا بِاللَّهِ"، فتحها نافع وأبو عمرو وابن عامر.
"أَرَهْطِيَ أَعَزُّ"، فتحها الحرميان وأبو عمرو وابن ذكوان.
"فَطَرَنِيَ أَفَلا تَعْقِلُونَ"، فتحها نافع والبزي.
"إِنْ أَجْرِي إِلَّا"، موضعان في قصتي نوح وهود، فلهذا قال: أجري معا سكنهما ابن كثير وحمزة والكسائي وأبو بكر، ونصب معا كنصب ثمانيا فهذه ثماني عشرة ياء إضافة وقوله: تُحْصِ مجزوم؛ لأنه جواب قوله: عدها ومكملا حال من فاعل تحص، وفيها ثلاث زوائد:
"فلا تسئلني"، أثبتها في الوصل أبو عمرو وورش.
"وَلا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي"، أثبتها في الوصل أبو عمرو وحده.
"يَوْمَ يَأْتِي لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ"، أثبتها في الوصل نافع وأبو عمرو والكسائي، وأثبتها ابن كثير في الحالين. وقلت في ذلك:
وزيدت فلا تسئلن ما يوم يأت لا ... تكلم لا تخزون في ضيفي العلا
سور يوسف
...
سورة يوسف:
772-
وَيَا أَبَتِ افْتَحْ حَيْثُ جَا لاِبْنِ عَامِر ... وَوُحِّدَ لِلْمَكِّي آيَاتٌ الوِلا
الخلاف في: "يا أبت" مثل ما سبق في يا ابن أم ويا بني بالفتح والكسر والتاء في يا أبت: تاء تأنيث عوضت عن ياء الإضافة في قراءة من كسرها؛ لأنه حركها بحركة ما قبل ياء الإضافة؛ لتدل على ذلك، وهي في قراءة من فتح عوض من الألف المبدلة من ياء الإضافة في قولك: "يا أبا"، وفتحت تحريكا لها بحركة ما قبل الألف، وقيل: يجوز أن يكون الفتح على حد قولهم في الترخيم: "يا أميمة" بالفتح وقراءة ابن كثير: "آية للسائلين" بالإفراد؛ أي: آية عجيبة كما جاء في آخر السورة: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ} ، والباقون بالجمع كما جاء في مواضع: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً} ، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ} ، ووجه القراءتين ظاهر، وكم من آية في ضمنها آيات، واختار أبو عبيد قراءة الجمع وقال: لأنها عبر كثيرة قد كانت فيهم، والولا: القرب وهو صفة لقوله: {آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ} ؛ أي: ذات الولا؛ أي: القريبة من قوله: يا أبت ولا خلاف في إفراد التي في آخر السورة: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} .
773-
غَيَابَاتِ فِي الحَرْفَيْنِ بِالجَمْعِ نَافِعٌ ... وَتَأْمَنُنا لِلْكُلِّ يُخْفَي مُفَصَّلا
يريد بالحرفين موضعين: وهما: {وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ} ، {وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ} ، والغيابة ما يغيب فيه شيء، وغيابة البئر في جانبه فوق الماء فوجه الإفراد ظاهر، ووجه الجمع: أن يجعل كل موضع مما يغيب غيابة ثم يجمع، أو كان في الجب غيابات؛ أي: ألقوه في بعض غيابات الجب أو أريد بالجب الجنس؛ أي: ألقوه في بعض غيابات الأجبية.
وأما: {مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا} فأصله "لا تأمننا" بنونين على وزن: تعلمنا، وقد قرئ كذلك على الأصل وهي قراءة شاذة؛ لأنها على خلاف خط المصحف؛ لأنه رسم بنون واحدة فاختلفت عبارة المصنفين عن قراءة القراء المشهورين له.
وحاصل ما ذكروه ثلاثة أوجه: إدغام إحدى النونين في الأخرى إدغاما محضا بغير إشمام، إدغام محض مع الإشمام، إخفاء لا إدغام؛ وهذه الوجوه الثلاثة هي المحكية عن أبي عمرو في باب الإدغام الكبير، فالإخفاء هو المعبر عنه بالروم، ولم يذكر الشاطبي في نظمه هنا غير وجهين: الإخفاء في هذا البيت والإدغام مع الإشمام في البيت الآتي، ومال صاحب التيسير إلى الإخفاء، وأكثرهم على نفيه، قال في التيسير: مالك لا تأمننا بإدغام النون الأولى في الثانية وإشمامها الضم، قال: وحقيقة الإشمام في ذلك أن يشار بالحركة إلى النون لا بالعضو إليها، فيكون ذلك إخفاء لا إدغاما صحيحا؛ لأن الحركة لا تسكن رأسا بل يضعف الصوت بها، فيفصل بين المدغم والمدغم فيه لذلك، وهذا قول عامة أئمتنا وهو الصواب؛ لتأكيد دلالته وصحته في القياس، فهذا معنى قول الناظم: "للكل يخفى مفصلا"؛ أي: نفصل إحدى النونين عن الآخر بخلاف حقيقة الإدغام، وقال أبو بكر ابن مهران في كتاب الإدغام: "مالك لا تأمننا" بالإشارة إلى الضمة وتركها قال: ولم يحك عن أحد منهم إلا الإدغام المحض من أشار منهم ومن ترك، ولو أراد من أشار الإخفاء دون الإدغام لفرقوا وبينوا، وقالوا: أدغم فلان وأخفى فلان فلما قالوا: أدغم فلان وأشار وأدغم فلان ولم يشر درينا أنهم أرادوا الإدغام دون الإخفاء، وأنه لا فرق عندهم بين الإشارة وتركها والله أعلم، وقال صاحب الروضة: لا خلاف بين جماعتهم في التشديد والله أعلم.
774-
وَأَدْغَمَ مَعْ إِشْمَامِهِ البَعْضُ عَنْهُمُ ... وَنَرْتَعْ وَنَلْعَبْ يَاءُ "حِصْنٍ" تَطَوَّلا
أي: فعل ذلك بعض المشايخ عن جميع القراء، وهذا الوجه ليس في التيسير وقد ذكره غير واحد من القراء والنحاة حتى قال بعضهم: أجمعوا على إدغام لا تأمننا، قال ابن مجاهد: كلهم قرأ "لا تأمَنّا" بفتح الميم وإدغام النون الأولى في الثانية والإشارة إلى إعراب النون المدغمة بالضم اتفاقًا، قال أبو علي: وجهه أن الحرف المدغم بمنزلة الحرف الموقوف عليه من حيث جمعهما السكون، فمن حيث أشموا الحرف الموقوف عليه إذا كان مرفوعا في الإدراج أشموا النون المدغمة في "تأمنا" قال: وليس هذا بصوت خارج إلى ذلك اللفظ، إنما هو تهيئة العضو لإخراج ذلك الصوت به؛ ليعلم بالتهيئة أنه يريد ذلك المهيأ له قال: وقد يجوز في ذلك وجه آخر في العربية، وهو أن يتبين ولا يدغم، ولكنك تخفي الحركة؛ وإخفاؤها هو أن لا تشبعها بالتمطيط ولكنك تختلسها اختلاسا. قلت: وهذا هو الوجه المذكور في البيت الأول، وقال أبو الحسن الحوفي: جمهور القراء على الإشمام للإعلام بأن النون من "تأمن" كانت مرفوعة، وصفة ذلك أنك تشير إلى الضمة من غير صوت مع لفظك بالنون المدغمة، وهو شيء يحتاج إلى رياضة، قال مكي: "لا تأمنا" بإشمام النون الساكنة الضم بعد الإدغام وقبل استكمال التشديد هذه ترجمة القراء. قلت: ووجه الإشمام الفرق بين إدغام المتحرك وإدغام الساكن، قال الفراء: تشير إلى الرفعة وإن تركت فلا بأس كل قد قرئ به والياء في: {يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} .
ليوسف والنون لجميع الإخوة، ثم ذكر خلاف القراء في العين فقال:
775-
وَيَرْتَعْ سُكُونُ الكَسْرِ فِي العَيْنِ "ذُ"و "حِـ"ـمًا ... وَبُشْرَايَ حَذْفُ الْيَاءِ "ثَـ"ـبْتٌ وَمُيِّلا
من أسكن العين فللجزم، وقراءته من رتع يرتع؛ أي: يتسع في الخصب، ومن كسرها فهو من ارتعى يرتعي يفتعل من الرعي، فحذف الياء للجزم وأثبتها قنبل في وجه على ما تقدم في باب الزوائد فقرأه الكوفيون بالياء وسكون العين وقراءة نافع بالياء وكسر العين، وقراءة ابن عامر وأبي عمرو بالنون وسكون العين، وقراءة ابن كثير بالنون وكسر العين وبإشباع كسرتها في وجه، ففي "يرتع" خمس قراءات، وفي "يلعب" قراءتان الياء لحصن والنون للباقين وأما: "بشراي"، فمن حذف ياءه كأن قد نادى البشرى من غير إضافة أي: أقبلي فهذا وقتك، والباقون على إضافة البشرى إليه وكلاهما ظاهر وقوله: "ثبت"؛ أي: قراءة ثبت يقال: رجل ثبت؛ أي: ثابت القلب، ثم ذكر في البيت الآتي أن حمزة والكسائي أمالا الألف على أصلهما؛ لأنها ألف تأنيث لا سيما وقبلها راء فقال:
776-
"شِـ"ـفَاءً وَقَلِّلْ "جِـ"ـهْبِذَا وَكِلاهُمَا ... عَنِ ابْنِ العَلا وَالفَتْحُ عَنْهُ تَفَضَّلا
"شفاء" حال من الممال؛ أي: ذا شفاء، وقَلِّل؛ أي: أَمِلْ بين بين. وجهبذا:؛ أي: مشبها جهبذا وهو الناقد الحاذق في نقده وجمعه جهابذة كأنه أشار بذلك إلى التأنق في التلفظ بين بين فإنها صعبة على كثير ممن يتعاطى علم القراءة؛ أي: أمالها ورش بين اللفظين على أصله في إمالة ذوات الراء ثم قال: وكلاهما بمعنى الإمالة والتقليل رويا عن أبي عمرو، وروي عنه الفتح وهو الأشهر وعليه أكثر أهل الأداء وليس في التيسير غيره، واختاره أبو الطيب بن غلبون بين اللفظين. قال مكي: وقد ذكر عن أبي عمرو مثل ورش والفتح أشهر، وحكى أبو علي الأهوازي الإمالة عن أبي عمرو من طريق اليزيدي. قال مكي: أما الإمالة المحضة فهي قيس من الوجهين الأخيرين؛ لأنه أمال البشرى إمالة محضة وأمال "الرؤيا" بين اللفظين، فكما أمال "رؤياي" بين اللفظين كذلك يقتضي أن يميل "بشراي" على قياس أصله والفتح فيه وبين اللفظين خروج عن الأصل الذي طرده في إمالته. قلت: وعلل الداني الفتح بأن ألف التأنيث هنا رسمت ألفا ففتح؛ ليدل على ذلك، ويلزم على هذا القياس أن لا يميل رؤياي بين اللفظين كذلك والله أعلم.
777-
وَهَيْتَ بِكَسْرٍ "أَ"صْلُ "كُـ"ـفْؤٍ وَهَمْزُهُ ... "لِـ"ـسَانٌ وَضَمُّ التَّا "لِـ"ـوَى خُلْفُهُ "دُ"لا
أي: أصل عالم كفؤ وهمزه لسان؛ أي: لغة وقصر لفظ التاء ولوى ضرورة ولوى خلفه مبتدأ ودلا خبره وقد سبق معناه يقال هيت: كأين وهيت: كحيث وهيت: مثل غيظ قريء بهذه الثلاث اللغات وزاد هشام الهمز وهو من أهل كسر الهاء وضم التاء وفتحها وهو اسم فعل بمعنى هلم وأسرع ويقال أيضا هيت كجير ولم يقرأ بهذه اللغة وقيل: المهموز فعل من هاء يهييء كجاء يجيء إذا تهيأ فعلى الفتح وهو المشهور عن هشام يكون خطابا ليوسف على معنى حسنت هيئتك أو على معنى تهيأ أمرك الذي كنت أطلبه؛ لأنها ما كانت تقدر في كل وقت على الخلوة به، وتحتمل قراءة نافع
وابن ذكوان أن أصلها الهمز فخففت، وقال أبو علي: يشبه أن يكون "هيت" مهموزا بفتح التاء، وهما من الراوي؛ لأن الخطاب يكون من المرأة ليوسف، وهو لم يتهيأ لها، ولو كان لقالت له: هئت لي، وجوابه أن يقال: وقع قولها لك بيانا لا متعلقا بهيت، والمعنى لك أقول والخطاب لك، ومثله: {وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ}[1]، {بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} 2 والله أعلم.
778-
وَفِي كَافَ فَتْحُ الَّلامِ فِي مُخْلِصًا "ثَـ"ـوَى ... وَفِي المُخْلِصِينَ الكُلّ "حِصْنٌ" تَجَمَّلا
يريد: {إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا} ، في سورة مريم[1]وسماها "كاف"؛ لأنها استفتحت بهذه الحروف فصارت كصاد ونون وقاف، وفي قوله: وفي المخلصين الكل؛ أي: حيث جاء معرفا باللام فقوله: مخلصين له الدين لا خلاف في كسر لامه، ومعنى الكسر أنهم أخلصوا لله تعالى دينهم، ومعنى الفتح أخلصهم الله؛ أي: اجتباهم وأخلصهم من السوء والله أعلم.
779-
معًا وَصْلُ حَاشَا "حَـ"ـجَّ دَأْبًا لِحَفْصِهِمْ ... فَحَرِّكْ وَخَاطِبْ يَعْصِرُنَ "شَـ"ـمَرْدَلا
يريد أن لفظ: حاشا جاء في موضعين في هذه السورة: {قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا} ،: {قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ} .
أثبت أبو عمرو الألف بعد الشين في الموضعين إذا وصل الكلمة بما بعدها، فإن وقف عليها حذف الألف كسائر القراء وقفا ووصلا اتباعا للرسم، ولا يكاد يفهم هذا المجموع من هذا اللفظ اليسير، وهو قوله: معا وصل حاشا حج؛ فإنه إن أراد بوصل حاشا إثبات ألفها في الوصل دون الوقف على معنى وصل هذا اللفظ فيكون من باب قوله: وباللفظ أستغني عن القيد إن جلا، فكأنه قال: وصل حاشا بالمد لم يعلم؛ أي: المدين يريد: ففي هذه اللفظة ألفان: أحدهما بعد الحاء والأخرى بعد الشين وكل واحدة منهما قد قرئ بحذفها قرأ الأعمش: "حشا لله"، وأنشد ابن الأنباري على هذه القراءة:
حشا رهط النبي فإن منهم ... بحورا لا تكدرها الدلاء
وإن كان أراد بقوله: "وصل حاشا" وصل فتحة الشين بألف كما توصل الضمة بواو والكسرة بياء لم يكن مبينا لحذفها في الوقف، وتقدير البيت: وصل كلمتي حاشا معا حج؛ أي: غلب، وحاشا: حرف جر يفيد معنى البراءة، وبهذا المعنى استعمل في الاستثناء ثم وضع موضع البراءة فاستعمل كاستعمال المصادر فقيل: حاشا لله كما يقال براءة لله فلما تنزل منزلة الأسماء تصرفوا فيه بحذف الألف الأولى تارة وبحذف الثانية أخرى وتارة بتنوينه قرأ أبو السمال "حاشا لله" هذا معنى ما ذكره الزمخشري ومال أبو علي إلى أنه فعل فقال: هو على فاعل مأخوذ من الحشا الذي؛ يعني به الناحية، والمعنى أنه صار في حشا؛ أي: في ناحية مما قرن به؛ أي: لم يقترنه ولم يلابسه، وصار في عزل عنه وناحية وفاعله يوسف.
[1]سورة الصافات، آية: 102.